ترام القاهرة التاريخي يقاوم رحلته الأخيرة

الإهمال أدى إلى تهالك عرباته بعد أن كانت محطات في أفلام الزمن الجميل

ترام القاهرة في ثلاثينات القرن الماضي
ترام القاهرة في ثلاثينات القرن الماضي
TT

ترام القاهرة التاريخي يقاوم رحلته الأخيرة

ترام القاهرة في ثلاثينات القرن الماضي
ترام القاهرة في ثلاثينات القرن الماضي

لمدة تزيد على قرن ظل ترام القاهرة صامداً أمام تقلبات السياسة والزمن، ومساهماً رئيسياً في نقل سكان العاصمة المصرية، مخترقاً بسهولة واقتدار معظم أحيائها وشوارعها التراثية. ووثقت السينما المصرية أشكال عربات الترام ومساراته ومحطاته، في بعض أفلام الأبيض والأسود القديمة، بجانب بعض الأفلام الحديثة، ليرتبط بتاريخ القاهرة وذكريات المواطنين والسائحين على مدار عقود طويلة، لكن غياب التخطيط والإهمال في الآونة الأخيرة، أدَّيا إلى تراجع خطوطه واقترابه من الخروج نهائياً من حسابات هيئات النقل العام والمواصلات المصرية، بعد انتهاء العمر الافتراضي لعرباته وتهالكها.
وطالب سكان حي مصر الجديدة بعدم إزالة خطوط الترام الذي يُطلق عليه السكان «مترو مصر الجديدة» والحفاظ على ما تبقى منه، وإعادة تطوير هذا المرفق التراثي والتاريخي. لكن رئيس حي مصر الجديدة المهندس إبراهيم صابر، قلّل من مخاوف سكان الحي، بشأن إزالة الترام بشكل كامل، عندما قال إن «محافظة القاهرة تبحث تطوير الترام مع شركة تصنيع عربات سكة حديد مصرية، لتحسين أداء وكفاءة الخدمة، بالإضافة إلى وضع أقدم عربة مترو، في ميدان الإسماعيلية بحي مصر الجديدة احتفاءً بهذا المرفق التراثي».
وأضاف: «صابر» في مداخلة تلفزيونية: أنه «تمت إزالة جزء خارج الخدمة من قضبان الترام، لتسببه في زحام مروري بإحدى المناطق مع استحالة عودة خط الترام بتلك المنطقة للعمل مرة أخرى، وهو ما أثار مخاوف المواطنين من إزالة ترام مصر الجديدة بشكل نهائي لكن نعمل على تطويره وإحيائه من جديد».
وتابع: «هناك مناقشات مع نواب مصر الجديدة، لإصدار قرار بتشكيل لجنة لدراسة مستقبل مترو مصر الجديدة»، مؤكداً أن هناك مقترحاً بإنشاء خطين: الخط الأول يبدأ من محطة (ألماظة) حتى (ميدان المحكمة مروراً بالمطرية)، والخط الثاني يبدأ من (الكلية الحربية مروراً بشارع الحجاز حتى ميدان روكسي).
يشار إلى أن ترام العاصمة، قد سار لأول مرة في شوارع القاهرة في عام 1896. حسب ما نشره الكاتب محمد سيد كيلاني في كتابه «ترام القاهرة»: «في بداية شهر أغسطس (آب) عام 1896، شقت قاطرة أول ترام شوارع العاصمة، بداية من نقطة الانطلاق في ميدان العتبة الخضراء، لينقل الناس من عصر البداوة والتأخر إلى عالم الحضارة والتمدن، وكان الناس في القاهرة يعانون أشد المعاناة من صعوبة التنقل لأسباب كثيرة، منها عدم توافر وسائل النقل وبطء حركتها ثم المعاملة السيئة من أصحاب الحمير والعربات، وكان الظلام سائداً، لأن الشوارع الرئيسية فقط كانت هي التي تحظى بالإضاءة عن طريق (غاز الاستصباح)». وأوضح كيلاني أنه بدخول القاهرة عصر الترام حدثت ثورة هائلة، حيث راجت حركة التجارة ونشط البيع والشراء وأُنشئت المحال الكبرى في ميدان العتبة الخضراء، قلب العاصمة، وكثرت المسارح وصالات الرقص وحدثت حركة في المدينة تشبه إلى حدٍّ ما اللهاث للحاق بركب العصر من نهضة عمرانية وفنية ورياضية، كما ظهر على الساحة ما سُمي «الأدب الترامي»، ووجد الأدباء أنفسهم في أحاديث لا تنقطع عن هذا العالم الجديد. ولفت إلى أنه قد حدث انفلات في أسعار الأراضي الواقعة بالقرب من خطوط الترام وزادت أسعارها أضعافاً وجنى أصحابها من وراء ذلك أرباحاً طائلة.
وطالب مواطنون مصريون بإعادة تشغيل خطوط الترام المتوقفة بعد إعادة تحديثه وتطويره مع الاستفادة من المسارات الخاصة به، لتخفيف الزحام المروري، لأنه يخدم قطاعات كبيرة جداً من المواطنين خصوصاً الموظفين والطلاب، وأكدوا أنه يتميز عن باقي المواصلات العامة الأخرى، بالسرعة والأمان والانتظام ورخص سعر تذكرته.
وقال محمد عبد الحميد، 35 سنة، موظف قطاع خاص لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتمد على مترو مصر الجديدة في تنقلاتي اليومية من (حي المطرية) وحتى (ألماظة)، شرق القاهرة، حيث أسكن في (شبرا الخيمة)، بسبب رخص تذكرته وسرعته المعتادة مقارنةً ببطء سير حافلات النقل العام وسيارات الأجرة، بسبب الاختناقات المرورية في شوارع شرق القاهرة، لكن بسبب توقف خط المطرية حالياً، وضم مساره إلى نهر الشارع لعبور السيارات، أصل إلى محل عملي في ساعتين عبر 4 مواصلات بتكلفة تصل إلى 25 جنيهاً في اليوم الواحد، بينما كان الترام يوفر في الجهد والوقت والمال».
وأضاف: «لو عاد هذا الخط للعمل سيدرّ أرباحاً جيدة لهيئة النقل العام، لأنه يسهم في نقل آلاف الموظفين والطلاب يومياً، وسيحل أزمة المرور الخانقة بمنطقة (التجنيد)».
من جانبه قال محمد السيد إبراهيم، موظف بالقطاع الحكومي لـ«الشرق الأوسط»: «لو رفعت هيئة النقل العام سعر تذكرة الترام بعد تطويره إلى 5 جنيهات سأحرص على ركوبه يومياً، لأنه سيكون أفضل لي من باقي الوسائل الأخرى، بسبب سرعته ودرجة الأمان به، لذلك نطالب الحكومة بسرعة إعادة تشغيله والحفاظ عليه، لأنه مرفق مريح وتاريخي يجب الحفاظ عليه بدلاً من هدمه».
إلى ذلك، طالب عبد الرحمن سعيد، بدراسة أزمة المترو بشكل جيد، وعدم الاستسهال، مع البحث عن أفكار وحلول خارج الصندوق، لأن نفس عربات الترام التي كانت تسير في شوارع القاهرة، هي نفسها التي تسير في الإسكندرية، وتنتجها شركات حكومية ورّدت أخيراً عربات إلى مرفق الإسكندرية الذي يعمل بانتظام حتى الآن.
وأضاف: «ما يحدث قلة حيلة وفقر في التفكير، وليس قلة موارد ما دامت هناك مرافق ترام تعمل حتى الآن في مصر وخارجها، مثل ترام الدار البيضاء في المغرب، وترام أديس أبابا بإثيوبيا أيضاً».
من جهته قال المهندس عمرو رؤوف، أحد المهتمين بالدفاع عن «مترو مصر الجديدة»، لـ«الشرق الأوسط»: «إلغاء خطوط الترام لم يتسبب في حدوث أي سيولة مرورية، مثلما رددت وزارة النقل، بل زادت كثافة السيارات، لأن وحدة الترام الواحدة يوجد بدلاً منها في الشارع 20 سيارة أجرة (ميكروباص) لاستيعاب أعداد الركاب يومياً». ولفت إلى أن «زيادة عدد الأوتوبيسات العامة لن يحل الأزمة أيضاً، لأن شوارع القاهرة تحولت إلى جراج كبير، والشوارع في الأصل مزدحمة جداً وغير صالحة لاستقبال سيارات أخرى».
وأضاف: «الحكومة حوّلت ترام القاهرة من وسيلة للنقل والمواصلات والتنزه إلى مرفق خاسر، لغياب الحلول، والاستسهال». ولفت إلى أن الحكومة ستحتفظ بخطين فقط، للمواطنين الذين يحنّون إلى الماضي والتاريخ، رغم أن دراسة (جايكا) أو (الوكالة الدولية للتعاون الدولي اليابانية) اقترحت تجديد مترو مصر الجديدة وتحويله إلى 3 خطوط ترام سريعة».
وتابع أن قطار العاصمة الإدارية الجديدة، سيربط القاهرة عند محطة بمدينة نصر، لكن مسار مترو مصر الجديدة، يبدأ من ميدان رمسيس بقلب القاهرة، وهذه ميزة إضافية للتسهيل على المواطنين القادمين عبر محطة مصر.



«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
TT

«مرسل إلى»... مسرحية مصرية تقاوم الإفرازات النفسية للحروب

العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)
العرض المسرحي «مرسل إلى» تناول الحربين العالميتين (مهرجان المسرح العربي)

ضمن الدورة الـ16 من مهرجان «المسرح العربي»، التي تقام حالياً في مصر للمرة الثالثة، بتنظيم من «الهيئة العربية للمسرح»، ورعاية وزارة الثقافة المصرية، تنافس مسرحية «مرسل إلى»، التي نالت جائزة «المركز الأول» في المهرجان الختامي لفرق الأقاليم المسرحية، وجائزة «أفضل تصميم ديكور» في المهرجان القومي للمسرح في دورته الـ18، على جائزة الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عرض مسرحي.

عرض «مرسل إلى» يطرح مفهوم «الحرب والسلام»، ويسلط الضوء على الصراع بين دولتي فرنسا وألمانيا، من خلال أحداث ذات أبعاد فلسفية، ومشاعر إنسانية دارت خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية، من منظور جندي فرنسي، يسترجع معاناته وأزماته وأسباب اندلاع الحرب.

وعن كواليس كتابة «مرسل إلى» واختياره ثيمة الطرح الإنساني، قال المؤلف طه زغلول إن أفكار النصوص بالنسبة له في البداية تكون عبارة عن أسئلة، يحتاج إلى مشاركتها مع غيره كي يجد لها إجابة، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «السؤال في نص (مرسل إلى) انشغل به الناس خلال الفترة الماضية، وهو (هل سيتعرض العالم لحرب عالمية ثالثة؟)، ومن هنا كانت بداية كتابة نص (مرسل إلى)، الذي تحول بعد ذلك لمسرحية تتناول (الأزمات الإنسانية) التي تفرزها الحروب».

لقطة من العرض المسرحي «مرسل إلى» (مهرجان المسرح العربي)

وكشف زغلول، الذي كتب النص قبل 4 سنوات، أنه كان محظوظاً كون مخرج العرض هو محمد فرج، لافتاً إلى أن المشكلة التي تواجه جيله من المؤلفين، تتمثل في أن «أغلب المخرجين يهتمون بتقديم صورة معينة بغض النظر عن الأفكار المكتوبة، وأن المميز والمختلف في محمد فرج أنه قدم صورة مسرحية مذهلة بناءً على النص المسرحي المكتوب»، على حد تعبيره.

وأوضح زغلول أن «مرسل إلى» هو المشروع الثاني الذي جمعه بالمخرج محمد فرج بعد مسرحية «مائة وثلاثون قطعة»، التي عرضت العام الماضي، وحصلت على جوائز عدة، منوهاً بأن فريق العمل أقرب إلى فرقة مسرحية لأن غالبية العناصر مشتركة في العرضين، وفي مقدمتها مصمم الديكور محمد طلعت الذي كانت له بصمة واضحة شكلت إضافة للتجربة.

وعن أهم المراجع التي استعان بها في كتابة النص، قال زغلول: «استعنت ببعض مراجع عن الحربين العالميتين الأولى والثانية»، لافتاً إلى أن النص ليس تأريخاً لفترة زمنية أو لحدث معين، بل يناقش فكرة تأثير الحروب على الأفراد والناس العادية، وأن أغلب نصوصه تستند إلى وقائع تاريخية حقيقية.

ويؤكد زغلول أن الميزانية المحدودة، خصوصاً للعروض الخاصة، وعروض الجامعة، والثقافة الجماهيرية، تؤثر على مستوى العروض، موضحاً أنه كلما كانت الميزانية أكبر كانت مساحة الإبداع أكبر، لكن صناع مسرحية «مرسل إلى»، خصوصاً المخرج محمد فرج ومصمم الديكور محمد طلعت، استطاعوا استغلال الميزانية المحدودة بأفضل طريقة ممكنة.

تناول العرض المسرحي الحرب من منظور فلسفي (مهرجان المسرح العربي)

وعن اختياره «القضايا الإنسانية» لتسليط الضوء عليها في كتاباته، أكد زغلول أن الإنسان هو الإنسان في كل وقت وأرض، مخاوفه واحدة واحتياجاته واحدة، لذلك عندما اختار واقعة تاريخية حصلت قبل عشرات السنين «فإنني أرى أنها تلمس الواقع الذي نعيشه، كما أنني أتعمق في سرد الأفكار كي تصل للناس دون قيود»، حسب قوله.

وعن توقعه نيل جائزة من مهرجان «المسرح العربي» في دورته الـ16 التي تختتم فعالياتها الجمعة، أكد زغلول الذي حصد «المركز الأول» في مسابقة التأليف في الدورة الـ10 من المهرجان نفسه، أن الجوائز بشكل عام تعبّر عن وجهة نظر وذائقة لجنة التحكيم، لكن ما يشغله دائماً هو تقديم الكثير من الأعمال المميزة التي تدعو الناس للتفكير، وتشعرهم بالمتعة الفنية.

مسرحية «مرسل إلى»، لفرقة «بيت ثقافة السنبلاوين»، وإنتاج الإدارة العامة للمسرح، من تأليف طه زغلول، وإخراج محمد فرج، وشارك بها مجموعة كبيرة من الممثلين، من بينهم محمود الحسيني، وشموع وائل، وطلعت حسين، ومحمد صبح، وعاصم الجوهري، وأحمد علاء، وطارق المصري، ومحمد سليمان، ومحمد هاشم، وآية أشرف.


«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
TT

«فن القاهرة» يستضيف رموزاً تشكيلية عربية ومهاجرة في المتحف الكبير

المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)
المعرض يقيم دورته السابعة في المتحف المصري الكبير (إدارة المعرض)

تحت شعار «عربياً هنا الفن»، المستوحى من كلمات الشاعر محمود درويش: «هذه لغتي، معجزتي، عصاي السحرية»، في احتفاءٍ باللغة العربية بوصفها قوة ثقافية حيّة تُشكّل التعبير الفني، يقيم معرض «فن القاهرة» دورته السابعة في المتحف المصري الكبير، بمشاركة أكثر من 700 عمل فني لنحو 300 فنان من 15 دولة، بينهم رموز للفن في الدول العربية، وكذلك فنانو المهجر.

ويحتفي المعرض هذا العام بالفنان جرجس لطفي، تقديراً لإسهاماته الراسخة في المشهد الفني المصري وتأثيره العميق في أجيال من الفنانين.

وضمن فعاليات النسخة السابعة، التي تُقام في الفترة من 22 إلى 26 يناير (كانون الثاني) الحالي، يقدّم «فن القاهرة» معرضاً متحفياً فردياً للفنانة إنجي أفلاطون، مستمداً من مقتنيات متحف الفن الحديث، ليُعيد تسليط الضوء على إرثها الفني، ويؤكد دور المجموعات المتحفية بوصفها أرشيفاً حيّاً في حوار مستمر مع الحاضر، وذلك بالتعاون بين «مبادرة فن القاهرة» ووزارة الثقافة المصرية، وفق بيان لمؤسس المعرض.

ويقول مؤسس ومدير «فن القاهرة»، محمد يونس، إن هذا المعرض هو الوحيد في مصر المكرّس حصرياً للفنان العربي، سواء كان مقيماً في العالم العربي أو في المهجر ويمثّل فنانين عرباً على الساحة الدولية.

«فن القاهرة» يتضمن أعمالاً لأجيال مختلفة (إدارة المعرض)

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الأعمال التي يتضمنها المعرض هي نتاج حكايات وتجارب وقضايا إنسانية تعبّر عن مشاعر الفنان العربي، من الفرح إلى القلق، أينما كان موقعه. كما تشهد هذه الدورة مشاركات من هولندا والنرويج عبر فنانين عرب، في تأكيد على حضور الفن العربي عالمياً».

وتشارك في المعرض صالات عرض فني من مصر تقدم أعمالاً لفنانين من أجيال مختلفة ومدارس فنية متنوعة، تتناول التاريخ الاجتماعي، والذاكرة السياسية، والتجريب المادي، واللغة البصرية المعاصرة. كما تشارك فيه «غاليريهات» من لبنان بأعمال تستكشف مفاهيم الهوية، واللغة، والاغتراب، والسرد الفني عبر أجيال ووسائط متعددة.

وكذلك تشارك صالات عرض من الأردن بأعمال تعكس ممارسات فنية تمزج بين التجريد والتشخيص والتجربة الإنسانية المعيشية في المشرق العربي. كما تشارك صالات من أبوظبي ودبي وهولندا والنرويج والبحرين.

وينظّم المعرض أنشطة ثقافية ضمن برنامج «حوار»، تتناول العلاقة بين الفن والجمهور وسوق الفن في الوطن العربي والدور المؤسسي في إبراز الفن العربي وتأكيد خصوصية هذا الفن وسماته المميزة.

ويشير يونس إلى أن «القاهرة هي الحاضنة الطبيعية لمعرض (فن القاهرة)، والأنشطة الثقافية المرافقة للمعرض، سواء للزوار أو المقتنين، تعكس حيوية المدينة وغناها الفني. من خلال متاحفها، وإرثها الثقافي، والفنانين والمعارض الموازية المقامة في أماكن تاريخية وقصور، يتجلّى تنوّع وثراء المشهد الفني العربي وقدرته على التواصل الحقيقي مع الجمهور».

معرض «فن القاهرة» شهد مشاركات واسعة في دوراته السابقة (إدارة المعرض)

وتُعدّ الدورة السابعة هي أولى الدورات التي تُقام في المتحف المصري الكبير بعد افتتاحه الرسمي، إذ كان قد احتضن من قبل ثلاث دورات للمعرض خلال فترة افتتاحه التجريبي. وحول خصوصية المتحف وملاءمته لاستضافة «فن القاهرة» يقول مؤسس ومدير المعرض: «يُعدّ المتحف المصري الكبير البيت الجدير لفن القاهرة، حيث استضاف ثلاث دورات قبل افتتاحه الرسمي. وتأتي النسخة السابعة متزامنة مع افتتاحه الرسمي، ليشكّل ذلك محطة مهمة واستثنائية».

ورأى يونس أن «الدخول إلى المتحف يضع الزائر في حالة فخر واعتزاز بتاريخ عظيم، ووجود فن القاهرة المعني بالمشهد الفني العربي المعاصر داخل هذا الصرح الثقافي العالمي، يؤكد دور القاهرة عربياً وعالمياً بوصفها مركزاً حضارياً وفنياً وثقافياً. ومن المتوقع أن ينعكس ذلك بزخم أكبر، وحضور جماهيري أوسع، وتفاعل أعمق مع المعرض».


معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
TT

معرض «بين الأنفاس»... الصورة تستعيد دورها خارج منطق الشرح

ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)
ما يبدو عادياً يخفي جهداً يومياً للاستمرار (تارا الخازن)

تُقدّم الفنانة تارا الخازن، في معرضها الفردي «بين الأنفاس»، صوراً عن لبنان الذي تراه حالة داخلية تتشكَّل بين شهيق وزفير. المعرض، المُقام في صالة «بلو روز» بمنطقة التباريس البيروتية حتى 23 يناير (كانون الثاني) الحالي، يُحاول التقاط اللحظة الفاصلة التي يُعلّق فيها الإنسان حياته مؤقّتاً كي يستمرّ. وبين الأعمال، تصبح الصورة وقفة ومحاولة فَهْم.

تعود فكرة المعرض إلى مسير طويل قطعته الفنانة عبر لبنان في ربيع 2023. كان الهدف الحركة نفسها. وفي يومياتها، تكتب عن الحاجة إلى الركض. إلى فكّ قبضة رغبات قديمة. إلى التقاط نَفَس كامل. هذا الدافع الشخصي تحوَّل إلى بنية عمل. فالكاميرا وسيلة نجاة، وحين تضيق الحياة، يُختصر العالم في إطار يُمكن احتماله.

صور تارا الخازن تبحث عن مساحة للفهم (الشرق الأوسط)

يبحث «بين الأنفاس» عن التفاصيل التي تمرّ عادة من دون انتباه. صورة «عيد ميلاد أمي» في تنورين مثلاً، التي تُسجّل احتفالاً عائلياً، تضعنا أمام علاقة مضطربة مع الزمن. فالاحتفال محاولة لتثبيت شيء يتفلّت. كأنّ الصورة تقول إنّ العائلة في بلد قَلِق تصبح شكلاً من أشكال الصمود الرمزي، فيحتفل أفرادها كي لا ينهاروا، ويخلقون مناسبة لإقناع أنفسهم بأنّ الاستمرارية لا تزال ممكنة.

في أعمال أخرى، تنتقل تارا الخازن من البشر إلى الأشياء من دون أن تغادر الفكرة الأساسية. في «طيور من سلك» بصيدا، نرى مجسّمات تشبه الطيران. الصورة لا تُحمَّل معنى مباشراً لتترك للمُشاهد أن يقرأ ثمن الحرّية حين تُصنَع من مواد قاسية. إنها صورة عن الرغبة والمخيّلة التي تحاول التعويض في بلد يُتقن اختراع رموز للانعتاق فيما الواقع يُضيِّق الخناق.

الشارع والسوق يحضران في المعرض على هيئة مساحات للعيش الممكن. في «شارع علي» و«سوق صيدا»، لا تُراقب الفنانة من الأعلى ولا تبحث عن غرابة مُفتعلة. الكاميرا قريبة ومتأنّية، تتبع الوجوه والحركات والازدحام والفوضى الممتدَّة. تُريد معنى آخر للمعرض أن يتكشّف، فيفهم زائره أنّ الحياة تُصاغ في هذا العادي المُتكرّر الذي يتطلَّب جهداً هائلاً للاستمرار، وليس فقط في اللحظات الاستثنائية.

الشارع يُصوَّر مثل إيقاع حياة يُعاد كلّ يوم (تارا الخازن)

تبلغ هذه المقاربة ذروتها في «أطفال عليا» من عكار. صورة لا تستدرج العاطفة بسهولة ولا تُقدّم الطفولة على أنها مساحة براءة مصقولة. الأطفال واقفون بين عالمَيْن. بين اللعب والوعي المُبكر، وبين الخفَّة والثقل. قوة الصورة في ما لا تقوله. في الأسئلة التي تتركها معلّقة حول ما يُحمَّل لهؤلاء الصغار من أدوار قبل أوانها. وحول الفارق بين ما يُفترض أن تكونه الطفولة وما يُفرَض عليها أن تكون.

ثم تأتي «اصطدمتُ بجدار» من اللقلوق بمثابة اعتراف بصري. هي لحظة داخلية أكثر من كونها صورة عن المكان. فالجدار نفسي، مما يجعلها صورة عن الوصول إلى حدّ ما، وربما التعب من الحركة نفسها. ومع ذلك لا تصرخ، فتترك الوجع مستتراً ومضبوطاً، كأنّ الفنانة تعي أنّ التعب لا يحتاج دائماً إلى إعلان كي يكون صريحاً.

يصبح النظر فعلاً بديلاً عن الكلام (تارا الخازن)

يتوسَّع المعرض أيضاً ليشمل فعل المُشاركة. تحويل الطابق العلوي إلى مساحة تصوير تُتيح للزائرين الجلوس أمام العدسة، ينقلهم من موقع المُشاهدة إلى موقع الظهور. ومع ذلك، لا تُعدّ الفكرة تفاعلية بالمعنى الشائع. إنها فكرية. فإذا كانت الصور قد بدأت على أنها وسيلة لتماسُك الفنانة، فهي تتحوَّل إلى مساحة مشتركة وأرشيف يتكوَّن أمام العيون ويؤكّد أنّ الضعف الإنساني جماعي.

تختبر الصورة قدرتها على الإمساك بما يتفلّت (الشرق الأوسط)

يأتي «بين الأنفاس» في لحظة مفصلية من تجربة تارا الخازن، حيث تتعامل مع الصورة على أنها مساحة اختبار. ليس البحث عن موضوع كبير هو ما يلفت في أعمالها، وإنما الإصرار على التفاصيل المُنفلتة، والإقرار بأنّ الرؤية نفسها عمل جارٍ وليس نتيجة نهائية. هذا التردُّد الإيجابي، إن صحَّ التعبير، يمنح الصور قيمتها. فهي لا تدَّعي السيطرة على الواقع وإنما تتركه في حالته الأولى بين الوضوح والالتباس.

القراءة القيّميّة لكامي حجّار لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة (الشرق الأوسط)

يُواكب التنسيق القيّمي للمتخصّصة في فنون الإعلام الجديد والممارسات المعاصرة، كامي حجّار، هذا المنحى من دون أن يطغى عليه. فالقراءة القيّميّة لا تُغلّف الأعمال بمعانٍ جاهزة ولا تدفعها إلى استعراض مفاهيمي. ثمة ثقة واضحة بالصورة وبقدرتها على الكلام من داخلها. وذلك يظهر في ترتيب الأعمال وفي فتح مساحة مُشاركة للجمهور.

قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف (الشرق الأوسط)

يقترح «بين الأنفاس» أن نمنح الصورة حقّها في أن تكون فعل تفكير. وهو اقتراح يكتسب أهميته اليوم لندرته في عصر يُطالِب الفنّ بأن يشرح نفسه سريعاً. فما يفعله هذا المعرض فعلياً هو أبعد من الدفاع عن البطء. إنه يُواجه فكرة باتت تحكُم علاقتنا بالصور كلّها، وليس بالفنّ وحده. فكرة أنّ الصورة إما أن تُقنِع فوراً وإما أن تُنسَى. والأهم أنه يتعامل مع الذاكرة على أنها شيء قيد التكوُّن. فالصور المُختارة، بين العائلة والشارع والأطفال والاصطدام بالجدار، تلتقط آليات العيش في لبنان عوض جَمْع حكاياته. وذلك يجعل المعرض أكثر من تجربة شخصية. إنه قراءة بصرية لثقافة كاملة تدرَّبت طويلاً على التكيُّف، حتى صار التكيُّف بذاته سؤالاً.