مهرجان فينيسيا يعلن عن المسابقة الأقوى بين منافسيه

دور‪ته الجديدة تضم تاريخاً حافلاً ووعوداً‬ رائعة
الجمعة - 15 ذو القعدة 1439 هـ - 27 يوليو 2018 مـ Issue Number [14486]
لوس أنجليس: محمد رُضـا

عندما يفتح مهرجان فينيسيا شاشاته في التاسع والعشرين من الشهر المقبل يكون قد استكمل ثلاثة أرباع قرن منذ أن أُقيم لأول مرة سنة 1932، طبعاً لو اعتبرنا ذلك التاريخ بداية المشوار لكان من حق المهرجان الإيطالي أن يرفع الرقم 81 على أساس عدد السنين منذ إطلاقه. لكن المهرجان توقف أكثر من مرّة وبالتالي كان لا بد من حسبان الدورات التي أقيمت فعلاً وليس السنوات التي مرت على إنشائه.
انطلق بقرار من بينيتو موسوليني لكن قبل هذا القرار السياسي النافذ، كان هناك قرار أسبق اتُّخذ قبله بإنشاء «بيانيللي فينيتزيا» الذي اتخذه مجلس مقاطعة فينيسيا سنة 1895 وهو الصرح الفني والثقافي الذي ما زال قائماً حتى اليوم مشرفاً على كل الاحتفالات والنشاطات الثقافية والفنية الرسمية للمقاطعة ومن بينها هذا المهرجان العتيد.
من عام 1934 حتى سنة 1942 لازم المهرجان سنوات ما قبل الحرب العالمية الثانية وخلالها متحوّلاً، تبعاً لانقسام أوروبا على نفسها، إلى محفل لعرض أفلام المحور السياسي الذي انتمت إليه إيطاليا وألمانيا وتركيا. بعد ذلك، وإثر انتهاء الحرب غاب المهرجان خمس سنوات ليعود مهرجاناً شاملاً سنة 1948، مانحاً جائزته الأولى بعد هذا الغياب لفيلم أميركي هو «الهارب The Fugitive» لجون فورد الذي لم يخلُ من السياسة (حكاية مقاطعة مكسيكية معادية للكنيسة الكاثوليكية تحاول إخراج آخر راهب منها).
بعد ذلك استمر ناشطاً حتى دخل مرحلة قلاقل مادية وسياسية في الثمانينات فتوقف مرتين أو ثلاثاً خلال الثمانينات لكنه عاد أقوى مما كان عليه في نهاية الثمانينات وازداد صلابة إلى اليوم.
- بلا شروط
ليس فقط أن المهرجان بات اليوم أحد أهم ثلاثة حول العالم، بل بمراقبة ما تمخضت عنه دورتا «كان» ومهرجان «برلين» في العام الماضي، استولى على القرار الأهم وتمتع بالأولوية حين النظر إلى قوّة وجودة اختياراته من الأفلام. والعام الحالي، كما تشي قائمة الأفلام المعلنة قبل يومين، يؤكد أن توليه مركز القمة بالمقارنة مع هذين المهرجانين (وبالتالي كل ما عداهما) مستمر وبل ربما بات أقوى مما كان عليه في العام الماضي.
الأمور ليست مجرد استحواذ أفلام قوية، ولديه منها الكثير هذه السنة، بل كذلك موقعه الزمني وحنكة إدارته (برئاسة مديره ألبرتو باربيرا الآتي من مهنة النقد السينمائي) كما لعوامل حديثة مثيرة للاهتمام.
الموقع الزمني متمثل في أنه ينطلق في مطلع موسم الجوائز حاملاً إلى الهواة والمحترفين بعض طعم المناسبات السنوية مثل الـ«أوسكار» والـ«غولدن غلوبس». ثلاثة أفلام في السنوات الأخيرة عُرضت في «فينيسيا» ثم توجهت إلى الفوز بالأوسكار في مطلع العام التالي وهي: «جاذبية» و«سبوتلايت» و«شكل الماء». أكثر منها الأفلام التي عرضها «فينيسيا» في السنوات الأخيرة وحظت بالترشيحات سواء في قسم أفضل فيلم أو في قسم أفضل فيلم أجنبي أو قسم أفضل فيلم تسجيلي طويل. لكن هناك مساعدة إضافية أهدتها إليه الظروف الناتجة عن عدم قدرة مهرجان «كان» على الترحيب بالإنتاجات غير الآيلة لعروض الصالات التجارية في فرنسا. فُتحت قبضة جمعيتَي الموزعين وأصحاب الصالات القوية، وأخفق المهرجان الفرنسي في جلب أفلام من شركة «نتفلكس» النشطة. وما أخفق فيه «كان» جاء مفيداً لمنافسه العتيد «فينيسيا»، إذ لا شروط لديه تحُول دون اشتراك لا أفلام «نتفلكس» وحدها بل أفلام مؤسسة «أمازون» أيضاً.
من الأولى حصل باربيرا على ستة أفلام جديدة من بينها «أنشودة بستر سكرادج» للأخوين إيتن وجووَل كووَن وفيلم بول غرينغراس «22 جولاي». من «أمازون ستديوز» عدد أقل بتصدّره فيلم «سوسبيريا» لمخرج «نادني باسمك» للوكا غوادينينو، الفيلم الذي سبح كذلك في بحر الترشيحات وبعض الجوائز في موسم الجوائز الفائت.
باربيرا، في مؤتمره الصحافي، أعلن أنه لا يمكن إغفال «التطوّرات المهمة في تضاريس الإنتاج السينمائي» وهو بذلك قصد القول: إنه لا يمكن تجاهل منتجات الأفلام التي تُنتج للعروض المنزلية مباشرة بعيداً عن صالات السينما كما حال إنتاجات «نتفلكس» التي رحّبت بخطوة «فينيسيا» ووظّفتها لصالح عروضها ونشاطاتها على الفور.
هذا يعكس أزمة «كان» الحالية والمقبلة؛ الأولى ما نتج عن رفض فيلمين لـ«نتفلكس» في دورته الأخيرة، والمقبلة هي كونه لا يستطيع أن يلغي قراره المُتَّخذ من دون أن يعكس إذعاناً للواقع الجديد عوض أن يكون رائداً فيه.
- عربي واحد
مع السينما الأميركية المنتشرة في سبعة أفلام متسابقة (إلى جانب 8 أفلام خارج المسابقة) تأتي كوكبة النجوم: داكوتا فانينغ وتيلدا سوينتون في «سوسبيريا»، وجيمس فرانكو ويليام نيسون في «أنشودة بستر سكرادج»، ورايان غوزلينغ في «الرجل الأول»، وجف غولدبلوم في «الجبل»، ونجد إيما ستون في «المفضلة The Favorite». وهذا كله وإن لم يكن غريباً عن مهرجان فينسيا إلا أنه بمثابة ثقة متجددة من هوليوود به. هذه الأفلام، باستثناء إنتاج واحد مشترك مع إيطاليا وفرنسا بعنوان «ماذا ستفعل عندما يشتعل العالم؟ What You Gonna Do When the World‪’‬s on Fire‪?‬» تؤكد صلابة صناعة السينما الأميركية واستنادها إلى مقوّماتها الإنتاجية الخاصة في مقابل اعتماد معظم الإنتاجات الأوروبية والآسيوية على مبدأ الإنتاجات المشتركة حيث يصب التمويل من عدة أطراف كل منها ينتمي إلى بلد مختلف.
يبلغ عدد الأفلام المشتركة في المسابقة 21 فيلماً من بين أكثرها إثارة للاهتمام، إلى جانب بعض ما تم ذكره آنفاً، فيلم البريطاني مايك لي الجديد «بيترلو» حول مذبحة نشأت عن قيام قوات الشرطة البريطانية سنة 1819 بالتصدي لمظاهرة سلمية في مدينة مانشستر سقط نتيجتها عدد كبير من القتلى والجرحى. هذا سيكون ابتعاد مايك لي عن مألوفه من الأعمال الاجتماعية ذات التكلفة المحدودة أو حتى تلك التاريخية التي اتسمت بشغله على الأفراد وليس على الأحداث (كما حاله في «مستر تيرنر»، 2014).
مثله في المضي عبر تاريخ القلاقل السياسية والاجتماعية يوفر بول غرينغراس نظرة إلى العملية الإرهابية التي قام بها نرويجي في الثاني والعشرين من يوليو (تموز) سنة 2011 في «22, July». بينما يمضي ألفونسو كوارون باحثاً في قضايا اجتماعية مختلفة ولو معاصرة في «روما» حول متاعب حياة عائلة مكسيكية في مطلع سبعينات القرن الماضي. والمخرج الأميركي داميان تشازيل يعود إلى فينسيا بفيلمه الجديد «أول رجل» وهو أول فيلم له بعد «لالا لاند». في الفيلم الجديد يؤدي رايان غوزلينغ الذي رقص وعزف في «لالا لاند»، شخصية رجل الفضاء نيل أرمسترونغ.
اليوناني يورغوس لانتيموس يوفر فيلماً آخر بالإنجليزية هو «المفضلة The Favorite» وهو في الوقت ذاته عودة لحكايات القرن الثامن عشر حول الملكة آن ووصيفتها أبيجيل والمرأة التي -حسب الفيلم- أمسكت فعلياً إدارة بريطانيا في وقت عصيب سارا تشرشل. جمع لانتيموس ثلاث ممثلات مشهود لهن بالإجادة هن إيما ستون وراتشل فايز وأوليفيا كولمن.
مجموع الأفلام المشاركة رسمياً داخل وخارج المسابقة يبلغ 64 فيلماً بينها فيلم عربي واحد هو «اليوم الذي فقدتُ فيه ظلي» لسداد كعدان (مقدَّم باسم سوريا ولبنان). في المقابل أربعة أفلام إسرائيلية من بينها فيلمان لأموس غيتاي هما «قطار إلى القدس» و«رسالة لصديق في غزة» (كلاهما خارج المسابقة)، وفيلم من يارون شاناي بعنوان «Stirpped»، وآخر من فلسطيني من الأرض المحتلة هو سامي زعبي وعنوانه «تل أبيب تحترق». كل واحد من هذه الأفلام (باستثناء «رسالة لصديق في غزة») هو إنتاج مشترك بين إسرائيل ودول أوروبية (فرنسا وألمانيا وبلجيكا في المقدمة).
هذا كله بعض الزخم الذي تزخر به برمجة المهرجان الإيطالي هذه السنة. وما ذُكر هنا من أفلام لا يشمل -لضيق المساحة- أعمالاً مهمة أخرى من النمسا وصربيا والأرجنتين والصين والنرويج وألمانيا والهند والبلد المضيف، إيطاليا، الذي يشترك في 12 عملاً إما كإنتاجات محضة إيطالية وإما كإنتاجات إيطالية - أوروبية أو أميركية مشتركة.

إقرأ أيضاً ...