إثيوبيا وإريتريا... صراع الحدود يتحول إلى سلام وجود

«أعداء الأمس حلفاء اليوم» في منطقة القرن الأفريقي

إثيوبيا وإريتريا... صراع الحدود يتحول إلى سلام وجود
TT

إثيوبيا وإريتريا... صراع الحدود يتحول إلى سلام وجود

إثيوبيا وإريتريا... صراع الحدود يتحول إلى سلام وجود

«أعداء الأمس يبحثون اليوم تعويض ما فات»... هكذا ظهرت قصة التقارب الذي عدّه البعض مفاجئاً بين إثيوبيا وإريتريا، ليغير بشكل كبير واقع منطقة القرن الأفريقي، وعلى نحو غير مسبوق. وفي غضون أقل من أربعة أشهر فقط منذ توليه السلطة في شهر أبريل (نيسان) الماضي، أعاد أبيي أحمد، الذي يعد أول شخصية من قومية الأورومو تترأس الحكومة في إثيوبيا، رسم خريطة جزء مهم من منطقة شرق أفريقيا وتحالفاتها المعقدة.
وبعد سلسلة من الإجراءات الجريئة، نجح أبيي في إعادة ترتيب البيت الإثيوبي من الداخل، بالتزامن مع إعادة التوازن في علاقات بلاده الخارجية. وكان الملف الصعب، في تلك المعادلة، يتمثل في العلاقات المتوترة مع إريتريا، الدولة الجارة والعدو التاريخي التقليدي، لكن الزعيم الإثيوبي الجديد نجح في إنهاء التوتر على نحو أثار انتباه العالم إلى ما يجري في منطقة القرن الأفريقي.
قبل شهور قليلة مضت كان من الصعب تخيل تفاصيل ما حدث أخيراً بين لإثيوبيا وإريتريا. وكما قال دبلوماسي عربي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا «ما جرى يُعدّ أمراً مذهلاً بكل تأكيد، ولم يكن ليخطر ببال أفضل صناع الأفلام في السينما، ناهيك عن تسارع الأحداث وتزامنها».
وفي مناسبة مرور مائة يوم على تولى أبيي أحمد رئاسة الحكومة، وقف الناطق باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، ليدافع خلال مؤتمره الصحافي الأسبوعي عن نظرية أن كل ما جرى تم بشكل لا شأن لطرف ثالث فيه، مفنداً نظريات الوسطاء الإقليميين، ومؤكداً أن اتفاقية السلام عقد من دون وساطة ثالثة أو الحاجة لوجود وسيط إقليمي أو دولي.
ولم يفت الوزير، مع ذلك أن يعلن أنه لم يكن في الحسبان أن توقع اتفاقية السلام مع إريتريا قبل 100 يوم، فمن وجهة نظره أن الاتفاقيات مع سلطات أسمرة ستغير ما وصفه بـ«جيو دبلوماسية القرن الأفريقي»، ولفت الناطق باسم الخارجية إلى أن «الشعبين رابحان من هذه الاتفاقية التاريخية، وأن الموارد التي كانت تستخدم في الحرب ستستخدم في التنمية في المستقبل».
مع ذلك، يتوجه أبيي أحمد إلى الولايات المتحدة، في أول زيارة له منذ صعوده إلى سدة الحكم، حيث سيكون لديه برنامج حافل يتضمن لقاء المغتربين الإثيوبيين هناك؛ بهدف حثهم على المشاركة في برنامجه الإصلاحي في الداخل. وفي اجتماع سيعقد تحت شعار «كسر الجدار وبناء الجسر»، سيجتمع أبيي مع مواطنيه في العاصمة الأميركية واشنطن اليوم السبت (28 يوليو/تموز)، قبل أن يتحوّل في اليوم التالي للقاء الذين يعيشون في لوس أنجليس، بحسب ما قالته وكالة الأنباء الإثيوبية الرسمية.
وفي احتفاله بمرور مائة يوم على تولي أبيي السلطة في الثاني من شهر أبريل الماضي كان بعهدة الزعيم الإثيوبي الجديد جملة من القرارات الاقتصادية والسياسية المهمة، وزيارات خارجية لدول الجوار ومصر. وبعدما كادت الاحتجاجات تعرقل مسيرة الدولة التي تستضيف مقر الاتحاد الأفريقي وتمتلك حضوراً سياسياً بارزاً، وبخاصة في منطقة القرن الأفريقي، تمكن أبيي البالغ من العمر 42 سنة، من السيطرة على زمام الأمور... وانطلق في مسيرة طموحة.
بداية السلام
كانت البداية من مقر البرلمان الإثيوبي، حيث أعلن أبيي أحمد أنه يمد يده بالسلام إلى «الجارة» إريتريا، لإنهاء القطيعة والعداء بعد حرب طاحنة بين «الجارتين»، مفاجئاً الجميع بأن إثيوبيا تقبل للمرة الأولى بشكل رسمي تنفيذ «اتفاقية الجزائر» عام 2000 لإنهاء النزاع الحدودي مع إريتريا. أبيي زار بعد ذلك إقليم الصومال الذي خاض نزاعاً حدودياً مع إقليم الأورومو، الذي ينتمي إليه. ولاحقاً، زار الأقاليم الإثيوبية التسعة خلال المائة يوم الأولى من حكمه، للتعرف على الأوضاع عن قرب، ومنها مدينة أمبو، حاضرة إقليم الأورومو، ومعقل المعارضة ومنطلق الاحتجاجات التي شهدتها البلاد على مدى السنوات الثلاث التي سبقت توليه مهام منصبه.
وكانت أول زيارة خارجية له إلى جيبوتي، توجه بعدها إلى السودان، حيث أعلن الرئيس السوداني عمر البشير العفو عن جميع سجناء الحق العام من الإثيوبيين في بلاده. وفي المملكة العربية السعودية حط أبيي أحمد رحاله في أول زيارة رسمية له خارج أفريقيا، قبل أن يزور دولة الإمارات العربية المتحدة لاحقاً.
في الشأن الداخلي سمحت السلطات للمعارضة السياسة بالعودة إلى البلاد، وأفرجت عن المعتقلين السياسيين. كما صوّت البرلمان بالأغلبية لصالح إنهاء حالة الطوارئ المفروضة منذ 16 فبراير (شباط) الماضي، ورفع أسماء ائتلاف المعارضة الإثيوبية المسلحة «قنوب سبات» و«جبهة تحرير أورومو الديمقراطية» و«جبهة تحرير أوغادين» و«الجبهة الوطنية الإثيوبية» من قائمة المجموعات الإرهابية، التي سبق إدراجها على قائمة المجموعات الإرهابية في يونيو (حزيران) 2011. وبدورها تخلت المعارضة الإثيوبية في إريتريا عن المقاومة المسلحة معلنة تعليق أنشطتها العسكرية، بينما عادت قيادات «جبهة تحرير أورومو المتحدة» المعارضة إلى إثيوبيا بعد عقدين في المنفى.
الحرب والسلم مع إريتريا
وبما يخص إريتريا، عقب أول زيارة قام بها أبيي إلى إريتريا في الثامن من يوليو الجاري، صدر إعلان مشترك بانتهاء الحرب بينهما وبدء مرحلة السلام، ووقّع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري أسياس أفورقي «إعلان سلام وصداقة» مشتركاً.
للعلم، في مايو (أيار) عام 1991، نجحت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا» بقيادة أفورقي، في دخول العاصمة الإريترية أسمرة، بعد 30 سنة من الكفاح المسلّح. وبعدها بأيام قليلة فقط، دخل تحالف فصائل الثوار بقيادة رئيس الوزراء الإثيوبي الراحل ملس زيناوي العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، لينهي حكم منغيستو هايلي ماريام. وبفضل التحالف الذي كان قائماً، برعاية دولية، بين قيادتي الثوار في إريتريا وإثيوبيا، جرى الاتفاق على إجراء استفتاء لاستقلال إريتريا بعد 3 سنوات من وصول الجبهتين للسلطة، وفيه اختار الناخبون الإريتريون الاستقلال في استفتاء جرى تنظيمه في أبريل 1993.
وفى الثالث من شهر مايو من العام نفسه، اعترفت إثيوبيا بسيادة إريتريا واستقلالها. وتم تشكيل حكومة إريترية انتقالية لتسيير شؤون البلاد، وانتخب أفورقي رئيساً للدولة. إلا أن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفن الحلفاء القدامى؛ إذ سرعان ما اندلع خلاف بين «رفقاء السلاح» أفورقي وزيناوي، دفع أفورقي إلى طلب ترسيم الحدود، وأصدر العملة الوطنية «الناكفا» لتحل محل العملة الإثيوبية «البر»، لتتصاعد الخلافات التجارية بين البلدين.
لذا؛ كان طبيعياً أن تتطور الأمور إلى صراع مسلح في 6 مايو عام 1998، على امتداد الحدود بين البلدين البالغ طولها ألف كيلومتر، فيما عرف باسم حرب «بادمي»، إشارة إلى المثلث الحدودي الذي يضم ثلاث مناطق. وفي مواجهة عسكرية دامية جرت في مايو 2000، سقط نحو 100 ألف قتيل من الجانبين وآلاف الجرحى والمعاقين والأسرى والنازحين، وأنفقت خلالها أكثر من 6 مليارات دولار، قبل أن يُبرم يوم 18 يونيو اتفاق مبدئي في الجزائر، تلاه في ديسمبر (كانون الأول) عام 2000، توقيع اتفاقية سلام بين الجانبين لإنهاء الحرب.
الدبلوماسي الإثيوبي تيولد جبر مسكيل، يعتقد أن اتفاق السلام بين إثيوبيا وإريتريا سيكون له أثر كبير في تعزيز السلام والأمن والاندماج الاقتصادي في المنطقة المضطربة، معتبرا أنها مرحلة افتتاحية ستحقق فيها المنطقة السلام في السنوات القادمة. إلى جانب هذا تتهيأ إثيوبيا، التي لا تملك أي سواحل بحرية وفقدت إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر قبل نحو 30 سنة، لبناء قوة بحرية في إطار إصلاحات عسكرية. ويُذكر أن إثيوبيا كانت قد سرحت قواتها البحرية في 1991 بعد انفصال إريتريا. وبعد قطع وصولها إلى المرافئ الاريترية، نقلت إثيوبيا تجارتها البحرية إلى جيبوتي المجاورة، واستثمرت بشكل كبير في السكك الحديد والبنى التحتية الأخرى، لتصبح أحد أسرع الاقتصادات نمواً في أفريقيا.
لكن، خلال اجتماع عقده أخيراً مع كبار القادة العسكريين الإثيوبيين قال أبيي أحمد «علينا أن نبني قدرات قواتنا البحرية في المستقبل»، لافتاً إلى أن بلاده تمتلك واحدة من أقوى القوات البرية والجوية في أفريقيا. كذلك، في مواجهة مديونية كبيرة ونقص في العملات الأجنبية، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد خلال الشهر الماضي خصخصة مؤسسات رئيسية تملكها الحكومة، مثل الخطوط الجوية الإثيوبية و«إثيو» للاتصالات.
ويعتقد غيتاشيو تكلي مريم، المستشار السابق لدى الحكومة الإثيوبية، أن الإصلاحات الاقتصادية وتحسن العلاقات، رغم أنهما غير مرتبطين بالضرورة، يمكن أن يبثا الحياة في الاقتصاد، وأضاف «إن التقارب سيحد من التعزيزات العسكرية التي استمرت سنوات». وتابع أن التجارة بين إثيوبيا وإريتريا كانت قطاعاً مضطرباً حتى قبل الحرب. ثم إن السلع الإثيوبية المهربة عبر المرافئ الإريترية، وتلاعب أسمرة بعملتها، تسببا في تأزم العلاقات وأجّجا النزاع الحدودي، وتابع: «ما أخشاه الآن، حتى بعد كل تلك السنين، أن لا تكون قدرتنا التنظيمية قوية بما يكفي لتجنب مثل تلك التجاوزات».
وحتى إن كانت إثيوبيا متلهفة الآن للوصول إلى مرفأي عصب ومصوّع الإريتريين، فإن غيتاشيو يخشى أن يكون الميناءان «في حالة متهالكة» بعد توقف التجارة عقب الحرب. لكن المحللين يحذّرون من أن إريتريا، التي أصبحت في عهد أفورقي إحدى أكثر الدول انغلاقاً أمام بيئة الاستثمارات، قد لا تشارك في المكاسب الاقتصادية نفسها في المرحلة الجديدة. ويرى سيث كابلان، البروفسور في جامعة جونز هوبكنز الأميركية - وهو متخصص بالاقتصاد الإريتري - أن «آفاق هذا الاتفاق، لإعادة إحياء الاقتصاد هائلة... لكن معرفة الخطوات التالية لأفورقي هي المجهول الكبير، ذلك أن إريتريا فعلت كل شيء تقريباً لإبعاد الاستثمارات الخارجية».
حين يتوقف إطلاق النار
الآن وبعد 18 سنة على صمت مدافع الحرب الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا، تبدو بلدة زالمبيسا الإثيوبية أشبه بجبهة هادئة يتناثر فيها الركام وتعبرها طريق لا تؤدي إلى أي مكان. لكن التغيير قد يكون وشيكاً بعد اتفاق قادة البلدين على إعادة العلاقات؛ ما يحيي الأمل في استئناف التجارة وعودة الازدهار إلى بلدات مثل زالمبيسا. وفي لقاء مع وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، أبدت مصففة الشعر تيرهاس غيريكيدان «لا شك أنه إذا فتحت الطريق فإن الأمور ستتغير». وكانت هذه البلدة التي اجتاحتها القوات الإريترية جهة الجنوب، آخر بلدة إثيوبية على الطريق الرئيسية بين عاصمتي الدولتين، ولقد قامت قوات إريتريا «بتسويتها بالأرض بشكل منهجي» بحسب ما كتب أسقف كاثوليكي محلي في رسالة عام 2003 إلى الأمين العام للأمم المتحدة. وطبقاً لما رواه تايما ليملم صاحب مقهى في البلدة فإنه «لم يبق شيء، كل ما وجدناه حجارة».
اليوم الطريق التي تربط زالمبيسا بإريتريا ما زالت مقطوعة بحواجز عسكرية، والبلدة التي كانت مركزاً تجارياً يضج بالحركة، ينمو الصبار في مبانيها التي دمرتها الحرب ويخيم عليها هدوء حذر. لكن أهالي المنطقة الحدودية يأملون الآن بأن تزدهر التجارة في منطقتهم وأن تتوقف المناوشات المتقطعة بين الجيشين.
والحقيقة، ثمة مشاهد إنسانية لا تخطئها عين في كل ما يحدث، أبرزها عبد السلام حجو، الذي روت قصته وكالة «رويترز» الذي التقى زوجته وابنتيه للمرة الأولى منذ اختفائهن، بعدما ظن أن زوجته راحت ضحية للنعرة الوطنية التي اجتاحت البلدين تحت وطأة الحرب وإراقة الدماء. وللتوضيح، فإنه طيلة 18 سنة، لم تكن هناك وسيلة للاتصال بين إثيوبيا وإريتريا بعدما قطعت كل خطوط النقل وخدمات الهاتف والبريد منذ بداية الصراع، لكن أزمة عبد السلام فرجت أخيراً بعدما كان بين أكثر من 400 مسافر توجّهوا إلى أسمرة يوم الأربعاء الماضي في أول رحلة طيران مباشرة بين البلدين منذ 1998. وخارج مبنى صغير في حي جيزا بندا تيليان بأسمرة، استقبل عبد السلام بالزغاريد والتهليل، بينما تعانق الزوج والزوجة والابنتان للمرة الأولى منذ تلك المدة، وانفجر عبد السلام بالبكاء عندما عانقته ابنتاه. وقال: «كانت سنوات من الظلام. الانفصال والشوق كانا فوق الاحتمال. تخيل أن شخصاً فاز باليانصيب للتو. هذا هو شعوري الآن». وتجنب عبد السلام، الذي كان يحاول السيطرة على انفعالاته، أي أسئلة بشأن الماضي بما في ذلك السؤال عن سبب رحيل زوجته مع ابنتيهما رغم أن ابنهما بقي معه.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.