باكستان: عمران يبدأ مشاورات لتشكيل الحكومة... وشهباز يقرّ بالهزيمة

«حركة الإنصاف» استبعدت التحالف مع «الرابطة الإسلامية» و«حزب الشعب»

أنصار عمران خان يحتفلون بنتائج الانتخابات في كراتشي ليل أول من أمس (أ.ف.ب)
أنصار عمران خان يحتفلون بنتائج الانتخابات في كراتشي ليل أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

باكستان: عمران يبدأ مشاورات لتشكيل الحكومة... وشهباز يقرّ بالهزيمة

أنصار عمران خان يحتفلون بنتائج الانتخابات في كراتشي ليل أول من أمس (أ.ف.ب)
أنصار عمران خان يحتفلون بنتائج الانتخابات في كراتشي ليل أول من أمس (أ.ف.ب)

أعلنت لجنة الانتخابات العامة في باكستان النتائج شبه النهائية لغالبية المقاعد النيابية والإقليمية في الانتخابات التي جرت الأربعاء، رغم عدم انتهاء عملية فرز الأصوات التي تأخرت بسبب عطل فني في برنامج بث الفرز لدى اللجنة.
وأظهرت النتائج شبه النهائية تقدم حزب عمران خان بـ 115 عشر مقعدا من أصل 270 مقعدا تمّ الاقتراع عليها، فيما حصل حزب الرابطة الإسلامية بزعامة شهباز شريف على 62 مقعدا، وحزب الشعب على 43 مقعدا فقط، وتراجع تمثيل الجماعات الدينية المنضوية تحت تحالف مجلس العمل المتحدة لـ 12 مقعدا فقط، فيما منيت حركة المهاجرين القومية في كراتشي وإقليم السند بأسوأ نتيجة منذ أكثر من ثلاثين عاما حيث لم تحصل إلا على تسعة مقاعد، بينما كان نصيبها في السابق يصل إلى خمسة وعشرين مقعدا.
وأظهرت الانتخابات الأخيرة هزيمة عدد من القيادات التاريخية التي فشلت في الحصول على مقعد في الجمعية الوطنية، حيث فشل شهباز شريف رئيس حزب الرابطة في الحصول على مقعد في الجمعية الوطنية، كما فشل عدد من قادة حزبه، إضافة للشيخ فضل الرحمن زعيم تحالف «مجلس العمل المتحد»، واسفنديار ولي خان زعيم الحزب القومي البشتوني، وتشودري نثار علي خان الوزير المنشق عن حزب الرابطة، وكذلك رئيس الوزراء السابق شاهد خاقان عباسي، حيث فاز بالمقاعد المرشحين عنها مرشحون منافسون من حزب حركة الإنصاف بزعامة عمران خان.
ورغم ادّعاء شهباز شريف، رئيس حزب الرابطة الإسلامية وقادة حزبه، بوجود تلاعب في نتائج الانتخابات، إلا أن شهباز قال إن حزبه سيدخل البرلمان بالنتيجة المعلنة ويجلس في صفوف المعارضة. لكن الشيخ فضل الرحمن قال إن حزبه لن يقبل بالنتيجة مطلقا، مهددا بتسيير مظاهرات من أتباعه في كافة الأقاليم إلى إسلام آباد لإعلان رفضهم للنتائج. وشارك زعيم حركة «لبيك يا رسول الله» الصوفية المقربة من الجيش خادم حسين رضوي الرأي مع الشيخ فضل الرحمن، حيث لم تفز حركته إلا بمقعد واحد من كراتشي، ولم تحصل على أي مقعد من إقليم البنجاب الذي تعتبره مركزا أساسيا لها.
وقد ظهر خلاف في الرأي بين شهباز شريف الذي قال إن حزبه سيجلس في المعارضة في الجمعية الوطنية وبرلمان إقليم البنجاب، وابنه حمزة شهباز شريف الذي قال إن حزبه حصل على أكبر عدد من المقاعد في برلمان البنجاب (129) من أصل 290 مقعدا، ومن حقه أن يشكل الحكومة القادمة. وأشار حمزة في مؤتمر صحافي له إلى أن الرابطة الإسلامية احترمت كون حزب حركة الإنصاف فاز بأكبر عدد من المقاعد في إقليم خيبر في انتخابات عام 2013. ولم تتدخل لمنعه من تشكيل حكومة محلية. وفاز حزب حركة الإنصاف بمائة وثمانية عشر مقعدا في برلمان إقليم البنجاب.
وجاءت أقوال حمزة شهباز بعد صدور تصريحات من قادة في حركة الإنصاف بأنهم عازمون على تشكيل حكومة محلية في إقليم البنجاب، أكثر الأقاليم سكانا وأهمها من الناحية المالية والاقتصادية، متجاوزين حق حزب الرابطة الإسلامية بتكليفه تشكيل الحكومة القادمة.
وأشارت مصادر أمنية في لاهور وإسلام آباد إلى إمكانية اعتقال كل من شهباز شريف، رئيس حزب الرابطة والرئيس السابق لحكومة البنجاب، ووزير العدل السابق فيها رانا ثناء الله بتهمة التورط في قتل متظاهرين مناوئين لحكومة حزب الرابطة عام 2014. من أتباع طاهر القادري الذي قام أنصاره وأتباع عمران خان بالاعتصام في شوارع لاهور وإسلام آباد في ذلك العام لإسقاط حكومة نواز شريف، رغم إعلان عمران خان رئيس الوزراء المقبل أنه لن يلجأ إلى محاولات الثأر والاعتقال للمعارضة وأنصار حزب الرابطة وقياداته رغم ما قاموا به من أعمال ضد حزبه في السابق.
وقال عمران خان إنه سيبدأ العمل لتشكيل الحكومة من حزبه والأحزاب المماثلة دون اللجوء إلى تحالف مع أي من الرابطة الإسلامية أو حزب الشعب المنافسين الرئيسيين له في الحلبة السياسية، حيث واصل عمران خان اتهام الحزبين بالفساد والمسؤولية عما آلت إليه أوضاع باكستان من تدهور شديد، خاصة من الناحيتين الأمنية والاقتصادية.
ومن المتوقع انضمام النواب المستقلين، ويبلغ عددهم اثني عشر نائبا إلى حزب حركة الإنصاف بعد الجلسة الأولى للبرلمان الجديد، وينص القانون الباكستاني على وجوب انضمام النواب المستقلين لأي حزب يريدونه بعد أداء اليمين الدستورية، كما سيحصل حزب عمران خان على حصة الأسد من المقاعد المخصصة للنساء وتبلغ ستين مقعدا، حيث تقسم على الأحزاب كل بنسبة ما حصل عليه من المقاعد في الاقتراع المباشر، إضافة إلى إمكانية انضمام ممثلي الأقليات الهندوسية والسيخ والمسيحيين إلى الحزب الحاكم ويبلغ عددهم عشرة نواب.
وفي حال انضمام المستقلين وممثلي الأقليات، وحصول حزب عمران خان على نسبته من مقاعد النساء فستصبح لديه أغلبية تقليدية في الجمعية الوطنية تمكّنه من تشكيل حكومة مستقرة. لكن عمران خان وقادة حزبه تحدثوا عن إمكانية ضم عدد من الأحزاب الصغيرة، مثل التحالف الديمقراطي في السند الذي حصل على ستة مقاعد، وحركة المهاجرين التي حصلت على تسعة مقاعد.
وركز عمران خان وحزبه في أحاديثهم على أن السنوات الخمس القادمة ستكون لشد الأحزمة على البطون لمواجهة الاقتصاد المتعثر ومحاولة عدم زيادة ديون باكستان الخارجية، التي بلغت أكثر من تسعين مليار دولار، عدا عن الديون الداخلية من البنوك الوطنية التي تزيد على ستين مليار دولار تقريبا. ولم يستبعد أسد عمر، المرشح من حزب عمران خان لتولي وزارة المالية، اللجوء مجددا إلى صندوق النقد الدولي للحصول على قرض بقيمة أحد عشر مليار دولار، لكن مصادر الصندوق استبعدت إمكانية إعطاء قرض بهذا المبلغ، خاصة أن واشنطن قطعت المساعدات عن إسلام آباد العام الماضي، وليس من المتوقع أن تسهّل عملية إقراض كبيرة لباكستان بهذا الحجم من صندوق النقد الدولي.
من جانبها، رحّبت الحكومة الأفغانية بتوجه عمران خان ودعمه لعملية السلام في أفغانستان وفتح الحدود ما بين البلدين، كما رحّب مسؤولون في الحكومة الهندية بوعد عمران خان بحل الخلافات مع الهند، وقوله إنه في حال خطت الحكومة الهندية خطوة فسنخطو خطوتين تجاه تحسين علاقات الدولتين، رغم عدم تغيّر الموقف الهندي الرسمي حتى الآن من قضية كشمير، المشكلة الأساسية بين البلدين.
وفي وقت لاحق، رفضت حركة المهاجرين القومية في كراتشي طلبا من قيادة حزب الإنصاف بعدم المشاركة في مؤتمر كافة الأحزاب المعترضة على نتائج الانتخابات. وقال زعيم الحركة، فاروق ستار، إن حزبه يرفض أي إملاءات من الخارج. وتوجّه ستار من كراتشي إلى إسلام آباد للمشاركة في المؤتمر الذي يرأس جلساته كل من الشيخ فضل الرحمن، رئيس تحالف الأحزاب الدينية ـ مجلس العمل المتحد، وشهباز شريف رئيس حزب الرابطة الإسلامية. فيما أعلن برويز ختك، رئيس حكومة إقليم خيبر بختون خوا- بيشاور، أن حزبه فوضه لرئاسة الحكومة الجديدة مرة ثانية في الإقليم.
ووزعت لجنة الانتخابات العامة المقاعد الخاصة بالنساء حيث حصل حزب عمران خان على خمسة وعشرين مقعدا من أصل ستين مقعدا، وعرف من بين النساء اللاتي حصلن على مقعد في البرلمان على قائمة حزب الإنصاف الدكتورة عائشة، شقيقة قائد فيلق بيشاور سابقا في الجيش الباكستاني الجنرال هدايت الرحمن، وهو ما يزيد من اتهامات المعارضة بدعم الجيش لحزب عمران خان. فيما رفض حزب عوامي البشتوني القومي النتائج المعلنة من لجنة الانتخابات، متهما العاملين في مراكز الاقتراع من اللجنة بأنهم كانوا يطلبون من الناخبين التصويت لحزب عمران خان، ومن لا يستجيب لا يسمحون له بالتصويت.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...