تركيا تدخل رسمياً عهد «الجمهورية الثانية» برئاسة إردوغان

تركيز الصلاحيات في يد الرئيس... وخيط رفيع يفصل السلطتين التشريعية والتنفيذية

إردوغان وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي بأنقرة أمس (رويترز)
إردوغان وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي بأنقرة أمس (رويترز)
TT

تركيا تدخل رسمياً عهد «الجمهورية الثانية» برئاسة إردوغان

إردوغان وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي بأنقرة أمس (رويترز)
إردوغان وزوجته لدى وصولهما إلى القصر الرئاسي بأنقرة أمس (رويترز)

شهدت تركيا أمس انطلاق عهد جديد مع أداء الرئيس رجب طيب إردوغان اليمين الدستورية رئيسا للبلاد بصلاحيات شبه مطلقة، في ظل النظام الرئاسي الجديد لتنطلق عمليا الجمهورية الثانية في تركيا بقيادة إردوغان.
وأدى الرئيس التركي اليمين الدستورية أمام البرلمان أمس، بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية المبكرة التي أجريت مع الانتخابات البرلمانية في 24 يونيو (حزيران) الماضي، وحصل فيها على نسبة نحو 52.6 في المائة من أصوات الناخبين.
وخلال خروجه من البرلمان، عقب أداء اليمين الدستورية متوجها لزيارة قبر مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك كما جرى عليه البرتوكول، أدلى إردوغان بتصريح مقتضب للصحافيين وعد فيه الشعب التركي بمستقبل أفضل.
وفي الأثناء، نشرت الجريدة الرسمية مرسوما بحكم القانون يقضي بدمج بعض الوزارات، وإلغاء وتعديل مهام عدد من مؤسسات الدولة. وبحسب المرسوم، تم دمج وزارة الأسرة والسياسات الاجتماعية مع وزارة العمل والضمان الاجتماعي، تحت اسم وزارة العمل والخدمات الاجتماعية والأسرية.
كما نص المرسوم على تغيير اسم وزارة المالية إلى «وزارة المالية والخزانة»، ودمج وزارتي «الزراعة والثروة الحيوانية» و«الغابات والمياه». ووفقا للمرسوم ذاته، تم تغيير اسم وزارة المواصلات والاتصالات والنقل البحري، إلى وزارة المواصلات والبنية التحتية، فيما أصبح اسم وزارة العلوم والصناعة والتكنولوجيا «وزارة الصناعة والتكنولوجيا»، وتغير اسم وزارة الجمارك والتجارة، إلى وزارة التجارة.
كما تمّ بموجب المرسوم الرئاسي إلغاء عمل المديرية العامة للصحافة والإعلام، وإلحاقها بإدارة الإعلام برئاسة الجمهورية، وكانت المديرية تتبع مجلس الوزراء من قبل، وقد صدر الأسبوع الماضي مرسوم بإلغاء مجلس الوزراء.
ولاحقا، أقيم في المساء بالقصر الجمهوري حفل تنصيب لإردوغان بحضور قادة 22 بلدا ورؤساء حكومات وبرلمانات 28 دولة، فضلا عن رؤساء 6 منظمات دولية، من بينهم رؤساء السودان وغينيا الاستوائية وفنزويلا وكوسوفو ورؤساء وزراء أذربيجان والجزائر وفلسطين ورئيسا برلماني الكونغو والعراق.
وتعهد إردوغان في خطاب خلال حفل التنصيب بالاستمرار في مكافحة الإرهاب في داخل تركيا وخارج حدودها، وتعزيز قوة تركيا السياسية والاقتصادية وإنهاء عهود الوصاية السابقة. وأكد أن تركيا تملك جميع الإمكانيات لتحقيق كل ما تطمح إليه. وقال: «إننا أغلقنا الصفحات القديمة وأغلقنا أبواب السياسة الخاطئة في تاريخ تركيا، وسنبذل قصارى جهدنا من أجل تحقيق مصالح المواطنين بالتركيز على القوة البشرية وتسريع عجلة اقتصاد البلاد، وتعزيز الصناعات الدفاعية، والعمل على أن تكون تركيا بين أكبر 10 اقتصادات في العالم». وأشار إلى أنه سيعلن تشكيل الحكومة في وقت لاحق، واعتبارا من الغد (اليوم) وكما درجت عليه التقاليد والبرتوكولات في تركيا سيقوم بزيارته الأولى لأذربيجان و«جمهورية شمال قبرص التركية»، ثم سيشارك في اجتماع قادة دول «الناتو» في بروكسل غدا الأربعاء، ويوم الجمعة ستعقد الحكومة أول اجتماعاتها برئاسته في أنقرة.
وبموجب النظام الرئاسي الجديد انتقلت جميع الصلاحيات التنفيذية إلى يد إردوغان، حيث ألغي منصب رئيس الوزراء الذي ظل موجودا في تركيا منذ نحو ألف عام من الحقبة السلجوقية إلى العصر العثماني وعهد الجمهورية الحديثة التي أعلنت عام 1923.
وعلق الكاتب يتكين في صحيفة «حرييت» التركية قائلا إن الفرق بين ما يسمونه «نظام الحكم الرئاسي» والنظام البرلماني هو أن الرئيس سيكون قادراً على البقاء كرئيس للحزب أيضاً، فوق جمعه كل السلطات التنفيذية في يديه. لذا فإن إردوغان ستكون له الكلمة في البرلمان وكرئيس لحزب العدالة والتنمية الحاكم، وهو وضع يجعل الخط الفاصل بين السلطتين التنفيذية والتشريعية خطا رفيعا جدا.
ويقول إردوغان إن النظام الجديد سيعزز الفصل بين السلطات لأنه لن يعين وزراء في حكومته من داخل البرلمان، وإذا ما فعل ذلك، فسيضطر النائب إلى الاستقالة من البرلمان. لكن هذا يبدو وكأنه مبرر شكلي، حيث أعلن إردوغان أول من أمس أنه قد يختار وزراء من داخل البرلمان أيضا.
وبحسب مراقبين، يمكن اعتبار قدرة الرئيس على تعيين قضاة كبار في المحكمة الدستورية عاملا يضعف الضوابط والتوازنات غير القوية في تركيا، وهو توازن على الورق فقط.
ولفت يتكين إلى أن التحول الجديد في تركيا لم يكن سهلاً بالنسبة لإردوغان، واستغرق الأمر 11 عاما، منذ تسلم رئاسة حزب العدالة والتنمية السلطة عام 2002 حيث كان إردوغان ضد النظام الرئاسي ويجد أنه غير ديمقراطي، لكن سلسلة أحداث مؤسفة بدأت في عام 2007 غيرت رأيه بشكل جذري. فأولا كان هناك بيان الجيش ضد انتخاب مرشح حزب العدالة والتنمية عبد الله غل رئيسا للجمهورية، إلى أن تمكن العدالة والتنمية بدعم من حزب الحركة القومية في البرلمان من انتخاب غل في الجولة الثالثة. ثم ظهرت تحديات أخرى، منها قضية إغلاق حزب العدالة والتنمية التي ربحها الحزب في المحكمة الدستورية مع تغريمه نصف الدعم المقدم من الدولة لاتهامه بالخروج على مبادئ العلمانية، فضلا عن قضايا محاولات الانقلاب على الحكومة.
وأجرى إردوغان تعديلا دستوريا تمت الموافقة عليه في استفتاء شعبي في عام 2010 لزيادة نفوذ السلطة التنفيذية على حساب السلطة القضائية، ووقتها طلب الداعية فتح الله غولن، حليف إردوغان، من أنصاره إحضار «الأموات» إن أمكن للإدلاء بأصواتهم لصالح إردوغان لكي ينجح في الاستفتاء. لكن وقع الشقاق بينهما في عام 2012 عندما بدأ أنصار غولن في الشرطة والقضاء محاولات لتحدي سلطة إردوغان، ونما الخلاف مع تحقيقات الفساد والرشوة الكبرى في أواخر عام 2013 مع تفاقم الحرب السورية واعتبر إردوغان التحقيقات محاولة لأنصار غولن للإطاحة بحكومته.
وفي أغسطس (آب) من عام 2014 انتخب إردوغان رئيسا للجمهورية واضطر إلى ترك منصب رئيس الحزب، لكنه لم يكن راضياً عن موقف أحمد داود أوغلو الذي اختاره رئيسا للحزب والحكومة لكنه أراد العمل بشكل مستقل وأخذ جميع صلاحيات منصبه، فاضطر لاستبداله بعد فترة قصيرة برئيس الوزراء بن على يلدريم، ثم واجهت تركيا محاولة الانقلاب الفاشلة في منتصف يوليو (تموز) 2016 واتهمت السلطات حركة غولن بتدبيرها للإطاحة بإردوغان اعتمادا على عناصرها المتغلغلة داخل مؤسسات ومفاصل الدولة.
وتابع يتكين أن حالة الطوارئ التي فرضت عقب محاولة الانقلاب، سمحت لحكومة إردوغان ويلدريم بتجاوز البرلمان في القضايا الرئيسية وبات واضحا أن فكرة التخلص من النظام القديم قد اختمرت في ذهن إردوغان وبدأ يرى في النظام البرلماني عائقا يبطئ من عمل الحكومة.
ومرة أخرى، حصل العدالة والتنمية وإردوغان على دعم حزب الحركة القومية ورئيسه دولت بهشلي لإجراء استفتاء على تعديل الدستور للانتقال إلى النظام الرئاسي أجرى في 16 أبريل (نيسان) 2017 لتفتح صفحة جديدة في تاريخ تركيا يمكن تسميتها بـ«الجمهورية الثانية»، حيث ستكون السلطة التنفيذية في يد شخص واحد، هو رئيس الجمهورية، والتي تتوافق، بحسب الكاتب التركي، مع الواقع السائد في السياسة العالمية بوجود «الرجل القوي» على رأس الحكم، لكنه اعتبر أن الوقت وحده هو الذي سيكشف عما إذا كان النظام الجديد في صالح تركيا وشعبها أم لا.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».