علماء يبحثون في السعودية المصالحة الأفغانية ومكافحة التطرف

«التعاون الإسلامي» دعت الأفغان إلى التجاوب مع دعوة خادم الحرمين لإصلاح ذات البين

مجموعة من العلماء المشاركين في المؤتمر أمس (واس)
مجموعة من العلماء المشاركين في المؤتمر أمس (واس)
TT

علماء يبحثون في السعودية المصالحة الأفغانية ومكافحة التطرف

مجموعة من العلماء المشاركين في المؤتمر أمس (واس)
مجموعة من العلماء المشاركين في المؤتمر أمس (واس)

شكّل المؤتمر الدولي للعلماء المسلمين حول السلم والاستقرار في أفغانستان، الذي بدأ أعماله في مدينتي جدة ومكة المكرمة أمس، مناسبة لعرض آراء مختلف الأطراف في سبل تحقيق المصالحة الأفغانية ووقف الإرهاب والتطرف بكل أشكاله.
ودعا الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف العثيمين في افتتاح المؤتمر الحكومة الأفغانية ومكونات المجتمع كافة، إلى التجاوب مع دعوة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز التي أطلقها مؤخراً ودعا فيها بأن يوفق الله الأفغان إلى ما فيه مصلحة بلادهم وإصلاح ذات بينهم، وأن يحقق لأفغانستان وشعبها الأمن والاستقرار.
وأضاف العثيمين أن «المؤتمر يهدف إلى توطيد السلم والاستقرار في أفغانستان وإدانة الإرهاب والتطرف العنيف بأشكالهما ومظاهرهما كافة»، معرباً عن تفاؤله بأن يفضي المؤتمر إلى نتائج تؤدي إلى تسهيل عملية المصالحة الوطنية في أفغانستان وتوقف جميع أعمال الإرهاب والتطرف العنيف التي تتنافى مع تعاليم الدين الإسلامي.
وقال: «نجتمع اليوم وأفغانستان بحاجة ماسة إلى دعمنا الفردي والجماعي لطي صفحة الماضي، وفتح صفحة جديدة، قائمة على لم الشمل والتسامح ونبذ العنف والمحافظة على حياة الأبرياء، امتثالاً لتعاليم ديننا الإسلامي الحنيف الذي يدعو إلى نبذ الفرقة وإرساء التعاون على مبادئ البر والتقوى والعفو والإصلاح بين الناس».
ولفت إلى أن أولى الرسائل التي خرجت عن عقد المؤتمر وصلت إلى الشعب الأفغاني حاملة عزيمة صادقة من أجل وضع نهاية للصراع والعنف في أفغانستان، ورسم خريطة مستقبل آمن على أساس تعاليم الإسلام السمحة، ورأب الصدع، وتوحيد الصف لإحلال السلام والأمن والاستقرار في أفغانستان بما يحقق وحدتها وسلامة أراضيها، والوئام بين جميع مكوناتها وأطيافه تمهيداً لمصالحة وطنية شاملة.
وأكد أن «المؤتمر يحشد الرأي الشرعي، ويجمع العلماء ويهيئ لهم منصة مناسبة وبيئة مواتية لمناقشة أوضاع أفغانستان من وجهة نظرهم». وقال إن «أمام علمائنا مسؤولية كبيرة وأمانة عظيمة ودوراً أخلاقياً وشرعياً بالغ الأهمية، فنتاج ما سيثمر عنه اجتماعنا اليوم لن ينعكس فقط على الوضع في أفغانستان، وإنما على العالم الإسلامي بأسره المترقب مساهمة فاعلة في معالجة مسألة التفسير الخاطئ لتعاليم الدين، وسعيكم لحرمان الفئات الباغية من اختطاف الدين والقتل والتدمير باسم الإسلام، والإسلام منه براء. كما أنكم مطالبون بالعمل على تعزيز مبادئ التعايش بين الأعراق، وأتباع المذاهب الدينية المختلفة، والإسهام بهذا الجهد في تعزيز المصالحة الوطنية التي يشارك فيها المجتمع الأفغاني بجميع مكوناته وأطيافه».
إلى ذلك، تحدث وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد في السعودية، الدكتور عبد اللطيف آل الشيخ، في الجلسة الافتتاحية، عن اهتمام خادم الحرمين الشريفين وحرصه على استقرار أفغانستان واستتباب الأمن والسلام، مشيراً إلى «المسؤولية العظيمة الملقاة على العلماء في بيان الحقائق والابتعاد عن الفرقة، وإظهار حكم الشريعة في الخروج عن طاعة ولاة الأمر الذي يؤدي إلى الفتنة».
وألقى ممثل أفغانستان رئيس مجلس علماء أفغانستان، شيخ الحديث، مولاي قيام الدين كشاف، كلمة شكر فيها خادم الحرمين الشريفين على «الوقوف الدائم إلى جانب الشعب الأفغاني»، معرباً عن أمله بأن يلعب المؤتمر دور الوسيط لتحقيق السلام والاستقرار في أفغانستان. وأضاف أن «الشعب الأفغاني في انتظار أن يخرج المؤتمر بنتائج إيجابية».
ولفت نائب رئيس مجلس علماء أفغانستان الدكتور شفيق صميم إلى أن «الهدنة التي حدثت في عيد الفطر أثبتت أن الحكومة وحركة طالبان والشعب يريدون السلام والمصالحة ولكن الأيادي الخفية التي تشعل النار هي التي لا تريد السلام للشعب الأفغاني وتبث سمومها وأمراضها الخبيثة لفرض الحرب والفوضى». وبيّن أن العلماء الأفغان مفوضون من الرئيس الأفغاني بعملية المصالحة ولهم الصلاحيات كافة.
واقترح في كلمته أن يطلب علماء المؤتمر من الطرفين وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات مباشرة، وتعيين وفد من علماء المؤتمر لإجراء مباحثات مباشرة مع طالبان، وأن يدعى زعماء الطرفين للجلوس إلى طاولة المفاوضات. وشدد على ضرورة إصدار وثيقة من علماء الأمة الإسلامية ترفض التشدد والإفراط والانتحار والتفجير بشكل واضح وصريح. وأوضح أن المرحلة الحالية في أفغانستان تشهد تغيراً ملحوظاً، معتبراً استجابة حركة طالبان لطلب الحكومة بوقف إطلاق النار ثلاثة أيام في عيد الفطر تطورا إيجابياً لم يحدث في السابق، ويشير إلى بداية الخطوات للمصالحة والجلوس إلى طاولة حوار واحدة.
وقال الممثل الدائم لأفغانستان في منظمة التعاون الإسلامي سازمان همكاري إسلامي لـ«الشرق الأوسط» إن «الجميع يسعون في المؤتمر إلى هدف واحد وهو التحول من ثقافة الحرب إلى الصلح والسلام لأفغانستان التي عانت الحرب لأكثر من 40 عاماً». وأضاف: «نرجو الوصول إلى حل نهائي لهذه المعاناة، ولا ينتابنا شك في أن السعودية تبذل كل جهودها لهذا الصلح بين الأطراف ما سيحقن الدماء ويوقف الهجمات المتتالية».
واختتمت الجلسة الافتتاحية بكلمة ممثل العلماء إمام وخطيب الحرم المكي الدكتور صالح بن حميد الذي قال إن استضافة السعودية للمؤتمر تأتي في إطار اهتمام خادم الحرمين الشريفين وولي العهد في خدمة قضايا الأمة من أجل إحلال السلم والأمن. وشدد على مسؤولية العلماء في بث روح التسامح والتعايش بين أفراد المجتمع، مشيراً إلى الأمانة الكبرى والمسؤولية المعقودة على المؤتمر، معرباً عن أمله بأن يرسم المؤتمر توجهاً في سبيل تحقيق الأمن والسلم في أفغانستان.
ويتضمن المؤتمر جلستين عامتين الأولى بعنوان «المصالحة في الإسلام: دور العلماء في إحلال السلم والاستقرار في أفغانستان» والثانية بعنوان «موقف الإسلام من الإرهاب والتطرف العنيف». ويختتم المؤتمر اليوم في قصر الضيافة بمكة المكرمة، باعتماد «إعلان مكة» حول توطيد السلم والاستقرار في أفغانستان.

- «التعاون الإسلامي»: حرصنا على عدم استبعاد أي مكون أفغاني
شدد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف العثيمين على أن المنظمة حرصت على عدم استبعاد أي مكون أفغاني من المؤتمر الدولي للعلماء المسلمين حول السلم والاستقرار في أفغانستان.
وقال العثيمين لـ«الشرق الأوسط» إن «هدفنا دعوة كل المكونات في المجتمع الأفغاني إلى مائدة حوار، وليس إلى ساحة قتال، وإعطاء هذا الأمر الشرعية الإسلامية للدفع بمكونات المجتمع الأفغاني وقياداتهم وبتزكية من العلماء المسلمين للانخراط في العملية السياسية».
وأضاف أن «انعقاد المؤتمر بجوار الكعبة المشرفة يضع مسؤولية أخلاقية وشرعية على العلماء في أن يتوصلوا إلى صيغة واحدة ومباشرة لموقفهم من أمرين هما الموقف الشرعي من المصالحة الوطنية، ونزع الغطاء عن الشرعية للأعمال الإرهابية»، لافتاً إلى أنه «لا يجوز تحت أي مبرر أو غطاء سياسي أو مصالح دنيوية ضيقة أن يقتل المسلم أخاه المسلم».
وأشار إلى أن «أفغانستان عانت كثيراً من ويلات الحروب والإرهاب والنزاعات وهناك قرار من القمة العربية لعقد هذا المؤتمر، كما تم الترحيب في مؤتمر بنغلاديش باستضافة السعودية المؤتمر». وبيّن العثيمين أن «وجود علماء من مختلف أنحاء العالم يسهّل الدفع بالمصالحة الوطنية الأفغانية»، لافتاً إلى أن السعودية مهتمة بالشأن الأفغاني من النواحي الإنسانية والسياسية، وكان آخرها ترحيب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز بالهدنة التي دعت إليها الحكومة الأفغانية في عيد الفطر، ولعلها تكون خطوة أولى نحو المصالحة الوطنية.
ورأى أن اجتماع علماء بهذه المكانة يتحدثون بلغة واضحة ومباشرة، سيكون إحدى الوسائل التي تساعد على خفض التوتر وتدفع العقلاء من مختلف أطياف المجتمع الأفغاني للانخراط في العملية السياسية. لكنه أضاف: «لا نتوقع حلاً سحرياً، ولكن هذه الخطوة قد تكون بداية لعملية سياسية وحوار وطني، وتوجيه رسالة للعالم في أمرين؛ الأول أن الحل هو انخراط الأفغان أنفسهم في العملية السياسية وليس بالأعمال الإرهابية والعسكرية، وثانياً توجيه رسالة للعالم غير الإسلامي بأننا قادرون وبعزائم العلماء المسلمين على حل مشاكلنا بأنفسنا عبر الحوار والتفاهم ونزع الغطاء عن الأعمال الإرهابية والتأويل الخاطئ للجهاد».

- مستشار الرئيس الأفغاني: لا تأثير لمكتب «طالبان» في قطر على المصالحة
أوضح المستشار السياسي للرئيس الأفغاني الأمين العام لمجلس المصالحة، محمد أكرم خبالواك، أن مكتب «طالبان» في قطر لا تأثير له حتى اللحظة على دفع العملية السياسية أو حتى السعي إلى الصلح، مشيراً إلى أن الرئيس الأفغاني قدم دعوة للحركة لحضور المؤتمر، لكن لم يحضر أحد منهم.
وقال خبالواك، إن «المكتب وُجد لهدف واضح محدد وهو المفاوضات السياسية الداعمة، لكن في حال عدم استجابته وتجاوبه وعدم تحقيق هذا الهدف، فإننا لسنا في حاجة إليه وسنبادر لإغلاقه». ولفت إلى أن بلاده لم تبلغ قطر أو المكتب حتى الآن برغبتها في الإغلاق؛ لأن ذلك يعتمد على مدى الاستجابة للمؤتمر الذي دعت إليه السعودية، وفي حال عدم الاستجابة أو التفاعل «فهذا يعني التحدث مع الولايات المتحدة وحكومة قطر لإغلاق المكتب». وأكد أن حركة طالبان «تتلقى دعم جهات خارجية متعددة بكل أنواع الدعم الحربي، وحتى أماكنهم تجدها في دول خارجية وليست في أفغانستان».
ولفت إلى أن «الشعب الأفغاني ينتظر نتائج المؤتمر»، مشيراً إلى أن «مجلس المصالحة بين الحكومة و(طالبان) سيعمل كثيراً لتحقيق أهداف المؤتمر الذي دعت إليه السعودية». وأوضح أن «الشعب عاش لحظات سعيدة مع إيقاف إطلاق النار في أفغانستان، واستبشر الجميع خيراً بهذه الهدنة أن تكون فترة تراجع وتفكير بالوضع الحالي ونأمل بأن تكون بداية لوقف طويل ونهائي».
ودعا علماء وشخصيات بارزة من باكستان تحضر المؤتمر إلى تكثيف الجهود ودعم الصلح والمشاركة في تحقيق أهدافه، لافتاً إلى أن باكستان تعترف دائماً بوجود عناصر من «طالبان» لديها، مطالباً من خلال المؤتمر بإنشاء لجنة أو هيئة تدعو «طالبان» إلى الحوار مع الحكومة الأفغانية والاستجابة لمطالب الحكومة في السلم وإيقاف الحرب.
وفيما يتعلق بمدى القلق من التواجد الإيراني على الأراضي الأفغانية في مجالات كثيرة كالتعليم والإعلام، قال خبالواك: «ندعو بشكل مستمر إلى إيقاف التدخلات الخارجية في أفغانستان، ونطلب حتى من دول الجوار ألا يتدخل أحد في الشأن الأفغاني الداخلي أو يثير الفوضى، وبالتأكيد هناك وجود إيراني ودعم إيراني قوي في أفغانستان لعناصر (طالبان) وتدخل مستمر، ونحن هنا نطالب بإيقاف هذه التدخلات».


مقالات ذات صلة

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

شؤون إقليمية عناصر من الشرطة التركية في محيط مجمع يضم مقر القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين يرجح انتماؤهم لـ«داعش» الثلاثاء الماضي (أ.ب)

تركيا: 14 موقوفاً في التحقيقات بهجوم قرب القنصلية الإسرائيلية

أوقفت السلطات التركية 14 شخصاً في إطار التحقيقات في هجوم على نقطة تفتيش بالقرب من مقر القنصلية الإسرائيلية، كما ألقي القبض على 198 من عناصر «داعش».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ عام 2022 (الرئاسة الجزائرية)

تهمة «إرهاب الدولة» تنسف ما تبقّى من ثقة بين الجزائر وفرنسا

وصفت الجزائر علاقاتها مع فرنسا، في ظل التوترات المستمرة منذ نحو عامين، بأنها تمرّ بحالة من «الرِدّة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا عناصر من قوات الأمن المغربي (أ.ف.ب)

الأمن المغربي يفكّك خلية إرهابية في 4 مدن

تمكّنت قوات الأمن المغربي، خلال الـ24 ساعة الماضية، من تفكيك خلية إرهابية تتكون من ستة أشخاص في أربع مدن مغربية.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شؤون إقليمية انتشار كثيف للشرطة التركية في محيط مجمع يقع به مقرُّ القنصلية الإسرائيلية في حي بيشكتاش بإسطنبول عقب اشتباك مع مهاجمين استهدفوه الثلاثاء (أ.ف.ب)

استهداف القنصلية الإسرائيلية بإسطنبول... والشرطة تقتل مهاجماً وتقبض على اثنين

حددت السلطات التركية هوية 3 أشخاص اشتبكوا مع عناصر الشرطة، التي تتولى تأمين مبنى القنصلية الإسرائيلية في إسطنبول؛ ما أسفر عن مقتل أحد المهاجمين وإصابة الآخرَين.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الولايات المتحدة​ حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس (رويترز)

حاكم فلوريدا يوقع قانون تصنيف «الإرهاب» ويثير مخاوف إزاء حرية التعبير

وقع حاكم ولاية فلوريدا الأميركية رون ديسانتيس قانوناً يمنحه وغيره من مسؤولي الولاية سلطة تصنيف الجماعات «منظمات إرهابية»، وطرد الطلاب الذين يدعمونها.

«الشرق الأوسط» (فلوريدا)

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.