مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

{ديمقراطية} إيران وإسرائيل.. إقصائية > بداية عمل «النهضة» كانت بعيدة عن السياسة

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله
الجبالي وأحد أقربائه عندما كان شابا يجلسان على حائط بالقرب من منزله

بعد جلساتي التوثيقية مع حمادي الجبالي، خطر على بالي، وفي عدة مناسبات، أنه لو لم يكن إسلاميا، أو سياسيا، فماذا يمكن أن يكون.
هو مهندس، مهتم بالقطاعات العلمية وبمجال الطاقة، ولم تخلُ جلسة من جلساتنا من إطلاعي على أحد برامجه التي يطلعني عليها بكل شغف وتطلع لإنجازها، والجملة الحاضرة دائما أن ضيق الوقت هو المانع، مشاريع مصغرة قد تبدأ من ضيعات أو مصانع بسيطة، لكن الطموح هو تطبيقها على مستوى كل البلاد، وحتى خارجها.
آيديولوجيا، وبعد أن حدثني عن شغفه في شبابه بالبحث، وجدت في كلامه ما توقعت، فقد تحدث عن ميله العاطفي إلى اليسار الفرنسي لدى إقامته في فرنسا، وبحثه في أي تجربة ثورية يمكن أن تتطابق مع محيطه الاجتماعي لبعث تنظيم، وكان في الوقت نفسه يبحث عن تنظيم يمكن أن يستوعب أفكاره وحماسه الشبابي، وفي هذه الحلقة، لم أجد أجوبة، بل تساؤلات بقيت مفتوحة، وهي: لو لم ينضم الجبالي إلى النهضة، لو لم يكن إسلاميا، فماذا يمكن أن يكون؟

* الانضمام إلى النهضة

* البداية مع التوجه الإسلامي كانت في باريس، بعدما اتصلت بنا المجموعة في تونس، وكانوا من الطلبة خريجي الجامعات، مثل صالح كركر، راشد الغنوشي، محمد صالح النيفر، ومجموعة من الطلبة الذين بدأوا الحركة الإسلامية، وفي ذلك الوقت كانوا في المرحلة الأولى من تنظيم أنفسهم، وكانت مرحلة التجميع والتنظيم والبحث عن هيكلية مناسبة للعمل.
ولم يكن التوجه هو البحث عن نخبة، لكن الأمور جاءت بطبيعتها، حيث لم يكن البحث عن العمال خاصة بالنسبة للموجودين في فرنسا.
وعملنا في البداية على مستوى النخبة والطلاب الذين نعرفهم، وهذه المجموعة كانت الرابط مع تونس، وهي التي ستسهم في بناء التنظيم، في ذلك الوقت كثفنا لقاءاتنا، وأصبحنا نلتقي تقريبا مرة في الأسبوع، في أوقات الصلاة، ونتقابل أيام الأحد، ولم تكن لدينا رؤية واضحة حول ما نريد.
عند بدأ فكرة التنظيم بدأت في 1974، مجموعة في باريس، وبعد ذلك الطلبة ينضمون إلينا، كانوا كلهم من التونسيين، في عدة مدن فرنسية، مثل رانس وليل، وفي بلدان أخرى فرنكوفونية مثل بلجيكا، وحتى في الشرق، بدأت هذه المجموعات تتزايد، وبدأ نوع من التنظيمات مواز للتنظيم في تونس يتكون.
ورغم أن علاقتنا مع الجماعة بدأت في تونس، لم أنقطع عن العمل في فرنسا، بل توسعت، ولم أقطع علاقتي بالمسلمين الفرنسيين، ولا بـ«الجامع الكبير» في باريس، ولا بجمعية حميد الله الذي كان يعمل على تعزيز الحوار مع الكنيسة أيضا، كان منفتحا جدا على الآخرين، وحدد مهمته في نقل الإسلام للمسيحيين، وحتى لرجال الكنيسة.
كانت كل الحوارات تدور باللغة الفرنسية، وكنت أحضر وأقدم محاضرات في عدة أماكن وحتى في «المسجد الكبير» في الدائرة الخامسة، ولكن كما سبق لي الذكر، المشكلة أنهم لم يقبلوا دمج الجانب السياسي بالدين على الإطلاق، وأثيرت هذه المسألة مع الأستاذ حميد الله، لكنه كان واعيا بأن ما يقدمه هو الإسلام الذي يريده المجتمع الفرنسي، وطريقة عمله ذكرتني بجماعة التبليغ، الذين أرادوا أن يقدموا الإسلام على أنه صلاة وعمامة، كانوا، كما يقول حميد الله، لا يريدون صدم الآخر، وهذا يدخل في فقه الدعوة، وحرصا على عدم تنفير الشبان الغربيين من الإسلام، خاصة بعد أحداث تفجيرات قطار الأنفاق في مدريد، وما أثير بعدها من قضايا، مثل الجهاد في أوروبا.
أنا أرى أن الأحزاب الإسلامية، خاصة العربية التي عملت في فرنسا، لم تقدم الإسلام بالشكل الذي ينتظره الآخرون، بل صدموا الآخرين ونفروهم، كما أن خلافاتنا، مثل قضية التركيز على الآذان، وعلى أن تكون المئذنة طويلة، وغيرها من الأمور الشكلية، هذا مثلا يزعجهم، حتى في مجال الهندسة المعمارية،.والمشكلة كانت فعلا الصدمة التي أصبنا بها المجتمع الغربي، بتقديم نموذج غريب عنه، ومحاولة فرضه عليه.

* ما تعلمته من تجربتي في فرنسا
* لقد استفدت كثيرا من تلك الفترة، وتعلمت فيها العديد من الأشياء، خاصة القضايا الخاصة بالحريات والممارسة والحياة السياسية والأحزاب، و الحياة السياسية الفرنسية، خاصة اليسار وميتيران وجوسبان، وفهمت اليمين وتوجهاته العنصرية، ووجدت في اليسار العدالة الاجتماعية والحريات ومناصرة الشعوب المستضعفة، فكنت أميل عاطفيا إلى اليسار، ليس للشيوعية، لكن اليسار الفرنسي.
كانت تجربتي في فرنسا عبارة عن مرحلة تدريبية، أو تحضيرية، خاصة عبر حضور اجتماعات والمشاركة في الحياة السياسية للأحزاب. وهذا ما أثر على طريقة تفكيري وعملي في ما بعد في حركة النهضة.
رأيت في فرنسا كل شيء منظما، ويبدأ عملهم بتكوين وتأهيل الكوادر، ولديهم ديمقراطية في أخذ القرار، وشبابهم يتمتع بالروح النضالية والحماس، ما ساعدهم في حملاتهم؛ سواء التأسيسية للأحزاب، أو الانتخابية، التي شاهدتها عن قرب، وعبر شاشة التلفزيون، لقد تأثرت جدا بطريقة عملهم، وفي الوقت نفسه، كنت أرى أن هذا ليس بغريب علينا، وأن الإسلام يتضمن هذا المفهوم للحريات،.هذه المرحلة التي كانت بين سبع وثماني سنوات أحدثت نقلة نوعية في حياتي، خاصة في مسألة المنهج في العمل السياسي وقضية القيم وحريات الصحافة، وكانت عندي قناعات بأن الإسلام جاء بالحريات، وقضية الانفتاح وحقوق المرأة.
وهنا قررت قطع عملي مع جماعات التبليغ، التي تعتمد أساليب التنفير من الدين الإسلامي، وتقتصر على كونه كلام طقوس وصورا خارجية تنحصر في العمامة وشكل المئذنة. ونفرت من عنف الخطاب الذي يقدمه المسلمون وقتها في الغرب، واقتنعت بأن الأوروبي سيسعى للبحث في البوذية وأديان أخرى، أو أساليب تمنحه الراحة الروحية، التي يريد، وليس في خطابنا العنيف وأصواتنا المرتفعة وخلافاتنا التي لا تنتهي.كانت قناعاتي بشمولية التصور الإسلامي، لكن ما رأيته في ذلك الوقت أن الإسلام كان يقطع إربا إربا، وبعيدا عن المجالات العلمية وعن الاقتصاد، ويمكنني القول إن أهم ما أخذته من الفكر الإسلامي هو شمولية الإسلام، وهنا يجب التنبه إلى الفارق بين شمولية التصور وشمولية التنزيل (يعني التبليغ)، وهنا أقصد أنه لم يكن من الضروري اتباع المنهج نفسه في التبليغ، بل اتباع المرونة التي تناسب المجتمعات.
ليس بالضرورة أن نقدم كل شيء في الوقت نفسه، فهناك سلم أولويات، وهذا السلم أيضا غير ثابت، بل تتغير الأولويات فيه حسب البيئة والمناخ الذي تعمل فيه، مثلا في فرنسا لا يمكن أن نبدأ بإقناع الفرنسيين وتلقينهم دروسا حول قضايا الحريات والديمقراطية وهم متشبعون بها. هنا يمكن أن يكون من الأنجع العمل معهم على الجانب الروحي، وعلى التوازن النفسي الذي يحققه الإسلام والعلاقة بالأسرة، مثلا يجب النظر إلى ما ينقصهم، والعمل على هذا المجال.
في تونس ،مثلا، الوضع كان مختلفا عنه في باكستان، وكان مختلفا جدا وقتها عن الفكر الإسلامي في مصر.
إذا أخذنا فكرة الانتخابات ببساطة، فستعود كلمة الفصل، إما لرئيس يتسلط، أو لشعب يختار النواب ويتسلط كذلك عبرهم، هنا تتداخل قضية الفكر السياسي وقضية الحريات، وهل الأحزاب التي لا تؤمن بالإسلام لها حرية التعبير أو ستتعرض للإقصاء ونقول عنهم: ملحدون ما يوصف ب»الديموقراطية» في ايران واسرائيل، لا تعطي الحرية لأحزاب تتناقض مع مبادئ المجتمع الإسرائيلي، والدليل ان الأحزاب االعربية في إسرائيل ليست لها الحرية. التعددية اذا يجب أن تكون ضمن المنظومة الفقهية.
رجعت إلى تونس متشبعا بالأفكار التي اكتسبتها من تجربتي في فرنسا، بعد أن أتممت دراستي وعدت وفتحت مكتب دراسات مختصا بمجال الطاقة، وبعد الاستقرار في تونس قمنا بإنجاز مشاريع كبيرة في مجموعة من الفنادق والمستشفيات، وانضممت في الوقت نفسه إلى الحركة الإسلامية في تونس، التي بدأت تتكون وقتها، وكان اسمها الجماعة الإسلامية، التي بدأت ملامحها تتضح منذ عام1971، وحتى قبل ذلك بقليل، وتطورت الأفكار لتتحول إلى اجتماعات كانت تعقد بين راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو ومحمد صالح النيفر، وصلاح الدين الجورشي، وصالح كركر، وصالح بن عبد الله. كان هؤلاء الأوائل المكونين لحركة الجماعة الإسلامية.
لم يهتموا بمسألة التسمية في البداية كثيرا، وعندما تواصلت معهم في البداية، رأيت أن الجانب السياسي لم يكن محور اهتمامهم، بل كانوا مهتمين أكثر بالجانب الدعوي، ولهذا اختاروا اسم «الجماعة»،
وكانت الدروس أساسا في المساجد ونشاطا في الجماعة، وحتى في الجامعة كان التركيز على ما يسمى بناء الفكر العقائدي.

* عمل «النهضة» في البداية

* في البداية كانت طريقة «الجماعة» تعتمد على الدعوة والإقبال من طرف شرائح مختلفة من الناس وليس الطلبة فقط، وبدأ عمل الغنوشي، و مورو، خاصة من على المنابر، بتقديم الدروس والحلقات، والملة القرآنية، خاصة التركيز على التفسير، لأن أفراد «الجماعة» وقتها كانوا يعتقدون أنه لا بد من تحقيق الصحوة الإسلامية التي ماتت، والتي بقيت فقط في مشايخ الزيتونة.
وعاد الشباب بقوة للصلاة وللإقبال على المساجد، لكن الكل كان يجب أن يصلي ويترك، والأئمة كانوا موجودين لكن خطبهم بعيدة كل البعد عن الواقع في المجتمع، والفهم العصري للدعوة الإسلامية.
ولأن أغلب الشباب لم يكن جامعيا، حرصنا على تقديم دروس نسميها بالحلقات الأسبوعية تلم الشباب، ولكن هناك جمهورا بدوا خائفين، أغلبهم كان من التلامذة وبعض الحرفيين.

البداية كانت بعيدة عن السياسة
كانت تونس في بداية عقد السبعينات تعيش كبتا سياسيا كبيرا، وكانت سياسة الحزب الواحد طاغية على المجتمع، وكان الحزب الشيوعي محظورا منذ بداية الستينات، وبالتالي ممارسة السياسة كانت ممنوعة.
الدستور كان يقول إن هناك حرية، لكن فعليا لم تكن موجودة، ورأينا كيف تصرف النظام مع اليسار، وما تعرض له اليساريون من سجن وتشريد ومحاكمات، لهذا توصلنا لقناعة أن العمل يجب ألا يبدأ سياسيا، بل عبر الدعوة التي تبدأ من الجانب الفردي ثم الأسرة ثم الحي الذي تسكن فيه، لكن هذا لم يمنع أنه دارت كثير من النقاشات والجدل داخل «الجماعة» حول كيفية بداية العمل.
فكانت منا مجموعة تدعو إلى تجنب توخي أسلوب التصادم مع الدولة، وتدعو الى تحاشي التعجل وتقول بضرورة تأطير الشباب ودعوتهم، من دون فتح جبهات، لأن هذه المجموعة كانت تريد تجنب قمع الدولة والسجن وغيره وقتها، وكانت غالبية المجموعة من الكهول والكبار نسبيا في السن.
وفي المقابل كان النفس الآخر طلابيا شبابيا تأثر بالبعد الآيديولوجي لـ«الجماعة»، والبعد الاجتماعي، لأن المسألة تخص قضية العدالة الاجتماعية والعمال والنقابات، وبدأت في ذلك الوقت قوى شبابية تتشكل، وانتقلت من الجامعة إلى الحياة العامة.

* محمد صالح النيفر

* محمد صالح النيفر من مؤسسي حركة الاتجاه الإسلامي عام 1981، ولد في المرسى عام 1902، ودرس بالمعاهد الزيتونية، وارتقى إلى جميع مستوياتها، إلى أن تحصل على شهادة التطويع. أدار النيفر الفرع الزيتوني للبنات، وساهم في بعث جمعية الشبان المسلمين، أواخر العشرينات من القرن الماضي، بزعامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور.
واهتم كذلك بالأطفال اللقطاء المهملين، وأحدث لفائدتهم دار الرضيع، وكان الشيخ النيفر مقصد عدد من الشخصيات الوطنية السياسية والنقابية، على غرار الزعيم النقابي فرحات حشاد، والزعيم الوطني الحبيب بورقيبة، وقدم عليه كثير من أعلام العالم، مثل الحاج أمين الحسيني مفتي القدس، وعبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائرية، وضباط مصر مثل أنور السادات وحسين الشافعي لدعوته للتوسط في الأزمة بين بورقيبة وعبد الناصر، في بداية استقلال تونس.
ولقد عاش الشيخ محمد الصالح النيفر ثلاث مراحل حياتية لم تخل جميعها من التضييقات السياسية، وأولها مرحلة الصراع مع بورقيبة باني دولة الاستقلال، التي انتهت بتضييق الخناق عليه، وهجرته الإجبارية إلى الجزائر، التي تزامنت مع استقلالها. وخلال وجوده في الجزائر، مارس الشيخ محمد صالح النيفر التدريس في جامعة قسنطينة وقدم دروسا في المساجد والإذاعة، وكذلك في جمعية الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي. لكن هذا الأمر أحرج الرئيس الجزائري هواري بومدين، فاختار الشيخ العودة إلى تونس. وتعد هذه المرحلة الثالثة من حياته، وهي التي توّجها بتأسيس حركة الاتجاه الإسلامي سنة 1981، لكنه، بسبب المرض، انسحب من النشاط السياسي، وواصل متابعة الأوضاع السياسية إلى أن وافته المنية في فبراير (شباط) 1993.

* صالح كركر

* يعد صالح كركر من القيادات الأولى لحركة النهضة الإسلامية في تونس، ولد يوم 22 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1948، بقرية صغيرة في الساحل التونسي.
أسس عام1981 مع راشد الغنوشي حركة الاتجاه الإسلامي، التي أصبحت، منذ سنة 1989، تحمل اسم «حركة النهضة».
نفت سلطات النظام التونسي السابق كركر لمدة 18 سنة في فرنسا، وبقي فيها قيد الإقامة الجبرية، ولكنه تُرك حرا لكونه يحمل صفة «اللاجئ السياسي».
رفعت عنه السلطات الفرنسية قرار النفي والإقامة الجبرية في أكتوبر (تشرين الأول) 2011، بعد شهرين من الثورة التونسية، وعاد الى تونس يوم 19 يونيو (حزيران) 2012 وشارك في المؤتمر التاسع لحركة النهضة. يحمل كركر درجة ثالثة من الدراسات المعمقة في الاقتصاد، وشهادة الدكتوراه في الإحصاء، وهو مؤلف عدة كتب علمية، من بينها كتاب «نظرية القيمة» و«النظام الاقتصادي في الإسلام».

* «الجماعة».. «الاتجاه الإسلامي» ثم «النهضة»

* قبل أن تبرز الجماعات المتشددة والتنظيمات المسلحة التي تنتسب إلى «الإسلام السياسي» في تونس، كان غالبية الإسلاميين التونسيين منذ مطلع السبعينات في القرن الماضي، ينتسبون مباشرة أو غير مباشرة إلى «الجماعة»، أو «الجماعة الإسلامية»، التي أسسها عشرات من الخطباء والوعاظ في الدين وخريجي جامع الزيتونة والجامعات التونسية العصرية عام 1972. وكان من بين أبرز «المؤسسين» بعض أساتذة الفلسفة والفكر الإسلامي والعلوم الشرعية، مثل راشد الغنوشي واحميدة النيفر وعبد الفتاح مورو وعبد القادر سلامة ومحمد الصالح النيفر.
لكن «الجماعة» ظلت تتأرجح في مرجعياتها الفكرية بين أدبيات علماء ومصلحين تونسيين ومغاربيين، مثل محمد الطاهر بن عاشور ونجله محمد الفاضل بن عاشور ومحمد الشاذلي النيفر ومحمد الحبيب المستاوي ومحمد بالحاج ومحمود الباجي، ورموز «الإسلام السياسي» في المشرق العربي، خاصة في مصر وسوريا ودول الخليج، مثل محمد الغزالي ومحمد قطب.
كما استفاد قادة «الجماعة الإسلامية» من انتشار كتب الإخوان المسلمين في تونس، بسبب خلافات الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر، في النصف الثاني من الستينات، ومن معارضة بورقيبة لقرار إعدام زعماء الإخوان المسلمين، خاصة سيد قطب، الذي سمح بورقيبة خاصة بترويج كتابه «في ظلال القرآن».
لكن تأثير «الجماعة الإسلامية» بقي محدودا جدا، ومتمركزا حول الأنشطة الثقافية والدينية، إلى نهاية السبعينات، بسبب ثلاثة عوامل:
الأول: سماح بورقيبة بهامش كبير من حرية التعبير، مما سمح ببروز منظمات حقوقية واجتماعية مستقلة وصحف وأحزاب معارضة «ليبرالية» وأخرى «يسارية».. بما أدخل ديناميكية على البلاد ساهمت في دفع قيادات «الجماعة الإسلامية» نحو الشأن العام، ومحاولة المشاركة في الأحداث السياسية والنقابية الوطنية.
الثاني: ظهور تيار شبابي مسيَّس في الجامعة أطلق على نفسه «الاتجاه الإسلامي» نجح بسرعة في استقطاب غالبية عموم الطلبة حول خطاب «أكثر انفتاحا» انتقد «القراءات التقليدية» للإسلام، وبينها مدرسة الإخوان المسلمين.
وانتعش هذا التيار أكثر، أواخر السبعينات، بعد تزايد نفوذ «أقصى اليسار الماركسي الثوري» في الجامعة، ونجاح «الثورة الإسلامية ضد الاحتلال السوفياتي في أفغانستان»، و«الثورة الشعبية في إيران».
الثالث: بروز مراجعات فكرية وسياسية داخل قيادات «الجماعة»، أواخر السبعينات، ومطلع الثمانينات.. وتعالي أصوات في القيادة المركزية (بينها احميدة النيفر وصلاح الدين الجورشي)، وخارجها تمسكت بخيار «التجديد والإصلاح والتميز عن مدرسة الإخوان المسلمين».
الرابع: الكشف في ديسمبر (كانون الأول) 1980 عن القيادة السرية لتنظيم «الجماعة الإسلامية» التي تأسست عام 1972 بزعامة راشد الغنوشي وعن كل المشاركين في هياكل الجماعة مركزيا وجهويا.. وقد دعم ذلك المستجد أنصار تقنين وضعية الحركة وتطويرها من «جماعة» إلى حزب سياسي قانوني ومدني، على غرار الأحزاب الليبرالية واليسارية، التي أعلنت عن نفسها رسميا.
لكن الإعلان الرسمي عن تأسيس حزب حركة الاتجاه الإسلامي في 6 يونيو (حزيران) 1981 لم يوقف مسار المحاكمات السياسية لقيادات الحركة وأنصارها، بدءا من محاكمة «القيادة التاريخية» في سبتمبر (أيلول)، وأكتوبر (تشرين الأول) 1981، بأحكام بلغت الـ11 عاما سجنا.
وأفرج بورقيبة في أغسطس (آب) 1984 عن تلك القيادة، لكنه عاد إلى تنظيم محاكمات شاملة ضدهم في 1987، بينها أحكام بالإعدام والمؤبد.
شاركت الحركة في انتخابات 1989 ضمن قوائم مستقلة بعد أن غيرت اسمها الى حركة النهضة.
لكن مواجهات جديدة اندلعت بين بن علي وقيادات «النهضة» مطلع التسعينات، كانت حصيلة حملة شاملة لاستئصالهم، وأحكاما بالإعدام والسجن شملت نحو عشرة آلاف من عناصر الحركة.
وبعد ثورة يناير 2011 عادت قيادات النهضة من منافيها إلى تونس، وأعادت مع قيادات الداخل تأسيس حزب قانوني في مارس (آذار) 2011 شارك في انتخابات أكتوبر 2011، التي دخلت بعدها الحركة إلى البرلمان الانتقالي والحكومة بالاشتراك مع اثنين من الأحزاب العلمانية.
لكن الأوضاع الإقتصادية والاجتماعية الصعبة، والأستقطاب السياسي وبروز العنف المسلح أدت الى استقالة الحكومة الأولى برئاسة حمادي الجبالي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي



اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.


أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.