قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

العالم بانتظار لقاء تاريخي بين الرئيسين الأميركي والروسي

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟
TT

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

قمة هلسنكي: أيهما سيأتي ويعود أقوى... ترمب أم بوتين؟

بعد عدة أشهر من التكهّنات والتساؤلات، تقرر انعقاد أول لقاء «قمة» بين الرئيسين الأميركي والروسي دونالد ترمب وفلاديمير بوتين في هلسنكي، عاصمة فنلندا، يوم 16 يوليو (تموز) الحالي. ويأتي هذا اللقاء في حقبة تعد من أسوأ الحقب للعلاقات بين واشنطن وموسكو منذ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.

كانت فكرة عقد لقاء قمة بين القائدين الأميركي والروسي (زعيم الاتحاد السوفياتي في حينه) قد ولدت في الأصل عام 1954، وذلك بعد حسم صراع الزعامة السوفياتية في موسكو بإزاحة جورجي مالينكوف، وخروج كل من نيكيتا خروتشوف ونيكولاي بولغانين منتصرين. ذلك أنه مع نجاح الاتحاد السوفياتي في أن يغدو قوة نووية، قبل بضع سنوات، اقتنعت إدارة الرئيس الأميركي (يومذاك) دوايت أيزنهاور بأن «القمم الثلاثية» القديمة، التي كانت انطلقت إبان الحرب العالمية الثانية بمشاركة بريطانيا، ما عادت تعبّر عن واقع ميزان القوى العالمي. إذ بات في العالم قطبان لا ثالث لهما، وصار بمقدور الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فرض جدول أعمال كثير من القضايا الدولية.
القمة الأولى عقدت بين الرئيس أيزنهاور والثنائي خروتشوف وبولغانين في مدينة جنيف السويسرية في يوليو 1955. إلا أنه سرعان ما سقط بولغانين في جولة جديدة من صراع السلطة في موسكو، خرج خروتشوف «زعيماً» أوحد للاتحاد السوفياتي. ومن ثم، بعد عهد الرئيس الأميركي جون كيندي، تحوّلت القمم الأميركية - السوفياتية إلى لقاءات دبلوماسية روتينية الغاية منها إدارة الأزمات إبان حقبة «الحرب الباردة».

- 22 قمة
هذا «التقليد» اشتمل على 22 قمة، انعقد ما يقرب من نصفها خلال فترة قيادة ميخائيل غورباتشوف المهزوزة «سفينة» الاتحاد السوفياتي وسط أمواج عاتية. ولكن، حتى بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حافظت الإدارات الأميركية المتعاقبة على هذا التقليد... ولو كتذكار من الماضي، وطريقة لبقة لبلسمة معنويات روسيا الجريحة، من دون إعطائها أهمية لا تستحقها.
ثم، مع طي صفحة رئاسة بوريس يلتسين لروسيا عندما بدت خلالها موسكو كأنها تبحث عن مكان لها بين «الكبار»، رأى فلاديمير بوتين في تقليد لقاءات القمة عنصراً مهماً في استراتيجيته الكبرى الهادفة لاستعادة روسيا مكانتها «قوة عظمى» تستحق أن يكون لها صوت مسموع ومقرّر في كل القضايا الدولية من دون استثناء.
كان هذا الطموح متعذراً في عهدي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ذلك أن بوش تعامل مع روسيا بفتور يداني قلة الاكتراث. ومع أنه استضاف بوتين وأكرم وفادته فإنه لم يعطه شيئاً. أما أوباما، الذي عمل حتى على تقزيم دور أميركا كقوة عالمية نافذة، فما كان منتظراً منه أن يعامل روسيا أفضل مما تعامل مع بلده!

- مكمن الأهمية
بالمناسبة، قمة هلسنكي المرتقبة لن تكون اللقاء المباشر الأول بين ترمب وبوتين، اللذين سبق لهما أن اجتمعا وجهاً لوجه لفترات قصيرة على هوامش «قمة الدول العشرين» (G 20) ومؤتمرات «دول آسيا وحوض المحيط الهادي»، وخرجا منها بمجاملات متبادلة. غير أن قمة هلسنكي تستحق اهتماماً كبيراً وخاصاً لجملة من الأسباب، على رأسها أنها أول «قمة كاملة» حقيقية بينهما.
في هلسنكي قد تكون الأمور مختلفة بين زعيم يعتبر نفسه قائد «مسيرة استعادة أميركا عظمتها» وزعيم عصبة «روسيا... أولاً»! ثم إن اختيار هلسنكي، في حد ذاته، لا يخلو من دلالات... إذ إنه يعود بالذاكرة إلى أيام «الحرب الباردة» عندما كانت واشنطن وموسكو يضبطان إيقاع العالم. ولكن، في المقابل، فإن العاصمة الفنلندية هي أيضاً المكان الذي صدرت فيه «اتفاقية هلسنكي» عام 1975، وبموجبها وافق قادة 35 دولة بينها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة، على إنهاء عملي لـ«الحرب الباردة» بتهدئة الأوضاع في أوروبا عبر اتفاقية أمن وتعاون بين دول القارة.
خلال القمة المقبلة، قد نشهد الفصل الأخير من «اتفاقية هلسنكي» للأمن والتعاون في أوروبا مع إقرار الجانبين الأميركي والروسي بوجود حقائق جديدة على الأرض منذ 1975. إذ انهار الاتحاد السوفياتي وتقسّم، وصار «حلف وارسو» نسياً منسياً مقابل تمدد حلف شمال الأطلسي «ناتو» بعمق أوروبا، وأُجبرت روسيا تحت قيادة بوتين، على الاكتفاء بعرض عضلاتها في جورجيا وأوكرانيا، وبطرق أخرى، في القوقاز وآسيا الوسطى. ولكن، قد يطمح بوتين اليوم في العودة إلى ما قبل «هلسنكي 1975»، وإذا نجح في ذلك قد نشهد حقبة «حرب فاترة» لا «باردة» هذه المرة. وهذا إذا تحقق سيكون «سيناريو» مقلقاً لكثرة من الأوروبيين الذين يشكون في وجود علاقة ودية بعض الشيء بين ترمب وبوتين، وهما زعيمان تطغى على تصرفاتهما وممارساتهما السياسية النوازع الشخصية.
وبصرف النظر عما إذا كانت هناك علاقات ود وإعجاب تربط الرجلين أم لا، فمجرد اجتماعها يمكن أن يبرّد أجواء التوتر الدولي، ولا سيما، في منطقة الشرق الأوسط المأزومة. بل، قد يؤشر إلى بداية مسيرة جديدة نحو تسوية بعض الأزمات عبر ترويج التفاهم حيث أمكن.
والواقع، أنه رغم أزمات الولايات المتحدة الداخلية، فإنها تظل لاعباً يستحيل الاستغناء عنه في معظم مناطق الصراع السياسي، في حين تسعى روسيا لإعادة فرض نفسها لاعباً مناكفاً حيث تستطيع. وما يستحق الإشارة، أن آخر قمة أميركية - روسية عقدت في سبتمبر (أيلول) 2016 في أواخر فترة رئاسة باراك أوباما، فضّل بوتين انتظار نتيجة انتخابات الرئاسة الأميركية. وبالتالي، لم تكن تلك القمة التي استضافتها مدينة هانغتشاو الصينية عملياً أكثر من عرض عضلات متبادل. ذلك أن أوباما حاول في الأيام الأخيرة من حكمه الظهور بمظهر القوي، وسعى بوتين في المقابل جهداً للتقليل من شأنه. وهكذا، بدلاً من أن ينتهي اللقاء بخفض التوتر، شهدت الأجواء تفاقماً وتصعيداً، لا سيما، مع اتهام أوباما للرئيس الروسي بمحاولة التأثير في انتخابات الرئاسة الأميركية لمصلحة دونالد ترمب.
اليوم، ومع أن ترمب يدرك أنه مهدّد بما يمكن أن ينتهي إليه «تحقيق مولر» في تهم التلاعب الروسي المزعوم بالانتخابات الأميركية، فإن الرئيس الأميركي يتوجه إلى هلسنكي بنية البحث عن «صفقات كبرى».
وفي المقابل، لا يسعى بوتين للمساومة على «صفقات»... لأن هذا ليس من طبعه ولا أسلوبه. إنه يأمل أن يحقق تقدماً ملموساً وحقيقياً على صعيد عودة روسيا «لاعباً أساسياً» في الحلبة العالمية. وفي هذه السبيل يريد إقناع ترمب، وعبر ترمب، إجبار الدول الأوروبية لتقبل ضم روسيا لشبه جزيرة القرم كأمر واقع لا يستدعي مواجهة مع موسكو من أجله.

- واشنطن وموسكو... وأوروبا
بعض المصادر تتحدث عن إمكانية لجوء واشنطن إلى صيغة دبلوماسية تنقذ ماء وجه الأوروبيين المتنازلين، شبيهة بتلك التي سمحت للغرب بالتبسم مع تجرّعه مرارة ضم روسيا دول حوض البلطيق بعد الحرب العالمية الثانية، وفرضها حياد فنلندا. إذ بين عام 1945 وانهيار الاتحاد السوفياتي، دأبت القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة على رفض الاعتراف بجمهوريات البلطيق الثلاث (ليتوانيا ولاتفيا وإستونيا) كجزء من الاتحاد السوفياتي لكنها لم تفعل شيئاً لتحريرها. كذلك، أحجمت عن اجتذاب فنلندا المؤيدة للغرب للدخول في التحالف مع الديمقراطيات الغربية.
وبناءً عليه، إذا كان تمرير هذه الصيغة أولوية عند بوتين، فإن بين أولويات ترمب - كما عبر عنها وزير خارجيته مايك بومبيو ومستشاره لشؤون الأمن القومي جون بولتون - توضيح وتحديد مطامح روسيا، وبالأخص، في أوروبا والشرق الأوسط. والحال، أن سياسة موسكو الراهنة تبدو كأنها تهدف إلى دق إسفين بين الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، وفعل كل ما بوسعها لخلخلة حلف شمال الأطلسي (ناتو) والاتحاد الأوروبي. وما عاد سراً الدعم المالي والإعلامي الذي يقدمه الكرملين للأحزاب الشعبوية المتطرفة يساراً ويميناً في أوروبا، المعادي منها لواشنطن، والمعادي للاتحاد الأوروبي.
أولاً، قد يزعم بوتين أنه إنما يواجه الاتحاد الأوروبي من قبيل الدفاع عن النفس، وكرد فعل مشروع ضد العقوبات الأوروبية المفروضة على روسيا بسبب أوكرانيا. غير أن الأوروبيين، طالما أكدوا أن العقوبات فرضت على روسيا رداً على عدوانيتها المتمثلة في ضمها القرم، وتهديدها الضمني بالتدخل العسكري في شرق أوكرانيا، ثم في الفترة الأخيرة، الاعتداء بالغاز السام على عميل مزدوج سابق وابنته في مدينة سولزبري بجنوب بريطانيا. والأمر الآخر الذي يسعى إليه بوتين هو منع أي توسع مستقبلي لـ«الناتو»، ولا سيما في أوروبا ومنطقة القوقاز. وهنا، قد لا يجد ترمب صعوبة كبرى في تقديم تنازلات، وذلك في ظل تراجع حماسة البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) للخطة بعكس ما كانت عليه الحال إبان رئاسة جورج بوش الابن. ومهما يكن من أمر، كان موقف ترمب متذبذباً - في الأصل - إزاء «الناتو»، ولا سيما، لجهة إصراره على أن حلفاء واشنطن عليهم زيادة مساهماتهم الدفاعية إلى ما لا يقل عن 2 في المائة من الناتج القومي لكل منهم، كما اتفق عليه عام 2007.
الرئيس الروسي، في هذه الأثناء، قلق من احتمال جر روسيا إلى سباق تسلّح جديد على غرار الذي شل الاقتصاد السوفياتي... وسرّع بالنتيجة في إسقاط الاتحاد السوفياتي. الواقع أن بوتين يحسب منذ الآن حساب مشروع التسلح الجبار الذي باشرته الصين، بما فيه سلاح بحري ضخم ومتطور تعجز روسيا عن بناء مثيل له ونشره في بحار العالم ومحيطاته. ثم إن إمكانية إقدام اليابان، وربما ألمانيا أيضاً، على استئناف التسلّح مسألة إضافية تثير قلقاً شديداً عند الكرملين. وقد يكون وراء قول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إنه «ما عاد بوسع الأوروبيين الاعتماد إلا على أنفسهم» تخوفها من صفقة ما يعقدها ترمب مع بوتين تأتي على حساب الاتحاد الأوروبي.

- أزمة سوريا
الموضوع الثاني المهم على جدول أعمال القمة يرجح أن يكون الوضع في سوريا، وذلك في سياق تنامي طموحات موسكو في الشرق الأوسط. والبديهي أن بوتين مهتم جداً بأن يعترف ترمب لروسيا بأنها اللاعب الأقوى في سوريا، بالتوازي مع الموافقة على «مناطق نفوذ» تجسدها ما سمتها موسكو «مناطق خفض التصعيد»، ومقابل ذلك، فإنه يسعى عملياً لإجبار الإيرانيين على الخروج من سوريا برفضهم تأمين الغطاء الجوي لهم في وجه غارات سلاح الجوي الإسرائيلي. وهكذا، عبر إبعاد إيران ومرتزقتها من المناطق المأهولة في سوريا، فإن بوتين يؤدي المهمة التي يريدها الأميركيون وحلفاؤهم منه، والتي كانت تتطلب تدخلهم العسكري المباشر لتحقيقها. ولقاء هذه «الخدمة»، يأمل الرئيس الروسي في إقناع نظيره الأميركي، وعبره إقناع الدول الغربية عموماً، بتقاسم أعباء «استقرار» سوريا، ولاحقاً، إعادة إعمارها.
بوتين يرغب، كما هو واضح، في إبقاء رئيس النظام السوري بشار الأسد في السلطة لفترة قصيرة، ولكنها كافية لتجذّر حضور روسيا ونفوذها إلى درجة يتعذّر معها على أي نظام سوري مستقبلي تجاهلهما. ولـ«بيع» هذه الصفقة للغرب، سيعرض بوتين أمامه إغراءي إبعاد الملالي الإيرانيين من سوريا، ومساعدة تركيا - الدولة العضو في «الناتو» - في التمتع بـ«حقوق مراقبة ورصد» داخل الأراضي السورية على طول الحدود التركية - السورية.
وهنا أيضاً، يهم الرئيس الروسي الحصول على نتائج سريعة بينما تعطيه القوى الغربية والإقليمية النفوذ الذي يشتهيه في سوريا.

- الحرب «السايبرية»
ونصل إلى الموضوع الثالث على جدول الأعمال، الذي لا بد من ضمه إلى الأسلحة البرية والبحرية والجوية كسلاح حربي فتاك آخر، هو الحرب «السايبرية» أو الإلكترونية.
حتى الآن، كان لروسيا قصب السبق وزمام المبادرة في هذه «الحرب» بفضل توقها للمجازفة، مستفيدة من إحجام الديمقراطيات الغربية عن ذلك تخوفاً من المعارضة الداخلية. ولكن في المديين المتوسط والبعيد، لن يكون بمقدور الروس منافسة القوى الغربية التي تتفوق عليها بمراحل على صعيد الموارد العلمية والتكنولوجية. وكما كان الوضع مع التسابق على غزو الفضاء خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي، عندما حقق السوفيات تقدماً مبكراً على الغرب لبعض الوقت، غير أنهم في نهاية المطاف تخلفوا وسقطوا في السباق قبل خط النهاية.
قد يحاول بوتين كسب بعض النقاط الإعلامية باقتراحه آليات جديدة لرصد وتدمير ترسانات الأسلحة الكيماوية، مصحوبة بصيغة معدلة لـ«خطة تحقق» تقترحها بريطانيا. ومن ثم، فإن إعادة إطلاق مباحثات الحد من التسلح، وبالأخص ما يتعلق بالجيل الجديد من الرؤوس النووية الصغيرة، قد تجد طريقها إلى جدول أعمال القمة، بما أن الجانبين سيسعيان للادعاء أن أموراً أخرى جدّية مطروحة على بساط البحث. وتالياً، من أجل إعطاء القمة فرصة للنجاح، فإن بوتين قدّم بالفعل بعض المغريات لترمب. وبجانب ما يبدو من «تخفيف» تأييده لبشار الأسد، وبدئه سحب القوات الروسية، وافق الرئيس الروسي على زيادة إنتاج النفط تمشياً مع رغبة ترمب المعلنة. إلا أن العنصر الأهم، ربما، هو رفض الكرملين الرمي بثقله خلف إيران لتحدي موقف الرئيس الأميركي الرافض لـ«الصفقة النووية» التي ابتدعها سلفه أوباما.
من جهة ثانية، أمام خلفية المنجزات اللافتة غير المتوقعة لمنتخب روسيا لكرة القدم في مونديال 2018، يتوجه بوتين إلى العاصمة الفنلندية تحت هالة المنتصر. وحقاً، فإن أجهزة الإعلام التي يسيطر عليها تصوره على أنه «رجل الانتصارات»، زاعمة أنه سيقابل نظيره الأميركي من موقع قوة، بذريعة أن الولايات المتحدة - إن لم يكن الغرب ككل - باتت أكثر حاجة إلى روسيا من حاجة روسيا إليها وإلى الغرب!
ولكن، بغض النظر عن المبالغة في إظهار العزة القومية التي تداني الغطرسة الفاقعة، فحقيقة الأمر أن الاقتصاد الروسي مريض والتوتر الاجتماعي في تصاعد. ومن ثم، فإن وضع بوتين ليس جيداً. ومع أن لا أحد في روسيا يستطيع اليوم تحديه، فربما كان قد بدأ يفقد قدرته على تطوير أفكار ومبادرات وخطط جديدة. وهذا، تماماً على النقيض من ترمب، الذي وإن بدا محاصراً أو مُربكاً، فإن الولايات المتحدة في وضعية اقتصادية جديدة، وتعيد إطلاق خطة التحديث العسكري التي سبق لأوباما إيقافها.
وهكذا، وكيفما نظرنا إلى ما سيحصل في هلسنكي، فإن «قيصر» الكرملين يحتاج إلى رضا الغرب أكثر مما يحتاجه الغرب. وعلى هذا الأساس، خلال القمة المرتقبة، ستكون للرئيس الأميركي اليد العليا، لكن ما يبقى غير محسوم هو ما إذا كان سيسعى للاستفادة من هذه الأفضلية أم لا.

- فلاديمير بوتين... في سطور
عام 1999 عزل الرئيس الروسي (يومذاك) بوريس يلتسين رئيس وزرائه سيرغي ستيباشين، وعيّن ضابط «الكي جي بي» السابق فلاديمير بوتين خلفاً له.
وفي شهر ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه، استقال يلتسين وعيّن بوتين رئيساً للجمهورية في مكانه. ومن ثم أعيد انتخاب بوتين رئيساً عام 2004، وفي العام التالي (2005)، في حدث تاريخي بات أول رئيس روسي يقوم بزيارة إلى إسرائيل.
ولكن في عام 2008، مع تعذر ترشحه - دستورياً - للرئاسة، فإن خلفه دميتري ميدفيديف عينه رئيساً للحكومة. ومن ثم في مارس (آذار) 2012، ترشح بوتين مجدداً لرئاسة الجمهورية وعاد إلى المنصب، وأوكل رئاسة الحكومة لميدفيديف، ولاحقاً انتخب لولاية رئاسية رابعة.
ولد فلاديمير فلاديميروفيتش بوتين في مدينة لينينغراد (بطرسبرغ، اليوم)، ثاني كبرى مدن روسيا وعاصمتها القيصرية القديمة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1952. ونشأ مع أسرته في شقة بمجمع سكني شعبي. وإبان فترة دراسته الابتدائية والثانوية أولع بالرياضة ومارسها بشغف. وبعد المدرسة تابع تعليمه الجامعي في جامعة لينينغراد (بطرسبرغ) الحكومية المرموقة وتخرج فيها مجازاً بالحقوق.
في عام 1975 التحق بسلك الاستخبارات (الكي جي بي) ضابط استخبارات، وخدم خصوصاً في ألمانيا الشرقية، وظل في هذا السلك حتى عام 1990، عندما تقاعد برتبة عقيد.


مقالات ذات صلة

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

حصاد الأسبوع تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب

أحمد جمال (القاهرة)
حصاد الأسبوع صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع الدكتور محمد يونس (آ ب)

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مع السفير لدى «ناتو» ماثيو ويتيكر في بروكسل (غيتي)

جولة مع القراءة الفرنسية لسياسات واشنطن الجديدة

تواجه العواصم الأوروبية، وفي مقدمتها باريس، اختباراً وجودياً غير مسبوق أمام سياسات واشنطن الجديدة؛ حيث أدت الضغوط الأميركية للاستحواذ على غرينلاند والتدخلات

أنيسة مخالدي (باريس)
حصاد الأسبوع سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد،

جمال جوهر (القاهرة)

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.