ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

متاعب المنافسين الأوروبيين أتاحت إطلاق سياسة فرنسية ديناميكية وطموحة

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار
TT

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

ماكرون... جهود 14 شهراً تنتظر الثمار

قبل 14 شهراً، وصل إيمانويل ماكرون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية قالبا المعايير والموازين السياسية ومتخطيا اليمين واليسار وحاملا رؤية وخطة. في الداخل، أعرب عن عزمه على نفض الغبار عن المؤسسات التي أرساها الجنرال ديغول «مهندس الجمهورية الخامسة» وإطلاق حملة إصلاحية تذهب حتى مداها الأخير بحيث لا تتوقف في منتصف الطريق كما فعل من سبقه إلى قصر الإليزيه. وفي الخارج، أراد الرئيس الشاب أن يعيد فرنسا إلى واجهة المسرح الدولي بعد أن ضمر دورها داخل الاتحاد الأوروبي وخارجه. وبعد مرور ما يزيد على العام، حان الوقت لوقفة متفحصة لإنجازاته وإخفاقاته على المسرح الخارجي.

في عام واحد، قطع الرئيس الفرنسي الشاب إيمانويل ماكرون ما يزيد على 190 ألف كلم، وزار 46 بلدا متنقلا بين القارات وقافزا من قمة إلى لقاء ثنائي. إذ قام بزيارة دولة للولايات المتحدة الأميركية وبعدها بأقل من شهر بزيارة مماثلة لروسيا. ولم ينس الصين أو الهند وكندا وأستراليا. أما زياراته الأوروبية فشبه دائمة ولقاءاته مع المستشارة الألمانية تشكل علامات ثابتة على أجندته الشهرية. ولم ينس العالم العربي الذي زار منه المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة وقطر وبلدان المغرب العربي.
وبالطبع، أفريقيا كانت دوما على أجندته ولا عجب في ذلك لأنها تشكل أول دائرة للنفوذ الفرنسي خارج القارة الأوروبية. وبحر هذا الأسبوع المنتهي وبعد أن كان ضيف البابا فرنسيس في الفاتيكان، حل ضيفا على القمة الأفريقية التي عقدت في موريتانيا واستفاد من حضور القادة الأفارقة ليعقد قمة موازية ضمت بلدان «الساحل» الخمس أي موريتانيا ومالي وتشاد والنيجر وبوركينافاسو، التي يسعى ماكرون لتسهيل قيام قوتها المشتركة المسماة «مجموعة الخمس» G5 وتوفير التمويل لها، وخصوصاً، دفع الأفارقة للعمل معا من أجل محاربة الإرهاب الذي يضرب دورياً في هذا البلد أو ذاك. أما رغبة ماكرون الخفية فهي سعيه للتخفيف من الأعباء العسكرية والمالية التي تترتب على القوات الفرنسية المرابطة في بلدان الساحل الأفريقية.

- سنة دبلوماسية نشطة
ولا تشكل الزيارات الخارجية إلا جزءا من نشاطات الرئيس الدبلوماسية. ذلك أن قصر الإليزيه تحول إلى مقصد لقادة العالم... من دونالد ترمب إلى فلاديمير بوتين ومن أنجيلا ميركل إلى تيريزا ماي والزعيم الصيني شي جينبينغ إلى منافسه رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. ومن محمود عباس إلى بنيامين نتنياهو والعشرات الآخرين.
ثم إن ماكرون يهوى المؤتمرات الخاصة التي يكون هو «مهندسها» الأول من أجل إيجاد حلول للأزمات المستعصية: من ليبيا التي كرّس لها في عام واحد مؤتمرين دوليين، إلى سوريا وفلسطين واليمن ولبنان، ناهيك من القمة العالمية للمحافظة على المناخ والعشرات غيرها من المؤتمرات والاجتماعات التي يجهد دبلوماسيو القصر الرئاسي والخارجية في ملاحقتها. باختصار، ماكرون يريد أن يفرض فرنسا التي لا ينظر إليها على المستوى العالمي إلا كـ«لاعب متوسط الحج» طرفاً رئيسياً في إدارة شؤون العالم وإيجاد حلول لأزماته. هذا هو «الدينامو» الذي يحرك الرئيس الفرنسي.

- ماكرون لا يعرف الكلل أو الملل
يوجه رسائله النصية إلى أقرب معاونيه طيلة ساعات الليل والنهار. مدمن على العمل وعازم على السير ببرنامجه الإصلاحي حتى خواتيمه مهما تكاثرت الصعوبات الاجتماعية أو الاقتصادية أو تهاوي شعبيته في الداخل.
يبدو غير آبه بأن يطلق عليه لقب «رئيس الأغنياء» بعدما ألغى الضريبة على الثروة والضريبة على الميسورين الذين اختاروا الرحيل عن فرنسا إلى بلد آخر... ولا يهتز أو يرف له جفن.
يُنتقَد لأنه وزوجته بريجيت أوصيا على أوان منزلية للقصر الرئاسي ستكلف دافع الضرائب الفرنسي نصف مليون يورو، وحجته أن ما يملكه القصر «متهالك» ويتعين تجديده... لا بل يرى في ذلك بابا لإبراز مهارات مشاغل البورسلين الفرنسية الشهيرة الموجودة في بلدة سيفر القريبة من باريس. ويُعاب عليه أنه طلب بناء مسبح في مقر الاصطياف الصيفي لرؤساء فرنسا المُسمى «حصن بريغونسون» المطل على الشاطئ المتوسطي، فيرد على ذلك بأنه لا يريد أن يفعل ما فعله الرؤساء السابقون بالحلول ضيفاً على الأصدقاء الأغنياء. وأن المسبح الخاص، بعكس الشاطئ المفتوح، يوفر الحماية للرئيس ويبقيه بعيداً عن الأعين.

- رئيس خدمته الظروف
باختصار، يعتبر ماكرون أنه رئيس غير الرؤساء وله رؤية مختلفة لمهامه ومنصبه. وحقيقة الأمر أن «الظروف» أسدت له خدمات جليلة: أولاً من حيث إنها سهلت انتخابه رئيسا للجمهورية الفرنسية قبل أن يصل إلى سن الأربعين متخطيا أحزابا متجذرة في المشهد السياسي مثل اليمين المعتدل وارث الحزب الديغولي أو الحزب الاشتراكي الذي تربع اثنان منه - فرنسوا ميتران وفرنسوا هولاند - على عرش الإليزيه طيلة 18 سنة.
كذلك، فإن الظروف السياسية الخارجية تبدو وكأنها «جُندّت» لخدمة ماكرون. إذ أن وصوله إلى الرئاسة ترافق مع تكاثر الصعوبات بوجه القوتين «المنافستين» الأكبر في غرب أوروباً... ألمانيا وبريطانيا.
فمن جهة، المستشارة الألمانية ميركل كانت، عند تبوئه منصبه الرئاسي، منشغلة بانتخاباتها التشريعية التي شهدت تراجعاً دراماتيكيا لشعبيتها وللمقاعد التي فاز بها حزبها. وخلال أربعة أشهر، انصب همّ ميركل على تشكيل حكومة لم تصل إلى إيقافها على قدميها إلا بشق الأنفس... وها هي تتمزّق أو تكاد بسبب أزمة الهجرات واللاجئين، وتجد نفسها في موقع سياسي ضعيف للغاية... لا بل ثمة من يراهن على عجزها عن إكمال ولايتها الرابعة في قصر المستشارية بالعاصمة برلين.
أما المنافسة الأخرى، رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، فليس مصيرها أفضل حالا من مصير ميركل إذ أنها ورثت صعوبات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عن سلفها ديفيد كاميرون، وفقد حزبها المحافظ الأكثرية في الانتخابات المبكرة التي فرضتها عليه. وهي تجهد بكثير من الصعوبة في المحافظة على شيء من الانتظام داخل حكومتها وحزبها لتقود بريطانيا خارج الاتحاد الأوروبي بأقل قدر ممكن من الخسائر.
وأما بقية الأوروبيين فحدث ولا حرج: إسبانيا غارقة في أزمة كتالونيا ورئيس حكومتها السابق نحي بسبب الفساد. وإيطاليا تعيش أزمات سياسية متلاحقة في ظل حكومات متعاقبة قصيرة العمر. وآخر مستجداتها حكومة مشكلة من تحالف اليمين المتطرف والشعبويين. وبقية أعضاء الاتحاد، فكل منهم لديه مشاكله: يمين متطرف صاعد في النمسا والدنمارك. ويمين متشدد في المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا وصراعات فجّرتها أزمة الهجرات المتدفقة على أوروبا.....

- أوروبا... ملعبه و«ورشته»
هذه ملامح «الديكور» الأوروبي عند وصول إيمانويل ماكرون إلى الإليزيه مكللاً بهالة انتصاره على مارين لوبن، مرشحة الجبهة اليمينية المتطرفة في فرنسا.
الرئيس ماكرون انتخب على أساس برنامج أوروبي واضح ولديه خطة لإنهاض أوروبا وإصلاح مؤسساتها. إنه، بمعنى ما، لبس ثياب «المنقذ» وخطاباته المختلفة التي خصّصها للبناء الأوروبي وأهمها ثلاثة واضحة وقوية وثابتة: خطاب جامعة السوربون في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وخطاب تسلمه إحدى أهم الجوائز الأوروبية في ألمانيا، ثم خطابه الأخير أمام البرلمان الأوروبي... كلها تدل على عزم لا يلين.
أوروبا ورشته الأولى وذلك لسببين: لأنها أولا العرين الأوسع الذي يحتاج إليه، والثاني لأنها يمكن أن تكون الرافعة للنفوذ الفرنسي في العالم. بيد أن حلم ماكرون الأوروبي آخذ بالتحول إلى كابوس. فها هي أوروبا تترنح نحن وطأة أزمة لا تعرف، بسبب انقساماتها العميقة، كيف تتعامل معها.
ما كان ماكرون رئيساً عندما تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين عبر «ممرّ البلقان» باتجاه وسط وغرب أوروبا. غير أن ذلك لا يغير من واقع الحال شيئا بعدما أعيد «تشغيل» ممرّ وسط البحر الأبيض، هو الطريق الأقصر الذي يربط الشاطئ الأفريقي للمتوسط بالسواحل الأوروبية. ورغم تسلم ماكرون بالأرقام للتدليل على أن موجة الهجرات إلى أوروبا قد تراجعت ومعها طلبات اللجوء، فإن الأرقام لا تبدو كافية لإقناع مَن لا يريد الاقتناع كالمستشار النمساوي الشاب سباستيان كورتز أو وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني ونظيره الألماني هورست زيهوفر الذي يشكل تهديداً سياسيا رئيسيا لميركل. وباستثناء إسبانيا التي عادت قيادتها بالمصادفة إلى الاشتراكيين، لم يعد يجد ماكرون حليفا قويا له داخل الاتحاد الأوروبي للسير بخططه. القادة الإيطاليون اليمينيون يتهمونه بـ«العجرفة» وقادة «مجموعة فيزغراد» المشكلة من المجر وبولندا وتشيكيا وسلوفاكيا يرفضون الخضوع لـ«الديكتاتورية الأوروبية» التي لها رأسان ظاهران: ميركل وماكرون، والتي يتهمها يمينيو «فيزغراد» بأنها تريدهم أن يستقبلوا حصصهم من اللاجئين إلى أوروبا، كما وزعتها المفوضية الأوروبية، وهم متمسكون برفضهم. وماكرون يريد اندماجا أكبر لمنطقة اليورو مع ميزانية خاصة ووزير مالية. وبعد كم من اللقاءات، وافقت المستشارة الألمانية على «الحد الأدنى» من مقترحاته. وحتى الآن، لم تتحول هذه المقترحات إلى نصوص وقوانين وإجراءات بل ما زالت تدور في فلك المشاريع الضائعة بين الأخذ والرد.

- أزمات الشرق الأوسط
على صعيد آخر، أثبتت أزمات وحروب الشرق الأوسط أن دون نجاح الإليزيه في تحيق اختراقات مصاعب لا يجوز الاستهانة بها. فبالإضافة إلى سوريا والعراق، سعت باريس لأن يكون لها صوت في الملف الفلسطيني، وجاء الرئيس محمود عباس مرتين إلى باريس لمقابلة ماكرون. لكنه في كل مرة سمع الجواب نفسه: لا اعتراف أحاديا بالدولة الفلسطينية وأن الحل هو سياسي وتفاوضي مع إسرائيل. وبينما يسعى فريق الرئيس الأميركي دونالد ترمب لـ«صفقة القرن» تجد باريس نفسها على الهامش.
أما في ليبيا، فقد سعى ماكرون لإيجاد مخارج من حروب الميليشيات والعصابات في هذا البلد بالنظر لأهميته لاستقرار شمال أفريقيا وبلدان الساحل واحتواء الهجرات ومحاربة الإرهاب. ولذا بذل جهداً في الصيف الماضي مع رئيس «حكومة الوفاق» فائز السراج وقائد الجيش الوطني المشير خليفة حفتر، واعتبر أن الجمع بين «الشرعية السياسية (ممثلة بالسراج) والشرعية العسكرية (ممثلة بحفتر)» كفيل بإيجاد المخارج. وبالفعل، اجتمع الرجلان مرة أولى برعاية ماكرون ومرة ثانية برعاية دولية وبحضور المبعوث الدولي غسان سلامة، ولكن، في المرتين خرجا ببيانات وتعهدات لم يطبق منها شيء، ولا أحد يرى اليوم إلى أين يوجد المخرج من هذه الأزمة بالنظر لتعدد المصالح والتدخلات الخارجية.
كذلك، سعى ماكرون إلى التقارب مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، فدعاه إلى باريس واستقبله في قصر الإليزيه. ويعي ماكرون أنه بحاجة لتعاون إردوغان في ملفّي اللاجئين والإرهاب، وخاصة، المتطرفين الفرنسيين الساعين للعودة إلى فرنسا. ولكن عندما قرّر إردوغان اجتياح عفرين، بشمال سوريا، لم تنفع معه النصائح الفرنسية... الأمر الذي دفع باريس وواشنطن إلى إرسال وحدات عسكرية إلى مدينة منبج لردع أنقرة عن اجتياحها. ومثلما، لم تنجح نصائح ماكرون لإردوغان، كذلك أخفقت مع مسعود بارزاني الذي حثته باريس على صرف النظر عن الاستفتاء على الانفصال عن العراق، إذ صمّ بارزاني أذنيه مع أن باريس «صديقة» للأكراد منذ ثمانينات القرن الماضي، وهكذا، تبين أن «صرف» هذه الصداقة سياسيا صعب.
وحول سوريا، بالذات، لم يعط الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره الفرنسي شيئا. فقط اتفق معه على إيجاد «آلية تنسيق» بين «مجموعة أستانة» (روسيا وإيران وتركيا) وبين «المجموعة المصغّرة» (الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والمملكة العربية السعودية والأردن) لإيجاد السبل لحل سياسي في سوريا. لكن هذه الآلية يصعب العثور على وجود أي دور لها، كما أن روسيا ما زالت اللاعب الأول والأكثر تأثيراً في المسار السوري، في حين لم تعثر فرنسا على دور حقيقي لها رغم مشاركتها في الضربات الصاروخية مع واشنطن ولندن ردا على استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي.
والجدير بالذكر، هنا أن ماكرون كان مهتماً ببناء علاقة قوية مع بوتين الذي دعاه إلى قصر فرساي التاريخي، ثم زاره في مدينة بطرسبرج عاصمة الإمبراطورية الروسية. وكان «أمل» ماكرون أن يلعب دور «الوسيط» بينه وبين ترمب، وأن يكون «محاوره» الأوروبي تطبيقا لمبدأ رئيسي في سياسته الخارجية أنه «يتعين الحديث إلى الجميع».

- أفكار كثيرة... تنتظر ثماراً
هكذا تبدو محصلة سياسة ماكرون الخارجية: كثير من الأفكار والتحركات لكن النتائج العملية والفعلية ما زالت قيد الانتظار. صحيح أن معه عادت فرنسا حاضرة على المسرح الدولي: في الشرق الأوسط وأفريقيا وفي علاقاتها مع الدول الكبرى. لكن الصرح الأوروبي ما زال هشاً و«الصديق الأميركي» لا يطبق من السياسات الخارجية إلا ما يفيده داخلياً، ونظيره الروسي مستمر في إعادة الاعتبار لموسكو عبر صواريخها وطائراتها في سوريا.
يعترف الفرنسيون بفضل رئيسهم على المستوى الخارجي. لكن داخليا، للأمور مظهر آخر. ويدل آخر استطلاع للرأي أن شعبية ماكرون تراجعت بحدة الشهر الماضي وهبطت إلى 34 في المائة بحيث خسر ست نقاط في شهر واحد. وقد يكون هذا الرقم نذيرا بأن الحراك الخارجي لا يمكن أن يكون بديلا عن سياسة داخلية عادلة تأخذ بعين الاعتبار مصالح الجميع، وتُسقِط عن ماكرون صفة «رئيس الأغنياء».

- ليّ أذرع مع دونالد ترمب
بعد أقل من شهر على انتخاب إيمانويل ماكرون، جاءت قمتا الحلف الأطلسي في بروكسل و«مجموعة الدول السبع» في صقلية (إيطاليا) لتوفر الفرصة للرئيس الفرنسي أن يلتقي سريعا جدا كبار زعماء العالم. وما لصق بأذهان الفرنسيين من لقائه الأول مع الرئيس دونالد ترمب هي المصافحة الرجولية المطولة بين الاثنين التي خرج منها ماكرون «رابحا» لأنه الأخير الذي سحب قبضته.
كثيرون رأوا فيها دلالات رمزية لوجود رئيس قوي لا ينمسح ولا ينسحب. ونجح ماكرون، في لقاءاته مع ترمب في بناء أولى وشائج علاقة يريدها حميمة وشخصية الأمر الذي ترسخ بدعوة «سيد» البيت الأبيض كضيف شرف إلى باريس يومي 13 و14 يوليو (تموز) بمناسبة العيد الوطني الفرنسي. وأعجب ترمب بالعرض العسكري على جادة الشانزلزيه، وأبلغ ماكرون أنه يريد مثله في واشنطن.
وفي الليلة السابقة، دعا إيمانويل وبريجبت ماكرون الزوجي الأميركي إلى عشاء في مطعم فاخر قائم داخل برج إيفل والغرض من كل التكريم التقريب بين إيمانويل ودونالد أملا بأن تلعب فرنسا دور «المؤثر» على خيارات ترمب السياسية. ورد ترمب التحية بأفضل منها فدعا الرئيس الفرنسي أبريل (نيسان) الماضي، إلى زيارة دولة كثرت فيها المصافحات والمجاملات أمام عدسات التلفزة. ولكن ما الحصيلة السياسية؟
قد يكون الجواب صادما ببساطته.
ماكرون لم يجن شيئا من التقارب مع واشنطن. وذهب الرئيس الفرنسي في أحد مؤتمراته الصحافية بعد اندلاع الأزمة مع إيران إلى القول إن ترمب «ينفذ سياسة خارجية نزولا عند دواع داخلية» أي عمليا لإرضاء قاعدته الانتخابية من المحافظين والمتشددين. وفلسفة ترمب السياسية التي يلخصها شعاره «أميركا أولاً» تتعارض جذريا مع فلسفة ماكرون الذي يريد إدارة جماعية متعددة الأطراف لشؤون العالم.
كثيرة خيبات ماكرون من صديقه دونالد: فالأخير نفذ تهديده وانسحب من اتفاقية المناخ التي جاهدت فرنسا للتوصل إليها نهاية العام 2015 لأن ترمب يعتبر أن ارتفاع حرارة الأرض مزحة سمجة، ولا دور للإنسان في ذلك.
وأتبع ترمب خروجه من اتفاقية المناخ بالانسحاب من اليونيسكو التي اختارت مديرة عامة لها الخريف الماضي الوزيرة الفرنسية السابقة أودري آزولاي. وبعدها كرت الخيبات الفرنسية: ترمب ضرب عرض الحائط تمنيات ماكرون ومعه غالبية القادة الأوروبيين بألا يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وألا ينقل إليها سفارة بلاده. وهنا أيضا، سعى ترمب لإرضاء مجموعات الضغط اليهودية الموالية لإسرائيل والمسيحيين المحافظين وطيف من الشرائح الانتخابية التي تريد التماهي بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وبعد ذلك، خلال مايو (أيار) الماضي، ورغم الرفض الفرنسي والأوروبي، أعلن ترمب تمزيق الاتفاقية النووية مع إيران. وأتبعت الإدارة الأميركية ذلك بالإعلان عن إعادة فرض عقوبات اقتصادية ومالية على طهران، وخصوصاً التهديد باتخاذ عقوبات بحق كل دولة أو شركة تتعامل مع طهران أو تستثمر فيها. وفي حين أعلنت الدول الأوروبية، وكذلك روسيا والصين، تمسكها بالاتفاقية، فإنها تسعى في الوقت نفسه لتشكيل جبهة مواجهة مع ترمب من أجل إقناع إيران بألا تخرج من الاتفاقية. وأخيرا، جاءت الصدمة الأميركية الكبرى لفرنسا وعنوانها «الحرب التجارية» التي أعلنها ترمب من خلال فرض رسوم على الألمنيوم والصلب الأوروبيين.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.