أين ينتهي التاريخ ويبدأ الأدب؟

علاقة إشكالية بينهما وحدود متداخلة

الشاعر السيد جلال  -  المؤرخ عاصم الدسوقي
الشاعر السيد جلال - المؤرخ عاصم الدسوقي
TT

أين ينتهي التاريخ ويبدأ الأدب؟

الشاعر السيد جلال  -  المؤرخ عاصم الدسوقي
الشاعر السيد جلال - المؤرخ عاصم الدسوقي

شكّل التاريخ بفواجعه ولحظات صعوده وانكساره مادة خصبه للأدب والشعر والفن، حتى أصبح الاثنان بمثابة فرعين في شجرة الحياة، لكن السؤال يظل قائماً: كيف يفسر التاريخ حاضرنا ويحدد هويتنا ومستقبلنا، وكيف يعمّق الأدب في إطار هذه العلاقة تجربتنا الإنسانية ويسمو بها نحو الأعمق والأجمل؟
«ثقافة» استطلعت آراء كتاب وشعراء ونقاد مصريين حول هذه العلاقة، وكيف رفدت تجاربهم الإبداعية، ورؤيتهم لواقعهم وللعالم.
- القاص سعيد الكفراوي: الأدب غير التاريخ
إن الأدب والتاريخ فرعان لشجرة واحدة، فالتاريخ يحاول عبر بحثه عن تسجيل حوادثه اعتماد الحقيقة أحياناً والوثيقة في أحيان أخرى، بينما الأدب يعتمد التخييل وإعادة إنتاج ما جرى، في محاولة دائمة لإثارة الدهشة والإجابة عن سؤال المصير، والسعي نحو المعرفة والتعبير عن القيم العليا، مثل: العدل والحرية والجمال، ومن ثم الألم الإنساني، وجروح الروح، وإدراكه معنى المجاز الذي يجابه أهوال الحياة والموت». يتابع الكفراوي: «حيث تزدحم صفحات التاريخ بصور ما جرى من حوادث الماضي، يتأمل الأدب وهو على قمة الوعي المستقبل ويتخيل حوادثه. وقد يكون التاريخ مادة لرواية ناجحة متخيلة مثلما في (اسم الوردة) للكاتب الإيطالي امبرتو إيكو، وفي بعض روايات أديب نوبل (نجيب محفوظ) مثل (أولاد حارتنا) و(كفاح طيبة» و(أمام العرش)».
يتمتع الروائي وكاتب القصص اللذان يستعينان بمادة تاريخية بالقدرة على استبعاد الواقعي والحوادث وتحويل تلك المادة إلى فن وإلى عمل من أعمال الخيال، لكن تبقى إشكالية الفصل بين الرواية والتاريخ، فرغم أن الأدب والتاريخ نوعان من أنواع القص، فإن كل منهما له تقاليده المستقلة تماماً، فالأدب يقوم على الانتخاب، وتجسيد المتخيل، وطرح السؤال، وهتك سر الأسطورة، ونحت أشخاص يأتون دائماً عبر الذاكرة وفق فضاء السرد الأدبي.
ربما اتفق التاريخ والأدب في اشتراكهما في الخطاب الثقافي والآيديولوجي، لكن يظل اختلافهما الأساسي في الشكل وطرق المعالجة والبناء والاستبصار، وفي النهاية يظل الأدب ينظر إلى التاريخ باعتباره مادة خاماً يمكن الاستفادة منها لتجسيد عمل أدبي متخيل، والدليل على ذلك تلك الروايات التي أبدعت وكان التاريخ مادتها.
التاريخي يخضع لاختبار الزمن وحضور الوثيقة، وصيرورة الحوادث، ويتغير بمجريات الأمور، بينما الأدب غير ذلك فحقيقته في جودة ما أبدعه وصدقه، في متخيله الدال على فطرة الكاتب التي من خلالها يمارس إبداعه عبر رؤية توازن بين الوجود والعدم والحقيقة والخيال، تلك الحقيقة التي نظر إليها يوماً فرناندو بيسوا، وقال عنها (ها أنا فريسة لقلق غامض فجأة، كف السكون عن التنفس، فجأة نهار لانهائي من فولاذ تشظى، ثمة ضوء بلا روح نفذ إلى الزوايا، وإلى الأرواح وصوت جبل قريب هو من الأعالي محزماً بصيحة حجاب الهاوية)... بالتأكيد الأدب غير التاريخ!».
- الروائية سهير المصادفة: التاريخ المسكوت عنه
هناك روايات تاريخية نجدها أقل أهمية وأقل جمالاً عن كتب التاريخ المتوافرة في المكتبات، هذه الروايات ارتضت لنفسها أن تتكئ على التاريخ اتكاءً كليّاً، ولأن التاريخ قد كُتب غالباً من وجهة نظرٍ رسمية، فإن الإبداع يكاد يضمحل تماماً من سطور الروايات المستقاة منه التي لا تكون في النهاية سوى صورة باهتة من كتبٍ رسخت في أذهان قرائها من شتَّى الأجيال؛ ولذا سرعان ما يرد هؤلاء القراء هذه الروايات إلى أصلها ويتعاملون معها على أنها لم تكن، تماماً كما نرد جملة موسيقية سمجة ومقلدة بركاكة إلى أصلها فلا نعاود الاستماع إلا إلى الأصل ونحذفها من حياتنا.
على الجانب الآخر، هناك روايات تاريخية آسرة، وهي تلك التي كُتبت بعد أن فهم كاتبها أنها عليها أن تكتب التاريخ المسكوت عنه في ثنايا التاريخ الرسمي، أي التاريخ الذي من المفترض أن يُكتب لو سُمح للشعوب بكتابته من وجهة نظرها هي لا من وجهة نظر كتبة الحكام. مشيرة إلى أن هذه الروايات لا تتكئ على التاريخ الرسمي، بل تخرج عليه وتحاكمه أحياناً وتتحاور معه تارة وتكذبه تارة أخرى، وتتناص معه في بعض مراحلها فتكون مثل سيمفونية رائعة تملأ أرجاء الماضي والحاضر والمستقبل، وعلى كل حالٍ الروايات التاريخية المهمة والرائعة قليلة في مكتبة العالم.
- الشاعر السيد جلال: كتابة التاريخ الحقيقي
للشعر دور بارز في العلاقة ما بين التاريخ والأدب، وذلك بما يمتلكه من أدوات لغوية ودلالات متعددة، وقدرة التسجيل، والتصوير، والاختزال، والتكثيف، إلا أن التسجيل مرتبط ارتباطاً وثيقاً بآيديولوجيات الشعراء ومرجعياتهم، وقناعاتهم بالأحداث، وثقافاتهم. إن كثيراً منهم مسكون بفكرة التعصب القبلي، ونرجسية الذات، فيسجلون لذواتهم ما ليس لهم، ويسلبون غيرهم ما هو لهم؛ ولأن الشعر أيضاً به آلية (الرمز- الشفرة)، التي قد تُستغلق على بعض المتلقين ولا يستطيعون فك طلاسمها، فيتم تأويلها بتأويلات قد تكون بعيدة عن الحدث نفسه وعن الشعر أيضاً، وقد يحملونها ما لا تحتمل من معانٍ.
هل يمكن أن يكون الشعر أداة لتاريخ موازٍ؟ إن ثمة صعوبات كثيرة ومعوّقات كثيرة بعضها يتم عمداً من قبل الأنظمة الحاكمة، وبعضها يعود للبيئات والعادات والتقاليد، وبعضها يرجع لتعدد المرجعيات والمعتقدات وإثارة التناحر فيما بينها لمن لهم المصلحة في ذلك سواء داخليا أو خارجيا، لذا فكتابة التاريخ الحقيقي للأمم التي لا يتمتع بحرية التعبير، وبشكل عام يشوبه عوار كبير، ولا يحظى بمصداقية حتى من عدد ليس بالقليل من أبنائه، ولا سيما المثقفين منهم ثقافة حقيقية، فكتابة التاريخ الحقيقي للشعوب في حاجة أساسية إلى المصداقية، والشفافية، والحيادية، ودقة التسجيل، والتخلي عن التعصب، والقبلية، وأمانة الطرح والنقل، واتساع الرؤية، والعمق، ووجود معايير متفق عليها لا تخضع للتلاعب، وألا تتدخل أصابع جهات خارجية في صياغته، وقبل كل هذا وجود حكماء يدركون أنهم بكلماتهم يكتبون تاريخهم لأبنائهم القادمين من رحم المستقبل، فلا شك أن الشعراء حين يكتبون قصائدهم تحركهم مشاعرهم وثقافاتهم ومرجعياتهم، وآلياتهم، وأدواتهم في هذا: الكلمة، والخيال، والصورة الشعرية، والتجربة، والإيمان بالموقف أو القضية، فماذا لو كان الشاعر ليس لديه هذه الأدوات، ولا يتمتع بهذه الصفات؟ فهل نعتبر ما يكتبه تأريخاً موازياً؟».
- المؤرخ عاصم الدسوقي: كتابة التاريخ تبدأ حين تنتهي السياسة
هناك أولاً فرق بين المؤرخ وبين الباحث في التاريخ؛ فالمؤرخ هو الذي يسجل الأحداث التي يعاصرها أولاً بأول، أو يوماً بيوم حسب رتم الأحداث دون إبداء رأي أو تحليل أو تفسير؛ لأنه لا يكتب بحثاً في التاريخ. وهذا النموذج متمثل في المؤرخين الأوائل وآخرهم مثلاً عبد الرحمن الجبرتي في كتابه «عجائب الآثار في التراجم والأخبار» الذي وقفت أحداثه عند عام 1822 قبيل وفاته في عام في عام 1824، أما الباحث في التاريخ فهو الذي يعتمد على ما تركه المؤرخ من أحداث، حيث يعمل على إعادة تركيب جزئيات الحدث لتفسير وقائعه والنتائج التي انتهى إليها. والباحث في التاريخ اصطلاحاً يعرف أن تحليل الحدث لا يتم إلا في ضوء توفر مصادره من حيث ما تركه «المؤرخ» وفي ضوء الأوراق الرسمية للدولة (الأرشيف)، وأما الذي يقوم بالكتابة عن حدث معاصر دون توفر الوثائق فإنه يغامر، بل ويتورط فيما لا يعرفه.
إن تقييم المراحل التاريخية يبدأ بعد أن تنتهي مرحلة حكم معينة وتأتي بعدها مرحلة أخرى، أي أن كتابة التاريخ تبدأ حين تنتهي السياسة، أي حين يغلق ملف مرحلة حكم وتبدأ مرحلة أخرى؛ حتى لا يقع باحث التاريخ تحت تأثير المناخ السياسي للمرحلة التي يعيشها. إن التاريخ علم، والعلم مستقل عن السياسة وعن الدين، أي لا يجب للباحث في التاريخ توظيف أحداثه لخدمة أوضاع واتجاهات سياسية أو دينية، والكاتب الذي يفعل ذلك يفقد علمية التاريخ وموضوعيه، بل يفقد أدبه مصداقيته.
والسير الذاتية تعد مصدراً من مصادر دراسة التاريخ عن فترة معينة، شرط ألا ينشرها صاحبها في حياته وإنما يكتبها لنفسه أولاً بأول وكأنه مؤرخ لإبداء رأيه في الأحداث التي يعاصرها وأشخاصها والنموذج لهذا النوع مذكرات سعد زغلول ومحمد فريد وعبد الرحمن فهمي رئيس الجهاز السري لثورة 1919... لأنهم ذكروا وقائع وهاجموا أشخاصاً واعترفوا على أنفسهم بحيث لم يكن من الممكن نشرها في حياتهم وإلا تعرضوا للقيل والقال، فمثلاً يعترف سعد زغلول على نفسه بأن داء شرب الخمر تمكن منه وكذا داء القمار، ومحمد فريد يسب شخصيات معاصرة بأقذع السباب ولو نشرها لرفعت عليه قضايا... أما الذي ينشر مذكراته في حياته فهذا نوع من الذكريات المختارة والمنتقاة؛ إذ لا يكتب عن نفسه إلا في إطار البطولة ولا يغترف بأخطائه وإنما يكتب عن الآخرين.



بين المسامحة وتعداد نعمك... 14 طريقة بسيطة ترفع مستوى سعادتك

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
TT

بين المسامحة وتعداد نعمك... 14 طريقة بسيطة ترفع مستوى سعادتك

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)
قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة (بيكسلز)

يقضي كثير من الناس حياتهم وهم يسعون إلى بلوغ حالة شبه دائمة من السعادة، معتقدين أنها ستتحقق وتستمر بمجرد الوصول إلى أهدافهم المالية أو العاطفية أو المهنية. ورغم أن السعادة لا يمكن أن ترافق الإنسان في جميع أيام حياته، فإن هناك العديد من الطرق التي يمكن اتباعها لرفع منسوب السعادة وتحسين الرفاهية النفسية. وفيما يلي أبرز هذه الطرق، وفقاً لموقع «ويب ميد»:

1. أضف بعض الحيوية إلى خطواتك

يقول العلماء إن المشي بخُطى واثقة مع تحريك الذراعين يُسهم في تعزيز الشعور بالإيجابية. وحتى إن لم تكن تشعر بالسعادة، فإن المشي بنشاط وحيوية قد يساعدك على التظاهر بها إلى أن تتحول إلى شعور حقيقي.

2. ابتسامة عريضة

هل ترغب في تحسين معنوياتك؟ ارفع زوايا فمك وابتسم. فعندما تبتسم بصدق، يمكنك التأثير في كيمياء دماغك والشعور بمزيد من السعادة.

3. تطوّع

ابحث عن فرص للمشاركة في مجتمعك أو لمساعدة صديق محتاج. فالتطوع لا يفيد الآخرين فحسب، بل ينعكس إيجاباً عليك أيضاً؛ إذ يُسهم في تحسين صحتك النفسية ورفاهيتك.

4. كوّن صداقات جديدة

قضاء الوقت مع أشخاص يهتمون لأمرك يمنحك شعوراً بالسعادة. لذا، كن منفتحاً على تكوين علاقات جديدة، سواء مع شخص تقابله في العمل، أو في النادي الرياضي، أو الحديقة العامة. وفي الوقت نفسه، احرص على الحفاظ على العلاقات التي تدوم مدى الحياة. وتُظهر الدراسات أن زيادة عدد العلاقات الاجتماعية ترتبط بارتفاع مستوى السعادة.

5. عدّد نعمك

دوّن كل ما هو جميل في حياتك. فبذل جهد واعٍ للنظر إلى الجانب المشرق يساعدك على التركيز على الإيجابيات بدلاً من السلبيات.

6. مارس الرياضة

قد لا يتطلب الأمر أكثر من خمس دقائق من النشاط البدني لتحسين مزاجك. إضافة إلى ذلك، فإن لتحريك جسمك فوائد طويلة الأمد؛ إذ تُسهم ممارسة الرياضة بانتظام في الوقاية من الاكتئاب.

7. سامح وانسَ

هل تحمل ضغينة في داخلك؟ دعها ترحل. فالمسامحة تُحررك من الأفكار السلبية، وتفتح المجال أمام السلام الداخلي، وهو ما يُمهّد الطريق للشعور بالسعادة.

8. مارس التأمل الذهني

خصّص ساعة واحدة أسبوعياً لممارسة التأمل. فهذا يمنحك جرعة من البهجة والسكينة والرضا، كما يُساعد على تكوين مسارات عصبية جديدة في الدماغ تُسهّل الشعور بالإيجابية.

9. شغّل بعض الموسيقى

للموسيقى تأثير قوي في المشاعر. اختر قائمة الأغاني المفضلة لديك، وانغمس في الإيقاع، وستشعر بتحسّن واضح في حالتك المزاجية.

10. احصل على قسط كافٍ من النوم

يحتاج معظم البالغين إلى سبع أو ثماني ساعات من النوم كل ليلة للحفاظ على مزاج جيد. وتزداد احتمالات الشعور بالسعادة عندما تحصل على قدر كافٍ من الراحة.

11. تذكّر «لماذا» تفعل ما تفعل

عندما يكون لديك هدف واضح تسعى إليه - سواء في العمل، أو ممارسة الرياضة، أو القيام بأعمال الخير - فإن ذلك يمنح حياتك معنى أعمق. ومع ضغوط الحياة اليومية، قد يسهل نسيان هذا الهدف؛ لذا خذ لحظة لاستحضاره في ذهنك. فالسعادة لا تقتصر على المتعة اللحظية، بل تشمل أيضاً الشعور بالرضا عند التقدّم نحو أهدافك.

12. تحدَّ صوتك الداخلي الناقد

هل تعرف ذلك الصوت الداخلي الذي يركّز دائماً على ما هو غير جيد؟ حاول أن تنتبه إلى اللحظات التي يؤثر فيها على مزاجك. أحياناً يكون محقاً وينبّهك إلى أمر يستحق الانتباه، لكنه في أحيان أخرى يكون مخطئاً أو يُضخّم الأمور ويجعلها تبدو أسوأ مما هي عليه. اسأل نفسك دائماً: «هل هذا صحيح؟».

13. انطلق نحو تحقيق أهدافك

اسأل نفسك عما إذا كانت أهدافك واقعية وقابلة للتحقيق في الوقت الحالي، أو على الأقل يمكن البدء بالعمل عليها. ثم حدّد هدفك بدقة؛ فبدلاً من قول «ممارسة الرياضة أكثر»، قل مثلاً «المشي لمدة 30 دقيقة يومياً ثلاث مرات هذا الأسبوع»، أو «تناول سلطة على الغداء مرتين هذا الأسبوع». دوّن هدفك، وكافئ نفسك على كل خطوة تُحرزها في طريق تحقيقه.

14. ابحث عن الأشخاص الإيجابيين

كما يُقال: «المشاعر معدية». لذلك، من المهم أن تُحيط نفسك بأشخاص واثقين، ومتفائلين، ويتمتعون بصحة نفسية جيدة. ومن المرجّح أن تنتقل إليك هذه الصفات، فتشعر بتحسّن ملحوظ، وحينها يمكنك بدورك نقل هذا الشعور الإيجابي إلى الآخرين.


تونس تكسر غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية في برلين

الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
TT

تونس تكسر غياب السينما العربية عن المسابقة الرسمية في برلين

الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)
الملصق الترويجي للفيلم الجزائري - الفلسطيني (إدارة المهرجان)

تكسر السينما التونسية الغياب العربي عن مهرجان «برلين السينمائي» في مسابقته الرسمية بالنسخة الـ76 التي تنطلق يوم 12 إلى 22 فبراير (شباط) المقبل من خلال فيلم «بيت الحس» للمخرجة ليلى بوزيد مع عرض أفلام مصرية ولبنانية وجزائرية وفلسطينية وسودانية ضمن البرامج المختلفة للمهرجان الألماني البارز.

وظهرت قائمة الأفلام المشاركة في المهرجان بعد إقامة المؤتمر الصحافي للإعلان عن تفاصيل الدورة الجديدة التي تشهد اختيار المغرب كضيف شرف لسوق الفيلم الأوروبي المقامة ضمن فعاليات المهرجان بهدف تسليط الضوء على الإنتاج السينمائي المغربي.

ويمثل السينما العربية بالمهرجان في المسابقة الرسمية «بيت الحس» الذي تقوم ببطولته آية بوترعة، وهيام عباس، وماريون وباربو، وفريال شماري، ومن إخراج ليلى بوزيد، وتدور أحداثه حول «ليلى» التي تعود إلى تونس من مقر إقامتها في فريس لحضور جنازة عمها، لكنها تصطدم بعائلة لا تعرف عنها شيئاً، وفي مواجهة عدة أسئلة حائرة تبدأ رحلتها لمحاولة التوصل لمعرفة سبب الوفاة المفاجئة لعمها.

يعرض الفيلم التونسي للمرة الأولى عالمياً في المسابقة الرسمية للمهرجان (إدارة المهرجان)

وتضم أفلام المسابقة الرسمية هذا العام 22 فيلماً منها الياباني «فجر جديد»، والأميركي «على البحر»، والبلجيكي «تراب»، والألماني «قصص محلية»، والتركي «خلاص» المدعوم من مهرجان «البحر الأحمر»، بينما أكدت إدارة المهرجان في مؤتمر صحافي، الثلاثاء، حرصهم على تقديم اختيارات متنوعة تمزج بين الكوميديا الساخرة وأفلام الإثارة النفسية وقصص الحب.

وفي مسابقة الأفلام القصيرة يشارك الفيلم اللبناني «يوماً ما ولد» من إخراج ماري روز أسطا، وهو العمل الذي تدور أحداثه حول طفل يمتلك قوى استثنائية، ويعيش مع خاله في قرية لبنانية، لكن هدير الطائرات الحربية الذي يكون جزءاً من المشهد اليومي يؤثر في الطفل الصغير.

ويعرض الفيلم الجزائري - الفلسطيني «وقائع زمن الحصار» للمخرج الفلسطيني عبد الله الخطيب في برنامج «العمل الروائي الأول» وهو الفيلم الذي تدور أحداثه في قلب مخيم لاجئين فلسطينيين تحت الحصار، حيث تنقلب الحياة اليومية لمجموعة من الفلسطينيين في ظل العزلة وانعدام الموارد، فيجد الأبطال أنفسهم أمام اختيارات قاسية.

ويعتمد الفيلم على تقديم وجهة نظر فلسطينية تستند إلى سرد صادق يلتقط التفاصيل الصغيرة والصمت والروابط الإنسانية مع الصعوبات التي يمر بها الأبطال في تجربة تستند إلى حكاية شخصية للمخرج خلال حصار مخيم «اليرموك» لكن مع تحرير السرد من أي سياق زمني أو جغرافي.

وفي البرنامج نفسه يشارك الفيلم اللبناني «يوم الغضب... حكايات من طرابلس» للمخرجة رانيا الرافعي وهو عمل وثائقي يستعيد 5 لحظات ثورية مرت بها مدينة طرابلس اللبنانية من 1943 وحتى اليوم، عبر تتبع مسار الاحتجاجات والتحولات في تجربة تمزج بين الذاكرة الشخصية والجماعية، بتقديم المدينة بوصفها نموذجاً لتحولات عدة.

يعرض الفيلم المصري «خروج آمن» في المهرجان (الشركة المنتجة)

وتفتتح عروض برنامج «البانوراما» بالفيلم اللبناني «لمن يجرؤ» للمخرجة دانيال عربيد، وتشارك في بطولته هيام عباس إلى جوار أمين بن رشيد، وتدور أحداثه في بيروت حول قصة حب غير متوقعة بين عثمان الشاب السوداني الذي يعيش بلا أوراق رسمية ويسعى لمستقبل أفضل، وسوزان الأرملة ذات الأصول الفلسطينية التي تكبره بأكثر من ضعف عمره، في تجربة تطرح العديد من القضايا حول الهوية والحب.

كما يعرض فيلم «خروج آمن» للمخرج المصري محمد حماد، ويقوم ببطولته مروان وليد ونهى فؤاد، وينتمي لنوعية أفلام التشويق من خلال قصة حارس أمن شاب يعاني من تداعيات صدمة مقتل والديه في أحداث عنف ديني قبل عقد.

وفي عروض قسم «الفورم الممتد» يستعيد المهرجان عرض فيلمين من كلاسيكيات السينما المصرية والسودانية، فمن مصر يعرض المهرجان النسخة المرممة من فيلم «أغنية توحة الحزينة» للمخرجة الراحلة عطيات الأبنودي وهو أول أعمالها السينمائية، ويبرز عالم فناني الشارع في القاهرة بمصاحبة صوت الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودي، وسبق أن حصد جوائز عدة في عدة مهرجانات وقت عرضه.

أما من السودان فيعيد المهرجان عرض فيلم «خلع العنبر» للمخرج الراحل حسين شريف الذي عرض عام 1975 وصور في مدينة سواكن شرق البلاد معتمداً على الصوت الغنائي للمطرب الراحل عبد العزيز داود في إبراز المدينة التي كانت يوماً مركزاً تجارياً نابضاً بالحياة قبل أن تتحول إلى أطلال.

وقال الناقد المصري أندرو محسن لـ«الشرق الأوسط» إن «التواجد العربي ضمن فعاليات المهرجان متناسب مع الإنتاجات السينمائية المحدودة عربياً التي يمكنها المشاركة في المهرجان بالإضافة إلى تفضيل بعض صناع الأفلام العرب عرض أفلامهم في مهرجان (كان) الذي توجد فيه برامج أكثر تضم أفلاماً مختلفة».

وأضاف أن «قدرة الأفلام العربية على المنافسة على الجوائز في برامج المهرجان لا يمكن توقعها لاعتبارات عدة منها جودة الأفلام المختارة واختيارات لجان التحكيم ومعاييرها».


فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
TT

فالنتينو غارافاني يرحل... عالم الموضة يُودّع الإمبراطور الأخير

المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012
المصمم في افتتاح معرض «فالنتينو: أستاذ الكوتور» بلندن عام 2012

توفي يوم الاثنين في منزله بروما فالنتينو غارافاني؛ المصمم الذي شكّل أسلوب جيل كامل، ولم يكتفِ بابتكار أناقة مفعمة بالترف، بل تماهى معها حتى غدت جزءاً من صورته العامة. مصمم وصفه والتر فيلتروني، عمدة روما عام 2005، بالقول: «في إيطاليا، هناك البابا، وهناك فالنتينو». وبمجرد إعلان خبر وفاته أمس، نعته رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، قائلة إن «إيطاليا خسرت أسطورة». توصيف ليس مبالغاً فيه، إذ برحيل فالنتينو غارافاني لم يُسدل الستار على عهد كامل زمنياً، بل انتهى عهد الكبار حرفياً.

المصمم يحيي ضيوفه بعد انتهاء عرض لخريف 2006 وشتاء 2007 في باريس (أ.ف.ب)

كان فالنتينو من جيل الكبار، الذين لم يعيشوا عصر «الترندات»، بل كانوا يتنافسون على التميز وكسب ودّ المرأة مهما استغرق التصميم من وقت وجهد. ورغم المنافسة الفنية التي كانت دائرة في عصره بين مصممين كبار في باريس، نجح في أن يرسم لنفسه خطاً واضحاً يرمز للحياة المرفهة الراقية في هدوئها. حتى لم تكن في أقصى أنوثتها مشروع إثارة، بل لوحة تجسد جمالاً يحتفل بالفخامة. هذه اللوحة لا تزال مرجعية لكل المصممين الذين توالوا على إدارة داره بعد اعتزاله في يناير (كانون الثاني) 2008.

لم يرضَ عنهم كلهم. كان خائفاً على هويته من الذوبان في أساليب تُهمِّش شيفرته الجينية لحساب استعراضات شخصية، لكنه اقتنع بابن بلده ببييرباولو بيكيولي، وربط معه علاقة طويلة دامت نحو 17 سنة. كان هذا الأخير أكثر من فهم شخصيته واحترم أن أسلوبه كان ثقافة قائمة بذاتها.

كان يعشق بريق النجمات ويقدم لهن أجمل الفساتين من جوليا روبرتس وكايت بلانشيت إلى سارة جيسيكا باركر (رويترز)

لم يُسوِّق لأسلوبه عبر علاقته مع نجمات هوليوود، مثل إليزابيث تايلور، وآفا غاردنر، ولانا تيرنر، وأودري هيبورن، وشارون ستون، وجوليا روبرتس، وغيرهن، بل عاشها هو نفسه بأناقته وفي حياته الخاصة. لم يُخفِ عشقه للموضة ولا ميله لحياة الترف، إلى حد القول إنه لم يكن أقل بذخاً أو أناقة من زبوناته من الطبقات الراقية والمالكة، مثل زوجة مؤسس شركة «فيات» ماريلا أنييلي، والأميرة ديانا، وفرح ديبا التي خرجت من إيران مرتدية معطفاً من تصميمه، ونانسي ريغان، وجاكي كينيدي وغيرهن.

فقد كان يتنقل على متن طائرة خاصة، بين قصره في روما، وشقة في نيويورك، وقصر بالقرب من باريس، وشاليه في غشتاد، ويخت طوله 50 متراً. في كتاب سيرته الذاتية، الذي نشرته «دار تاشن» عام 2007 قال: «بعض الناس يعملون بجدّ لدرجة أنهم يصبحون (معذبين)، أنا لست كذلك، أنا أريد أن أكون سعيداً حين أصمم فستاناً».

مع الممثلة إليزابيث هيرلي بفستان أحمر من تصميمه عام 2007 (أ.ب)

البداية

وُلد «فالنتينو كليمنتي لودوفيكو غارافاني» في 11 مايو (أيار) 1932 في فوغيرا، وهي بلدة صغيرة جنوب ميلانو، لعائلة من الطبقة المتوسطة. سُمّي فالنتينو تيمّناً بنجم السينما الصامتة. كان مثله وسيماً وأنيقاً. منذ صغره، لم يكن يقبل سوى بأحذية مُصمّمة خصيصاً له، ولا يخرج قبل أن يتأكد من أناقته. في تصريح سابق لمجلة «إيل» اعترف قائلاً: «أعاني من هذا الشغف منذ صغري، فأنا لا أحب إلا الأشياء الجميلة. لا أحب رؤية رجال بلا ربطات عنق، أو يرتدون كنزات، أو نساء بماكياج صارخ وسراويل فضفاضة. إنّ ذلك يعكس سوء تربية وانعدام احترام الذات». ومما يذكره المصمم بييرباولو بيكيولي عنه أنه نصحه في إحدى المرات بأن يتجنب تنسيق أحذية جلدية مع أزياء مصنوعة من أقمشة الموسلين. هذه التفاصيل لم تكن تفوته.

مع الممثلة آن هاثاوي عام 2011 التي ربطته معها علاقة صداقة وقد صمم لها فستان زفافها حتى بعد اعتزاله (أ.ب)

بسبب إصراره وحبّه للموضة، سمح له والده، وهو صاحب شركة متخصصة في الكابلات الكهربائية، بالالتحاق في سن السابعة عشرة بمدرسة الفنون الجميلة في باريس والانضمام إلى غرفة النقابة المهنية للأزياء الراقية. وقد أثّر أسلوب تلك الحقبة، الذي أعادت دار ديور تعريفه، على نظرته الجمالية المستقبلية، إذ ركزت تصاميمه على إبراز المرأة بخصر محدد وكعب عالٍ. لكن رغم تأثره بمصممي عصره، نجح في أن يضخّ أسلوبه بروح إيطالية ميّزته عن غيره.

في عام 1952، انضم إلى دار جان ديسيس، التي كانت تُلبس زبونات ثريات وأفراداً من العائلات الملكية، قبل أن ينتقل إلى دار «غي لاروش» عام 1957. وتقول مصممة الأزياء جاكلين دو ريب، وفق ما تنقل عنها مؤسسة فالنتينو: «عندما قرر العودة إلى روما، قلت له إنه مجنون لمغادرة مركز الموضة العالمي. فروما لم تكن ذات أهمية، كانت مجرّد منطقة ثانوية بالمقارنة بباريس»، لكنه أصرّ. وفي عام 1960، افتتح فيها دار أزياء خاصة بتمويل من والده وبعض أصدقاء والده، في شارع «فيا دي كوندوتي» الشهير. كان قراره صائباً، ففي ستينات القرن العشرين، أصبحت روما امتداداً لهوليوود بفضل استوديوهات شينشيتا، لتُقبل نجمات مثل أنيتا إيكبرغ، وصوفيا لورين، وإليزابيث تايلور على تصاميمه. وفي عام 1962 قدّم في قصر بيتي بفلورنسا مجموعته الأولى التي تميّزت بتصاميم بالأحمر الإمبراطوري، الذي يُعرف بـ«أحمر فالنتينو» حتى الآن.

كان تعاونه مع جاكلين كينيدي بعد زواجها بأريستوتل أوناسيس نقطة تحول في مسيرته (أ.ب)

كان لقاؤه بجاكي كينيدي عام 1964 نقطة تحوّل في حياته، إذ تولّى تصميم أزيائها بالكامل. وفي حفلة زفافها على رجل الأعمال اليوناني أرسطو أوناسيس عام 1968، اختارت فستاناً عاجياً بالدانتيل من مجموعته البيضاء الشهيرة. كان لهذه العلاقة مفعول السحر عليه، إذ حقّق بعدها نجاحاً باهراً في الولايات المتحدة، وأصبح سنة 1970 أول مصمم أزياء إيطالي يفتتح متجراً في نيويورك. لكن لا يمكن الحديث عن نجاحه هذا من دون ذكر اسم شريكه وصديق عمره جانكارلو جاميتي. كان رجل أعمال ذا ذوق رفيع لعب دوراً مهماً في أن يجعل اسم «فالنتينو» رمزاً عالمياً من خلال عمليات استحواذ متتالية واقتناء قطع فنية. لم تكن علاقتهما سهلة، لكنها كانت مبنية على الاحترام، حسب ما صرّح به في الفيلم الوثائقي: «فالنتينو، الإمبراطور الأخير»: «أن تكون صديق فالنتينو وشريكه وموظفه لأكثر من 45 عاماً يتطلب قدراً كبيراً من الصبر». وفق تصريحه.

فالنتينو وشريكه وصديقه جيانكارلو جياميتي في حفل فانيتي فير عام 2013 (أ.ف.ب)

محطات في تاريخه

جمع فالنتينو بين الحرفية الإيطالية، والخياطة الفرنسية الراقية، والأزياء الجاهزة الأميركية، إذ تبرز تصاميمه القوام عند الكتفين والخصر. كان حريصاً على استعمال أجود أنواع الأقمشة، لأنه كان يؤمن بأنّ «المرأة يجب أن تخطف الأنظار أينما حلّت». في عام 1989، قرر التوقف عن عرض مجموعاته في أسبوع ميلانو، متوجهاً إلى باريس، المدينة التي درس فيها وأحبها وبادلته الحب، بأن منحته في عام 2006 وسام جوقة الشرف. في عام 2007، قدّم آخر عرض له محتفلاً بمسيرة مهنية امتدت 45 عاماً. كان عرضاً لا يزال العديد من محبي الموضة يذكرونه بالدموع. وفي عام 2008، أعلن اعتزاله رسمياً.

حينها قال جاميتي: «سيكون فالنتينو آخر الأسماء اللامعة التي منحت اسمها لدار قادرة على إحداث فرق جوهري بين الأمس واليوم». وكم كان محقّاً بالفعل.