دعوات في «أصيلة» إلى إصلاح ديني وتربوي وتعليمي في مواجهة التطرف والإرهاب

جانب من ندوة أصيلة مساء الثلاثاء («الشرق الأوسط»)
جانب من ندوة أصيلة مساء الثلاثاء («الشرق الأوسط»)
TT

دعوات في «أصيلة» إلى إصلاح ديني وتربوي وتعليمي في مواجهة التطرف والإرهاب

جانب من ندوة أصيلة مساء الثلاثاء («الشرق الأوسط»)
جانب من ندوة أصيلة مساء الثلاثاء («الشرق الأوسط»)

دعا مشاركون في ندوة «الفكر الديني الحاضن للإرهاب: المرجعية وسبل إزاحته» التي نظمت مساء الثلاثاء ضمن فعاليات «موسم أصيلة الثقافي» الـ40، إلى ضرورة إصلاح شامل للمجالات الدينية والتربوية والتعليمية في مواجهة ظاهرة التطرف العنيف والإرهاب. وانتقد مشاركون الاقتصار على المقاربات الأمنية والعسكرية في مكافحة الإرهاب.
وقال محمود جبريل، رئيس المجلس الوطني الانتقالي الليبي سابقاً، الذي ترأس الجلسة الافتتاحية للندوة، إن «العنف ليس مرتبطاً بالدين فقط بل بأسباب أخرى قد تكون سياسية وقد تكون اقتصادية». وأضاف جبريل: «يجب ألا نكونَ سجناء لفكرة أننا في قفص الاتهام، فالإرهاب ظاهرة عالمية وليست مرتبطة بالإسلام فقط»، داعياً إلى التفكير في كيفية تدبير هذه الإشكالية على جميع المستويات، مؤكداً ضرورة رد الاعتبار في إصلاح الخطاب الديني للفلسفة الإسلامية. وقال بهذا الصدد: «الفلسفة الإسلامية تلعب دوراً رئيسياً، غير أنها لم تعد موجودة (...) نحتاج إلى فلسفة إسلامية جديدة تطرح فكرة التكليف بالتغيير باعتباره أمانة، وإلا فلن يكون للثورة معنى»، مضيفاً أن «بناء النموذج النهضوي لن يتأسس إلا بوجود هذه الأرضية الفلسفية التي تؤسس لفكرة التغيير من منظور إلهي، على أنه تكليف للمخلوق، وبالتالي يصبح التفكير في حد ذاته عبادة ويصبح التغيير عبادة».
وأضاف جبريل: «هذه القضايا تتطلب منا أن ننتقل من ثقافة الانبهار إلى ثقافة الاندهاش مرة أخرى. ثقافة الاندهاش التي كانت سائدة إبان ازدهار الفلسفة الإسلامية». وأشار إلى أنه «لا يستقيم فقط أن نصلح الخطاب والفهم الديني من دون أن يكون هناك إصلاح للخطاب الإعلامي والخطاب التعليمي والخطاب التربوي، لأن هذه هي مصانع بناء القيم وتحديث السلوك».
وفي تقديمه لموضوع الندوة، قال محمد بن عيسى، الأمين العام لمنتدى «أصيلة»: «قد يفهم البعض غلطاً أن في عنوان الندوة ربطاً بين الدين والإرهاب، وقد يتبادر للذهن أن الدين المعني هنا هو الإسلام الذي تستند إليه افتراء وتجنياً التنظيمات الراديكالية. ما يتعين التأكيد عليه هنا هو أن منطلق هذه الندوة هو الدعوة إلى فك الارتباط بين الإرهاب من حيث هو ظاهرة عدمية مدمرة وجوهر الديانات التي تلتقي في قيم السلم والكرامة الإنسانية وحرمة الأنفس، وهي معانٍ حاضرة بقوة في الإسلام ديناً وثقافة وحضارة».
وأضاف بن عيسى قائلاً: «إذا كان الإرهاب يرتبط في زماننا بالإسلام الذي تنتسب إليه زوراً الجماعات التكفيرية المتشددة، إلا أن كل الديانات كانت في سياقات ومراحل معينة عرضة لهذا التحريف والاستغلال، فالتاريخ يعلمنا أن أفظع الجرائم التي تعرضت لها الإنسانية تمت باسم القيم والمعتقدات العليا، والدراسات الاجتماعية تبين لنا أن المقدس بقدر ما يحمي الكرامة الإنسانية ويصونها يكون ذريعة ومبرراً لأعتى التجاوزات والانتهاكات التي يتعرض لها البشر، فباسم الدين شُنّت حروب دموية مدمرة وأبيدت أمم وشعوب كاملة وكممت أفواه مخالفة، وليس الخلل في الدين ذاته بل في أنماط تأويله وفهمه التي تتلبس عادة أوضاعاً ظرفية ليس العامل الديني ذاته حاسماً فيها وإن احتل واجهة الحدث واستأثر بأساس الاهتمام».
وأوضح بن عيسى أن الإرهاب الذي يعاني منه العالم العربي والإسلامي مر بثلاث مراحل، انطلاقاً من «الجهاد الأفغاني» في بداية الثمانينات من القرن الماضي، مروراً بظهور التنظيمات الإرهابية العابرة للحدود، وأحداث 11 سبتمبر (أيلول) 2001، وصولاً إلى استفحال الظاهرة في السنوات الأخيرة مع استغلال التنظيمات الإرهابية للأوضاع الانتقالية والأزمات الداخلية التي مرت بها بعض الدول العربية، من جانب، ونقل المواجهة إلى داخل المجتمعات باستهداف المدنيين العزل، من جانب آخر. وقال: «هكذا وصلنا إلى وضع خطير لم يعد من الممكن السكوت عنه، ولم تعد تجدي في التعامل معه القوالب الفكرية المألوفة والمقاربات التحليلية التقليدية. ومن هنا كان الطموح إلى طرح هذا الموضوع المحوري للنقاش الفكري الصريح والرصين في منتدى أصيلة، باعتباره مجالاً تداولياً مفتوحاً وميداناً حرّاً للنقاش الجاد».
من جانبه، ردَّ منصور خالد، وزير خارجية السودان الأسبق، أصول التطرف الإسلامي إلى زمن المحاولات الأولى للإصلاح الديني في العالم الإسلامي مع جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، التي أثارت ردود فعل معارضة للإصلاح، مشكِّلة النواة الأولى لظهور الجماعات المتشددة.
وأوضح منصور أن ظاهرة العنف ليست خاصة بالإسلام بل تلتقي فيها الديانات التوحيدية الثلاث. وأشار إلى أن الإسلام لا يقتصر على العرب، داعياً إلى تأمل النموذجين الآسيويين في باكستان والهند.
وأشار إلى أن زعماء الديمقراطية في الهند، خصوصاً نهرو وغاندي، رفضوا اعتبار الهندوسية الدين الرسمي للبلاد، رغم أنها تشكل 45 في المائة من السكان، مقابل 13 في المائة من المسلمين والباقي ديانات مختلفة. فيما انفصلت عنها باكستان ذات الغالبية المسلمة لتشكل مهد الأفكار التي أنتجت جماعة الإخوان المسلمين.
أما الباحث والمفكر الإسلامي اللبناني رضوان السيد، فأكد جازماً وجود ارتباط بين الدين والإرهاب في العالم العربي الإسلامي، وقال: «نعم، يوجد اليوم فكر ديني حاضن للإرهاب»، مشيراً إلى أن نشأة هذا الفكر بدأت قبل قرن من الزمن كرد فعل على تأثير الغرب.
وأشار السيد إلى أن التيارات الإصلاحية التحديثية التي رأت النور في العالم العربي الإسلامي قبل قرن اعتبرت أن «الدولة الوطنية» ليست فقط أداة لتدبير الشأن العام ولكنها أيضاً أداة لتطبيق الدين، من خلال تحويل الشريعة إلى قانون.
غير أن أمل هؤلاء خاب عندما استبعدتهم «الدولة الوطنية» بعد الاستقلال الوطني، خصوصاً مع سيطرة العسكر عليها، الذين رفضوا إشراكهم. وأضاف أن الدعاة الإصلاحيين انقسموا في السجون إلى تيارين؛ الأول يدعو إلى ممارسة العنف كسبيل للوصول إلى السلطة وتطبيق شرع الله في أرضه، والثاني يدعو إلى التغلغل في أوصال الدولة الوطنية لتقوم بدورها في مجال تطبيق الدين.
أما المحلل الإعلامي والكاتب الكويتي محمد غانم الرميحي فيرى أنه من الخطأ ربط الإرهاب بالإسلام، مشيراً إلى أن التوجه نحو الإسلام السياسي جاء نتيجة ضيق السبل والآفاق. ودعا إلى تأمل تجربة الصين، مشيراً إلى أن الصينيين تخلفوا كثيراً عن الركب عندما كانوا منغلقين أمام أي جديد متمسكين بحضارتهم العريقة. غير أنهم عندما قرروا الانفتاح الأخذ بالجديد رغم أنهم يخالف ما توارثوه في حضارتهم العريقة دخلوا مرحلة نهضة غير مسبوقة. وقال: «علينا أن نكون مستقبليين بدل أن نكون ماضويين، إذا أردنا أن ننهض ونتقدم».
ومن خارج العالم العربي الإسلامي، قدم فرانسيسكو زانيني، الأستاذ بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية بروما، لمحة تاريخية عن تعامل المسيحيين مع الإسلام، بداية بردِّهم عليه باعتباره ديناً جديداً ثم انتقاده ثم مرحلة دراسته بهدف التبشير وتنصير المسلمين، وصولاً إلى مرحلة الدراسات الاستشراقية التي لا تزال مستمرة إلى اليوم.
وقال زانيني إنه على المسيحيين أن يدرسوا الإسلام من وجهة نظر المسلمين، وأن يعرفوه من الداخل، لأن «الحوار الحقيقي غير ممكن من دون معرفة الآخر ومعرفة خصوصياته واحترامها». وأشار إلى أن «القبول بالاختلاف وبوجود قيم مشتركة هو السبيل الأمثل نحو التعاون من أجل مستقبل مشرق للإنسانية جمعاء».
من جانبه، لاحظ المفكر العراقي الحسين شعبان قصور المنظومة القانونية الدولية في مجال تحديد الإرهاب، مشيراً إلى وجود عشرات الاتفاقيات والقرارات الدولية المتعلقة بالإرهاب ومكافحة الإرهاب، إلا أن أية واحدة منها لا تعطي تعريفاً للإرهاب. ورد أسباب هذا القصور في تعريف الإرهاب لاعتبارات آيديولوجية. وقال إن من مصلحة المسلمين والعرب أن يحدد مفهوم الإرهاب باعتبارهم ضحايا له ومتهمين به.
وأضاف شعبان أن الحلول العسكرية غير كافية للقضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه، مشيراً إلى أن هزيمة «داعش» لا تعني نهايته إذ لا تزال هناك خلايا نائمة وذئاب منفردة يمكن تنشيطها في أي وقت.
ودعا إلى ضرورة دراسة وتحليل البيئة الحاضنة التي تجند وتنتج وترسل الإرهابيين إلى بؤر التوتر، وأيضاً دراسة وتحليل البيئة المستقبلة والراعية والمستعملة للإرهاب، من أجل إيجاد السبل العملية والثقافية لمواجهة الإرهاب.


مقالات ذات صلة

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

أفريقيا تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب) p-circle

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

«الشرق الأوسط» (أبوجا)
المشرق العربي شرطيان ألمانيان يفتشان سيارة خلال عملية دهم بغاربسن في نوفمبر 2023 (أ.ب)

شاب سوري متهم بالتخطيط لتنفيذ هجوم «إرهابي» في برلين

تتهم السلطات الألمانية شاباً سورياً بالتخطيط لتنفيذ هجوم في العاصمة برلين بدوافع «إسلاموية متطرفة».

«الشرق الأوسط» ( برلين)
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ف.ب)

زيلينسكي يتهم روسيا بممارسة «الإرهاب النووي» في ذكرى «تشيرنوبل»

اتهم الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي روسيا بممارسة «الإرهاب النووي»، وذلك مع إحياء بلاده، الأحد، الذكرى السنوية الأربعين لكارثة تشيرنوبل النووية.

«الشرق الأوسط» (كييف)
الخليج عبَّرت السعودية عن خالص تعازيها لأسر الضحايا وتمنياتها بالسلامة لجميع المتضررين (الشرق الأوسط)

السعودية تدين الهجمات الإرهابية والانفصالية التي استهدفت مالي

أدانت السعودية  وأعربت عن استنكارها بأشد العبارات الهجمات الإرهابية والانفصالية التي وقعت في عاصمة مالي باماكو ومدن أخرى فيها.

أفريقيا مشهد عام لمدينة غاو في شمال مالي (أ.ف.ب)

معارك في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة... وواشنطن تطالب رعاياها بـ«الاحتماء»

معارك جارية في باماكو ومناطق أخرى في مالي بين الجيش و«جماعات إرهابية» وأخرى مسلحة، وأميركا تنصح رعاياها بـ«الاحتماء».

«الشرق الأوسط» (باماكو)

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.