الكرة الساحرة بين ذكورة الجسد وأنوثة المرمى

جوانب كثيرة تمنح اللعبة فرادتها الخاصة وجاذبيتها الاستثنائية

التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
TT

الكرة الساحرة بين ذكورة الجسد وأنوثة المرمى

التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف
التعاطف الواسع مع الفريق البرازيلي (الصورة) ناجم عن المؤالفة بين التناسق العضلي والجمالي والروح المفعمة بالحيوية والشغف

لم يسبق للعبة من الألعاب أن وحّدت حولها سكان الأرض وشعوبها المتناحرة، وشدّت إليها أنظار ملايين المتفرجين والمشاهدين، كما هي الحال مع كرة القدم. وإذا كان سحر هذه الكرة يتوزع على مدار أيام السنة وشهورها، فهو في حقبة المونديال، التي تتجدد مرة كل سنوات أربع، يبلغ ذروته القصوى ويُشيع على امتداد المعمورة نوعاً من الهستيريا الجماعية التي لا تهدأ حمّى انفعالاتها قبل أن ينجلي الغبار عن الرابح الأخير، الذي يرفع الكأس الذهبية بيده بعد أن استحقها قبل ذلك بأقدام فريقه الفائز. فخلال شهر كامل من الزمن يتخفف سكان هذا الكوكب العجوز من أوزار حروبهم وكوارثهم الطبيعية وأزماتهم الاقتصادية والسياسية، ويسمرون أنظارهم باتجاه الشاشات الفضية الصغيرة في منازلهم العائلية، أو باتجاه الشاشات العملاقة التي توفر لرواد المطاعم والمقاهي حماساً أقوى وتفاعلاً مليئاً بالإثارة وتماساً مع المؤيدين أو الخصوم، لا ينتهي دائماً بشكل ودي.
على أن تحول كرة القدم إلى اللعبة الأكثر شعبية على مستوى العالم لا يمكن أن يكون وليد الصدفة المجردة، بل هو نتيجة تضافر معقد بين عناصر مختلفة تتيح لكل واحد منا أن يرى إليها من منظوره الخاص، وأن يقرأ فيها ما يتلاءم مع مزاجه وإدراكه وفهمه للأمور. ففوق ذلك المستطيل الأنيق من الخضرة المتموجة ينفتح التأويل على مصراعيه، وتتناغم الموهبة مع المهارة، والرشاقة مع القوة، ويتقاطع الفردي مع الجمعي في سلسلة مترابطة من الاختزال الموحي. وفي «لعبة الأمم» الرمزية تلك، ثمة معايير وقواعد وتراتبيات مغايرة تماماً لما هو قائم على أرض السياسة والاقتصاد، حيث يمكن لدول كبرى من وزن الولايات المتحدة والصين وروسيا أن تنكفئ إلى الخلف، فيما تتقدم إلى موقع الصدارة دول أقل شأناً كالبرازيل والأرجنتين والسويد وكوريا الجنوبية، أو دول صغيرة وفقيرة كالسنغال وآيسلندا وأورغواي وغيرها. فهذه الكرة الصغيرة التي تشبه الأرض تتيح للشعوب المستضعفة أن تتجاوز ما تعانيه من شعور بالدونية وعقد النقص إزاء الإمبراطوريات الممسكة بمقاليد العالم. وتبدو السيطرة على المستطيل الأخضر بمثابة تعويض من نوع ما عن حالات التهميش والعزلة وغياب الأدوار.
إن الذين يتحدثون عن تحول كرة القدم إلى نوع من الديانة الجديدة، بالمعنى المجازي للكلمة، لا يبتعدون كثيراً عن الحقيقة. ليس فقط لأنها لعبة عابرة للقارات، ولأن عشاقها ومتابعيها يفوقون في أعدادهم معتنقي أي ديانة بعينها، ويتوزعون على كافة الأعمار والطبقات والولاءات الدينية والمذهبية والآيديولوجية فحسب، بل لأنها باتت محلاً لالتقاء الكثير من الطقوس والإشارات والمفارقات الدلالية والانفعالية. ففي الإطار الأوسع يبدو كل فريق ممثلاً لوطنه ولروح شعبه القومية، حيث الجسد الفردي في هذه اللعبة ليس منبتاً أبداً عن الجسد الطوطمي الذي يضخ دماءه المتجددة في عروق السلالة وشرايين أبنائها. والقدم التي تركل الكرة تبدو وكأنها تفعل ذلك نيابة عن الأمة برمتها. هكذا تصبح أجساد المتفرجين على المدرجات امتداداً لأجساد من يمثلونهم في الأسفل. وحيث لا لزوم للكلام الواضح والجمل المفهومة، واللغة حكر على الأقدام والرؤوس يعبر المنقسمون في الأعلى عن مشاعرهم بالهمهمات والقبضات المرفوعة والصيحات البدائية. ولأن اللعبة هي نوع من الحرب الرمزية بين فريقين متواجهين فإن كل ما يسعد أحدهما يحزن الآخر. وعند الطرف المقابل لكل ضحكة أو تهليل أو نشوة انتصار، ثمة دمعة تُذرف وزفرة تعلو وحزن يهيمن. ولعل البعد القومي للعبة هو ما يدفع اللاعبين المنضوين في فرق أجنبية للعودة أثناء المونديال إلى كنف منتخباتهم الوطنية التي تتجاوز انقساماتها المحلية المختلفة، وتتوحد جميعها تحت علم البلاد المرفرف في المكان، كما تؤدي التحية بخشوع ظاهر لنشيدها الوطني الذي يسبق بقليل انطلاق صافرة البدء. على أن البعد السحري الطوطمي لعلاقة الأمة مع أبنائها اللاعبين قد يأخذ في بعض الأحيان أبعاداً دموية عنفية فيؤدي إلى قتل اللاعب الذي «خذل شعبه»، كما حدث للكولومبي إسكوبار الذي اغتالته عصابات المافيا بداعي تسببه بهزيمة بلاده في مونديال العام 1986. وقد يبلغ الاحتقان العصبي القائم بين مشجعي الفرق المتنافسة حدود التصفية الدموية، كما حدث في أحد مقاهي بيروت قبل أيام حين عمد مشجع لبناني لألمانيا إلى قتل مواطنه المشجع للبرازيل، إثر خروج الفريق الألماني مهزوماً من المونديال الأخير. تجمع كرة القدم من جهة أخرى بين الكفاءات الفردية المتألقة مهارة وحضوراً، وبين البعد الجماعي الذي يقوم على توزيع الأدوار بين اللاعبين والتناغم الخلاق فيما بينهم بغية تحقيق الظفر. كأنها تؤالف بشكل أو بآخر بين ذروة الفردانية الرأسمالية، وبين ذروة الاندماج في الجماعة الذي تنادي به الاشتراكية. وفي ظل هذا التناغم الخلاق بين العبقرية الشخصية والتربة الرياضية الملائمة يمكن أن يتحول بعض اللاعبين إلى أساطير أو أيقونات حقيقية، كما هو حال بيليه ومارادونا ورونالدو وزيدان وميسي ونيمار وغيرهم.
تتيح كرة القدم لجسد اللاعب، من جهة أخرى، أن يغير تراتبيته المألوفة. فاليد «المبصرة»، التي تملك عبر أصابعها الخمس قدرات كثيرة من بينها الكتابة والاحتضان والعزف والإمساك بالأشياء والاحتفاظ بها لا تصبح على أرض الملعب عاطلة عن العمل فحسب، بل إن تدخلها في اللعبة يستتبع أوخم العواقب، وقد يقلب احتمالات الانتصار إلى هزائم نكراء. في حين أن القدم «العمياء» التي تمثل الجنوب المهمش للجسد الإنساني تسترد ألقها المغيب لتناور وتمكر وتسدد باتجاه المرمى، وتمنح صاحبها أكثر ما يصبو إليه من النجومية وذيوع الصيت. أما الرأس من جهته فلا يكتسب أهميته من خلال تلافيف الدماغ أو من خلال الذكاء وإنتاج الأفكار فحسب، بل من خلال فيزيولوجيته العظمية الظاهرة التي تمكّنه من إصابة المرمى بأكثر الكرات خطورة واستعصاء على الرد. ولعل هذا الدور الطريف للرأس يذّكّر من بعض وجوهه بالموقف الطريف الآخر في رواية «زئبق» للفرنسية إيميلي نوثومب، التي رغم عزوفها عن القراءة، لم تفلح في الهروب من سجنها إلا بعد أن حولت الكتب الموجودة في حوزتها إلى منصة عالية وفّرت لها سبيل الهرب إلى الخارج والنجاة من الأسر.
ثمة وجوه كثيرة أخرى تمنح هذه اللعبة فرادتها الخاصة وجاذبيتها الاستثنائية. فالملعب منظوراً إليه من بعيد هو أشبه بلوحة متناغمة الألوان يعاد تشكيلها باستمرار. هنا يتحد الرسم بالرقص عبر موسيقى الأجساد المخاتلة التي تبعث على الطرب والنشوة البصريين. وفوق أرض الملعب تمتزج الضرورة بالمصادفة والمنفعة بالمتعة والرؤية بالعمى، كما يعبر اللاعب الفرنسي الشهير ميشيل بلاتيني في حوار له مع مواطنته الكاتبة مرغريت دوراس. ليس ثمة في اللعب من تقدم أو تقهقر دائمين بل كرّ وفرّ متعاقبان، وثمة لقاءات على الأرض وارتطامات ومناورات في الفضاء. والقوة هنا لا تحضر في سياقها الوحشي المجرد، بل هي قوة تسندها المهارة ويرفدها الذكاء وتبعدها الليونة عن الفظاظة المجردة. وقد يكون التعاطف الواسع الذي يبديه جمهور اللعبة مع الفريق البرازيلي ناجماً عن مؤالفة هذا الأخير بين الجسد الأبولوني القائم على الرشاقة والتناسق العضلي والجمالي، وبين الروح الديونيزية المتوثبة والمفعمة بالحيوية والشغف. وفي الحالين ثمة دلالات إيروتيكية للعبة التي يحضر من خلالها الجسد الذكوري بكامل فحولته الفتية. فاللاعبون بسيقانهم الممتلئة وخصورهم الضامرة وعروقهم النافرة وعضلاتهم المشدودة وعدْوهم السريع ونظراتهم الصقرية الحادة، يبدون مزيجاً غريباً من الخيول والنمور والغزلان.
وإذا كان العرب، أخيراً، يسبغون على شعرائهم الممسكين بناصية اللغة والغوص التخييلي صفة الفحولة، فإن لاعبي كرة القدم يجسدون هذه الصفة في بعدها المرئي والملموس. ففوق المسطح الأخضر تتكفل الأجساد الفتية بكتابة نص كروي تشكيلي بالغ الذكورية، فيما الحقيقة الفنية لا تكتمل إلا مع تأنيث المرمى وتسجيل الهدف في قلب شباكه المتمنعة.



مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended