ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

معدة ومقدمة برنامج «هن» في تلفزيون الحرة تقول إن القنوات اليوم تبحث عن الشكل وليس المضمون

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله
TT

ماتيلدا فرج الله: الصدفة قادتني إلى الإعلام.. ومارست الصحافة بأنواعها

ماتيلدا فرج الله
ماتيلدا فرج الله

إذا كانت الصدفة تقود بعض الأشخاص لاتجاهات حياتية معينة، وقد لا يجد غالبيتهم نجاحهم في هذه الاتجاهات، فإن الصدفة التي كانت على موعد مع الإعلامية اللبنانية المعروفة ماتيلدا فرج الله، معدة ومقدمة برنامج هن في تلفزيون الحرة، قد فتحت أمامها أبواب النجاح بفضل الموهبة التي تتمتع بها وشخصيتها وإصرارها على أن تحقق كل ما تطمح به من طموحات في مجال عملها.
ماتيلدا لم تكن تخطط لأن تدخل هذا العالم، عالم الصحافة المكتوبة والمسموعة والمرئية، بل كانت ماضية بدراستها للأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما دعيت للعمل الإعلامي، تقول «الإعلام كان صدفة في حياتي، كنت ما أزال طالبة أدرس الأدب الفرنسي في الجامعة اللبنانية عندما فاتحني مدير إذاعة لبنان الحر، وكان جارنا، حدث ذلك في مرحلة الحرب الأهلية في لبنان، وبالضبط سنة 1992، قال لي أشعر بأن شخصيتك تتناسب والعمل الإعلامي وأنك قادرة على خوض العمل الصحافي وأنا مدير إذاعة وتعالي لنجرب}.
تستطرد ماتيلدا في حديثها لـ{الشرق الأوسط} التي التقتها في بيروت، قائلة {هكذا دخلت الإذاعة كمعدة ومقدمة برامج وصرت أتدرج من قسم لآخر، وجربت العمل في التغطيات السياسية والثقافية والأخبار لكني وجدت نفسي كمحاورة في البرامج السياسية». تعود ذاكرتها إلى سنوات البداية وتتحدث «كان من أبرز ما قدمته برنامج (الإنسان في السياسة) وكانت لهذا البرنامج قصة، حيث اقترحت أن نختار شخصيات سياسية لبنانية ونحاورها عن خلفياتها الثقافية والاجتماعية إضافة إلى السياسة ليعرف المستمع الصور المتعددة لكل من يتعاطى في العمل السياسي، وهذا يعني إجراء حوارات مع وزراء ونواب وقادة سياسيين، وعندما طرحت الفكرة على مدير الإذاعة وافق وقال جربي، وكأن لسان حاله يقول من من السياسيين سيجري حوارا مع مقدمة شابة غير معروفة، وبالفعل حاولت وجربت واتصلت ولم يرد علي أحد، كنت بالنسبة لهم نكرة ولا يعرفونني ولم يكن هناك تجاوب من أي سياسي مهما كانت درجته في سلم السياسة، وبعد ثلاثة أشهر من العناء وعدم النجاح كنت على حافة الاستسلام ووصلت إلى شبه قناعة بأني غير قادرة على أن التقي بأي شخصية سياسية».
لكن شخصية طموحة مثل ماتيلدا لا تعرف اليأس والاستسلام، لم تتراجع بل مضت في مشوارها، تقول «في يوم كان هناك احتفال بحضور رئيس الحكومة وقتذاك شفيق الوزان، ولا أدري كيف تمتعت بالجرأة وتقدمت له وأنا أشعر بالقلق وقلت له إن حلمي يتوقف على موافقتك بإجراء حديث معك وأرجو أن تمنحني هذه الفرصة لأن الجميع سوف يتحدث معي إذا أنت تحدثت، وبالفعل وافق وأجريت معه الحديث، وبعد ذلك صارت كل الشخصيات السياسية توافق على الحوار في برنامجي بعد موافقة الرئيس الوزان}. وتشخص هذه الإعلامية التي عرفت بجرأتها في البرامج الإذاعية والتلفزيونية مشكلة تعامل السياسيين العرب عامة واللبنانيين خاصة مع الإعلاميين الشباب، تقول {إن الطبقة السياسية أو الثقافية في لبنان لا تتجاوب مع إعلامي صاعد أو شاب في أول الطريق، حتى وإن كانت أو كان هذا الصحافي يعمل في مؤسسة مهمة، فالسياسيون يفضلون الحديث لأسماء بارزة في الإعلام، ولذلك الشباب يواجهون حتى اليوم مثل هذه المشكلة، أنا يأتيني صحافيون من كلا الجنسين من الشباب أو الذين يتدربون وأفتح لهم المجال وأتحدث إليهم وهم يشكون من صدود السياسيين بل وحتى الإعلاميين من مقابلتهم لأغراض إنجاز مشاريع تخرجهم وعدم منحهم أي فرصة لكني أتعاطى معهم لأنني أتذكر بداياتي الصحافية وكيف منحني الرئيس الوزان فرصة الحوار معه}.
طموحات ماتيلدا قادتها إلى العمل التلفزيوني على الرغم من أنها لم تترك الإذاعة، توضح {بعد أربع سنوات من العمل الإذاعي انتقلت إلى التلفزيون مع قناة الأوربت وكانت مشفرة وعملت برامج اجتماعية وسياسية، ثم بدأت مشاويري مع القنوات اللبنانية حيث عملت ست سنوات مع (إن بي إن) ثم قناة المرأة العربية ومن ثم انتقلت لتلفزيون المستقبل حيث كنت أعد وأقدم برنامج سياسي}، وفي وضعها أمام مقارنة بين العمل الإذاعي والتلفزيوني وأيهما الأقرب إليها، تقول «أجد أن العمل الإذاعي أهم ن ذلك لأن ديكورات التلفزيون والإكسسوارات وحتى شكل المقدمة ومكياجها وأزياؤها تأخذ من جوهر ومضمون المقدمة عند المتلقي وينشغل بتفاصيل بعيدة ربما عن جوهر الفكرة المطروحة، بينما في الإذاعة هناك الصوت والمضمون والإحساس الذي يصل إلى المستمع ويشدة وإذا لا تمتلك هذه المؤهلات فسوف تخسر المتلقي، لهذا أنا قدمت على مدى 15 سنة برنامجا سياسيا (على مسؤوليتك) على الهواء صباح كل يوم سبت لإذاعة لبنان الحر، وكان عبارة عن لقاءات مع سياسيين، وتركت منذ تسعة أشهر فقط، لكني عندما عملت في قناة الحرة كان شرطهم أن أتفرغ للعمل معهم كمعدة ومقدمة برنامج (هن)».
وتصف ماتيلدا تجربتها الجديدة مع قناة الحرة، قائلة «العمل مع الحرة تجربة مختلفة حيث خرجت من الملفات الداخلية اللبنانية إلى ملفات عربية من خلال زاوية المرأة ومناقشة عناوين مهمة مثل الثورات العربية والاقتصاد والثقافة والمشكلات الاجتماعية التي تعيشها المرأة العربية}، مشيرة إلى أن «هذه التجربة أكثر صعوبة من سابقاتها حيث كانت اللقاءات مع ضيوف أعرفهم ويعرفونني، والعمل ضمن ملفات لبنانية أعرفها، أما اليوم باعتباري معدة ومقدمة التقي بضيوف مختلفين من جميع أنحاء العالم العربي وخارجه، ضيوف ألتقيهم للمرة الأولى ونناقش معهم ملفات معقدة، والبرنامج يتطلب عملا يوميا للاتصال بمندوبي البرنامج في مختلف الدول العربية لاختيار الضيوف وإيصالهم إلى بيروت حيث يقترح المندوبون المواضيع التي يمكن مناقشتها وبدورنا ندرسها لنرشح أهم هذه المواضيع ونرسلها للإدارة في واشنطن وبعد الموافقة عليها أبدأ بكتابة نصوص الحلقة، ثم عملية اختيار الضيوف المؤهلين لمناقشة هذه الملفات واستضافتهم في البرنامج هنا في بيروت}.
تستطرد قائلة «في برنامجنا (هن) نناقش ملفات اجتماعية حساسة، مثل التحرش الجنسي والاغتصاب وتعنيف المرأة وآراء رجال الدين، ومثل هذه المواضيع كان من الصعب مناقشتها أما اليوم فالكل يبدو مستعدا لأن يتحدث فيها ومناقشة الملفات التي تبدو من المحرمات في المجتمعات العربية}. توضح «المسألة هنا هي القصة أو القضية التي نختارها في البرنامج ومع (الحرة) ممنوع اختراع قضية بل يجب أن تكون هناك قضية واقعية وموجودة في المجتمع العربي وندعو ضيوفا من دول عربية مختلفة مثل اليمن ومصر والمغرب والعراق ليناقشوا هذه القضية أو تلك، كل حسب منطلقه والباقي متروك للمشاهد ليقرر فدورنا كإعلاميين ليس تغيير الواقع بل تسليط الضوء وتأشير أماكن الخلل، نحن لا نملك تغيير المجتمعات أو الأنظمة السياسية أو الفتاوى الدينية أو ذكورية المجتمع}.
ماتيلدا خاضت غمار العمل الصحافي بكل جوانبه المهمة، الكتابة والإذاعة والتلفزيون، تقول «أنا بدأت بالكتابة ثم الإذاعة والتلفزيون، التلفزيون يجمع بين الكتابة وإعداد البرامج والصوت وحضور المقدم، والمهم عندي كان وما يزال الجوهر، مضمون العمل، مضمون الرسالة الإعلامية التي أريد إيصالها إلى المتلقي}، منبهة إلى أنه «في التسعينات عندما بدأت العمل مع التلفزيون لم يكن الأمر مثلما هو اليوم، كانت عندنا رسالة نريد إيصالها للمشاهد عبر الشاشة، وكنا نمارس الكتابة ونعتمد على ثقافة ومضمون عميق لتقديم برنامج ذات جوهر غني وليس مجرد لغة جسد وأزياء وماكياج وشهرة مثلما يحدث اليوم حيث اختلفت الطموحات ورأس المال وسوق العمل}. وتأسف ماتيلدا كون «مقاييس العمل التلفزيوني اليوم اختلفت فأصبحت جمالية بحتة ثم يأتي موضوع الكفاءة، هذا لم يكن موجودا في التسعينات حيث كانت الكفاءة هي الأصل}، وتشير إلى الخلل بقولها «صارت الإعلانات تتحكم بالقنوات، والإعلان يريد أجسادا ولا يهمه كفاءات، تحول الإعلام إلى صناعة استهلاكية خاضعة لمعايير السوق ولم يعد رسالة، اليوم يبحثون عن برامج ربحية ومثيرة حتى في البرامج السياسية تحولت إلى برامج إثارة وأكشن ويسعى المقدم لأن يضرب الضيف خصمه يضاف إلى هذا أنه ليس هناك شيء جديد في هذه البرامج وغالبيتها مستوردة من البرامج الغربية، ولم تعد مهمة التلفزيونات الارتقاء بالمشاهد بل المهم الإعلان أي برنامج مهما كان مستواه هابطا و(يجيب) إعلان فهو الأفضل وبعكس ذلك لا يعرض البرنامج مهما كانت أهميته}.
بعيدا وقريبا عن التلفزيون فإن لماتيلدا مشروعها الصحافي الخاص، فهي ترأس مجلس إدارة مجلة «سينيه» اللبنانية، تتحدث عنها قائلة «قررت أن يكون لي مشروعي الصحافي الخاص لأحقق حلمي الإعلامي من خلاله، فالمجلة تعني ببصمة أي سياسي أو مثقف أو مبدع ترك بصمته في مجاله المعين اجتماعيا، لهذا سميتها (سينيه) أي التوقيع أو البصمة}، مشيرة إلى أن «هذه المجلة تصدر منذ أكثر من خمس سنوات وتوزع في لبنان وخارجه، وعادة نحتفل بمن ترك بصمته على الغلاف مع صدور أي عدد، إذ احتفلنا بشخصيات لبنانية وعربية كثيرة وهذا تقليد خاص بنا}.



«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
TT

«مدونة سلوك» لضبط الخطاب الإعلامي السوري لا تستثني «المؤثرين»

وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)
وزير الإعلام حمزة المصطفى في حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج ممن يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وجاء هذا النقاش في جلسة حوارية عقدتها وزارة الإعلام ضمن حفل إطلاق «مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا» يوم الأحد، بعد أشهر من العمل عليها، كانت خلالها المحاكم السورية تتلقى مزيداً من دعاوى التحريض على العنف والاعتداء الناجم عن خطاب الكراهية.

وفي حفل أقيم في فندق «داما روز» وسط العاصمة دمشق حضره عدد من الوزراء والمسؤولين الحكوميين، وممثلين عن وسائل الإعلام المحلي، وعدد كبير من الإعلاميين، أطلقت وزارة الإعلام مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026، تحت عنوان «إعلام مهني... وكلمة مسؤولة».

ووقّع مديرو المؤسسات الإعلامية الرسمية على وثيقة «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، في إعلان عن التزام الإعلام الوطني بالمدونة.

وزير الإعلام حمزة المصطفى يتحدث عن «مدونة السلوك» الأحد (وزارة الإعلام)

وقال وزير الإعلام حمزة المصطفى، في إطلاق المشروع، إن «المدونة جهد إعلامي تعتبر الأهم على مستوى المنطقة، وهي جهد جماعي شارك فيه أكثر من ألف صحافي لمدة تزيد على 5 أشهر».

واعتبر وزير الإعلام المدونة «نقطة البداية وليست وثيقة عابرة»، وسيعقد مؤتمر سنوي يجمع الصحافيين السوريين لمناقشتها وتطويرها، مؤكداً على أن العمل الإعلامي دون معايير محددة ضابطة ومسؤولة تنظمه سيتحول قطعاً باتجاه الفوضى.

وجاء إطلاق مدونة السلوك المهني في ظل حالة من الفوضى وتأخر صدور قانون ناظم للعمل الإعلامي، بالإضافة إلى عدم تفعيل قانون الجرائم الإلكترونية منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد، وما تلاها من انفتاح إعلامي، أفسح المجال لتصدر نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي المشهد والتأثير بالرأي العام. الأمر الذي كانت له ارتدادات سلبية في ظل الاضطرابات السياسية والاستقطاب الحاد، وما رافقتها من موجات عنف وأحداث دامية على الأرض، كما حصل في مناطق الساحل والسويداء العام الماضي.

مصادر قضائية قالت لـ«الشرق الأوسط» إن أعداد الشكاوى المتعلقة بالفتنة والتحريض الطائفي والتجييش والحض على القتل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، تزايدت خلال العام الماضي، في حين لا يوجد هناك تفعيل جدي في تحريك الادعاء، لغياب دور فاعل لقسم مكافحة الجرائم الإلكترونية، بالإضافة إلى تأخر تعديل القانون 20، لعام 2022، الخاص بالجرائم الإلكترونية، الذي أصدره النظام المخلوع بهدف كم الأفواه والحد من الحريات.

وأضافت المصادر أن هذه الثغرة وغياب الرادع يسهمان في زيادة الفوضى وتعزيز خطاب الكراهية الذي يهدد السلم والاستقرار المجتمعي. ورأت في صدور مدونة سلوك مهني وأخلاقي مبادرةً تسهم في زيادة الوعي للتمييز بين حرية التعبير والتحريض.

ناشطة تحتج على موجة العنف والهجمات الطائفية في الساحل السوري بمواجهة متظاهر في ساحة المرجة في دمشق 9 مارس 2025 (أ.ب)

الصحافي والناشط السياسي السوري مشعل العدوي، الذي يقدم عبر قناته على «يوتيوب» نقداً سياسياً معنياً بالشأن السوري، علّق على «مدونة السلوك» أن صدورها في هذا التوقيت مهم جداً، ويساعد في هذه المرحلة على تعزيز إحلال السلم الأهلي، ويضبط الخطاب الإعلامي سلوكياً وأخلاقياً، ليتواءم مع الوثائق الدولية ويحترم حقوق الإنسان وحقوق الضحايا، وهذا كله «جيد جداً»، مع الإشارة إلى أن خطاب الكراهية في سوريا يأتي من خارج السياق الإعلامي، وأغلبه قادم من نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.

جلسة حوارية على هامش إطلاق «مدونة السلوك» الإعلامي في سوريا (وزارة الإعلام)

مدير الشؤون الصحافية في وزارة الإعلام، عمر الحاج أحمد، قال إن «الكلمة هي مسؤولية»، وإن إطلاق المدونة يؤسس لمرحلة جديدة في مسار إعلام وطني يستند إلى «الحرية المسؤولة، ويعلي من شأن الكلمة الدقيقة».

من جانبه، قال ممثل اللجنة الوطنية المستقلة لمدونة السلوك المهني والأخلاقي للصحافيين وصناع المحتوى، علي عيد، إن «التحديات تضاعفت مع الثورة الرقمية، وتضخم دور الذكاء الاصطناعي. وأصبح أثر الكلمة أسرع وأخطر، والمدونة ليست بديلاً عن القانون أو نصاً أخلاقياً جامداً، بل هي إطار للتنظيم الذاتي، وهو أعلى درجات حماية الحرية».

من حفل إشهار «مدونة السلوك» المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام السوري (وزارة الإعلام)

وفي جلسة حوارية حول المدونة، اعترض وزير العدل السوري مظهر الويس، على ما طرحه ميسر الجلسة خلدون الزعبي حول استفحال خطاب الكراهية بين السوريين عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وقال وزير العدل ليس هناك خطاب كراهية، وإنما هناك «عشوائية»، مؤكداً على أنه خطاب دخيل على سوريا، في حين قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى، إن 60 في المائة من خطاب الكراهية المنتشر بين السوريين في وسائل التواصل الاجتماعي يأتي من سوريين في الخارج يعيشون في سياقات «ديمقراطية».

وبحسب وزير العدل مظهر الويس، فإن مدونة السلوك المهني «تمثل أداة تنظيمية مهمة ترسم الخط الفاصل بين حرية التعبير واحترام حقوق الآخرين، وتسهم في الحد من التجاوزات التي تتحول في كثير من الأحيان إلى نزاعات قضائية». مشيراً إلى أن وزارة العدل والمحاكم تواجه اليوم أعباء كبيرة، ووجود مدونة سلوك مهنية يسهم في خفض هذه النزاعات، ويخفف الضغط عن القضاء.

وتتكون مدونة السلوك المهني من 82 صفحة و10 مواد تشمل المعايير الأخلاقية والمهنية وحماية الخصوصية والبيانات والمتابعة والمساءلة، إضافة إلى ميثاق شرف وملحق صنّاع المحتوى، وقد صدرت بـ3 لغات؛ العربية والإنجليزية والكردية.


«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
TT

«لوفيغارو»... تحول رقمي ناجح في العيد الـ200

"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)
"لو فيغارو" بين الأمس واليوم (لوفيغارو)

وسط عالم تتساقط فيه الصحف العريقة واحدةً تلو الأخرى تحت ضغط الثورة الرقمية وتغيّر أنماط الاستهلاك الإعلامي، يبرز احتفال صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية بمرور مائتي سنة على تأسيسها بوصفه حدثاً يتجاوز البعد الرمزي، ليطرح سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن لمؤسسة صحافية وُلدت في القرن التاسع عشر أن تظل فاعلة، مؤثرة، ومربحة في القرن الحادي والعشرين؟

اسم عريق

أسّست «لو فيغارو» عام 1826 في مناخ سياسي شديد القسوة، إذ كانت حرية الصحافة مقّيدة، والرقابة أداة مركزية في حكم الملك شارل العاشر. ولقد أطلق عليها اسمها نسبة لشخصية «لوفيغارو» التي ابتكرها بيار-أوغوستان بومارشيه، الموسوعي الفرنسي الشهير، في مسرحه... والتي جسّدت الذكاء الشعبي والتمرّد الناعم على السلطة، وهذا ما سعت الصحيفة إلى ترجمته صحافياً.

وبالفعل، مرّت الصحيفة الفرنسية العريقة في عقودها الأولى بمراحل انقطاع وعودة، قبل أن تجد استقرارها الحقيقي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين تحوّلت من نشرة أدبية ساخرة إلى صحيفة يومية مؤثرة بفضل هيبوليت دو فيلميسان، واضعةً الأساس لما سيصبح لاحقاً أحد أعمدة الصحافة الفرنسية.

قرنان تاريخيان من دريفوس إلى العولمة

لم تكن «لوفيغارو»، في الواقع، شاهداً محايداً على التاريخ الفرنسي، بل فاعلاً داخله. إذ لعبت دوراً محورياً في قضية الضابط ألفريد دريفوس، التي كشفت انقسامات المجتمع الفرنسي حول العدالة والهويّة والجمهورية.

كذلك واكبت الحربين العالميتين، وسقوط أنظمة، وقيام أخرى. وإبّان الاحتلال النازي، اتخذت الصحيفة قراراً مفصلياً بتعليق صدورها بدل الخضوع للرقابة، وهو خيار رسّخ سمعتها كصحيفة تضع الحرية فوق الاستمرارية الشكلية. ومن ثم، صار هذا الموقف جزءاً من سرديتها المؤسِّسة، ومن رأس مالها الرمزي حتى اليوم.

من الورق إلى المنصّات

مع دخول الألفية الجديدة، أدركت الصحيفة الفرنسية العريقة مبكراً أن البقاء لن يكون ممكناً من دون تحوّل جذري. ولذا أطلقت موقعها الإلكتروني في حين كانت صحف كبرى تتعامل مع «الإنترنت» كتهديد لا كفرصة. وبالتالي، نرى الآن أن «لوفيغارو» ليست مجرد صحيفة ورقية، بل مجموعة إعلامية متكاملة تضم موقعاً إلكترونياً رائداً، وقناة تلفزيونية (لو فيغارو تي في)، ومجلات متخصّصة، بالإضافة إلى حضور قويِّ على منصّات التواصل الاجتماعي بأكثر من 38 مليون متابع.

هذا التحوّل لم يكن شكلياً، بل جاء مسنوداً باستثمار تقني داخلي مكّن المجموعة من التحكم في البيانات والاشتراكات والإعلانات.

مبنى "لوفيغارو" في قلب العاصمة الفرنسية باريس (ويكيميديا)

النجاح الاقتصادي: استثناء في زمن الأزمات

اليوم، تبرز تجربة «لوفيغارو» بوصفها استثناءً لافتاً في المشهد الإعلامي العالمي. إذ بينما يعاني هذا القطاع من تراجع الإيرادات وانحسار الجمهور، واصلت الصحيفة الفرنسية العريقة تسجيل نتائج مالية قوية تؤكّد أن الأزمة ليست حتمية، بل مرتبطة بخيارات استراتيجية وإدارية محددة.

وفي صلب هذا النجاح، يبرز التحوّل الرقمي رافعةً مركزيةً. فلقد واصل الموقع الإلكتروني «لوفيغارو بوان إف إر» في 2025 تسجيل مستويات غير مسبوقة من التفاعل، بأكثر من 210 ملايين زيارة شهرية، واحتلاله مراراً صدارة مواقع الأخبار الفرنسية من حيث عدد الزوار.

ومن جهة ثانية، يصل عدد المستخدمين اليوميين، عبر الموقع والتطبيقات، إلى نحو 3.4 مليون مستخدم، ما يعكس رسوخ العلامة الرقمية للصحيفة. لكن الأهم لا ينحصر في حجم الزيارات فحسب، بل يشمل قدرة المنصة على تحويل هذا التدفّق الجماهيري إلى قيمة اقتصادية ملموسة. ذلك أن الاشتراكات الرقمية شهدت عام 2025 استمراراً للمنحى التصاعدي، بعدما تجاوز عدد المشتركين الرقميين 295 ألفاً. وهذا التطوّر النوعي جعل الإيرادات الرقمية تمثّل أكثر من نصف إجمالي عائدات الصحيفة، في سابقة تاريخية تعكس نضج نموذج الاشتراك المدفوع.

بذا، انتقلت الصحيفة العريقة، المعروفة بتوجهها اليميني، من منطق الاعتماد على الإعلان إلى اقتصاد قائم على القارئ. وبات الجمهور يساهم بنحو 60 في المائة من إجمالي الإيرادات، مقارنة بـ50 في المائة فقط قبل سنة واحدة، وهذا تحوّل استراتيجي يمنح الصحيفة هامش استقلالية أوسع في قراراتها التحريرية.

صمود غير متوقع

بالتوازي، ورغم السّردية السائدة حول «موت الورق»، واصلت النسخة المطبوعة للصحيفة أداءً يفوق التوقعات في عام 2025. إذ حافظت نسخة «لوفيغارو» الورقية على توزيع يقارب 400 ألف نسخة، وهو ما يضعها في المرتبة الثانية بعد صحيفة «لوموند» الشهيرة التي سجلت توزيع أكثر من 500 ألف نسخة، وهو رقم نادر في السياق الأوروبي الحالي. بل إن العائدات المرتبطة بالنسخة الورقية لصحيفة «لوفيغارو» سجّلت تحسناً ملحوظاً، مستفيدةً من سياسة تسعير مدروسة، ومن الطلب المرتفع خلال فترات سياسية ورياضية مكثّفة.

هذا الأداء يؤكد أن الورق لا يزال قادراً على تحقيق قيمة اقتصادية ورمزية، حين يكون جزءاً من منظومة متكاملة لا أعباء عليها.

هوية تحريرية واضحة

أخيراً، إن ما يميّز تجربة «لوفيغارو» بالفعل ليس فقط حجم الإيرادات، بل أيضاً طبيعتها. فلقد نجحت الصحيفة في بناء علاقة طويلة الأمد مع قرائها، تقوم على الثقة والهوية التحريرية الواضحة، لا على الاستهلاك السريع للمحتوى المجاني.

وهذا الولاء هو ما سمح للمجموعة بتحقيق توازن نادر بين الانتشار والربحية. وتتجلّى هذه السياسة في نموذج «الاشتراكات المدفوعة» الذي طبّقته الصحيفة ببراعة. حيث بدلاً من إغراق القارئ بمئات الأخبار المجّانية المعتمدة على العناوين الصادمة (Clickbait)، ركّزت «لوفيغارو» على تقديم تقارير استقصائية وتحليلات جيوسياسية حصرية. ثم إنه إبان الأزمات الكبرى، مثل التدخلات العسكرية الأخيرة أو الانتخابات، تبتعد الصحيفة عن «النقل الحرفي» للبيانات الرسمية، لتقدم ملفّات تحليلية يكتبها خبراء ومفكّرون، ما يجعل المشترك يشعر بأنه يدفع مقابل «قيمة مُضافة» وليس مقابل معلومات متاحة للجميع.


تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)
TT

تصاعد الملاحقة القضائية لمنصات التواصل

شعار «غوغل» (رويترز)
شعار «غوغل» (رويترز)

تصاعدت الملاحقة القضائية لمنصات التواصل الاجتماعي في مزاعم بشأن تسببها في إدمان المستخدمين، لا سيما الأطفال؛ ما عدّه خبراء محاولةً قد تدفع المنصات إلى تقديم تنازلات أو تغيير سياسة الخصوصية، وتزيد من اتجاه الجمهور نحو تنويع التطبيقات التي يستخدمها.

خلال الأسبوع الماضي، بدأ المحلفون في الولايات المتحدة نظر قضية «تسعى لتحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال». وهذه المحاكمة مبنية على دعوى رفعتها شابة في العشرين من عمرها تُعرَف باسم «كيلي جي. إم» ضد شركتي «ميتا بلاتفورمز» مالكة منصات «فيسبوك» و«إنستغرام»، و«غوغل» التابعة لمجموعة «ألفابيت» مالكة منصة «يوتيوب»، تتهمهما بتعمد تصميم منتجاتهما بطريقة تتسبب في إدمان الأطفال.

الشركتان نفتا الاتهامات، وقال آدم موصيري، الرئيس التنفيذي لـ«إنستغرام»، في شهادة أدلى بها أمام المحكمة، إنه «من المهم التمييز بين الإدمان السريري والاستخدام الذي يعدّ إشكالياً»، نافياً «صحة الادعاء بأن (ميتا) تعطي الأولوية للربح على حساب السلامة... ذلك أن حماية القُصّر على المدى الطويل مفيدة أيضاً للأعمال وللربحية».

وفق مراقبين، فإن «صدور حكم ضد شركات التكنولوجيا قد يُمهد الطريق أمام قضايا مماثلة في محاكم الولايات المتحدة، ويُزعزع الدفاع القانوني الراسخ لهذه الشركات ضد دعاوى الإضرار بالمستخدمين». حيث تواجه كل من «غوغل» و«ميتا» و«تيك توك» و«سنابشات» دعاوى قضائية مشابهة عدة.

ومن المنتظر استدعاء كارك زوكربرغ، الرئيس التنفيذي لشركة «ميتا»، شاهداً في المحاكمة التي قد تمتد إلى مارس (آذار) المقبل.

الدكتورة مي عبد الغني، الباحثة في الإعلام الرقمي وأستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا، رأت في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الدعاوى القضائية المرفوعة حالياً في الولايات المتحدة وأوروبا تنطلق من فلسفة قانونية تتجاوز مجرد الاعتراض على المحتوى، لتصل إلى عيوب التصميم الهيكلي للمنصات والمتمثلة في الطريقة التي صُممت بها المنصات لجعل الطفل يقضي أطول وقت ممكن كالتمرير اللانهائي».

وتلخص عبد الغني الأسباب وراء هذه الملاحقات القضائية في «استخدام هذه المنصات باستخدام تقنيات عصبية وبيولوجية، مثل التمرير اللانهائي والإشعارات الفورية التي تعمل على تعطيل قدرات الأطفال على التحكم في النزوات، إضافة إلى استغلال نقاط الضعف النفسية؛ حيث تعمل هذه المنصات على استهداف أطفال تعرضوا للصدمات بخوارزميات تتضمن محتوى ضاراً يتعلق باضطرابات الأكل أو إيذاء النفس». وأشارت إلى أن «المنصات تلاحق بتهمة انتهاك قوانين مثل (قانون حماية خصوصية الأطفال على الإنترنت) COPPA عبر جمع بيانات الأطفال دون سن الـ13 سنة واستخدامها في الإعلانات».

ووفق عبد الغني، فإن «هذه الدعاوى القضائية تضع المنصات أمام مسؤولية مباشرة عن الأضرار النفسية التي تلحق بالأطفال، مثل الاكتئاب، واضطرابات الأكل، أو التنمر الإلكتروني». لكنها لفتت إلى أن «قرار حظر استخدام الأطفال للمنصات لا ينهي الاستخدام، بل يحوله مغامرة... وبمجرد صدور قرار الحظر، تشهد تطبيقات كسر الحجب VPN طفرة غير مسبوقة». وأردفت: «الدعاوى القضائية الحالية قد تدفع بعض المنصات إلى تقديم تنازلات للحكومات، مثل تشديد الرقابة على المحتوى أو تغيير سياسات الخصوصية؛ ما يغير شكل المنصة التي عرفناها».

وبشأن تأثير الدعاوى على سلوك المستخدمين، أكدت عبد الغني أنه «عندما تزداد التهديدات بحظر المنصات العامة، يميل الناس سلوكياً نحو التطبيقات التي توفر خصوصية أعلى وتصعب مراقبتها أو حظرها بسهولة... وقد يدفع هذا إلى الهجرة الجماعية وتنويع المنصات»، موضحة أن «الجمهور قد يتجه لفتح حسابات احتياطية على منصات بديلة».

جدير بالذكر، أن هذه الإجراءات تتزامن مع خطوات لحظر استخدام الأطفال منصات التواصل الاجتماعي في دول عدة، حيث وافق البرلمان البرتغالي، الأسبوع الماضي، على مشروع قانون يفرض الموافقة الصريحة للوالدين قبل استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي. وأيّد مجلس النواب الفرنسي الشهر الماضي تشريعاً يحظر على الأطفال دون سن 15 سنة استخدام المنصات. وكانت أستراليا قد طبّقت في ديسمبر (كانون الأول) الماضي الحظر الأول من نوعه في العالم لمن هم دون سن 16 سنة.

وهنا يرى الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، معتز نادي، أن «الأطفال ورقة رابحة لكل من اليمين واليسار، سواءً في أوروبا أو المعسكرين الديمقراطي والجمهوري في أميركا». إذ أفاد في لقاء مع «الشرق الأوسط» بأن «إثارة مثل هذه القضية يخدم التوجهات السياسية لتلك الأطراف».

وعدَّ نادي الدعاوى القضائية في أميركا «فرصةً للضغط على شركات التواصل الاجتماعي التي باتت في هدنة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب منذ وصوله للولاية الثانية». وتابع: «أي تحرّك قضائي سيُلزم المنصّات بالكشف عن وثائقها من خلال أمر المحكمة»، مشيراً إلى أن «المنصات في سبيلها لمواجهة هذه الدعاوى قد تعلن عن تحديثات في سياسات عملها لحماية الأطفال بإعدادات افتراضية تمنع أي محاولة إدمان في حال ثبتت التهمة على المنصات».

ومن ثم، توقع نادي أن يكون الأمر «أشبه بالتحذير المكتوب على علب السجائر، بمعنى أن الطفل قد يرى تحذيراً من قبيل الاستمرار في التمرير والمتابعة قد يؤدي للإدمان».