أهالي «معابر التهريب» في لبنان يتوعدون بالرد على وقف رزقهم

«الشرق الأوسط» تستطلع المنطقة التي أغلقتها القوات الروسية من الطرف السوري

لبنانيون يعبرون الساتر الترابي في القصر سيراً على الأقدام للوصول إلى الضفة الثانية من الحدود («الشرق الأوسط»)
لبنانيون يعبرون الساتر الترابي في القصر سيراً على الأقدام للوصول إلى الضفة الثانية من الحدود («الشرق الأوسط»)
TT

أهالي «معابر التهريب» في لبنان يتوعدون بالرد على وقف رزقهم

لبنانيون يعبرون الساتر الترابي في القصر سيراً على الأقدام للوصول إلى الضفة الثانية من الحدود («الشرق الأوسط»)
لبنانيون يعبرون الساتر الترابي في القصر سيراً على الأقدام للوصول إلى الضفة الثانية من الحدود («الشرق الأوسط»)

أمتار قليلة تفصل العسكري السوري النظامي عن عاملين لبنانيين يستقلان جراراً زراعياً داخل الأراضي اللبنانية. خلافاً لجلبة المحرك الزراعي، لا ضوضاء في المنطقة الحدودية الواقعة في أقصى شمال شرقي لبنان. وحدهم عناصر الفرقة 11 في الجيش السوري التابع لإمرة روسية، يشغلون السواتر الترابية بمعدل أربعة عسكريين يرابضون في نقطة حدودية، تبعد عن الأخرى 150 متر تقريباً. أما في الداخل اللبناني، فلا يملك السكان إلا النقمة والاعتراض: «أرزاقنا مهددة، ونعيش في حصار»، يقول لبناني في بلدة القصر الحدودية، ويضيف آخر: «لم نقدم 128 شهيداً ليخنقنا الروس»، مضيفاً بلهجة قاسية تتضمن عبارات الوعيد: «إذا لم تُفتح الحدود، لن نتردد في مقاومة من يمنعنا عن أرزاقنا».
وكان أهالي المنطقة الحدودية مع سوريا فوجئوا، ومن غير سابق إنذار، الأسبوع الماضي، بعناصر سورية تحت إمرة روسية، يزرعون الأسلاك الشائكة على السواتر الترابية الحدودية مع سوريا، ويزرعون الألغام المضادة للمشاة. وهي خطوة، أراد منها الروس ضبط الحدود مع لبنان، وإقفال المعابر غير الشرعية، وإغلاق ممرات التهريب مع سوريا، قبل أن يبلغ الأهالي في المنطقة الروس عبر قنوات غير مباشرة، أن الخطوة غير مرحب بها، وغير مرغوب بهم في المنطقة، كما يقول السكان، فانسحب الروس وأبقوا عناصر سورية تابعة للفرقة 11 في الجيش السوري، والتي تؤتمر من قيادة القوات الروسية في سوريا، تبعتها خطوة بعد يومين، قضت بإزالة الأسلاك الشائكة والألغام، والإبقاء على عناصر انتشرت على مسافة تتعدى الـ30 كيلومتر.
ولا يخفي السكان أن إقفال المعابر الحدودية غير الشرعية مع لبنان، قضى على حركة الدخول والخروج الاعتيادية منذ السبعينيات من القرن الماضي، ورسم قواعد اشتباك جديدة، تقضي بفصل «الشعبين» في «الدولتين»، وإلزام اللبنانيين بالسير 70 كيلومتراً للمرور عبر معبر جوسيه الشرعي، لقاء الوصول إلى أراضيهم الزراعية المقابلة على مسافة مائتي متر خلف الساتر الترابي. وأقفلت 8 معابر غير شرعية كانت تمر السيارات والآليات عبر العبور فوق ترعات مياه من متفرعات نهر العاصي، بينما يقع أقرب معبر شرعي، في بلدة القاع المحاذي لجوسيه السورية بريف حمص الجنوبي.
والواقع أن الحرب السورية منذ سبع سنوات، لم تمنع آلاف اللبنانيين القاطنين في المنطقة الحدودية مع ريف حمص الجنوبي الغربي، من ارتياد الأراضي السورية. يقول سكان بلدة القصر، البالغ تعدادهم أكثر من 15 ألف شخص، بأن اللبنانيين يمتلكون أراضي زراعية في الداخل السوري في قرى ريف القصير، فضلاً عن وجود 30 ألف لبناني يعيشون في قرى وبلدان بلدات مطربة، وزيتا، والفاضلية، وحاويك، وجرماش، ووادي العرايش والسماقيات، وهي بلدات سورية يقطنها لبنانيون، تدخل «حزب الله» في العام 2013 في الحرب السورية بدافع «حمايتهم» كما أعلن الحزب آنذاك. انتهت الحرب في المنطقة في صيف 2013. وعادت لسيطرة النظام السوري، ولم تقبل المعابر مع لبنان «تسهيلاً لدخول اللبنانيين وخروجهم إلى أرزاقهم»، قبل أن تتخذ روسيا القرار في الأسبوع الماضي.
ويتحدث أبناء بلدة القصر لـ«الشرق الأوسط»، عن أن الفرقة 11 التابعة للجيش السوري: «وصلت إلى المنطقة في الأسبوع الماضي، وأقفلت الحدود وكل المعابر والطرقات غير الشرعية، وزرعت الألغام والشريط الشائك على طول الحدود». اعترض الأهالي، وأبلغوا الروس باعتراضهم. ويشيرون إلى أنه «تم إبلاغ القوات السورية بالاعتراض على إقفال المنافذ الحدودية كاملة». وقال مصدر بارز في البلدة: «أخذت الدولة السورية الاعتراض بعين الاعتبار، وتواصلت دمشق مع الروس. وبعدها بيومين فقط، بدأت القوات السورية بإزالة الألغام والشريط الشائك، وبقي الجيش السوري منتشراً، واضطر إلى فتح معبر صغير للمشاة يدخل عبره اللبنانيون إلى قرى ريف القصير، حيث يستقلون سيارات أجرة سورية للوصول إلى أرزاقهم في القرى السورية».
ويعد هذا الإجراء الثاني الذي تتخذه القيادة العسكرية الروسية في المنطقة، بعد اتخاذها قراراً في مطلع الشهر الماضي بالانتشار على طول الحدود مع لبنان، قبل أن يعترض «حزب الله» على «الخطوة غير المنسقة»، ويُحلّ الخلاف بوساطة دمشق عندما سيطر جنود من قوات النظام على ثلاثة مواقع انتشر فيها الروس قرب بلدة القصير في منطقة حمص.
لكن الإجراء الأخير يطال بشكل صريح، مصالح اللبنانيين وخطوط التهريب والعبور غير الشرعي مع لبنان، علما بأن المعبر الشرعي الوحيد يقع في بلدة القاع اللبنانية إلى الشرق من الهرمل، وتبعد عن بلدة القصر مسافة 30 كيلومتراً، ما يعني أن أصحاب الأراضي يتعين عليهم العبور مسافة 70 كيلومتراً، منها 40 كيلومتراً داخل الأراضي السورية، للوصول إلى ممتلكاتهم.
مقاربتان للاعتراض
غير أن الأسباب التي تقف وراء هذا الاعتراض، تتخطى وجود ممتلكات للبنانيين في سوريا. فالسكان هنا، يقدمون مقاربتين مختلفتين، أولاهما الاعتبار بأن إقفال الحدود له هدف سياسي روسي، يسعى لإقفال منافذ العبور التابعة لسلاح «حزب الله» من سوريا، وإقفال منافذ التهريب، بالنظر إلى سهولته في هذه المنطقة السهلية على ضفاف نهر العاصي، خلافاً لمناطق شرق بعلبك الجبلية التي تصعب فيها عمليات التهريب، وهي مناطق لم ينتشر الروس أو القوات السورية الحليفة لهم فيها. ويقول السكان: «ذرائع الروس حول دخول الإرهابيين والسيارات المفخخة، غير صحيحة. فالمنطقة آمنة منذ 2014. وبالتالي، لا إرهابيين هنا».
أما المقاربة الثانية للاعتراض، فهي اقتصادية بحتة، يعبر عنها السكان بالقول: «لن نسمح بخنقنا، ولن نسمح بتحويلنا إلى منطقة معزولة ومحاصرة». وتنطلق هذه المقاربة من كون اللبنانيين، يعيشون في منطقة نائية تفتقد للخدمات، ووجد السكان منفذاً لذلك بالتوجه إلى سوريا لشراء حاجياتهم، وللطبابة، كونها أقرب، وأقل سعراً. يقول أحد سكان القصر: «كنت أتزود بحاجات البيت من سوريا بقيمة 2000 ليرة سورية، أستطيع أن أشتري حاجاتنا من الخضار والفواكه، بينما أحتاج إلى نحو 30 دولارا لشرائها من لبنان»، مضيفاً: «إذا مرض طفلي، أنقله إلى حمص عبر السير مسافة ثلث ساعة، بينما أحتاج لأكثر من ساعة ونصف الساعة للوصول إلى بعلبك، فضلاً عن أن الكشف عليه عند طبيب يكلفني في سوريا 500 ليرة سورية (دولار ونصف الدولار) بينما أدفع في لبنان نحو 50 دولارا». ويختم: «لقد خنقونا».
منفذ لتخفيف الاحتقان
فيما تتضاءل الحركة في البلدة، يطالب السكان الآن الدولة اللبنانية بحل المشكلة وتحريك العجلة الاقتصادية، عبر استحداث معبر شرعي في المنطقة مع ريف القصير. يتناقل هؤلاء أن وجهاء البلدة أبدوا استعدادهم لتقديم قطعة من الأرض تصلح لتشييد معبر شرعي عليها. ويقول أحد السكان: «لا نعارض ضبط الحدود، ونحن نرغب في وجود الدولة في منطقتنا، لكننا نطالب بمعبر شرعي. كان التنقل مسموحاً قبل الأزمة السورية. الآن ماذا تغير؟ حضر الروس ليضايقونا، كذلك تضايقنا الدولة السورية الآن رغم وجود أملاك لنا في الداخل السوري. ثمة بيوت ومزارع وأراضٍ لنا هناك. ماذا نفعل؟» ويقول: «نحن لا نحتمل خنقنا، ولن نسمح به. إذا لم تتحرك الدولة اللبنانية، يجب على دمشق أن تحل المشكلة. وإذا لم تُحل، فإننا سنقاوم من يعمل على حصارنا، وهذا ما يجمع عليه أبناء المنطقة»، مضيفاً: «لم نقدم 128 شهيداً بسبب الحرب السورية لنُخنق بعدها»، في إشارة إلى القتلى الذين سقطوا في المعارك مع فصائل المعارضة وانخراط بعضهم في القتال إلى جانب «حزب الله» في منطقة القصير، إضافة إلى تعرض البلدة لصواريخ وقذائف من الداخل السوري بين العامين 2012 و2014.



الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
TT

الحصار الحوثي لمدينة تعز ينذر بكارثة صحية وشيكة

حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)
حياة المرضى الأكثر هشاشة أمام مخاطر جسيمة في تعز (إعلام محلي)

حذّرت وزارة الصحة العامة والسكان اليمنية من كارثة صحية وشيكة في مدينة تعز، مع استمرار الحصار الذي يفرضه الحوثيون على المدينة، واقتراب نفاد الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والوقود في المرافق الصحية؛ مما يضع حياة آلاف المرضى على المحك.

وقالت الوزارة، في بيان، إن ما تشهده تعز لا يقتصر على أزمة في الإمدادات الطبية، «بل يمثل تهديداً مباشراً لحياة المرضى والجرحى والأطفال والنساء الحوامل وحديثي الولادة، الذين يعتمدون على استمرار الخدمات الصحية لإنقاذ حياتهم وتخفيف معاناتهم».

وأكدت أن «خلف كل سرير في المستشفى إنساناً ينتظر العلاج، وخلف كل نداء استغاثة أسرة تخشى فقدان أحد أفرادها، وأن كل نقص في دواء أو وقود قد يحوّل حالة قابلة للعلاج إلى مأساة لا يمكن تداركها».

ونبّهت الوزارة إلى أن «استمرار الوضع قد يؤدي إلى توقف خدمات الطوارئ والعمليات الجراحية والعناية المركزة وغسل الكلى وحضانات الأطفال حديثي الولادة، بما يعرّض حياة المرضى الأكثر هشاشة لمخاطر جسيمة». كما أن «النقص الحاد في الوقود يهدد بتوقف مولدات الكهرباء، وسيارات الإسعاف، وتعطل سلاسل التبريد اللازمة لحفظ الأدوية واللقاحات، الأمر الذي قد يحرم المرضى من الرعاية المنقذة للحياة، ويزيد احتمالات حدوث مضاعفات خطيرة ووفيات يمكن تفاديها».

الحوثيون يفرضون حصاراً محكماً على مدينة تعز (إعلام محلي)

وأكدت الوزارة أن المرضى ينبغي ألا يدفعوا ثمن الصراع من حياتهم، وأن المستشفيات يجب أن تظل «ملاذاً آمناً لكل من يحتاج إلى العلاج، لا أن تتحول إلى مرافق عاجزة عن تقديم أبسط الخدمات؛ بسبب انقطاع الإمدادات وتعذر الوصول إليها». وقالت إن «كل ساعة تأخير في وصول الأدوية والوقود والمستلزمات الطبية تضاعف المخاطر، وتضيّق فرص إنقاذ الأرواح، وتزيد معاناة المرضى وأسرهم».

مطالب بفتح الطرق

حمّلت وزارة الصحة اليمنية الحوثيين المسؤولية عن الحصار وعرقلة وصول الإمدادات، وما يترتب على ذلك من تداعيات صحية وإنسانية، مطالبة برفع الحصار فوراً وفتح طرق الإمداد دون تأخير أو عوائق، وضمان المرور الآمن للمرضى والجرحى وسيارات الإسعاف والطواقم الطبية، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية والإمدادات الصحية إلى جميع المرافق المحتاجة.

ودعت الوزارةُ الأممَ المتحدة والمنظماتِ الإنسانية والشركاءَ الدوليين والجهاتِ الداعمةَ للقطاع الصحي إلى «تحرك عاجل وفاعل يتناسب مع حجم التهديد، والعمل على إيصال الأدوية والمحاليل والمستلزمات الطبية والأكسجين والوقود بصورة فورية وآمنة إلى المرافق الصحية في مدينة تعز، بالتنسيق مع الوزارة ومكتب الصحة في المحافظة، مع إعطاء الأولوية القصوى للخدمات المنقذة للحياة وضمان استمرار تشغيل المستشفيات ومراكز الرعاية الصحية».

طفل يمني في مدينة تعز المحاصرة من قبل الحوثيين يبيع عبوات بنزين (أ.ف.ب)

وناشدت المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية «عدم الاكتفاء برصد التحذيرات أو التعبير عن القلق، بل اتخاذ خطوات عملية وعاجلة تحول دون انهيار الخدمات الصحية وتحمي المدنيين من تداعيات كارثة يمكن الحد منها إذا جرى التحرك في الوقت المناسب».

وشددت الوزارة على أن حماية المرضى والمرافق الصحية والعاملين فيها، وضمان وصول الأدوية والمستلزمات الطبية والوقود، «ليست مطالب قابلة للتأجيل، بل مسؤوليات إنسانية تقتضي التحرك الفوري». وأكدت أن «ضمان وصول الرعاية الصحية إلى المحتاجين إليها ضرورة لحماية الحق في الحياة وصون الكرامة الإنسانية».

وقالت إن إنقاذ تعز يبدأ برفع الحصار وفتح طرق الإمداد وضمان وصول العلاج إلى من يحتاج إليه، مشددة على أنه لا يمكن أن يصبح نقص الدواء أو انقطاع الوقود سبباً في فقدان حياة كان بالإمكان إنقاذها.

أزمة صحية تتسع

من جهتها، أكدت «منظمة الصحة العالمية» أن الخدمات الصحية في المحافظات المتضررة من الصراع تواجه صعوبات كبيرة في مواكبة الاحتياجات المتصاعدة. وقالت إن نحو نصف المرافق الصحية هناك يفتقر إلى دعم الشركاء، مع استمرار وجود فجوات حرجة في خدمات رعاية الإصابات في الخطوط الأمامية وخدمات الرعاية الصحية المتنقلة.

الحوثيون حشدوا حملة ضخمة من قواتهم لاقتحام أرياف تعز ومحاصرة المدينة (إ.ب.أ)

وقال ممثل «منظمة الصحة العالمية» لدى اليمن، سيد جعفر حسين، إن الوضع يتحول إلى حالة طوارئ معقدة، تزداد فيها الاحتياجات الصحية في وقت تعاني فيه الموارد من ضغوط هائلة.

وأضاف أن حصول المصابين بجروح خطيرة على رعاية الإصابات خلال الساعة الأولى قد يحدد فرص نجاتهم، «إلا إن نقاط تثبيت حالات المصابين على ساحل لحج وفي الضالع تفتقر إلى شركاء لتشغيلها، في حين لا تستطيع سوى وكالات قليلة تقديم رعاية الإصابات، مما يخلّف فجوات حرجة على طول خطوط المواجهة».

وذكرت «المنظمة» أنه بحلول الأسبوع الماضي، لم تتلقَّ خدماتٍ صحيةً سوى نسبة تقل عن واحد في المائة من النازحين جراء التصعيد الأخير، البالغ عددهم 198 ألف شخص.

آلاف النازحين جراء التصعيد الحوثي يعانون غياب الرعاية الصحية والمأوى (أ.ب)

وأضافت أن المستشفيات تعاني نقصاً في «المستلزمات الجراحية، ومواد التخدير، ومستلزمات بنوك الدم، والوقود، في حين أصبحت طرق إيصال الإمدادات الأساسية أبطأ وأكثر تكلفة. كما توقفت خدمات الولادة الطارئة في كل من مأرب ورأس العارة».

وبصفتها الجهة القائدة كتلة الصحة في اليمن، قالت «منظمة الصحة العالمية» إنها تتولى تنسيق الاستجابة وتعمل «مزوّداً لخدمات الملاذ الأخير» في الحالات التي تعجز فيها أي جهة شريكة عن تقديم الخدمات. وأضافت أنها تستعد لـ«تعزيز قدرات تقديم الرعاية الطارئة وعلاج الإصابات، والاستجابة لتفشي الأمراض، وتوفير الخدمات والإمدادات الصحية الأساسية، بما في ذلك خدمات رعاية الأمهات والمواليد الجدد».


صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
TT

صور قتلى الحوثيين تتحول إلى تجارة مزدهرة في صنعاء

الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)
الحوثيون يستثمرون صور القتلى من أجل استقطاب مزيد من المقاتلين (إكس)

انعكست الخسائر البشرية المتزايدة التي تتكبدها الجماعة الحوثية في جبهات القتال على نشاط استوديوهات التصوير في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها، مع ارتفاع الطلب على تصميم وطباعة صور القتلى، لاستخدامها في مراسم التشييع والفعاليات التعبوية، وتعليقها في الشوارع والميادين العامة.

وقال عاملون في مجال التصوير لـ«الشرق الأوسط»، إن الجماعة كثَّفت خلال الأيام الأخيرة طلباتها لطباعة صور قتلاها بمقاسات مختلفة، موضحين أن آلاف الصور جرى تجهيزها لتلبية احتياجات مراسم التشييع والأنشطة التي تنظمها في مناطق سيطرتها.

وأشاروا إلى أن الجماعة تميّز في أحجام الصور بين القيادات العسكرية والمشرفين الميدانيين الذين تُخصَّص لهم صور كبيرة، والعناصر الأخرى التي تُطبع صورها بمقاسات أصغر، في تفاوت يستمر حتى بعد مقتلهم في الجبهات.

ويتزامن هذا النشاط مع استمرار سقوط قتلى حوثيين في جبهات تعز والساحل الغربي ومأرب والجوف ولحج والضالع وغيرها، وسط مساعٍ لإبقاء صور القتلى حاضرة في الفضاء العام، وتوظيف مراسم التشييع في التعبئة العسكرية والدعوة إلى مواصلة القتال.

صورة لدورية حوثية تنقل صوراً لقتلى الجماعة (فيسبوك)

وأكدت المصادر أن المطابع التي اعتادت الجماعة الاعتماد عليها لتجهيز صور قتلاها تواجه ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع أعداد القتلى وتتابع مراسم التشييع، ما دفعها خلال الأيام العشرة الماضية إلى توسيع نطاق الطباعة، والاستعانة باستوديوهات تصوير خاصة في صنعاء.

وحسب المصادر، تُطبَع أعداد كبيرة من الصور في صنعاء قبل توزيعها على المناطق التي ينتمي إليها القتلى، لتعليقها في الشوارع والأماكن العامة، بالتزامن مع تنظيم مواكب التشييع، والإعلان عن مصرع مزيد من عناصر الجماعة.

وأضافت أن الجماعة أنفقت ملايين الريالات على طباعة الصور لدى محلات التصوير الخاصة خلال الفترة الأخيرة، في ظل ازدياد الطلب على تجهيزها بمقاسات وتصاميم متعددة.

استياء السكان

أثار هذا التحرك استياءً في أوساط السكان في صنعاء الذين استنكروا تخصيص الأموال والجهود لطباعة الصور ونشرها، معتبرين أن ذلك يعكس أولوية مواصلة التعبئة العسكرية، بدلاً من الاهتمام بالأوضاع المعيشية المتدهورة واحتياجات الأسر التي فقدت أبناءها.

وقال «زكي» -وهو عامل في استوديو للتصوير الفوتوغرافي بشارع الستين في صنعاء- إن الطلب على تصميم وطباعة صور قتلى الجماعة ارتفع خلال الفترة الأخيرة، موضحاً أن الطلبات تشمل صوراً بمقاسات مختلفة، تُستخدم في مراسم التشييع، وأخرى تُجهَّز للَّوحات واللافتات التي تُعلَّق في الشوارع والأحياء.

صور قتلى الحوثيين تطغى على مشهد صنعاء اليومي (الشرق الأوسط)

وأضاف أن تجهيز هذه الصور بات يشكِّل جزءاً ملحوظاً من عمل بعض الاستوديوهات؛ خصوصاً مع ازدياد الطلبات المرتبطة بمراسم التشييع والفعاليات التي تنظمها الجماعة.

من جهته، قال «نعمان» -وهو اسم مستعار لأحد سكان صنعاء- إن صور القتلى باتت حاضرة في عدد من الشوارع والأحياء، مضيفاً أن كل صورة تذكِّر بأُسرة فقدت أحد أبنائها، وتثير تساؤلات بشأن ما تحصل عليه هذه الأسر من رعاية ومساعدات بعد انتهاء مراسم التشييع.

تعبئة تتجاوز التشييع

يرى مراقبون أن التوسع في طباعة صور قتلى الحوثيين يتجاوز كونه نشاطاً تجارياً مرتبطاً بمراسم التشييع، ليعكس جانباً من مساعي الجماعة لتوظيف خسائرها البشرية في تعزيز خطاب التعبئة واستمرار حشد المقاتلين، عبر إبقاء القتلى حاضرين في الشوارع والميادين والفعاليات العامة.

مسلحون حوثيون على متن عربة عسكرية خلال تجمع في صنعاء (رويترز)

ويشير هؤلاء إلى أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتعبئة يطرح تساؤلات بشأن مصير الأسر التي فقدت أبناءها في جبهات القتال، ومدى حصولها على الرعاية والدعم اللازمين؛ خصوصاً عندما يكون القتيل عائل الأسرة أو أحد مصادر دخلها.

وفي ظل تفاقم الأعباء المعيشية وتدهور الخدمات، يرى مراقبون أن الإنفاق على طباعة صور القتلى وتوزيعها يكشف اختلالاً في أولويات الجماعة، التي تواصل تسخير الموارد للأنشطة التعبوية، بينما يواجه السكان أزمات معيشية خانقة، وتكابِد أسر القتلى تداعيات فقدان أبنائها.


جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
TT

جبهات «فجر اليمن» تستنزف الحوثيين جواً وبراً

قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)
قوات من ألوية العمالقة الجنوبية التابعة للحكومة اليمنية بالقرب من باب المندب (أ.ب)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها السابع، الأحد، مع اتساع نطاق الضربات الجوية التي تستهدف مواقع الجماعة الحوثية وتعزيزاتها في جبهات تعز والساحل الغربي، بالتزامن مع استمرار العمليات البرية لقوات ألوية العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، ومحاصرة مجموعات من الحوثيين في محيط مضيق باب المندب، وسط تقديرات عسكرية بارتفاع خسائر الجماعة إلى نحو 12 ألف قتيل وجريح خلال الأيام الستة الأولى من العملية.

وامتدت الضربات الجوية من جبهات القتال في تعز إلى مواقع وأهداف عسكرية في مناطق خاضعة للحوثيين داخل صنعاء وصعدة وحجة وإب، في مسار يعكس اتساع الضغط العسكري على الجماعة، بالتوازي مع عمليات إسناد جوي للقوات الحكومية في محاور القتال، ومحاولات حوثية لاستعادة مواقع خسرتها في الساحل الغربي.

وأعلن المركز الإعلامي لمحور تعز العسكري أن الطيران الحربي شن، الأحد، غارات استهدفت مواقع وتجمعات وآليات حوثية في تلال المقرمي والجَعشة والسلال شرقي مدينة تعز، إضافة إلى حصن المخعف ومنطقة بلعان في جبهة الأقروض جنوب المحافظة.

قوات الحكومة اليمنية تفرض حصاراً منذ أيام على جيوب حوثية في جبهة باب المندب (أ.ب)

وفي الساحل الغربي، أفادت قوات العمالقة الجنوبية بتدمير خمس مركبات حوثية مدرعة ومقتل من كانوا على متنها، خلال محاولة للتقدم باتجاه مطار ذوباب، كما أعلنت التصدي لهجوم حوثي على مواقعها شمال المطار، وإلحاق خسائر بشرية ومادية بالمهاجمين، بالتزامن مع غارات جوية استهدفت تعزيزات دفعتها الجماعة إلى المنطقة.

وتأتي هذه المواجهات في وقت تسعى فيه القوات الحكومية إلى تثبيت سيطرتها على المناطق المحررة في باب المندب وجزيرة ميون وجبال كهبوب، ومنع الحوثيين من استعادة مواقع استراتيجية تطل على المضيق والساحل الغربي، بينما تواصل القوات البرية عملياتها لتوسيع المكاسب الميدانية وتأمين المناطق المحيطة بها.

1900 عملية استهداف خلال يوم

في تطور يعكس كثافة العمليات العسكرية، أعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ أكثر من 1900 عملية استهداف مباشرة ودقيقة خلال الساعات الـ24 الماضية، في الجبهات الشرقية والغربية والجنوبية الغربية، ضمن عملية «فجر اليمن».

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن الاستهدافات طالت مخازن الأسلحة والذخائر، والتحصينات والمعسكرات والمواقع العسكرية، والنقاط الواقعة على المرتفعات الحاكمة، إلى جانب مناطق الحشد والتجميع ومرابض المدفعية ووسائط نقل العناصر والإمدادات.

ضربات جوية على مواقع الحوثيين في محيط مدينة تعز المحاصرة (إعلام محلي)

وأضاف النزيلي أن العمليات استهدفت أيضاً أهدافاً عسكرية وصفها بالمشروعة وعالية القيمة في عمق المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، مشيراً إلى أن التقديرات الميدانية الأولية تشير إلى تحييد أكثر من 1150 من عناصر الجماعة، وتدمير أو إعطاب أكثر من 180 آلية ووسيلة قتالية ونقل وإمداد خلال الفترة ذاتها.

وأكد المتحدث العسكري أن القوات البرية واصلت تطوير هجومها، محققة تقدماً ميدانياً جديداً، ومستعيدة مواقع إضافية، ومثبتة سيطرتها على مرتفعات ومواقع حاكمة، في إطار مساعيها لتعزيز المكاسب التي تحققت منذ انطلاق العملية.

وفي تعز، اتسعت المواجهات لتشمل محاور متعددة جنوب شرقي المدينة وغربها، حيث أفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية واصلتا التصدي لهجمات الحوثيين وتنفيذ عمليات استهداف ضد تجمعاتهم وتحركاتهم.

وذكر موقع «سبتمبر نت»، التابع لوزارة الدفاع اليمنية، أن المواجهات تركزت خلال الساعات الماضية في جبهات الشقب والأقروض جنوب شرقي المدينة، وجبل حبشي غرباً. وتمكنت القوات الحكومية من كسر هجوم حوثي على مواقعها في جبهة الشقب، مما أسفر، وفق الموقع، عن مقتل أكثر من 25 عنصراً من الجماعة وإصابة آخرين.

كما نفذت وحدات عسكرية ومجموعات من المقاومة الشعبية كمائن في جبهات المسراخ والبيرين جنوب المحافظة، وجبل حبشي غرباً، قالت إنها أوقعت عشرات القتلى والجرحى في صفوف الحوثيين.

وقدمت الطائرات المسيَّرة التابعة لمحور تعز إسناداً جوياً للقوات الحكومية، مستهدفة عناصر الجماعة وأسلحتها وتعزيزاتها، بينما أعلنت القوات إسقاط طائرة مسيَّرة انتحارية حوثية شرقي المدينة.

وامتد الإسناد الجوي إلى مديرية سامع شرقي المحافظة، حيث استهدف الطيران تجمعاً لعناصر الحوثيين ومواقع أخرى، إضافة إلى مدفع في منطقة مسلقة بمديرية جبل حبشي. كما نفذ ثلاث غارات على مواقع وتجمعات للجماعة في جبهتي الأقروض وجبل سامع.

تمسك حكومي باستعادة الدولة

سياسياً، أكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي عزم القيادة اليمنية على مواصلة عملية «فجر اليمن» لإنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة، مشدداً على المضي في العملية مهما كلف ذلك من تضحيات.

وقال رئيس الوزراء اليمني شائع محسن الزنداني إن العملية تمضي بثبات نحو تحقيق أهدافها، مشيراً إلى استمرار التقدم الميداني لقوات العمالقة الجنوبية و«درع الوطن»، بدعم من تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، لتأمين باب المندب وذوباب وجبال كهبوب بعد تحريرها من الحوثيين.

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفع شعارات الجماعة وأعلام إيران وحزب الله اللبناني (إ.ب.أ)

وأضاف الزنداني أن المكاسب الميدانية تجسد إرادة اليمنيين في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، وأن تضحيات القوات المسلحة والمقاومة الشعبية تمثل ركيزة أساسية في معركة استعادة الدولة وترسيخ الأمن والاستقرار.

وقال رئيس الوزراء اليمني إن الحوثيين يواصلون استهداف المدنيين والأعيان المدنية، مشيراً إلى الهجوم الأخير على مطار عدن الدولي، إلى جانب الهجمات والانتهاكات في محافظة تعز. وقال إن هذه الممارسات تكشف عن نهج قائم على العنف والإضرار بمقدرات البلاد، في محاولة لكسر إرادة اليمنيين ومنعهم من استعادة دولتهم.

وجدد الزنداني تقدير الحكومة للدعم السعودي، مؤكداً أن إسناد تحالف دعم الشرعية يمثل عاملاً مهماً في معركة استعادة مؤسسات الدولة وحماية أمن اليمن واستقراره.

وفي موازاة التطورات العسكرية، صعَّد مجلس الوزراء اليمني لهجته إزاء توسيع الحوثيين نطاق الحصار على تعز، محذراً من أن التصعيد الأخير بات يهدد حياة وأمن ومعيشة أكثر من ستة ملايين مواطن في المحافظة.

ووجَّه المجلس الجهات الحكومية والأمنية والعسكرية بالتنسيق مع السلطة المحلية لحماية السكان، وضمان استمرار الخدمات الأساسية ووصول المساعدات الإنسانية، والاستعداد للتصدي للتهديدات الأمنية، مع الالتزام بحماية المدنيين واحترام القانون الدولي الإنساني.

كما دعا المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى ممارسة الضغط على الحوثيين لوقف الهجمات ورفع الحصار، مجدداً التزام الحكومة باستعادة سلطة الدولة وإنهاء الانقلاب، وتحقيق أهداف عملية «فجر اليمن» التي أعلنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي.