رئيس البرلمان الليبي لـ {الشرق الأوسط}: حكومة الوفاق غير شرعية

عقيلة صالح دعا إلى توزيع عوائد النفط على المواطنين بشكل عادل ونزيه

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
TT

رئيس البرلمان الليبي لـ {الشرق الأوسط}: حكومة الوفاق غير شرعية

عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)
عقيلة صالح رئيس البرلمان الليبي (تصوير: عبد الستار حتيتة)

دعا المستشار عقيلة صالح، رئيس البرلمان الليبي، إلى توزيع عوائد النفط على الليبيين بشكل عادل ونزيه. وقال في حوار أجرته معه «الشرق الأوسط»، إن حكومة الوفاق، التي يرأسها فائز السراج في العاصمة طرابلس، غير شرعية وهشَّة ولا تملك جيشاً. مبرزاً أن كل التعاقدات التي أبرمتها مع شركات، أو دول، لا قيمة لها.
ويتولى المستشار صالح، في الحقيقة، منصب رئيس البلاد المؤقت، بناءً على تعديل أدخل على الإعلان الدستوري المعمول به في البلاد سنة 2014، لكن المجتمع الدولي يصر على تناسي هذا الأمر لصالح السراج، الذي جاء بعد اتفاق جرى بين أطراف ليبية برعاية الأمم المتحدة في مدينة الصخيرات المغربية سنة 2015. وحول هذا الاتفاق يقول المستشار صالح «لم نوقّع على هذا الاتفاق. ولا نعرف الجهة التي يتبعها من وقعوا عليه».
يدير السراج تسيير الدولة من طرابلس، وقد منح نفسه لقب القائد الأعلى للجيش الليبي. لكن صالح يعتبر هذا الأمر تجاوزاً كبيراً لصلاحياته بصفته رئيساً للبرلمان، حيث يتولى إدارته من مقره في طبرق. واليوم يظهر أن رئيس البرلمان حاز أكثر من ورقة رابحة بسبب التطورات العسكرية والنفطية في الشرق الليبي. وقد أصبحت لهجة صالح محددة أكثر من السابق في توجيه انتقادات لاذعة لمن ظلوا يتجاهلون حقيقة السلطة العليا، التي منحها له الإعلان الدستوري رئيساً لمجلس منتخب من الشعب، يقوم بمهام رئيس الدولة المؤقت. وفي هذا السياق، يقول صالح، إن البرلمان «لم يوقع على اتفاق الصخيرات من الأساس رغم مرور كل هذه السنين، لكن يبدو أن العالم لا يريد أن يتعامل مع هذه الحقيقة بشكل جاد. ومع ذلك لم نتوقف عن محاولة رأب الصدع. وكان آخرها تلبية دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في لقاء عقد في باريس بين الأفرقاء الليبيين».
وبحكم منصبه، يعد صالح القائد الأعلى للجيش في البلاد أيضاً، وفي هذا الصدد يقول صالح، إن سلطة السراج في طرابلس «هشة لأن ليس لديه جيش فعلي حتى يعلن نفسه قائداً أعلى له، وإلا فبماذا نفسر هجوم الميليشيات الذي وقع الشهر الماضي على الهلال النفطي وموانئ التصدير؟». مضيفاً، أنه يملك «معلومات عن أن حكاماً في طرابلس منحوا ملايين الدولارات لميليشيات قصد تنفيذ هجمات على المنشآت النفطية... ونحن نريد أن نوزع إيرادات النفط هذه على جميع المواطنين بعدل ونزاهة».
وينظر صالح (74 عاماً) إلى السراج ومجلسه الرئاسي، وحكومة الوفاق التابعة له، باعتبارها «أجساماً غير شرعية». ويقول عنهم «إنهم دعموا الجماعات التي هاجمت الجيش في حقول النفط بالأموال المتحصلة من تصدير النفط نفسه، منها 40 مليون دينار لأحد قادة الميليشيات. وهذا أمر لا يمكن أن يستمر بهذه الطريقة. نحن نريد إدارة عادلة لعوائد تصدير البترول؛ لأنه يخص كل الليبيين».
ورغم كل شيء، يمتلك صالح في حديثه الغاضب قدرة على إظهار الدبلوماسية والدخول في حوار حتى مع ألد الأعداء، كما حدث مع خصومه، وبخاصة أنه ينتمي إلى قبيلة العبيدات الكبيرة، التي حيَّرت بمواقفها المرنة الاحتلال الإيطالي مطلع القرن الماضي. واليوم يحاول حفيد «العبيدات»، الذي انتخب قبل أربع سنوات رئيساً لأعلى سلطة في البلاد، إنهاء الفوضى في عموم ليبيا عن طريق جسمين يتبعانه: الجيش الذي يقوده حفتر، والحكومة المؤقتة برئاسة عبد الله الثني. وهو يسير في هذا الاتجاه بخطى حثيثة، ويحقق نتائج على الأرض، رغم الموقف الدولي غير المساند، الذي ظهر واضحاً في مسألة تصدير النفط.
وبدا قرار الجيش سحب مسؤولية إدارة الموانئ النفطية من حكومة السراج، ومنحها لحكومة الثني قراراً منعشاً للمستشار صالح، حتى لو كان الأمر قد استمر لبضعة أيام فقط. كما حقق حفتر انتصارات أخرى لافتة خلال الشهور القليلة الماضية، وعلى رأسها هزيمة الجماعات المسلحة والمتطرفة في الشرق، سواء تلك التي كانت تهيمن على مدينة بنغازي، أو مدينة درنة.
ويرى رئيس البرلمان، المتخصص في القانون وشؤون القضاء، وجود محاباة من دول غربية لحكام طرابلس، لكنه يبدو واثقاً من قدرة البرلمان والحكومة المؤقتة والجيش على استكمال التحرك انطلاقاً من الشرق قصد تحقيق مزيد من الخطوات في طريق توحيد الدولة، والقضاء على الجماعات المسلحة والانفلات الأمني. وفي هذا الشأن، يوضح صالح، أن الجيش هو من يحدد متى سيتحرك إلى الغرب، وكيف سيتعامل مع الأوضاع في تلك المدن، بعد أن انتهى من تحرير بنغازي ودرنة أخيراً. مشيراً إلى وجود دلائل لدى الجيش على وجود دعم تركي وقطري لجماعات إرهابية، كانت تنشط في هاتين المدينتين.
ورغم شعوره بالنصر بتحرير مدن الشرق، واستعادة الموانئ النفطية من الميليشيات، فإنه من السهل ملاحظة المرارة التي يتحدث بها المستشار صالح حين يتحدث عن إصرار زعماء بعض دول العالم على التمسك بالمجلس الرئاسي كـ«سلطة شرعية». ويقول، إن «هناك دولاً تريد استمرار الفوضى، ولا تريد الاستقرار في ليبيا. وبالتالي فهم لم يتعاملوا معنا، رغم كوننا سلطة منتخبة من الشعب».
ويعتقد المستشار صالح أنه بعد تشكيل المجلس الرئاسي أصبحت بعض الدول الغربية لا تريد أن تتعامل معه بصفته الممثل لأعلى سلطة في بلاده. إلا أنه يبدو مع ذلك واثقاً من قدرته على تطويع مثل هذه الظروف الصعبة.
وحول موقفه من «اتفاق الصخيرات»، يقول المستشار صالح، إن «ما يسمى بالمجلس الرئاسي لم تكن له أي شرعية في ليبيا، بدليل أنه جاء طبقاً لما يسمى بالاتفاق السياسي»، مشيراً في هذا الصدد إلى أن من وقّعوا على الاتفاق في الصخيرات «لم يكونوا مفوضين من الشعب الليبي، ولا من السلطات التشريعية في ليبيا... وما حدث هو أن السيد مارتن كوبلر، المبعوث الأممي السابق لليبيا، جمع 22 شخصاً، ليست لهم أي صفة. وليس لهم تفويض، ووقع بهم على هذا الاتفاق السياسي».
وكان يُفترض أن يتم تضمين اتفاق الصخيرات في الإعلان الدستوري خلال جلسة بالبرلمان منذ عام 2016؛ حتى تكون له حجة قانونية. لكن هذا الإجراء لم يتم أبداً. وحول هذه النقطة بالتحديد يقول صالح إن ذلك «دليل على أن هذا الاتفاق السياسي لا قيمة له؛ لأنه يتعارض مع الإعلان الدستوري، وطالما أنه لم يُضمن في الإعلان الدستوري، فإنه لا قيمة له قانوناً ولن يكون شرعياً».
مضيفاً، أن البرلمان «لم يمنح حكومة السراج الثقة... لكن الغريب هو أن المجتمع الدولي ما زال يقول إن هذه الحكومة شرعية، وإن الحكومة المعتمدة من مجلس النواب (المؤقتة) أصبحت هي الحكومة الموازية... سبحان الله... الحكومة المعتمدة من الشعب أصبحت هي الموازية، والحكومة التي جاءت من الخارج هي الحكومة الشرعية. هذا أمر غريب جداً».
وكان السراج قد تقدم عند بداية عمله قبل أكثر من عامين بأسماء لأعضاء حكومته لنيل الثقة، إلا أن البرلمان رفضها. وفي هذا الصدد، يوضح المستشار صالح «مع ذلك هناك دول تتعامل مع حكومة الوفاق، مع أنها لم تنل الثقة من البرلمان، بل رفضها مرتين. كما أنها لم تؤدِ اليمين الدستورية».
ومن أهم الخلافات التي عرقلت ضم الاتفاق السياسي في الإعلان الدستوري تحفظ البرلمان على مادة في الاتفاق، تمنح السراج منصب القائد الأعلى للجيش. وبعد أن يئس من حل الإشكال، نصّب السراج نفسه في هذا الموقع العسكري. وحول هذه الخطوة يقول صالح «هذا الإجراء اغتصاب للسلطة... السيد السراج ليست لديه أي سلطة... لا على قوات عسكرية، ولا على قوات غير عسكرية».
ويوضح صالح، أن حكومة الوفاق تعمل أيضاً بميزانية مالية غير معتمدة من مجلس النواب، مبرزاً أنه «لا يجوز صرف هذه الميزانية إلا بعد اعتمادها من المجلس. وغياب هذا الإجراء الدستوري أدى للفساد». ومع ذلك يستطرد قائلاً: «رغم كل هذه الظروف حاولنا من أجل مصلحة ليبيا أن نتعامل مع هذا الاتفاق السياسي. لكننا نرفض ما هو في غير مصلحة بلادنا».
وفي ثقة كبيرة يصف رئيس أعلى سلطة منتخبة في ليبيا مصير الاتفاقيات، التي وقعها المجلس الرئاسي عن طريق السراج أو غيره، سواء اتفاقيات نفط أو اتفاقيات عسكرية مع الدول الأجنبية، بأنها «لا قيمة لها لأنها من حكومة غير شرعية... ونحن أيضاً لم نعترف بهذه الالتزامات».
ومن بين علامات الاستفهام الأخرى، التي يطرحها المستشار صالح، مصير مليارات الدولارات من عائدات النفط، التي دخلت جيب حكومة الوفاق في طرابلس خلال الفترة الماضية. ويقول بهذا الخصوص «رغم أن دخل النفط تجاوز 1.2 مليون برميل يومياً. لكن لم يتغير الحال في ليبيا. فقيمة الدولار أصبحت تقارب العشرة دينارات (في السوق الموازية). الأسعار مرتفعة... والسيولة فيها نقص مستمر، وهذا دليل على إساءة استعمال السلطة، وإهدار المال العام، وصرفه على غير الليبيين».
ومع أن دولاً عدة أظهرت منذ البداية معارضتها لقرار حفتر بخصوص إحالة ملف النفط للشرق، وقيامها بالدعوة إلى تسوية النزاع بين غرب ليبيا وشرقها من أجل ضمان تدفق الصادرات النفطية. إلا أن المستشار صالح يبدي دهشته من التغاضي عن مآل مليارات الدولارات من عوائد النفط خلال الفترة الماضية. ويقول مستغرباً «لقد تبيَّن أن دخل النفط يذهب لدعم مجموعات إرهابية مسلحة. كما تم شراء أسلحة حديثة لجماعات في الغرب، منها دبابات ومدرعات... وحسب التحقيقات الأولية، فإن هناك دعماً من طرابلس لمثل هذه المجموعات. وبالتالي، فإن المطلوب من الجميع هو أن يكون هذا النفط في أيدٍ أمينة، ويوزع على الليبيين بالتساوي».
وتبدو العلاقة بين مجلس النواب، الذي يرأسه صالح، ومجلس الدولة الذي يرأسه خالد المشري، القيادي في جماعة الإخوان، كرسم غير واضح المعالم، مع العلم أن غسان سلامة، المبعوث الأممي الحالي إلى ليبيا، كان يعول على لجان حوار بين المجلسين لحل الأزمة الليبية. لكن الخطوط تداخلت. ويعلق المستشار صالح على مصير الحوار بين المجلسين بقوله، إنه «لا توجد نية واضحة لبعض أعضاء مجلس الدولة للحل في ليبيا».
فقد جرى في البداية الاتفاق على تقليص عدد أعضاء المجلس الرئاسي من تسعة أعضاء إلى ثلاثة أعضاء فقط، إلا أن مجلس الدولة لم يقر هذا الاتفاق.
وشارك صالح مع المشري والسراج وحفتر في لقاء باريس، برعاية ماكرون، حيث أعلن الرئيس الفرنسي وقتها أن الانتخابات في ليبيا ستكون قبل نهاية هذا العام. وبسؤاله عما إذا كان يرى أن هذا الأمر قابل للتطبيق، وفقاً للظروف الحالية في بلاده، أجاب رئيس البرلمان «بالنسبة لمهمتنا في مجلس النواب، الآن لدينا قانون الاستفتاء قيد الدراسة في المجلس، يكاد يكون قارب على الإنجاز... وأيضاً قانون انتخاب الرئيس. ومجلس النواب سيقوم بكل الاستحقاقات للمرحلة الانتخابية».
ويقف صالح مع انتخاب رئيس للبلاد قبل أي انتخابات أخرى. ويقول في هذا الصدد «أنا داعم بقوة لانتخاب الرئيس، بالتحديد، أولاً، لأننا في حاجة إلى رئيس تنفيذي لتوفير الغذاء والدواء وباقي المتطلبات. وعندما يُنتخب الرئيس ينتهي النزاع على الشرعية، وتتوحد المؤسسات، ويُعرف من هو القائد الأعلى للقوات المسلحة. ووقتها سيعرف المجتمع الدولي مع من يتعامل. أعتقد أن المرجع الأساسي المهم هو «انتخاب الرئيس أولاً».



نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

نجل مؤسس جماعة الحوثي يفجّر أزمة مع قبيلة خولان

حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
حوثيون خلال تجمع في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

فتحت الجماعة الحوثية جبهة توتر جديدة مع قبيلة خولان، إحدى أكبر القبائل المحيطة بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، في وقت تزداد فيه مؤشرات الاحتقان الشعبي، واتساع رقعة الفقر والتذمر في مناطق سيطرتها، على خلفية محاولات انتزاع قطعة أرض استراتيجية تمهيداً لبيعها لصالح أحد التجار المقربين من الجماعة.

ويأتي هذا التطوُّر بالتزامن مع استمرار التوتر بين الحوثيين وقبيلة دهم في محافظة الجوف، إثر اعتقال أحد وجهاء القبيلة، في مؤشر على تصاعد الاحتكاك بين الجماعة والقبائل النافذة، مع اتساع دائرة الاعتراضات على سياسات الجماعة الاقتصادية والأمنية.

وقالت مصادر قبلية إن علي حسين الحوثي، نجل مؤسِّس الجماعة، الذي يدير وزارة الداخلية في الحكومة غير المعترف بها، ويشرف كذلك على جهاز استخبارات الشرطة، طلب من وجهاء قبيلة خولان الموافقة على انتزاع أرض تتبع الجمعية التعاونية الخاصة بالقبيلة، غير أنَّ طلبه قوبل برفض واسع.

وجهاء قبيلة خولان رفضوا الانصياع للتوجيهات الحوثية (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أنَّ الأرض المستهدَفة تقع في موقع تجاري حيوي بصنعاء، وتطلُّ على 3 شوارع رئيسية، وكانت الجماعة قد حاولت في وقت سابق بيعها لأحد التجار المنحدرين من محافظة صعدة، المعقل الرئيسي للحوثيين، لكنها فشلت في تمكينه منها، قبل أن تعاود ممارسة الضغوط عبر علي الحوثي، الذي توسَّعت صلاحياته أخيراً بدعم مباشر من عمه زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي.

وبحسب المصادر، حاول علي الحوثي الظهور بصفة وسيط لإقناع وجهاء خولان بإتمام الصفقة، إلا أنَّ غالبية الوجهاء رفضوا المقترح، مؤكدين أنَّ الأرض تُعدُّ ملكيةً عامةً تعود لمساهمي الجمعية التعاونية، ولا يحقُّ لأي جهة التصرُّف بها أو بيعها.

رفض للتعسف

مع تصاعد الضغوط الحوثية، عقدت قبائل خولان الطيال، التابعة لمحافظة صنعاء، اجتماعاً تشاورياً، اتهمت خلاله قيادات الجماعة بمحاولة الاستيلاء على الأرض عبر إجراءات، قالت إنَّها تفتقر إلى أي مشروعية قانونية أو عرفية.

وأكد المجتمعون أنَّ وثائق الملكية تثبت شراء الأرض قبل أكثر من 50 عاماً من مساهمات أبناء القبيلة، لتكون مشروعاً تنموياً عاماً يخدم المنطقة وأهاليها، وليس ملكية خاصة قابلة للتصرُّف.

وجدَّدت القبائل رفضها المطلق لأي إجراءات تتعلق ببيع الأرض أو نقل ملكيتها، وعدَّت أنَّ أي خطوات بهذا الاتجاه تعدُّ باطلة شرعاً وقانوناً وعرفاً، لصدورها عن جهات لا تمتلك صفةً قانونيةً أو تفويضاً يخولها التصرف بالأرض.

كما أقرَّ الاجتماع تشكيل لجنة قانونية لمتابعة القضية والتواصل مع الجهات المختصة، واتخاذ الإجراءات القانونية والقضائية والعرفية اللازمة لحماية الأرض، ومنع أي استحداثات تمس وضعها القانوني.

الخلافات تتصاعد بين قبيلة دهم والحوثيين (إعلام محلي)

ودعت قبائل خولان مشايخها وعقالها وأعيانها إلى التكاتف للحفاظ على وحدة القبيلة وحقوق الأجيال المقبلة، وعدم السماح باستغلال الأرض لخدمة مصالح خاصة، في وقت تزداد فيه المخاوف من تفاقم التوتر بين القبائل والجماعة الحوثية.

ويرى مراقبون أنَّ توسُّع نفوذ علي الحوثي داخل أجهزة الأمن والاستخبارات يعكس توجهاً داخل الجماعة لإحكام السيطرة على الموارد والعقارات الحيوية، خصوصاً في العاصمة صنعاء، وسط أزمة اقتصادية خانقة وتراجع غير مسبوق في مستويات المعيشة.

انتقادات من الداخل

في السياق ذاته، شنَّ الأكاديمي إبراهيم الكبسي، المنتمي إلى السلالة الحوثية، هجوماً لاذعاً على إدارة الجماعة، عادّاً أنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، بعدما حوَّلت المواطنين إلى مموِّلين لحروبها، بدلاً من أن تكون راعيةً لهم وحاميةً لحقوقهم.

وقال الكبسي: «إن الشعارات لا تبني دولاً، والحروب لا تُطعم شعوباً، والسلطة حقوق تُؤدَّى قبل أن تكون واجبات تُؤخَذ، والحكم سياسة رصينة لا مغامرات عقيمة، والمسؤولية عقل يبني لا سيف يفني».

القمع الحوثي اشتد مع اتساع صلاحيات نجل مؤسس الجماعة (إعلام محلي)

وأضاف أن سلطة الحوثيين «تطلب من شعبها أن يدفع ثمن حروبها من لقمة عيشه»، ثم تشتكي من شح الموارد وضيق الإمكانات.

ورأى الأكاديمي، الذي سبق أن تعرَّض للاعتقال والاعتداء من قبل الجماعة، أنَّ طريقة إدارة الحوثيين للمناطق الخاضعة لسيطرتهم تكشف عجزهم عن إدارة الدولة بمسؤولية، مؤكداً أن «الدولة الحقيقية هي التي تفتدي شعبها بالسلام، لا التي تضحي به في حروب وصراعات لا تنتهي».


اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
TT

اليمنيون تحت وطأة الأوبئة بمناطق سيطرة الحوثيين

المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)
المستشفيات في مناطق سيطرة الحوثيين تعتمد على تبرعات رجال الأعمال (إكس)

كشفت مصادر طبية يمنية عن تفشي موجة جديدة من الأوبئة في مناطق عدة خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، في مقدمها «الكوليرا» و«الإسهالات المائية» ومختلف أنواع الحُميات، وسط تحذيرات من كارثة صحية تهدد ملايين السكان، في ظل الانهيار المستمر للقطاع الصحي وتدهور خدمات المياه والصرف الصحي.

وأفادت المصادر بظهور تقارير وبلاغات يومية تُسجل مئات الإصابات بالحُميات وحالات الاشتباه في الكوليرا والإسهالات الحادة بعدد من المحافظات الواقعة تحت سيطرة الجماعة، وسط عجز متصاعد عن توفير الرعاية الصحية، واتهامات للحوثيين بمواصلة استهداف القطاع الصحي، وعدم تنفيذ حملات استجابة طارئة تحد من تفشي الأمراض وتوفر بيئة صحية مناسبة للسكان.

ووفق تقارير طبية، فإن معدلات الإصابة بهذه الأمراض تشهد ارتفاعاً متسارعاً خلال الأشهر الأخيرة، مع تسجيل آلاف الحالات المشتبه فيها بمحافظات: صنعاء، وحجة، والحديدة، وإب، وعمران، وذمار.

الحوثيون يواصلون إخفاء أرقام ضحايا الكوليرا بمناطق سيطرتهم (أطباء بلا حدود)

ويؤكد أطباء وعاملون صحيون أن تدهور شبكات المياه والصرف الصحي، وتراكم النفايات، وغياب الرقابة الصحية، أسهمت جميعها في اتساع رقعة انتشار الأوبئة، بالتزامن مع نقص حاد في الأدوية والمحاليل الوريدية والمستلزمات الطبية الأساسية.

ولفت هؤلاء إلى أن غالبية المرافق الصحية باتت عاجزة عن استيعاب الأعداد المتصاعدة من المرضى، خصوصاً الأطفال وكبار السن؛ في ظل انقطاع المرتبات، وهجرة الكوادر الطبية، وتراجع الدعم الإنساني الدولي، فضلاً عن استمرار تخصيص الجماعة عدداً من المستشفيات لخدمة أتباعها.

ويُعدّ اليمن من أعلى دول العالم تضرراً من وباء الكوليرا خلال السنوات الأخيرة؛ إذ تسبب الانقلاب والحرب المستمرة منذ سنوات في انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية والخدمية؛ مما جعل ملايين السكان عرضة للأوبئة والأمراض المُعدية.

3 آلاف إصابة

في تقرير حديث، كشفت «منظمة الصحة العالمية» عن تسجيل أكثر من 3 آلاف حالة جديدة مشتبه في إصابتها بالكوليرا والإسهال المائي الحاد في اليمن خلال الربع الأول من العام الحالي، في مؤشر على استمرار تفشي الوباء وتداعياته الصحية على السكان.

ورصدت المنظمة نحو 3177 حالة إصابة مشتبه فيها منذ مطلع يناير (كانون الثاني) وحتى نهاية مارس (آذار) الماضيين، إلى جانب 3 حالات وفاة مرتبطة بالوباء خلال الفترة نفسها.

الحوثيون متهمون بتسخير موارد القطاع الصحي للمجهود الحربي (أطباء بلا حدود)

ووفقاً للتقرير، فقد حل اليمن في المرتبة الـ5 عالمياً من حيث عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا خلال الأشهر الثلاثة الأولى من العام، كما جاء ثانياً على مستوى إقليم شرق المتوسط بعد أفغانستان من حيث عدد الإصابات والوفيات.

وشهد شهر مارس الماضي وحده تسجيل 969 إصابة جديدة، بينها حالتا وفاة، ليصبح اليمن رابع أعلى دولة عالمياً من حيث عدد الحالات الجديدة المسجلة خلال ذلك الشهر.

مخاوف من موجة وبائية

يخشى مراقبون وعاملون في القطاع الصحي اليمني من تحوّل الوضع موجةً وبائيةً واسعةً مع دخول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة، وهي ظروف تهيئ بيئة مناسبة لانتشار الأمراض المنقولة عبر المياه الملوثة.

ودعت منظماتٌ إنسانية المجتمعَ الدولي إلى التدخل العاجل لدعم القطاع الصحي في اليمن، وتوفير التمويل اللازم لبرامج مكافحة الكوليرا وتحسين خدمات المياه والإصحاح البيئي، محذرة بأن استمرار الحرب، والأزمة الإنسانية، يزيدان من تعقيد جهود احتواء الوباء والسيطرة عليه.

ويتزامن ذلك مع مواصلة «مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية» تقديم دعمه للقطاع الصحي في اليمن عبر برامج طبية وإغاثية؛ تستهدف تعزيز الخدمات الصحية والحد من انتشار الأوبئة في المناطق الأكبر احتياجاً.

ووفق تقارير محلية، فقد شهدت الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026 تقديم خدمات طبية وإغاثية لأكثر من 10 آلاف و466 مستفيداً، ضمن جهود مشتركة من «مركز الطوارئ لمكافحة الأمراض الوبائية» بمحافظة حجة، و«مشروع الاستجابة العاجلة لمكافحة الكوليرا» في عدد من المحافظات اليمنية.


أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
TT

أطفال صنعاء يستقبلون العيد بأحلام مؤجلة وابتسامات تقاوم الحرب

نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)
نصف الأسر اليمنية اضطرت إلى الاقتراض لتوفير الغذاء (الأمم المتحدة)

في حي شعبي شمال العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، يقف محمد، ذو الأحد عشر عاماً، أمام «فرشة» صغيرة لبيع الألعاب، يراقب أترابه وهم يختارون ما يريدون بفرح، بينما اكتفى هو بالنظر بصمت قبل أن يغادر ممسكاً بيد شقيقه الأصغر.

يقول محمد لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أتمنى أن أشتري سيارة لعبة وأن ألبس ملابس جديدة للعيد، لكنَّ أبي قال إن الوضع صعب، وربما يشتريها لي في السنة المقبلة».

ومع اقتراب عيد الأضحى، تبدو فرحة العيد في صنعاء وبقية المدن الخاضعة لسيطرة الحوثيين، باهتة لدى كثير من الأطفال الذين أثقلت الحرب كاهل أسرهم، وحوَّلت أحلامهم البسيطة إلى أمنيات مؤجلة. فالظروف المعيشية والاقتصادية المتدهورة، وارتفاع الأسعار، وغياب الرواتب، وندرة فرص العمل، دفعت آلاف العائلات إلى الاكتفاء بتأمين الغذاء، فيما أصبحت ملابس العيد والألعاب رفاهية بعيدة المنال.

وأجرت «الشرق الأوسط» جولة في بعض شوارع وأسواق صنعاء، ورصدت مشاهد تختصر حجم المعاناة والحرمان اللذين يعيشهما مئات الأطفال، في ظل ازدياد معدلات الفقر وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما ينعكس مباشرةً على احتياجات الصغار الأساسية.

في سوق «السنينة» بمديرية معين وسط المدينة، كانت الطفلة ريم (9 أعوام) تساعد والدتها على بيع بعض الحلويات المنزلية، بينما تراقب فساتين العيد المعلقة على واجهات المحلات.

الأطفال في اليمن يتحملون المشقة لمساعدة عائلاتهم (الشرق الأوسط)

وتقول الطفلة: «أتمنى أن ألبس فستاناً وردياً وأن أخرج للعب مع البنات، لكنَّ أمي تعجز دائماً عن توفير ذلك».

وفي حي الحصبة شمال صنعاء، يجلس الطفل سليم إلى جوار والده داخل «فرشة» صغيرة لبيع الخضراوات، وهو يعبث بطائرة ورقية صنعها بنفسه.

ويقول: «أحلم بأن أكون مهندساً وأن أبني متجراً كبيراً لأبي، وأساعده يومياً في البيع والشراء حتى يستطيع تأمين كل احتياجاتي من الملابس والألعاب وغيرها».

ورغم قسوة الواقع، لا يزال الأطفال في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين يتمسكون بأحلامهم الصغيرة، ويحاولون صناعة فرحتهم بوسائل بسيطة. ففي بعض الحارات الشعبية، يجتمع الصغار للعب بالكرات الورقية أو الألعاب القديمة، بينما تحاول أسر الحفاظ على الحد الأدنى من طقوس العيد، عبر تقديم مبالغ رمزية للأطفال أو إعداد وجبات منزلية متواضعة.

آثار نفسية ومعيشية

تؤكد تقارير إنسانية أن الأطفال في اليمن هم الأكثر تضرراً من الأزمة الممتدة، حيث يعاني كثير منهم من سوء التغذية وغياب الخدمات الأساسية، فضلاً عن الآثار النفسية التي خلفتها الحرب والفقر الناتجين عن الانقلاب الحوثي.

ويرى مختصون اجتماعيون أن الأعياد في اليمن فقدت جزءاً كبيراً من ملامحها التقليدية خلال السنوات الأخيرة، بعدما انعكست الأزمة الاقتصادية والحرب المستمرة على حياة الأسر، خصوصاً الأطفال.

طفلة يمنية تراجع دروسها برفقة ميزان في أحد شوارع صنعاء (إكس)

ويؤكد هؤلاء أن كثيراً من الأطفال في صنعاء ومدن أخرى تحت سيطرة الحوثيين باتوا يواجهون واقعاً قاسياً حرمهم من أبسط مظاهر الفرح المرتبطة بالعيد، مثل الملابس الجديدة أو الخروج إلى الحدائق وشراء الألعاب.

وحسب التقارير الدولية، فإن استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في اليمن تركا آثاراً نفسية ومعيشية عميقة على الأطفال، الذين كبر كثير منهم قبل أوانهم، وأصبحوا أكثر إدراكاً لمعاني الحرمان والخوف وعدم الاستقرار.

تحذيرات أممية

في موازاة ذلك، يشير الطفل أيهم (15 عاماً)، الذي يقطن مع عائلته في حي القاع بصنعاء، إلى أن الأطفال باتوا أكثر وعياً بالظروف القاسية التي تمر بها أسرهم، الأمر الذي يدفعهم إلى كتمان رغباتهم أو تأجيل أحلامهم الصغيرة مراعاةً لأوضاع آبائهم.

ويضيف: «أمنيتي الوحيدة أن يأتي يوم أحتفل فيه مع أسرتي بعيد بلا حرب، وبأحلام لا تؤجلها الحاجة».

ويتزامن ذلك مع تحذير برنامج الغذاء العالمي من استمرار الارتفاع المقلق في معدلات سوء التغذية بين الأطفال دون سن الثانية في اليمن، مع تسجيل مستويات أكثر حدة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

يمنيون في صنعاء يبتكرون ألعاباً لأطفالهم خلال أيام العيد (الشرق الأوسط)

وأوضح البرنامج الأممي أن بيانات الرصد من بُعد تشير إلى أن الفقر الغذائي الحاد بين الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و23 شهراً لا يزال عند مستويات مرتفعة خلال عام 2026، رغم تسجيل تحسن طفيف في مارس (آذار) الماضي.

وحسب التقرير، لا يزال الوضع الإنساني في اليمن بالغ الخطورة، إذ يُقدَّر أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد، بينهم أكثر من 516 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد الوخيم، إلى جانب توقعات بتعرض نحو 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة لسوء التغذية خلال العام الجاري.

Your Premium trial has ended