قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

قراءة في فحوى محادثات ترمب ـ بوتين

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة
TT

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

قمة هلسنكي لم تتوسع في القضايا الساخنة

استحقت القمة التي جمعت الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترمب في العاصمة الفنلندية هلسنكي، أخيراً، وصف «الحدث الأبرز في الموسم السياسي» الذي أطلقه سفير روسيا لدى واشنطن أناتولي أنطونوف. فهي ستدخل في تاريخ العلاقات الروسية – الأميركية كواحدة من القمم الأكثر إثارة للجدل، مع أنها «لم تكن تقليدية» وفقاً لتعليق أكثر من متابع روسي؛ إذ إنها عُقدت من دون جدول أعمال واضح، وترك الحوار فيها ليسير وفقاً لمزاج الرئيسين ورغبتهما الشخصية. وكذلك، لم يصدر في ختامها وثيقة مشتركة، على الرغم من أن العمل على إعدادها استغرق بعض الوقت - من الجانب الروسي على الأقل - كما اتضح لاحقاً، لكن لم يوضح الطرفان سبب تجاهلها. أما العنصر الأهم، فهو أن القمة لم تخرج بقرارات أو اتفاقيات موثقة، وهذا أمر كان متوقعاً بعدما خفض الطرفان سقف التوقعات خلال الأيام التي سبقتها.
هي قمة «تاريخية» بسبب ملابسات انعقادها بعد طول انتظار، وبسبب الأداء اللافت للرئيسين في المؤتمر الصحافي الختامي، الذي أثار زوبعة لم تهدأ في الأوساط الأميركية، ولأنها فتحت نافذة أمل في وضع «خريطة طريق» لتطبيع العلاقات، على الرغم من كل التعقيدات التي تحيط بعلاقة البلدين وتراكم الملفات الخلافية بينهما.

عندما أعلن الكرملين قبل القمة الأميركية - الروسية في هلسنكي مباشرة، أن الجانب الروسي يتطلع لتبادل الآراء في الملفات الخلافية، ومحاولة فهم حقيقة مواقف كل طرف بشكل أفضل؛ بهدف وضع آليات مشتركة للحوار، كان يحدد بدقة السقف الروسي المطلوب من هذا اللقاء.
لذا؛ انصب تركيز الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على الاستماع بدقة لتقويمات نظيره الرئيس دونالد ترمب لعدد من الملفات العالقة، وسرّبت وسائل إعلام روسية ومقربون من الكرملين بعض التفاصيل التي رافقت مسار المحادثات في الجلسة المغلقة أولاً، ثم في الإطار الأوسع بعد انضمام فريقي الرئيسين إلى المحادثات. ووفقاً للمصادر، فإن الرئيس الأميركي لم يبدِ اهتماماً كبيراً بالتوسع في ملفات ساخنة، مثل سوريا وأوكرانيا، وتناول الأولى بحديث سريع ركز على مواصلة التنسيق الأمني والعسكري وضمان أمن إسرائيل، متجاهلاً الخوض في تفاصيل الرؤية الأميركية للتسوية السياسية الممكنة. وفي ملف أوكرانيا تجاهل ملف القرم تماماً، وتحدث بعبارات عامة عن «إطار مينسك» ومتطلبات تثبيت وقف النار. وتوسع أكثر، في المقابل، في الحديث عن الصين بصفتها «التحدي المشترك» أمام روسيا والولايات المتحدة، وتناول ملف العلاقة مع الاتحاد الأوروبي من زاوية التنافس التجاري.
وفي الملف الإيراني، كان ترمب أكثر وضوحاً وقوة، وتكلم عن «خطر» السياسات الإقليمية الإيرانية، و«التهديد» الذي تشكله قدرات إيران النووية والصاروخية. وفي وقت لاحق برزت إشارات إلى أن الرئيسين بحثا مسألة منع وقوع مواجهة إسرائيلية - إيرانية بشيء من التوسع. في حين غاب ملف التسوية الفلسطينية - الإسرائيلية نهائياً. وأفرد الزعيمان مساحة لمناقشة العلاقة الثنائية وآليات تجاوز المرحلة الصعبة وانعدام الحوار، كما تطرق الحديث بشيء من الإسهاب إلى ملف الأمن الاستراتيجي ومسائل سباق التسلح.
إذا صحت التسريبات أو على الأقل جزء منها، فإن الحوار تجنّب إثارة ملفات خلافية كبرى، مثل التدخل الروسي في انتخابات الولايات المتحدة والاتهامات لنشاط أجهزة الاستخبارات الروسية في بريطانيا وأوروبا، والموقف من التصعيد المتواصل عسكرياً بين روسيا وحلف الأطلسي في المناطق الحدودية، بالإضافة إلى سياسات روسيا في الفضاء السوفياتي السابق، وخصوصاً جورجيا وأوكرانيا. واللافت في هذه التسريبات أنها اقتصرت على مواقف ترمب حيال بعض القضايا، ولم تتناول الآراء التي طرحها بوتين في المقابل.

- نتائج محدودة... لكن مهمة
رغم ذلك، أوحت تصريحات الرئيسين خلال المؤتمر الصحافي المشترك في ختام القمة، بأن الحوار كان أكثر شمولية وعمقاً مما أوحت به التسريبات الإعلامية، مع أنها ثبتت الانطباع بأن المحادثات لم تكن «صعبة ومعقدة» خلافاً لتوقعات بعض الأطراف في السابق. وأظهر الرئيسان ارتياحاً واضحاً لمسار المباحثات، وقال بوتين، إنها انعقدت في أجواء «بنّاءة وإيجابية»، معتبراً أنها مثلت الخطوة الأولى في «إزالة الأنقاض» عن العلاقات بين البلدين. وشدد بوتين أيضاً على ضرورة توحيد روسيا والولايات المتحدة جهودهما الرامية لمواجهة التهديدات المشتركة بالنسبة لهما، مشيراً إلى أن أبرزها «الانعدام الخطير لتوازن آليات الأمن الدولي والاستقرار، والأزمات الإقليمية، وتمدد التهديدات النابعة عن الإرهاب والجرائم العابرة للقارات، وزيادة مشكلات الاقتصاد العالمي، والمخاطر البيئية وغيرها». وقال، إن المحادثات، عكست «رغبتنا المشتركة مع الرئيس ترمب في إصلاح الوضع السلبي في علاقاتنا الثنائية، ورسم الخطوات الأولى لمعالجتها وإعادتهما إلى الدرجة المقبولة من الثقة، والعودة إلى المستوى السابق للتعاون بشأن جميع القضايا التي تمثل اهتماماً مشتركاً». وقد تكون النتيجة الأبرز التوافق على تشكيل «لجنة خبراء» معنية بتطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، تضم خبراء في السياسة من روسيا والولايات وعلماء ودبلوماسيين سابقين، و«من شأن تلك اللجنة العمل على إيجاد القواسم المشتركة والتفكير في اقتياد التعاون إلى طريق التقدم الإيجابي المستدام».
أيضاً، أكد بوتين ضرورة أن يضع الطرفان على طاولة البحث رزمة الملفات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي ومسائل تقليص التسلح، موضحاً أن الرؤية الروسية تقوم على جمع مسائل تمديد سريان معاهدة تقليص الأسلحة الاستراتيجية الهجومية، وعملية نشر الدرع الصاروخية الأميركية في أوروبا، والاتفاق حول تقليص الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، ومسألة نشر السلاح في الفضاء في رزمة واحدة لمعالجتها من خلال حوار مفتوح بين الجانبين. كذلك، شدد الرئيس الروسي على أهمية تعزيز التعاون الأمني الاستخباراتي الثنائي، وذكر أن روسيا اقترحت على الولايات المتحدة إعادة تشكيل فريق عمل مشترك لمكافحة الإرهاب؛ بهدف «وضع الاتصالات بين جهازي الاستخبارات على أساس منظم».
في المقابل، حديث ترمب ما كان بعيداً في جوهره عن إشارات بوتين إلى آليات مشتركة للعمل، مع أنه اختار أن يبدأ حديثه في المؤتمر الصحافي بشن هجوم على «وسائل الإعلام والديمقراطيين» الذين «يريدون تدمير فرص الحوار المهم لقضايا العالم»، وتعهد بفعل ما يرى أنه «يصب في مصلحة الولايات المتحدة والعالم رغم الانتقادات». وقال ترمب، إنه بحث مع بوتين مجموعة من القضايا الملحة المختلفة، ذات الأهمية بالنسبة لكلا البلدين، و«أجرينا حواراً منفتحاً ومثمراً». وشدد على أن «الحوار البنّاء بين الولايات المتحدة وروسيا يعطي فرصة لتمهيد الطريق نحو السلام والاستقرار في العالم»، وأردف موضحاً «الخلافات بين بلدينا معروفة، وناقشتها بشكل مفصل مع الرئيس بوتين».
هذا، ويرى خبراء روس أن تأكيد الرئيسين على الحوار والاقتراحات التي قدّمت حول إنشاء لجان ومجموعات عمل مشتركة - رغم أنها تواجه تعقيدات في الولايات المتحدة - تشكل نتيجة مهمة للقمة. لكن، مقابل الارتياح الواسع الذي برز لدى المعلقين الروس لنتائج القمة الأولى بين الرئيسين، والتأكيد على حاجة الطرفين إلى التقدم على أكثر من محور لتثبيت الأجواء الإيجابية، ومواجهة الاعتراضات القوية أميركياً وأوروبياً وأطلسياً، شككت مصادر روسية في قدرة الرئيسين على القيام بتنفيذ سريع لاتفاقاتهما بشأن فتح أوسع حوار ممكن بين الطرفين على المستويات الدبلوماسية، والعسكرية، والأمنية، وأوساط رجال المال والأعمال.

- هاجس التدخل الروسي
من جانب آخر، لم تخرج ردود الفعل لدى النخب الأميركية على نتائج القمة عن التوقعات التي سبقتها. إذ كان الشعور المسيطر لدى النخب الروسية بأن خصوم ترمب سيعملون على عرقلة كل محاولاته للتقدم تجاه روسيا. ولا تخفي أوساط روسية أن أداء ترمب وتعليقاته اللاذعة ضد خصومه في المؤتمر الصحافي المشترك مع بوتين لعبت دوراً في مفاقمة الموقف وتأجيج حال الاستياء، ولا سيما أنه تجنب الإشارة إلى أي ملف خلافي مع بوتين، ودافع عن فكرة «عدم تدخل» روسيا في مسار انتخابات 2016. وأدى التراجع السريع لترمب عن بعض أقواله بعد عودته إلى واشنطن إلى تقليص سقف توقعات الكرملين، على الأقل خلال المرحلة القصيرة المقبلة، مع أن أوساط الكرملين ما زالت تعوّل على قدرة الرئيس الأميركي على تجاوز السجالات الحالية والشروع بتثبيت مواقفه. ولقد جاء حديث أناتولي أنطونوف، السفير الروسي لدى واشنطن، عن أنه سيكون من الصعب على ترمب، تنفيذ الاتفاقيات التي توصل إليها مع نظيره الروسي بسبب «المقاومة الشديدة التي سيجدها من قبل المؤسسة السياسية ووسائل الإعلام الأميركية» ليؤكد أن روسيا ليست متعجلة لتثبيت النتائج النهائية للقمة.
وقال السفير للصحافيين «علينا عند تقييم الآفاق، أن نكون دقيقين وحذرين للغاية، وأكرر كلمة للغاية». وتابع، إنه بسبب «المزاج القوي» لدى بعض الأوساط ضد سياسات ترمب حيال روسيا بات يخشى قول أي شيء إيجابي عن الرئيس الأميركي.
عكست هذه العبارات بدقة الآلية التي تسعى موسكو لتنفيذها في مواجهة الحملة القوية ضد نتائج القمة. ومع أن بوتين خرج خلال لقاء مع الدبلوماسيين الروس بعد القمة عن المألوف، ووجّه عبارات نارية ضد النخب الديمقراطية في الولايات المتحدة، واتهمها بـ«ترويج الأكاذيب والتضحية بمصالح ملايين الأميركيين لحسابات سياسية ضيقة»، فإن موسكو ما زالت تتوقع تراجعاً تدريجياً في عاصفة الانتقادات، وترى أن ترمب بصفته رأس السلطة التنفيذية سيكون قادراً على مواجهة هجوم الكونغرس وبعض وسائل الإعلام، والشروع بتنفيذ جزء على الأقل من التفاهمات توصل إليها مع بوتين. وفعلاً، من وجهة النظر الروسية، حملت الإشارات التي أعقبت القمة ما يؤكد صحة هذا الرهان، وبينها إعلان وزارة الدفاع الأميركية استعداد الوزير جيمس ماتيس للقاء نظيره الروسي سيرغي شويغو، وهو سيكون الأول منذ سنوات على هذا المستوى. بالإضافة إلى إعلان البيت الأبيض أنه يدرس إمكانية السماح لمحققين روس باستجواب مواطنين أميركيين على الأراضي الأميركية، تشتبه موسكو في أنهم على علاقة بنشاطات غير مشروعة في روسيا، وفقاً لما قالته المتحدثة باسم الإدارة الأميركية سارة ساندرز، التي أضافت إنه «نوقش هذا الموضوع خلال قمة بوتين ترمب، لكن لم تُقدم أي تعهدات أو التزامات من جانب الولايات المتحدة. ويعمل الرئيس مع فريقه في هذا المجال». ويذكر أن بوتين كان اقترح السماح لمحققين أميركيين بالتحقيق مع شخصيات روسية متهمة بالتدخل في الانتخابات الأميركية مقابل السماح للمحققين الروس بإجراء تحقيق مماثل مع شخصيات أميركية وجهت ضدها موسكو اتهامات.

- {الأطلسي} والاتحاد الأوروبي
التعليقات الأولى الصادرة عن أطراف أوروبية، بينها شخصيات حكومية في بولندا وغيرها من البلدان التي تنتقد التقارب مع موسكو، عكست استياءً شديداً بسبب إحجام ترمب عن طرح موقف علني واضح ضد السياسيات الروسية في أوروبا، وتحركات القوات الروسية على الحدود مع عدد من هذه البلدان. وجاءت تصريحات ترمب عن أن قمته مع بوتين «كانت أنجح من قمة دول حلف شمال الأطلسي (ناتو)» لتصب الزيت على النار في هذا الاتجاه. إذ سرعان ما برزت تصريحات نارية حول «تقويض التضامن الأورو - أطلسي» وتجاهل ترمب مخاوف جدية بالنسبة إلى الأمن الأوروبي والأطلسي.
وهنا، ذكرت أوساط روسية، أن أزمة العلاقة مع «ناتو» والتوتر في العلاقات مع الاتحاد الأوروبي لم يكن من المنتظر أن تجد حلاً مباشراً خلال القمة الروسية - الأميركية، وهذا مع إقرار بأن ما أعلنه ترمب وبوتين بعد محادثاتهما لم يتطرق إلى عمق الأزمة الروسية – الأطلسية، باستثناء إشارات عابرة إلى مناقشة ملف الأمن الاستراتيجي. وهذا أمر يثير قلق بعض البلدان الأوروبية التي تخشى من تراجع واشنطن عن نشر قوات وأنظمة صاروخية في بلدان مثل بولندا ورومانيا من دون الحصول على ضمانات كافية من الكرملين الذي يقوم بتعزيز الدفاعات الصاروخية في غرب روسيا. وتوقعت أوساط روسية أن تظل هذه المشكلة من التعقيدات الأساسية أمام العلاقة الروسية – الأطلسية. ثم إن المرور سريعاً على ملف أوكرانيا وإغفال موضوع ضم القرم يثير بدوره مخاوف إضافية من أن التوتر في عدد من الجمهوريات السوفياتية السابقة، - وخصوصاً أوكرانيا وجورجيا ومولدافيا - وتوتر العلاقة بسبب ذلك بين موسكو وبروكسل، سيلحظ في معدلات نمو بدلاً من التراجع. وكان لافتاً أن بوتين صرح بعد القمة مباشرة بأنه «غير مقبول قيام (ناتو) بضم جورجيا» متعهداً بأن بلاده ستتخذ «تدابير للدفاع عن مصالحها وأمنها في حال تم تنفيذ هذه الخطوة» التي كان «ناتو» تعهد بها في قمته الأخيرة.

- إيران... ملف خلافي
وحول الملف النووي الإيراني، أقر الرئيسان بأن الخلاف ما زال قائماً، ولم تبرز خلال القمة إشارات إلى آليات يمكن أن يقوم بها الطرفان لتقريب وجهات النظر في هذا الشأن. ومقابل تأكيد بوتين وجهة نظر بلاده بخطأ انسحاب واشنطن من الصفقة النووية مع طهران بحجة أن «هذه الصفقة وضعت إيران تحت أفضل رقابة دولية لأنشطتها النووية باعتراف المنظمات الدولية» ربط ترمب الملف النووي مع سياسات إيران الإقليمية، وأشار إلى «حملة نشر العنف من جانب طهران في المنطقة».
وحافظت مواقف الطرفين على تباعد واسع، رغم التفاهم المحدود - كما ظهر لاحقاً - على منع وقوع مواجهة بين إيران وإسرائيل. ووفقاً لتأكيد مدير المجلس الروسي للشؤون الدولية أندريه كورتونوف، فإن الرئيسين بوتين وترمب اتفقا خلال قمتهما في هلسنكي على «منع وقوع أي صدام مباشر بين إيران وإسرائيل في سوريا». واعتبر أن هذه واحدة من النتائج العملية للقمة، مشيراً إلى اتفاق «غير معلن» تم التوصل إليه، ويقضي «على الأرجح بإعلان منطقة عازلة في هضبة الجولان، والاستعاضة عن القوات الموالية لإيران بوحدات تابعة للحكومة في دمشق». وإذا صح هذا التفاهم فهو يتعلق بجانب واحد من جوانب الخلاف بين موسكو وواشنطن على آليات إدارة العلاقة مع طهران وهو المتعلق بالوضع في سوريا. بيد أن التباين الواسع حول السياسات الإقليمية لطهران ومصير الاتفاق النووي، والخلاف الكبير حول البرامج الصاروخية الإيرانية... كلها عناصر لا يبدو أنها وجدت فرصة لنقاش موسع خلال القمة، أو على الأقل لم تنعكس في تصريحات الطرفين لاحقاً.

- القمم الروسية ـ الأميركية السابقة
منذ أسدل الستار على «الحرب الباردة» في آخر القمم السوفياتية - الأميركية التي جمعت الرئيسين جورج بوش الأب وميخائيل غورباتشوف في مالطة، وأسفرت عن فتح صفحة جديدة في العلاقات بين الطرفين بعد انهيار «جدار برلين»، عقد رؤساء روسيا «الوريثة الرسمية» للمعاهدات والاتفاقيات التي عقدها الاتحاد المنحل، ستة لقاءات قمة، إضافة إلى عدد آخر من اللقاءات التي جمعت الطرفين في مناسبات وفعاليات دولية.
واللافت، أن كل القمم الروسية - الأميركية منذ اللقاء الرسمي الأول الذي جمع في عام 1993 الرئيسين جورج بوش الأب مع الرئيس الروسي (آنذاك) بوريس يلتسين ركزت على ملف خفض التسلح الذي كاد يكون العنصر الأبرز الذي سيطر على علاقات البلدين لفترة طويلة. فهو كان على رأس دائرة الاهتمام خلال القمة التي جمعت الرئيس بيل كلينتون مع يلتسين في 1997 في هلسنكي. وسيطر الملف على الحوار في لقاء بوتين عام 2001 في سلوفينيا مع جورج بوش الابن، وكان بوتين تسلم مقاليد السلطة قبل ذلك بسنة واحدة، إضافة إلى ملف خلافي تعلق بنيات الأطلسي التوسع شرقاً، وأحرز الرئيسان في تلك القمة تقدماً طفيفاً؛ إذ حصلت موسكو على التزام شفهي بعدم تقدم الحلف قرب الأراضي الروسية.
لكن هذه المسائل عادت لتشغل الحيز الأكبر من الاهتمام في قمتين لاحقتين جمعتا بوتين وبوش الابن، الأولى في 2002 في موسكو والأخرى في 2005 في براتيسلافا عاصمة سلوفاكيا. وفي 2010 حقق البلدان تقدماً نوعياً بإبرام معاهدة «ستارت3» خلال قمة جمعت الرئيسين باراك أوباما وديمتري مدفيديف في العاصمة التشيكية براغ. وتميزت علاقات أوباما بالتوتر مع بوتين الذي عاد إلى السلطة في 2012، وفشلت القمة الوحيدة التي جمعتهما في 2013 على هامش قمة «مجموعة الثمانية الكبار» في تقريب مواقف الطرفين حيال الملفات المطروحة. ومنذ ذلك الوقت تدهورت العلاقات بين البلدين، خصوصاً، بعد اندلاع الأزمة الأوكرانية في العام التالي، ووصلت - وفقاً لتصريحات الطرفين - إلى «أسوأ مراحلها في التاريخ».


مقالات ذات صلة

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

حصاد الأسبوع مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي

صبحي أمهز (بيروت)
حصاد الأسبوع يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع ابراهيم محلب (رويترز)

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في

«الشرق الأوسط» ( القاهرة)
حصاد الأسبوع الناشط الأيود الراخل خلال لقائه بالمغفور له الملك فيصل بن عبد العزيز عام 1964 (آ ب)

ترمب يحاول «تبييض» صفحات أميركا

ودّعت الولايات المتحدة أخيراً القس جيسي جاكسون، أحد أهم الشخصيات السوداء في تاريخ البلاد، والقيادي الجماهيري الذي لعب دوراً محورياً في تجييش الناخب الأسود

علي بردى (واشنطن)
حصاد الأسبوع ترمب مع مغنية "الراب" الترينيدادية نيكي ميناج (آ ب)

ترمب... و«أصدقاؤه السود»

> في موازاة السياسات التي تعيد الاعتبار لزعماء كانوا مسؤولين عن بعض أسوأ مراحل الرق، يرفض الرئيس دونالد ترمب الاتهامات التي توجه إليه بأنه «عنصري»، مكرّراً


بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.