«منتدى أصيلة» يناقش «ما بعد العولمة» بمشاركة وزراء خارجية سابقين

السياسي اليساري المغربي محمد الأشعري يدعو إلى تيار عالمي لإنقاذها

الجلسة الأولى من ندوة أصيلة الثالثة ويبدو مصطفى حجازي مستشار الرئيس المصري السابق (وسط) وميغيل أنخل موراتينوس وزير خارجية إسبانيا الأسبق ومحمد الأشعري وزير الثقافة والإعلام المغربي الأسبق وسلمان خورشيد وزير خارجية الهند الأسبق وبنينا فيريرو فالدنر وزيرة خارجية النمسا السابقة («الشرق الأوسط»)
الجلسة الأولى من ندوة أصيلة الثالثة ويبدو مصطفى حجازي مستشار الرئيس المصري السابق (وسط) وميغيل أنخل موراتينوس وزير خارجية إسبانيا الأسبق ومحمد الأشعري وزير الثقافة والإعلام المغربي الأسبق وسلمان خورشيد وزير خارجية الهند الأسبق وبنينا فيريرو فالدنر وزيرة خارجية النمسا السابقة («الشرق الأوسط»)
TT

«منتدى أصيلة» يناقش «ما بعد العولمة» بمشاركة وزراء خارجية سابقين

الجلسة الأولى من ندوة أصيلة الثالثة ويبدو مصطفى حجازي مستشار الرئيس المصري السابق (وسط) وميغيل أنخل موراتينوس وزير خارجية إسبانيا الأسبق ومحمد الأشعري وزير الثقافة والإعلام المغربي الأسبق وسلمان خورشيد وزير خارجية الهند الأسبق وبنينا فيريرو فالدنر وزيرة خارجية النمسا السابقة («الشرق الأوسط»)
الجلسة الأولى من ندوة أصيلة الثالثة ويبدو مصطفى حجازي مستشار الرئيس المصري السابق (وسط) وميغيل أنخل موراتينوس وزير خارجية إسبانيا الأسبق ومحمد الأشعري وزير الثقافة والإعلام المغربي الأسبق وسلمان خورشيد وزير خارجية الهند الأسبق وبنينا فيريرو فالدنر وزيرة خارجية النمسا السابقة («الشرق الأوسط»)

دعا محمد الأشعري، الشاعر والمثقف اليساري وزير الثقافة والإعلام المغربي سابقاً، إلى تشكيل تيار عالمي للدفاع عن العولمة، في موقف فاجأ المشاركين في ندوة نظمت ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الـ40 تحت عنوان «ثم ماذا بعد العولمة؟».
ويرى الأشعري أن مرحلة العولمة التي عرفها العالم خلال الخمسين سنة الأخيرة كانت «مجرد قوسين في طريقهما إلى الانغلاق». فبعد أن كانت العولمة في أوجها تتصدر البرامج الانتخابية للأحزاب الليبرالية، التي تضعها تحت عنوان «العولمة السعيدة»، انقلب خطاب هذه الأحزاب بعد الأزمة المالية العالمية الأخيرة، حيث أصبحت تعتبر الحماية وإغلاق الحدود فضيلة، في حين أن «الشيوعي المستبد»، في إشارة إلى الصين، هو الذي أصبح يدافع عن حرية التجارة وفضيلة تعدد الأطراف في منتدى دافوس.
وقال الأشعري: «ها نحن نرى أن صُنّاع العولمة السعيدة أصبحوا اليوم غير سعداء على الإطلاق»، مشيراً إلى «حجم الشقاء في أوروبا ومدى الرعب المنتشر فيها إزاء مظاهر الهجرة وقضايا أخرى»، على حد قوله. وأضاف: «سأقول، كمتحفظ كبير، عن العولمة: أنا اليوم أتوق إلى أن ينشأ تيار واسع في العالم يدعو لإنقاذ العولمة، لكي تصبح قادرةً على توفير الماء المشروب للجميع، وعلى حل النزاعات المستعصية التي تهدد العالم، وعلى رأسها بالنسبة لنا - نحن العرب والمسلمين - قضية فلسطين، وأن تستطيع إقناع العالم بإيجاد صيغ للنمو المتكافئ. وأخيراً بما أن العولمة قامت على التواصل العام والشامل، فلا بد أن تجد العولمة حلا للهوة التكنولوجية الخطيرة، التي ستجعل العالم منقسم إلى شقين؛ شق يحتكر إنتاج الذكاء وصناعة الذكاء وشق يعيش في عالم آخر. فهل يمكن أن نبني عولمة بعالمين بهذا القدر من التناقض والصراع؟!».
وشارك في الندوة، التي انطلقت مساء أول من أمس وتمتد أعمالها على يومين، نحو 30 شخصية بينهم رجال دولة وسفراء وباحثون من مختلف القارات. وقال محمد بن عيسى، الأمين العام لمنتدى أصيلة في افتتاح الندوة، إن اختيار وضع الندوة تحت عنوان في صيغة الاستفهام لم يكن اعتباطياً بل نابعاً من حجم التداعيات التي يعرفها العالم والتي يربطها الكثيرون بالعولمة بعد 30 سنة من انطلاقها. وأشار بن عيسى إلى أن مؤسسة منتدى أصيلة كانت من بين المؤسسات الأولى التي طرحت إشكالية العولمة في وقت جد مبكر، خلال دورة عام 1992. وأضاف أن المؤسسة ناقشت موضوع العولمة قبل أن تتبلور ملامحها وآثارها، وإنها تعود اليوم لطرحها في صيغة «سؤال يوحي بإجابات واحتمالات عدة لا يستبعد منها اليأس والفشل». وأشار بن عيسى إلى أن «العالم يجتاز اليوم أدق وأحرج فترة في تاريخه منذ الحرب العالمية الثانية، من حيث التطورات الاقتصادية والسياسية التي تعرفها جل الدول»، مشيراً إلى أن العولمة «صارت في رأي كثيرين مصدر تأثيرات سلبية على المنظومات القيمية والهويات الوطنية».
وأضاف بن عيسى أن المرحلة أصبحت تتميز بنزوع كبير لدى بعض القادة السياسيين وحتى بعض المفكرين في الغرب نحو الشعبوية والانعزالية الضيقة، بما تعنيه من تقوقع وانكفاء على الذات، ومبالغة في إعلاء القومية الضيقة والعنصرية. وأشار إلى أن «العولمة ربما أفرزت فكراً وتوجهات سياسية قد تكون متعارضة مع مرجعياتها الفكرية الأصيلة، ومن وجهة نظرنا فإننا ربما نعيش مرحلة البحث عن عالم جديد مغاير، يؤسس لمفهوم جديد للديمقراطية والتعاون والتعايش والسلم الدولي، من أجل إبعاد أسباب القلق والخوف وعدم الاستقرار، وهي مشاعر باتت مهيمنة على قطاعات كبيرة من الرأي العام في عدد من المجتمعات».
من جانبها، أشارت بينيتا فيريرو فالدنر، وزيرة خارجية النمسا السابقة، والمفوضة الأوروبية السابقة للعلاقات الخارجية، إلى أن كل الآمال التي تولدت عن نهاية الحرب الباردة وسقوط جدار برلين في نهاية الصراعات وتحقيق السلام والازدهار والأمن تبخرت بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على نيويورك وواشنطن وسياسة الرئيس جورج بوش الابن على إثر ذلك. وأضافت أن الأمر تفاقم مع اندلاع الأزمة المالية العالمية بعد ذلك، ثم الأزمة السياسية مع ارتفاع البطالة في البلدان الغربية واكتشاف الأجيال الجديدة من الموطنين الأوروبيين أنهم يمكن أن يعيشوا ظروفاً أسوأ من التي عرفتها الأجيال السابقة في ظروف الحربين العالميتين.
وأشارت فالدنر إلى أن هذه الأزمات ولّدت ردود فعل انطوائية وشعبوية، وتعبيرات عن الحاجة إلى الحماية أمام التخوف من العولمة والانفتاح. وقالت: «دخلنا مرحلة ما بعد التطور الصناعي والعولمة، غير أننا ما زلنا في مرحلة انتقالية»، مشيرةً إلى قصور دور الأمم المتحدة في تحقيق حاجة العالم إلى حكامة سديدة على المستوى الكوني. ودعت إلى التحلي بمقاربة إنسانية في التعامل مع قضايا الهجرة وتغير المناخ وتداعياتها.
بدوره، أشار ميغيل أنخيل موراتينوس وزير الخارجية الإسباني الأسبق، إلى أن أحداث 2011 في نيويورك والرد الأميركي عليها قوضت كل الآمال في تحقيق السلام في العالم، وأدخلته في مرحلة من التحولات السريعة بشكل لا قبل له به، خصوصاً في سياق التحولات التكنولوجية وتطوير أساليب جديدة في التواصل وانتقال المعلومات. وأضاف أن أصحاب القرار السياسي وجدوا أنفسهم مغلوبين على أمرهم أمام سرعة التحولات التي عجزوا عن مواكبتها. غير أن موراتينوس وجه نداء لعدم الاستسلام للتشاؤم، وقال: «يجب ألا نكون متشائمين. صحيح العالم أصبح أكثر تعقيداً وأقل يقيناً، غير أننا نمتلك القدرة على أن نجعله عالما أفضل». ودعا موراتينوس إلى إشراك جميع الفاعلين، مشيراً إلى ظهور قوى سياسية جديدة كالصين، التي أصبحت بدورها تدعو إلى مقاربة متعددة الأطراف، إضافة إلى الشركات العملاقة الجديدة في مجالات التكنولوجيا والاتصالات، التي يجب أن يكون لها كذلك دور إلى جانب المجتمع المدني. وقال إن إعادة بناء نظام دولي جديد لا يجب أن يترك للآلات وتكنولوجيات المعلومات، بل على رجال ونساء العالم أن يأخذوا بزمام الأمور وقيادة الانتقال نحو المستقبل.
من جانبه، شدّد سلمان خورشيد، وزير خارجية الهند سابقاً، والمحامي بالمحكمة العليا، على أهمية النموذج الهندي كمثال لنظام متعدد الإثنيات والثقافات والأديان في أي مقاربة لعالم شمولي. وقال إن العولمة فشلت على مستوى تحقيق التقارب الروحي وإبراز القيم الكونية والقواسم المشتركة، بل بالعكس عمَّقت الهوة ليس فقط بين الحضارات المختلفة بل حتى بين مكونات الحضارة الواحدة. وأشار إلى أن جذور ذلك ترجع إلى تداعيات الحربين العالميتين، داعياً إلى البحث في أسبابها وحوافزها لفهم ما حصل. وأشار إلى أن الحرب العالمية الثانية لم تكن نهاية النزاع، مشيراً إلى ما تلاها من حروب في فيتنام وكمبوديا، وصولاً إلى أفغانستان والعراق وسوريا، مشيراً إلى أن الأشكال والأساليب قد تغيرت، غير أن النيات الكامنة خلف الصراعات لم تتغير. كما أشار إلى أن التكنولوجيا الجديدة للاتصال فشلت بدورها في توفير إمكانيات الحوار، خصوصا أن هناك إشكاليات مشتركة كندرة الماء والموارد وتغير المناخ، والتي يمكن أن تقرب بين مختلف الأطراف.



براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
TT

براساي مصور ليل باريس وعلاماتها السرية

براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس
براساي (1899-1984) وهو الاسم المستعار لجيولا هالاس

غالباً ما يفشل المرء في القبض على سحر المشهد وتأثيره العاطفي حين يصوِّره. لا لأنَّ الصورة تخون متعة النظر بل لأنَّها تحتاج إلى عين خبيرة مفعمة بالإلهام تعينها على استخراج مواقع الجمال الخفية التي تمارس تأثيرها. في كل زياراتي لباريس وهي مدينة غرام وجمال وغزل حاولت أن أوثِّق تلك اللحظات الملتهبة عاطفياً بتأثير مباشر مما كنت أشعر به من فتنة، غير أنَّ النتيجة لم تكن سوى عبارة عن صور فاشلة لا ترقى إلى مستوى اللحظة الشعرية التي عشتها. أما حين زرت معرض «براساي وعلامات باريس السرية» الذي يقيمه متحف الفن الحديث في استوكهولم «موديرنا ميوزيت» فإنني شعرت بأني أستعيد باريس التي غرمت بأزقتها، و«سينها»، ومبانيها، ومقاهيها، وحاناتها، وجسورها، وأسواقها، وأرصفتها، ومكتباتها، وأنفاقها، وملاهيها، وبيوتها السرية، وواجهات كنائسها، وناسها، وكل ما يمت بصلة إلى الحياة الغامضة التي تعيشها مدينة، صنعتها الثقافة ولم يتمكَّن سياسيوها من احتوائها نسبياً إلا من خلال انضمامهم إلى ثقافتها واحترام مثقفيها. يرى المرء من خلال صور براساي باريس على حقيقتها، مدينة ملهمة ومتمردة وعصية على الوصف وخيالية في إلهامها، غامضة في جمالها. ولأنَّ براساي كائن ليلي، فقد صوَّر باريس في الليل متلصصاً على أسرارها. تلك مهنة سيرثها مصورو صحافة الفضائح بطريقة سيئة. عرف براساي كيف يقيم عالمه في المنطقة التي تبقي الجمال في عفته، نقياً وخفيفاً ومندفعاً في اتجاه الدفاع عن براءته. لقد أدرك براساي أنَّ باريس، وهو ليس ابنها، مثلها مثل كل المدن المعقدة والمركبة، هي مدينة متاهات تتقاطع فيها القيم الأخلاقية والجمالية غير أنَّ سحرها المدهش هو الغالب. ذلك ما دفعه مبكراً إلى تصويرها ليلاً لكي يتعرَّف أكثر على شيء من لغز سحرها المتجدد.

من صور براساي

القادم من المجر بلغة بصرية جديدة

علينا أولاً أن نتعرَّف على براساي. فمَن هو ذلك المصور الملهم الذي صنعت له عبقريته مكانةً مهمةً بين صناع مجد باريس، وهي مدينة تستولي على الغرباء بسلطتها، غير أنَّها في الوقت نفسه تسمح لذوي المواهب العظيمة بأن يغزوا العالم بلغتها مثلما فعلت مع يوجين يونسكو، وصاموئيل بيكيت، وجورج شحادة، وسيوران، وأمين معلوف؟

براساي (1899 - 1984) هو الاسم المستعار لجيولا هالاس، الذي نشأ في براسو في ترانسيلفانيا التي كانت آنذاك جزءاً من المجر (هي الآن مقاطعة رومانية). بعد دراسته في بودابست وبرلين انتقل إلى باريس في الخامسة والعشرين من عمره عام 1924 وعمل في البداية صحافياً. وجاءت انطلاقته الكبرى مصوراً مع كتابه «باريس ليلاً» (Paris de nuit) الذي نُشر عام 1933 ويمكن العثور في هذا الكتاب على كثير من أشهر موضوعاته؛ مثل كاتدرائية نوتردام، وبرج إيفل، والحانات، وقاعات الرقص، والفنانين، والعمال، ورجال الشرطة، واللصوص الصغار. اختار براساي اسمه المستعار ليذكر دائماً أنه «من براسو».

بعد نجاح كتابه «باريس ليلاً» تلقَّى براساي طلبات لنشر مواده التي تضمَّنت صوره الأكثر حميمية لباريس ليلاً: الحانات، وقاعات الرقص، والنوادي الليلية، وبيوت الدعارة. ولكن بحلول ذلك الوقت، في باريس ما بعد الحرب، أصبحت الرقابة أكثر صرامةً، وكان لا بد من تأجيل النشر. لم يُنشَر كتاب «باريس السرية في الثلاثينات» إلا في عام 1976، أي بعد نحو 40 عاماً؛ استناداً إلى مجموعة براساي الكبيرة من الصور. انخرط براساي في الأوساط الفنية الباريسية وأسهمت علاقته بالسرياليين، بالإضافة إلى صداقته مع بابلو بيكاسو، في صقل موهبته الفنية وقدرته على رصد ما هو غير متوقع وغير مألوف.

وعلى الرغم من أنه لم يكن باريسياً فقد استطاع أن يتسلل خفية إلى ليل باريس بكل أسراره. أما كيف فعل ذلك؟ تقول آنا تيلغرين، وهي أمينة متحف «موديرنا» في نَصِّها الذي تضمَّنه دليل المعرض: «إن الرجل الذي يرتدي ملابس لائقة ويستلقي في السرير ويصادق المرأة التي تمارس مهنتها في بيت سوزي، هو في الواقع مساعد براساي، غابرييل كيس، كما اتضح لاحقاً» وهو ما يعني أن براساي مارس نوعاً من الخديعة. ذلك أنَّ صوره عن الحياة السرية كانت معدة سلفاً، مقتدياً في ذلك بسيرة رسامي الاستشراق الفرنسيين، وفي مقدمتهم ديلاكروا حين رسم رائعته «نساء الجزائر». كان المشهد الذي رسمه ديلاكروا معدّاً بطريقة مسرحية.

من صور براساي

في ليل عاصمة الحداثة الفنية

يضم معرض «براساي - العلامات السرية لباريس» أكثر من 160 صورة فوتوغرافية بالأبيض والأسود. تتوزَّع بين 3 محاور رئيسية هي: مدينة باريس بسكانها ومحيطها، وصور الفنانين والأدباء الذين عاصرهم براساي وأعمالهم، وتوثيقه لفن الغرافيتي الذي ظهر على جدران وجسور المدينة.

كان براساي الذي يُعدّ أحد أشهر المصورين في تاريخ التصوير ينطلق بكاميرته في جولات ليلية طويلة عبر باريس في أوائل ثلاثينات القرن العشرين. تَزامَن ذلك مع تحول مدينة النور إلى عاصمة للحركات الفنية الحديثة، وهو ما جعل الأدباء والفنانين يتوافدون عليها من أنحاء العالم للإقامة؛ سعياً وراء الحياة والثقافة والشهرة. بيكاسو وهمنغواي ومودلياني وفيتز جيرالد ودالي وشاغال وماتا وأنس نن وهنري ميلر. في الوقت نفسه غزت المدينة رسوم لفنانين مجهولين كانوا يتركون رسومهم خفية على حيطان الشوارع الخلفية وهو ما سُمي «فن الغرافيتي».

سوف تكون المقارنة بمان راي (1890 ــ 1976) - الذي وثَّق بصوره الحياة الثقافية في تلك الفترة الذهبية - وبراساي جاهزةً، لولا أنَّ الأول كان ضيفاً أميركياً بينما كان الثاني هو الأشد انشداداً إلى باريسيته على الرغم من أنَّه لم يكن فرنسياً، وهو الأكثر دراية بأسرار المدينة في عالمها السفلي. ولأن مان راي قد انتمى إلى الحركة السريالية بوصفه رساماً ومخترعاً لصور يغلب عليها طابع الخيال فقد سمح ذلك لبراساي بالتفوق عليه بسبب تمسكه بالواقع وإن خالطته نزعة شعرية.

المصور الذي احترم كائناته

في عالم براساي تبدو الحياة على طبيعتها. ما من مبالغة ولا تكلف وما من شيء يحدث خلسة على الرغم من أن جزءاً حيوياً من ذلك العالم يقع في الخفاء، حيث العلاقات غير المُصرَّح بها؛ بسبب انحرافها عمّا هو مسموح به أخلاقياً واجتماعياً. ينصرف الجميع إلى ما هم فيه من غير أن يشعروا بالحرج أمام عدسة الكاميرا وكأنها غير موجودة. وفي ذلك ما يُريب ويدعو إلى الشك. فكيف استطاع براساي اختراق ذلك العالم الليلي السري بكل طمأنينة وهدوء وثقة بحيث تبدو صوره كما لو أنها صُورت في محترفه؟

تقول آنا تيلغرين: «ما زلت أعتقد أن هناك نوعاً من الاحترام، ولم يصوّر براساي سراً قط. لكن من الواضح أنه كان مصوراً وهو صاحب القرار، وبالطبع كانت كثير من هؤلاء النساء في وضع غير مواتٍ. لكن مع ذلك لا يزال هناك نوع من الفخر فيهن».

لا بد أنه كان يتمتع بقدرة نادرة على الاندماج في مختلف البيئات، وكان يحظى بقبول كل من العشاق في الحانات، والأشرار في العصابات الإجرامية. غير أنَّ ذلك لا يمنع من القول إن تلك الصور مُعدَّة مسبقاً وهو ما يضعها في سياق حبكة أخرى ويخفف من الإعجاب بها.

تقول آنا تيلغرين: «كان لديه أصدقاء عرّفوه على عدد من العاملين في ذلك العالم الذي يحرصون على إبقائه في الظل. لم يكن الأمر بريئاً تماماً». الشك هنا لا يشمل مصداقية الصورة، بل يقتصر على إلغاء عفويتها. تفتح تلك الحقيقة الباب على جدل فكري لن يمس عبقرية براساي بضرر، ولن يقلل من قيمة صوره الملهمة.


«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ
TT

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

«الأديب الثقافية»... عدد خاص عن الشاعر العراقي عدنان الصائغ

صدر العدد الخامس عشر من «مجلة الأديب الثقافية»، وهو عدد خاص بالشاعر العراقي عدنان الصائغ، وقد أسهمت فيه مجموعة من النقاد والكتاب العراقيين والعرب والأجانب بجملة من البحوث والدراسات والشهادات المختلفة.

ويأتي هذا العدد الخاص، كما ذكر في الافتتاحية بمثابة امتداد لسياسة «الأديب الثقافية» في النظر إلى الشاعر والكاتب والمفكر على أنه ثروة وطنية أو قيمة عليا في هرم الثقافة العربية. ولكل ذلك سوف تحتفي «الأديب الثقافية» بسعادة أي منجز دالٍّ على أي كاتب أو مفكر عراقي أو عربي أصيل أو مجدّد، «لأننا نرى أن هذا الاحتفاء جزء من رسالتنا الثقافية إلى العالم».

وتضمن العدد الخاص حقلين؛ «حقل البحوث»، وقد أسهم فيه؛ دكتور حاتم الصكر/ دكتور علي عز الدين/ عباس عبد جاسم/ دكتور رشا الفوال/ دكتور وسن عبد المنعم/ دكتور جاسم حسين الخالدي/ دكتور أنصاف سلمان/ دكتور فائز الشرع / دكتور رحمن غركان/ دكتور محمد بوحوش / دكتور جاسم خلف الياس/ أحمد العجمي/ دكتور محمد صابر عبيد/ ناصر أبو عون.

وفي حقل «شهادات» كتب دكتور علي جعفر العلاق/ دكتور جني لويس من جامعة أكسفورد/ ليلى السعيد/ دكتور عبد اللطيف الوراري/ عبد الرزاق الربيعي/ جمعة الفاخري/ منصف المزغني/ دكتور سعد التميمي.

أما الدكتور بشرى موسى صالح، فقد كتبت «نقطة ابتداء» بعنوان «مدائن الغياب»، وقد جاء فيها: «لا يكتب عدنان الصائغ قصيدته كتابة مشتقة من الحضور الشعري فحسب، بل هو كائن يملي عليه الغياب نصه الذي تعيد الذاكرة تشكيله في كل قصيدة على نحو مختلف، فقصيدته ممهورة بالغياب بوصفه بقاء مؤجلاً». ولا يقدم الصائغ نصه بوصفه صانعاً للصور المزهو «بالمجاز وحسن الاستعارة بل بوصفه شاهداً على الخراب وعلى الصراع، فتبدو قصيدته أثراً إنسانياً وجودياً ينجو من المحو بالانكتاب».

و«الأديب الثقافية» مجلة دورية تصدر بطبعتين؛ ورقية وإلكترونية.


بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

قالت «دار سوذبيز» للمزادات يوم الخميس إن لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، بيعت مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

وكانت اللوحة الزيتية التي تحمل عنوان «فيتوي، إيفيه دو ماتان» أو «فيتوي، تأثير الصباح» وأنجزت عام 1901، قُدرت قيمتها بما يتراوح بين 6 ملايين و8 ملايين يورو، وفقاً لكتالوغ المزاد. وقالت «دار سوذبيز» إن النتيجة سجّلت سعراً قياسياً لعمل لمونيه يُباع في فرنسا، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت دار المزادات إن العمل يسلط الضوء على التطورات الرئيسية في الحركة الانطباعية، لا سيما تصوير الضوء الطبيعي المنعكس على الماء.

موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «جزر بورت فيليز (1883)» للفنان الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 16 أبريل 2026 (رويترز)

وبيعت لوحة أخرى لمونيه بعنوان «ليه زيل دو بور فيليه» أو «جزر بورت فيليز» تعود لعام 1883، مقابل 6.45 مليون يورو. وهو ما يتجاوز تقديراتها التي كانت تتراوح بين 3 ملايين و5 ملايين يورو.

وكانت اللوحتان محفوظتين في مجموعات خاصة لنحو قرن من الزمان وتصوران أجزاء من نهر السين بالقرب من جيفرني، حيث عاش مونيه.

ويبقى الرقم القياسي العالمي لمزاد لعمل من أعمال مونيه هو 110.7 مليون دولار، الذي حققته لوحة «كومة قش»، عندما بيعت في نيويورك عام 2019، وفقاً لتقارير إعلامية.