الكرة الساحرة بين ذكورة الجسد وأنوثة المرمى

جوانب كثيرة تمنح اللعبة فرادتها الخاصة وجاذبيتها الاستثنائية

التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
TT

الكرة الساحرة بين ذكورة الجسد وأنوثة المرمى

التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف

لم يسبق للعبة من الألعاب أن وحّدت حولها سكان الأرض وشعوبها المتناحرة، وشدّت إليها أنظار ملايين المتفرجين والمشاهدين، كما هي الحال مع كرة القدم. وإذا كان سحر هذه الكرة يتوزع على مدار أيام السنة وشهورها، فهو في حقبة المونديال، التي تتجدد مرة كل سنوات أربع، يبلغ ذروته القصوى ويُشيع على امتداد المعمورة نوعاً من الهستيريا الجماعية التي لا تهدأ حمّى انفعالاتها قبل أن ينجلي الغبار عن الرابح الأخير، الذي يرفع الكأس الذهبية بيده بعد أن استحقها قبل ذلك بأقدام فريقه الفائز. فخلال شهر كامل من الزمن يتخفف سكان هذا الكوكب العجوز من أوزار حروبهم وكوارثهم الطبيعية وأزماتهم الاقتصادية والسياسية، ويسمرون أنظارهم باتجاه الشاشات الفضية الصغيرة في منازلهم العائلية، أو باتجاه الشاشات العملاقة التي توفر لرواد المطاعم والمقاهي حماساً أقوى وتفاعلاً مليئاً بالإثارة وتماساً مع المؤيدين أو الخصوم، لا ينتهي دائماً بشكل ودي.
على أن تحول كرة القدم إلى اللعبة الأكثر شعبية على مستوى العالم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة المجردة، بل هو نتيجة تضافر معقد بين عناصر مختلفة تتيح لكل واحد منا أن يرى إليها من منظوره الخاص، وأن يقرأ فيها ما يتلاءم مع مزاجه وإدراكه وفهمه للأمور. ففوق ذلك المستطيل الأنيق من الخضرة المتموجة ينفتح التأويل على مصراعيه، وتتناغم الموهبة مع المهارة، والرشاقة مع القوة، ويتقاطع الفردي مع الجمعي في سلسلة مترابطة من الاختزال الموحي. وفي «لعبة الأمم» الرمزية تلك، ثمة معايير وقواعد وتراتبيات مغايرة تماماً لما هو قائم على أرض السياسة والاقتصاد، حيث يمكن لدول كبرى من وزن الولايات المتحدة والصين وروسيا أن تنكفئ إلى الخلف، فيما تتقدم إلى موقع الصدارة دول أقل شأناً كالبرازيل والأرجنتين والسويد وكوريا الجنوبية، أو دول صغيرة وفقيرة كالسنغال وآيسلندا وأورغواي وغيرها. فهذه الكرة الصغيرة التي تشبه الأرض تتيح للشعوب المستضعفة أن تتجاوز ما تعانيه من شعور بالدونية وعقد النقص إزاء الإمبراطوريات الممسكة بمقاليد العالم. وتبدو السيطرة على المستطيل الأخضر بمثابة تعويض من نوع ما عن حالات التهميش والعزلة وغياب الأدوار.
إن الذين يتحدثون عن تحول كرة القدم إلى نوع من الديانة الجديدة، بالمعنى المجازي للكلمة، لا يبتعدون كثيراً عن الحقيقة. ليس فقط لأنها لعبة عابرة للقارات، ولأن عشاقها ومتابعيها يفوقون في أعدادهم معتنقي أي ديانة بعينها، ويتوزعون على كافة الأعمار والطبقات والولاءات الدينية والمذهبية والآيديولوجية فحسب، بل لأنها باتت محلاً لالتقاء الكثير من الطقوس والإشارات والمفارقات الدلالية والانفعالية. ففي الإطار الأوسع يبدو كل فريق ممثلاً لوطنه ولروح شعبه القومية، حيث الجسد الفردي في هذه اللعبة ليس منبتاً أبداً عن الجسد الطوطمي الذي يضخ دماءه المتجددة في عروق السلالة وشرايين أبنائها. والقدم التي تركل الكرة تبدو وكأنها تفعل ذلك نيابة عن الأمة برمتها. هكذا تصبح أجساد المتفرجين على المدرجات امتداداً لأجساد من يمثلونهم في الأسفل. وحيث لا لزوم للكلام الواضح والجمل المفهومة، واللغة حكر على الأقدام والرؤوس يعبر المنقسمون في الأعلى عن مشاعرهم بالهمهمات والقبضات المرفوعة والصيحات البدائية. ولأن اللعبة هي نوع من الحرب الرمزية بين فريقين متواجهين فإن كل ما يسعد أحدهما يحزن الآخر. وعند الطرف المقابل لكل ضحكة أو تهليل أو نشوة انتصار، ثمة دمعة تُذرف وزفرة تعلو وحزن يهيمن. ولعل البعد القومي للعبة هو ما يدفع اللاعبين المنضوين في فرق أجنبية للعودة أثناء المونديال إلى كنف منتخباتهم الوطنية التي تتجاوز انقساماتها المحلية المختلفة، وتتوحد جميعها تحت علم البلاد المرفرف في المكان، كما تؤدي التحية بخشوع ظاهر لنشيدها الوطني الذي يسبق بقليل انطلاق صافرة البدء. على أن البعد السحري الطوطمي لعلاقة الأمة مع أبنائها اللاعبين قد يأخذ في بعض الأحيان أبعاداً دموية عنفية فيؤدي إلى قتل اللاعب الذي «خذل شعبه»، كما حدث للكولومبي إسكوبار الذي اغتالته عصابات المافيا بداعي تسببه بهزيمة بلاده في مونديال العام 1986. وقد يبلغ الاحتقان العصبي القائم بين مشجعي الفرق المتنافسة حدود التصفية الدموية، كما حدث في أحد مقاهي بيروت قبل أيام حين عمد مشجع لبناني لألمانيا إلى قتل مواطنه المشجع للبرازيل، إثر خروج الفريق الألماني مهزوماً من المونديال الأخير. تجمع كرة القدم من جهة أخرى بين الكفاءات الفردية المتألقة مهارة وحضوراً، وبين البعد الجماعي الذي يقوم على توزيع الأدوار بين اللاعبين والتناغم الخلاق فيما بينهم بغية تحقيق الظفر. كأنها تؤالف بشكل أو بآخر بين ذروة الفردانية الرأسمالية، وبين ذروة الاندماج في الجماعة الذي تنادي به الاشتراكية. وفي ظل هذا التناغم الخلاق بين العبقرية الشخصية والتربة الرياضية الملائمة يمكن أن يتحول بعض اللاعبين إلى أساطير أو أيقونات حقيقية، كما هو حال بيليه ومارادونا ورونالدو وزيدان وميسي ونيمار وغيرهم.
تتيح كرة القدم لجسد اللاعب، من جهة أخرى، أن يغير تراتبيته المألوفة. فاليد «المبصرة»، التي تملك عبر أصابعها الخمس قدرات كثيرة من بينها الكتابة والاحتضان والعزف والإمساك بالأشياء والاحتفاظ بها لا تصبح على أرض الملعب عاطلة عن العمل فحسب، بل إن تدخلها في اللعبة يستتبع أوخم العواقب، وقد يقلب احتمالات الانتصار إلى هزائم نكراء. في حين أن القدم «العمياء» التي تمثل الجنوب المهمش للجسد الإنساني تسترد ألقها المغيب لتناور وتمكر وتسدد باتجاه المرمى، وتمنح صاحبها أكثر ما يصبو إليه من النجومية وذيوع الصيت. أما الرأس من جهته فلا يكتسب أهميته من خلال تلافيف الدماغ أو من خلال الذكاء وإنتاج الأفكار فحسب، بل من خلال فيزيولوجيته العظمية الظاهرة التي تمكّنه من إصابة المرمى بأكثر الكرات خطورة واستعصاء على الرد. ولعل هذا الدور الطريف للرأس يذّكّر من بعض وجوهه بالموقف الطريف الآخر في رواية «زئبق» للفرنسية إيميلي نوثومب، التي رغم عزوفها عن القراءة، لم تفلح في الهروب من سجنها إلا بعد أن حولت الكتب الموجودة في حوزتها إلى منصة عالية وفّرت لها سبيل الهرب إلى الخارج والنجاة من الأسر.
ثمة وجوه كثيرة أخرى تمنح هذه اللعبة فرادتها الخاصة وجاذبيتها الاستثنائية. فالملعب منظوراً إليه من بعيد هو أشبه بلوحة متناغمة الألوان يعاد تشكيلها باستمرار. هنا يتحد الرسم بالرقص عبر موسيقى الأجساد المخاتلة التي تبعث على الطرب والنشوة البصريين. وفوق أرض الملعب تمتزج الضرورة بالمصادفة والمنفعة بالمتعة والرؤية بالعمى، كما يعبر اللاعب الفرنسي الشهير ميشيل بلاتيني في حوار له مع مواطنته الكاتبة مرغريت دوراس. ليس ثمة في اللعب من تقدم أو تقهقر دائمين بل كرّ وفرّ متعاقبان، وثمة لقاءات على الأرض وارتطامات ومناورات في الفضاء. والقوة هنا لا تحضر في سياقها الوحشي المجرد، بل هي قوة تسندها المهارة ويرفدها الذكاء وتبعدها الليونة عن الفظاظة المجردة. وقد يكون التعاطف الواسع الذي يبديه جمهور اللعبة مع الفريق البرازيلي ناجماً عن مؤالفة هذا الأخير بين الجسد الأبولوني القائم على الرشاقة والتناسق العضلي والجمالي، وبين الروح الديونيزية المتوثبة والمفعمة بالحيوية والشغف. وفي الحالين ثمة دلالات إيروتيكية للعبة التي يحضر من خلالها الجسد الذكوري بكامل فحولته الفتية. فاللاعبون بسيقانهم الممتلئة وخصورهم الضامرة وعروقهم النافرة وعضلاتهم المشدودة وعدْوهم السريع ونظراتهم الصقرية الحادة، يبدون مزيجاً غريباً من الخيول والنمور والغزلان.
وإذا كان العرب، أخيراً، يسبغون على شعرائهم الممسكين بناصية اللغة والغوص التخييلي صفة الفحولة، فإن لاعبي كرة القدم يجسدون هذه الصفة في بعدها المرئي والملموس. ففوق المسطح الأخضر تتكفل الأجساد الفتية بكتابة نص كروي تشكيلي بالغ الذكورية، فيما الحقيقة الفنية لا تكتمل إلا مع تأنيث المرمى وتسجيل الهدف في قلب شباكه المتمنعة.



متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
TT

متاحف الآثار المصرية تحتفي بالمرأة في يومها العالمي وعيد الأم

السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)
السلطانة ملك (وزارة السياحة والآثار)

احتفت متاحف مصرية بالمرأة خلال شهر مارس (آذار) الحالي الذي وافق اليوم العالمي للمرأة في الثامن من الشهر، كما يوافق عيد الأم 21 من الشهر نفسه، عبر اختيار قطع أثرية لمقتنيات نسائية وتماثيل النساء من العصور القديمة، ومنسوجات عليها رسوم تجسد المرأة، وصور ومتعلقات من مكاحل وأمشاط وغيرها.

وتحتفي المتاحف المصرية بدور المرأة عبر التاريخ، وتسلّط الضوء على نماذج مشرّفة لنساء أسهمن بعطائهن وإنجازاتهن في خدمة المجتمع، وتركْن بصمات خالدة في مجالات العمل الإنساني والثقافي والحضاري، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الجمعة.

ومن بين القطع الأثرية التي اختارتها بعض المتاحف لتكون قطعة شهر مارس، وفق تصويت إلكتروني لزوار المتاحف والجمهور، أبرز متحف مطار القاهرة الدولي تمثالاً صغيراً من البرونز للإلهة إيزيس وهي جالسة تُرضع طفلها حورس، ويعلو رأسها تاج يتكون من قرنين يتوسطهما قرص الشمس. وقد اتخذ المصريون القدماء من الإلهة إيزيس رمزاً للأمومة والحماية.

ويعرض متحف إيمحتب بسقارة تمثالاً للإلهة إيزيس في هيئة آدمية جالسة ترتدي تاج القرنين وقرص الشمس، وتحمل طفلاً صغيراً يمثل الإله حورس.

بينما يعرض متحف الإسماعيلية لوحة من الحجر الجيري تعود للدولة القديمة تمثل الثالوث المقدس في نقش بارز، حيث تظهر إيزيس على اليمين وحورس على اليسار، بينما يتوسطهما الملك ممثلاً للإله أوزيريس، في مشهد يعكس دور إيزيس كحامية للملك ولابنها حورس.

الثالوث إيزيس وأوزيريس وحورس (وزارة السياحة والآثار)

كما يعرض متحف كفر الشيخ (دلتا مصر) رأس تمثال من الجرانيت للملكة برنيكي الثانية، ابنة ماجاس حاكم قورينية والملكة أباما السورية، التي وُلدت عام 267 ق.م، وحكمت مصر في أثناء حرب الملك بطليموس الثالث ضد الملك سلوقس الثاني.

ويعرض متحف طنطا (دلتا مصر) تمثالاً من الحجر الجيري للإلهة تاورت، إلهة الحمل والإنجاب عند المصري القديم، التي صُوّرت في هيئة أنثى فرس النهر.

كما يعرض متحف الإسكندرية القومي تمثالاً من البرونز للإلهة إيزيس من العصر البطلمي، ويصورها في وضع الجلوس وهي تُرضع الطفل حربوقراط (حورس).

ويعرض متحف الأقصر للفن المصري القديم مرآة من البرونز كانت من أهم أدوات الزينة والتجميل منذ أقدم العصور، ويعرض متحف النوبة بأسوان تمثالاً من الغرانيت للأميرة آمونرديس، ابنة الملك كاشتا وأخت الملك بعنخي، التي شغلت منصب الزوجة الإلهية للإله آمون.

من المعروضات المتحفية المختارة في شهر مارس (وزارة السياحة والآثار)

ومن العصور الوسطى والعصر الحديث يعرض متحف الفن الإسلامي مكحلة من العاج المطعّم بالصدف ترجع إلى العصر المملوكي، ويعرض المتحف القبطي قطعة من النسيج القبطي تصور المرأة بأشكال مختلفة، ومن بينها قطعة تحمل صورة نصفية لسيدة بكامل زينتها، تحيط بها جامات زخرفية تضم طيوراً متنوعة.

بينما يعرض متحف المركبات الملكية ببولاق صورة فوتوغرافية من فترة حكم الأسرة العلوية، وهي صورة للسلطانة ملك، الزوجة الثانية للسلطان حسين كامل، التي لُقبت بـ«أميرة الفقراء وراعية الأيتام» تقديراً لأعمالها الخيرية الواسعة. وقد اشتهرت بعطائها الإنساني، خاصة خلال شهر رمضان.

أما متحف ركن فاروق بحلوان (جنوب القاهرة) فيعرض صورة فوتوغرافية للأميرة فوزية فؤاد التي اشتهرت بدعمها للأعمال الخيرية وحقوق المرأة، حيث تولت رئاسة مبرة محمد علي لفترة طويلة، وأسهمت في تنفيذ العديد من البرامج الخيرية لخدمة الفقراء وإنشاء المستشفيات ومكافحة الأوبئة.

بينما يعرض متحف المجوهرات الملكية بالإسكندرية لوحة زيتية للأميرة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي تعد من أبرز الداعمين للتعليم في مصر، حيث تبرعت بمجوهراتها والأرض التي أُقيمت عليها الجامعة المصرية (جامعة القاهرة حالياً).

من القطع الأثرية التي تحتفي بالمرأة (وزارة السياحة والآثار)

ويعرض متحف جاير أندرسون بالسيدة زينب (وسط القاهرة) شكمجية من الخشب المطعّم بالصدف تتكون من درجين تعلوهما مرآة صغيرة بين قائمين، وترتكز على أربع أرجل تنتهي كل منها بشكل كروي ومذهّب.

ويعرض متحف الشرطة القومي بقلعة صلاح الدين مشطاً خشبياً مزيناً بزخارف هندسية ونباتية دقيقة ومطعّماً بالصدف، وقد زُيّن أحد جانبيه بثلاث جامات دائرية تتوسطها جامة كُتب بداخلها: «إن الشيطان لكم عدو مبين».

ويأتي تقليد اختيار قطعة الشهر في متاحف الآثار المصرية ليؤكد على التفاعل بين الجمهور الذي يختار القطع الأثرية عبر تصويت على «فيسبوك»، والعرض المتحفي، وتفاعل المتاحف مع المناسبات المختلفة المحلية والعالمية.


طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
TT

طوروس سيرانوسيان... صفحة من مجد الزمن الجميل تُطوى

أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)
أول مَن وضع لبنان على خريطة الفنّ العالمي (فيسبوك)

قلّة من جيل اليوم تتذكّر اسم متعهّد الحفلات اللبناني من أصل أرمني طوروس سيرانوسيان، فهو شخصية فنّية عملت منذ الستينات حتى الألفية الثانية على تعزيز موقع لبنان الفنّي في العالم. وبرحيله تُطوى صفحة من مجد الزمن الجميل في لبنان، فصاحب اللقب الأحبّ إلى قلبه «وزير السياحة المتنقّل» أسَّس «مهرجانات جبيل» في أوائل السبعينات، وكذلك «مهرجانات دير القلعة»، ناشراً بذلك مفهوم الفنّ المناطقي من خلال إحياء حفلات ضمن المهرجانات. وكان يتذكّر تلك المرحلة راوياً: «عام 1970 قدّمت إلى وزارة السياحة طلباً لإقامة مهرجانات في جبيل. وافقت وأعطتني حقاً حصرياً لـ10 أعوام. صرفتُ أكثر من نصف مليون دولار، واشتريت من إنجلترا أجهزة صوت وإنارة. أضأتُ القلعة والطرقات المؤدّية إليها، فكتب رئيس بلدية جبيل الدكتور أنطوان شامي: (كان الشوك يفترش أرض قلعة جبيل فأنارها طوروس سيرانوسيان وجعل منها منارة)».

ومن خلال «بيت الفنان اللبناني» الذي أسَّسه عام 1987، خلق صلة وصل بين متعهّدي الحفلات في الخارج ونجوم لبنان.

كتب مذكراته في كتاب «مذكرات في ذكريات» (فيسبوك)

لم يكن يفصل بين علاقات العمل والصداقة، بل كان يفتخر بذلك ويقول: «ربحت صداقة جميع الفنانين اللبنانيين وأكثرية الفنانين العالميين». أما الأحبّ إلى قلبه من زمن الفن الجميل، فكانت الراحلة صباح التي تولّى إدارة أعمالها لـ30 سنة متتالية، فاحتلّت مكانة خاصة لديه؛ إذ كان يعدّها من أهم المطربات في العالم العربي.

وكان سيرانوسيان أول مَن استقدم نجوماً أجانب إلى لبنان، فقد أحضر شارل أزنافور 6 مرات، في حين زار جيلبير بيكو بيروت لإحياء 5 حفلات، وتفوّقت عليهما داليدا بإحيائها في مرحلة السبعينات 7 حفلات غنائية من تنظيم سيرانوسيان. وكذلك الأمر بالنسبة إلى ديميس روسوس، وراي تشارلز، وغلوريا غاينر. وكان في كلّ مرة يزور فيها باريس أو اليونان يتواصل مع هؤلاء النجوم محافظاً على صداقته معهم لعقود متتالية.

بالنسبة إليه، فإنّ «مهرجانات بيت الدين» هي الوحيدة التي استطاعت الحفاظ على مكانتها الرائدة بين المهرجانات الأخرى. في المقابل كانت لديه ملاحظات على مهرجانات لم تعرف، وفق رأيه، التعمُّق أكثر فيما يطلبه الجمهور اللبناني وما يراعي مشاعره الوطنية.

تولّى إدارة أعمال الراحلة صباح لـ30 سنة (فيسبوك)

ولم يكتفِ سيرانوسيان بإحياء حفلات لفنانين لبنانيين وغربيين بين لبنان والعالم، بل أسهم أيضاً في صناعة نجوم غناء. من بين هؤلاء الثنائي نينا وريدا بطرس في أوائل التسعينات. اكتشف موهبتهما بعدما حضر لهما حفلات فنّية، لا سيما أنّ الأختين كانتا قد فازتا بالميدالية الذهبية في برنامج «استوديو الفن» لهواة الغناء. وبذلك كان سيرانوسيان أول مَن أطلق ثنائياً غنائياً في لبنان والعالم العربي. ومن أشهر أغانيهما «لولي»، و«بأمارة إيه»، و«البلدي وبس».

وحرص الراحل على توثيق هذه المسيرة الطويلة في كتابه «مذكرات في ذكريات»، فاستعرض كواليس العمل مع العمالقة وأسرار صناعة المهرجانات الكبرى، ليكون مرجعاً للأجيال القادمة في إدارة الفنّ والترفيه. وضمَّ الكتاب سيرته الذاتية والمواقف الصعبة التي واجهها خلال مشواره.

وبرحيل طوروس سيرانوسيان يفقد لبنان أحد مؤسِّسي العمل النقابي والفنّي وداعمي المواهب الشابة. وكان الراحل وديع الصافي من أكثر المعجبين به، وقد وصفه بأنه «الرجل التاريخي في رفع اسم لبنان فنّياً وثقافياً».

وإثر إعلان وفاته، نعاه عدد كبير من معاصريه، بينهم الإعلامي والناقد الفنّي جمال فياض الذي كتب كلمات مؤثرة: «رحل طوروس سيرانوسيان... حبيبنا وصديقنا ورفيق الأيام الحلوة والزمن الجميل. رحل الطيب الآدمي، الفنان الذي احترم كلمته ووعده في كلّ عمل قام بإنتاجه. دعم وقدَّم كثيراً للفنانين في بداياتهم حتى نجوميتهم. طوروس الحبيب... نفسك في السماء».


حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
TT

حملة مصرية لتوثيق تجارب السائحين في المعالم التاريخية والطبيعية

جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)
جانب من الحملة الترويجية (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت وزارة السياحة المصرية إطلاق حملة ترويجية للمقاصد السياحية في مصر، تتضمن تصوير مقاطع فيديو للسائحين يوثقون فيها تجاربهم، ويتحدثون عن انطباعهم حول المقصد السياحي المصري الذي زاروه.

وتتضمن الحملة مقاطع فيديو في أماكن متنوعة، من بينها مقاصد تاريخية مثل المعابد والأهرامات ومناطق السياحة الثقافية عموماً، وكذلك مقاطع فيديو في السواحل المصرية؛ حيث السياحة البيئية والشاطئية والعلاجية وسياحة المؤتمرات.

وتأتي هذه الحملة، التي تنفذها الهيئة العامة للتنشيط السياحي بالتعاون مع الاتحاد المصري للغرف السياحية، في إطار توجيهات وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، بضرورة توثيق ونقل تجارب السائحين من مختلف الجنسيات بشكل يومي خلال زيارتهم الحالية لمصر، بما يعكس ما تنعم به البلاد من أمن وأمان واستقرار، ويبرز استمتاع الزائرين بتجاربهم السياحية، في ظل التطورات الإقليمية الراهنة، وفق بيان للوزارة، الجمعة.

وتسعى الحملة الإعلامية المصوّرة، التي انطلقت الخميس، إلى إبراز الأجواء الإيجابية والحركة السياحية بالوجهات المصرية؛ حيث تعتمد على تصوير مقاطع فيديو قصيرة مع السائحين بشكل يومي في عدد من الوجهات السياحية المختلفة، يتم نشرها عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي التابعة للوزارة والهيئة والاتحاد والغرف السياحية.

كما تهدف المقاطع إلى التعرف على ردود فعل السائحين وانطباعاتهم، بما يُسهم في رصد مؤشرات الحركة السياحية في ظل الأحداث الإقليمية الراهنة، ودعم الجهود المبذولة للارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للزائرين، وتعزيز تجربة السائح بالمقصد السياحي المصري.

فيديو من الحملة الترويجية أمام الأهرامات (وزارة السياحة والآثار)

وأكد رئيس الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن المقاطع التي يتم تصويرها مع السائحين تؤكد أن الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري ما زالت تعكس شعورهم بالأمن والأمان خلال الزيارة، مشيراً إلى أن الهيئة تحرص على نقل تجارب أكبر عدد من السائحين في الوجهات السياحية المصرية المختلفة.

ولفتت سوزان مصطفى، رئيس الإدارة المركزية للتسويق السياحي بالهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، إلى أن هذه المقاطع تتيح نقل صورة حية ومباشرة للحركة السياحية في مصر، من خلال عرض التجارب الحقيقية للسائحين وانطباعاتهم خلال زيارتهم، وإبراز ما يتمتع به المقصد السياحي المصري من مقومات سياحية متنوعة وبيئة آمنة ومستقرة.

وعدّ الخبير السياحي المصري، محمد كارم، هذه الحملة «من أهم أدوات الترويج حالياً، وهي خطوة توثق تجربة السائحين في المقصد السياحي المصري».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «السائح لم يعد يعتمد على الإعلانات التقليدية، ولكنه ينجذب أكثر للتجارب الحقيقية، فحين نقدم تجارب حية وواقعية تنتقل بسهولة للسائحين الآخرين، وكأن السائح بمنزلة سفير لمصر في الخارج؛ يتحدّث عنها ويبرز تجربته فيها، بما يجذب سائحين آخرين إليها».

الغردقة من المقاصد السياحية المصرية الجاذبة للأجانب (وزارة السياحة والآثار)

وعدّ كارم أن «الهدف الأساسي من هذه الحملة توجيه رسالة بأن مصر دولة آمنة مستقرة تتمتع بالتنوع السياحي من حضارة وتاريخ وطبيعة، ما يُسهم في ترسيخ صورة ذهنية إيجابية للمقصد السياحي، وهو ما أتوقع أن ينعكس على زيادة معدلات الزائرين ومعدلات الإشغالات والإقبال على المقصد السياحي المصري».

ويُمثل قطاع السياحة أحد مصادر الدخل القومي المهمة لمصر، ووصل عدد السائحين الذين زاروا مصر العام الماضي إلى نحو 19 مليون زائر، وهو رقم قياسي لم تحققه من قبل، وتطمح مصر لجذب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031، من خلال برامج ترويجية متنوعة، من بينها برنامج أطلق قبل فترة بعنوان «تنوع لا يضاهى» لتأكيد تنوع الأنماط السياحية التي تتمتع بها مصر، ومن بينها السياحة الثقافية والشاطئية والعلاجية والبيئية والترفيهية وسياحة المؤتمرات والسفاري.