احتفاء رسمي واحتجاج شعبي يستقبلان ترمب في بريطانيا

تأمينه كلف لندن ملايين الدولارات... وماي تأمل بتعاون تجاري بعد «بريكست»

ترمب وميلانيا لدى وصولهما إلى مطار ستانستد في لندن أمس (أ.ف.ب)
ترمب وميلانيا لدى وصولهما إلى مطار ستانستد في لندن أمس (أ.ف.ب)
TT

احتفاء رسمي واحتجاج شعبي يستقبلان ترمب في بريطانيا

ترمب وميلانيا لدى وصولهما إلى مطار ستانستد في لندن أمس (أ.ف.ب)
ترمب وميلانيا لدى وصولهما إلى مطار ستانستد في لندن أمس (أ.ف.ب)

مروحيات خاصة، «حلقة فولاذية»، وحوالي 4 آلاف شرطي هي بعض مظاهر عملية أمنية ضخمة كلفت السلطات البريطانية ملايين الدولارات لاستقبال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في عاصمتها لندن أمس. ورغم محاولات رئيسة الوزراء تيريزا ماي وحكومتها إضفاء نبرة إيجابية على هذه الزيارة المهمة، عبر عشرات التصريحات والبيانات الترحيبية وتسليطها الضوء على اللقاء المرتقب مع الملكة إليزابيث الثانية اليوم، فإن خطط المظاهرات الاحتجاجية الواسعة هيمنت على التغطية الإعلامية للزيارة وأثّرت على برنامجها.
وفي زيارته الرسمية إلى بريطانيا التي انطلقت بعد ظهر أمس وتستمر حتى الأحد، لن يقضي ترمب وسيدة أميركا الأولى ميلانيا إلا ليلة واحدة في لندن، في مقر إقامة السفير الأميركي لدى بريطانيا وودي جونسون. وقد بدا قناصون على سطوح مباني المنطقة، لم تستثن مئذنة مسجد «ريجنتس بارك» الملقّب بـ«مسجد لندن المركزي» القريب من «وينفيلد هاوس»، حيث توجّه ترمب وزوجته بمجرد هبوط طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في مطار ستانستد. وانتشر في المنطقة ومختلف المواقع التي سيزورها الرئيس الأميركي مئات رجال الأمن، قدّرتهم صحيفة «ذي غارديان» بـ4000. كما أُقيم سياج أمني حول «وينفيلد هاوس» أمس. وتراوحت التقديرات لقيمة العملية الأمنية بين 10 ملايين جنيه إسترليني (13 مليون دولار أميركي) وفق صحيفة «ذي تايمز» التي وصفتها بأكبر انتشار أمني منذ أعمال عنف 2011، و30 مليون (39 مليون دولار) وفق «ذي صن»، التي تحدّثت بالإضافة إلى السياج الأمني، أو ما يعرف بـ«الحلقة الفولاذية»، ورجال الأمن عن الشرطة السرية المسلّحة والمركبات المصفحة التي سترافق الرئيس الأميركي إلى اسكوتلندا. ونالت «الحلقة الفولاذية»، وهو سياج حديدي مضاد للمتفجرات أُقيم في حديقة «ريجنتس» لتأمين مقر إقامة السفير الأميركي، الكثير من الاهتمام، كونها من المرات النادرة التي تتخذ فيه الحكومة البريطانية هذا النوع من الإجراءات الأمنية خلال زيارة رئيس أميركي. وزادت التحذيرات التي أطلقتها السفارة الأميركية في لندن عشية الزيارة من حدة انتقادات مناهضي سياسات الرئيس الأميركي. وقد وزعت السفارة، أول من أمس، بيانا تنصح بموجبه مواطنيها بـ«توخي الحذر إن كانوا في منطقة التجمعات الكبيرة التي قد تتخذ منحى عنيفا».
وتعتري زيارة ترمب الأولى إلى بريطانيا منذ تسلمه منصبه، أهمية بالغة بالنسبة لماي التي تواجه انتقادات حادة من طرف أعضاء حزبها المحافظ وتلقت صفعة سياسية مع استقالة وزيري الخارجية و«بريكست» قبل أيام. وبينما أكد ترمب دعمه لماي في أكثر من مناسبة وأشاد بالعلاقة الخاصة التي تجمع الولايات المتحدة وبريطانيا، إلا أن بعض تصريحاته المباشرة أو عبر «تويتر» وضعت ماي في موقف محرج.
وكان آخر هذه التصريحات أمس، مباشرة قبل مغادرته مقر الناتو باتجاه لندن، مع تشكيكه في استراتيجية الحكومة البريطانية للخروج من الاتحاد الأوروبي. وقال الرئيس الأميركي في مؤتمر صحافي قبل التوجه إلى مطار ستانستد إن «بريكست يعني بريكست». وتابع: «الناس صوتوا لصالح قطع العلاقات بين بريطانيا والاتحاد الأوروبي.. ولذلك أتصور أن هذا ما سيفعلونه، ولكن ربما يأخذون طريقا مختلفا قليلا. لا أعلم إن كان ذلك هو ما صوتوا من اجله. أود أن يسووا الأمر حتى ينتهي بسرعة». وفي تصريح آخر، قال ترمب إنه يتوجه إلى «نقطة ساخنة، مع الكثير من الاستقالات».
وكان وقع هذه التصريحات قويا في لندن، خاصة لتزامنه مع طرح الحكومة «ورقتها البيضاء» للخروج من الاتحاد الأوروبي أمام النواب. وردا على تصريحات ترمب، قالت ماي في بروكسل إن «ما نفعله هو تنفيذ تصويت الشعب البريطاني... وهذا ما يفعله اقتراحنا».
ولم تكن تصريحات الرئيس الأميركي، الذي أجّل زيارته إلى لندن أكثر من مرة، مفاجئة. إذ انتقد قبل انطلاق جولته الأوروبية بريطانيا التي «تعاني من اضطرابات»، في إشارة واضحة إلى استقالة وزيري الخارجية بوريس جونسون، و«بريكست» ديفيد ديفيس. وأعقب ترمب ذلك بمدح «صديقه» جونسون، والتلويح إلى رغبته في لقائه في لندن. وقبل ذلك بشهور، تسبب ترمب بموجة غضب شعبية وسياسية في بريطانيا بعد أن أعاد نشر تغريدات لزعيمة يمينية متطرفة ودخوله في جدال مع عمدة بلدية لندن صديق خان.
ورغم الخلافات الدبلوماسية بين ترمب وبريطانيا، تأمل الحكومة البريطانية في التوصل بسرعة لاتفاق تجاري مع الولايات المتحدة بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي. وأدركت ماي أهمية الحفاظ على قوة العلاقات بين لندن وواشنطن، إذ كانت أول زعيمة سياسية تزور ترمب بعد تنصيبه رئيسا في البيت الأبيض. وقالت قبيل الزيارة: «عندما نخرج من الاتحاد الأوروبي، سنبدأ بوضع مسار جديد لبريطانيا في العالم وتحالفاتنا العالمية ستكون أقوى من قبل». وأضافت، كما نقلت عنها وكالة الصحافة الفرنسية، أنه «لا يوجد تحالف أقوى من علاقتنا الخاصة مع الولايات المتحدة، ولن يكون هناك تحالف أكثر أهمية في السنوات المقبلة». إلا أن «بطل بريكست»، نايجل فاراج، توقع أن «صداما حقيقيا» سيحدث بين الزعيمان. وقال في تجمع مؤيد لترمب في البرلمان: «كان بودي القول إن هذه ستكون زيارة ناجحة جدا، ولكنني أعتقد أنها ستكون صعبة للغاية»، وفق وكالة الصحافة الفرنسية.
وتشمل زيارة ترمب وميلانيا إلى بريطانيا سبع محطات رئيسية، شملت أمس حفل استقبال في «وينفيلد هاوس» التقى خلاله الرئيس بموظفي السفارة الأميركية وأهاليهم، تلته مأدبة عشاء في قصر «بلينهام» ضمت حوالي 150 ممثلا عن عالم المال والأعمال، وعاد بعدها بمروحية خاصة إلى مقر إقامة السفير.
واليوم، يتوجه ترمب صباحا إلى قاعدة ساندهورست، ليشهد برفقة ماي عرضا عسكريا أميركيا - بريطانيا، ثم يعقد محادثات مع ماي في مقر رئاسة الوزراء الريفي في تشيكرز، ويشأركان بعدها في مؤتمر صحافي مشترك. يطير الرئيس وزوجته بعد ذلك إلى قصر «ويندزور»، لتناول الشاي مع الملكة إليزابيث الثانية، ثم إلى اسكوتلندا لقضاء يومين يزور خلالهما ملعب الغولف الخاص به.
وبموازاة مع الفعاليات الرسمية، من المتوقع أن يشارك آلاف المتظاهرين في «كرنفال مقاومة» ضد سياسات الرئيس الأميركي. وقد شارك المئات أمس في وقفة احتجاجية في لندن، لكن المسيرة الاحتجاجية الرئيسية ستنطلق بعد ظهر اليوم، ومن المتوقع أن تشهد مشاركة عشرات الآلاف من المتظاهرين، وفق صفحات مواقع التواصل الاجتماعي التي نظمتها منظمات حقوقية ويسارية. وفيما يتوقع أن يملأ المتظاهرون والأمن شوارع لندن اليوم، سيحلق في سمائها بالون يبلغ ارتفاعه 20 قدما في صورة «ترمب الرضيع» لمدة ساعتين صباحا.
ودافع رئيس بلدية لندن، أمس، عن قراره الموافقة على رفع البالون الضخم. وقال إن الاحتجاجات ليست ضد الأميركيين، وإنما هي انعكاس لحرية التعبير. وكتب في صحيفة «إيفننغ ستاندرد»: «اليوم أكثر من أي وقت مضى، علينا مسؤولية أن ندافع عن قيمنا ونضمن أن يتم سماع صوتنا في أنحاء العالم».



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».