الحوثيون يحرمون موظفين من رواتبهم منذ 20 شهراً

نصف أجر في المناسبات وإرهاب بالفصل... و«عمليات تطهير» لسجلات الخدمة المدنية

يمنيان يحملان مساعدات قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
يمنيان يحملان مساعدات قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يحرمون موظفين من رواتبهم منذ 20 شهراً

يمنيان يحملان مساعدات قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء أمس (إ.ب.أ)
يمنيان يحملان مساعدات قدمها برنامج الغذاء العالمي في صنعاء أمس (إ.ب.أ)

دأبت الميليشيات الحوثية منذ انقلابها على الشرعية في 2014 وسيطرتها على مؤسسات الدولة وإحلال عناصرها في مفاصلها على تسخير جهودها للاستئثار بجميع الموارد المالية لصالح ميليشياتها وقادتها وحرمان مئات الآلاف من الموظفين من رواتبهم ومستحقاتهم، على الرغم من إمكانية صرفها من المبالغ الضخمة التي تدرها المؤسسات الإيرادية التي وضعت الجماعة يدها عليها.
وفي آخر بيان رسمي لوزارة الخارجية في الحكومة الشرعية، أكدت أن الجماعة الحوثية نهبت ما يعادل نحو 6 مليارات دولار خلال العام الماضي، وهي إجمالي عائدات المؤسسات الإيرادية المختلفة وتشمل موارد الضرائب والزكاة والجمارك والرسوم المتنوعة، فضلا عن عائدات المؤسسات الخدمية، إلى جانب أرباح الشركات الحكومية والمختلطة التي تسيطر عليها الجماعة، فضلا عن الأرباح المهولة التي تحصل عليها من تجارة المشتقات النفطية.
وكان موظفون في شركة النفط اليمنية، كشفوا بالأرقام، عن أن الميليشيات الحوثية، تجني أرباحا يومية تزيد على مليون ونصف المليون دولار، جراء احتكارها لتجارة المشتقات النفطية والغاز المنزلي، في حين يرجح أن هذه الأرباح باتت مضاعفة جراء الزيادة المستمرة التي تفرضها الجماعة على أسعار الوقود.
ومنذ 20 شهرا توقفت الجماعة عن صرف رواتب الموظفين الحكوميين الخاضعين لها في مناطق سيطرتها، ردا على قيام الحكومة الشرعية بنقل مقر البنك المركزي من صنعاء إلى عدن بهدف وقف العبث الحوثي بالاقتصاد الوطني وسحب البساط من تحدت أقدامه لإنقاذ العملة الوطنية وما تبقى من احتياطي نقدي بالعملة الأجنبية في الحسابات الحكومية.
واتقاء لسخط الموظفين الخاضعين لها، قامت الميليشيات الحوثية بصرف نصف راتب مع حلول المناسبات، مثل أعياد الفطر والأضحى وشهر رمضان، مستثنية منه آلاف الموظفين الذين رفضوا العمل تحت إمرتها أو الذين فروا من مناطق سيطرتها خوفا من بطشها.
يقول (محمد.ع) الموظف في التربية والتعليم، إن أكثر من نصف زملائه غادروا الوظيفة بعد أن توقفت رواتبهم، واتجهوا إلى مهن أخرى للتمكن من إعالة أسرهم، مؤكدا أن الجماعة الحوثية قامت باستثناء أغلب الموظفين الذين غادروا الوظيفة من نصف الراتب الذي تصرفه بمعدل مرتين في العام الواحد.
وفيما يناهز عدد الموظفين في هذا القطاع الحيوي نحو 200 ألف موظف، أغلبهم يتركزون في مناطق سيطرة الميليشيات الحوثية، أفادت (ن. صالح) وهي مدرسة، بأن كثيرا من زميلاتها توقفن عن الذهاب إلى مدارسهن، بسبب عدم قدرتهن على مواصلة العمل دون راتب، في حين أقدم المسؤولون الحوثيون على تعيين مديرين ومديرات لأغلب المدارس الحكومية من الموالين لهم للاستئثار بعائدات الرسوم الدراسية السنوية التي يدفعها أولياء الأمور، إلى جانب جباية المبالغ الشهرية التي فرضتها الجماعة على كل طالب وطالبة وتترواح بين 500 وألف ريال (الدولار يساوي 487 ريالا). ويؤكد المعلم (سمير. ل) أن كثيرا من المعلمين، اتجهوا إلى مزاولة مهن أخرى، سواء في الالتحاق بمدارس خاصة أو مهن زراعية، أو تجارية، مع حضورهم من وقت لآخر إلى المدارس خوفا من تهديد الميليشيات الحوثية بفصلهم من وظائفهم.
وكانت الجماعة الحوثية قررت العام الماضي، صرف نصف الراتب بتقديم بطائق سلعية، يقوم الموظفون بالتسوق عبرها في مراكز تجارية بعد مضاعفة السعر، حيث يذهب أكثر من 20 في المائة وهي الزيادة المفروضة على السعر الأصلي للسلعة إلى جيوب قادة الجماعة، غير أن الميليشيات فشلت في الاستمرار، في هذا المسعى وتوقفت بعد ثلاثة أشهر عن صرف هذه البطاقات.
وعلى صعيد المشافي الحكومية والمراكز الصحية التي استولت عليها الجماعة الحوثية وفرضت عناصرها على رأسها، أقدم عناصرها المعينون على الاستئثار بجميع الموارد التي يتم تحصيلها من رسوم تحصيل الخدمات، عبر صرفها مكافآت وحوافز لعناصرها، والاكتفاء بمنح الطواقم الطبية والإدارية مبالغ رمزية شهرية تتراوح كما يقول أحد الموظفين في هيئة مستشفى الثورة بصنعاء بين 20 ألف ريال و40 ألفا (40 - 90 دولارا).
أما على صعيد ما يقوم به قادة الميليشيات المعينين في وزارة الصحة ومرافقها وهيئاتها الأخرى، يؤكد موظفون خاضعون لهم أن الميليشيات تقوم بالاستيلاء على ملايين الدولارات سنويا، جراء بيعها تراخيص استيراد الأدوية، فضلا عن قيامها بنهب الجزء الأكبر من المعونات الطبية المقدمة من قبل المنظمات الدولية، إلى جانب ما يتم تخصيصه لهم من مبالغ شهرية تحت اسم «النفقات التشغيلية».
ويختلف الأمر بالنسبة للمؤسسات والمصالح والهيئات والصناديق الإيرادية، فيما يخص ما تمنحه الميليشيات للموظفين العاملين معها، فعلى سبيل المثال استمرت الجماعة في دفع رواتب الموظفين بانتظام في وزارة الاتصالات وهيئة البريد والمؤسسة العامة للاتصالات وفروعها الخاضعة لهم في بقية المناطق، بسبب وجود الموارد الضخمة التي يدرها هذا القطاع، والتي يقدر مراقبون أنها تكفي لصرف رواتب جميع موظفي الدولة.
وإلى جانب إيرادات الاتصالات التي تذهب في أغلبها لصالح جيوب قادة الجماعة ولتمويل مجهودها الحربي ودفع نفقات احتفالاتها، تجني الجماعة من الضرائب المفروضة على الشركات الخاصة المشغلة لخدمة الهاتف النقال مبالغ ضخمة مقابل السماح لها بالاستمرار في تقديم الخدمة، إلى جانب الضرائب التي تفرضها عليها سنويا، وهي في المجمل تصل إلى نحو مليار دولار، بحسب تقديرات المراقبين الاقتصاديين.
كما استمرت الجماعة في دفع رواتب الموظفين الخاضعين لها في شركة النفط والغاز، وفي موانئ الحديدة ورأس عيسى والصليف، فضلا عن دفع رواتب موظفي فروع البنك المركزي في صنعاء وبقية المحافظات الخاضعة للجماعة، غير أن الشق الأكبر من إيرادات هذه الجهات، يذهب إلى جيوب قادة الميليشيات ومشرفيها، على هيئة نفقات تشغيلية وحوافز ومكافآت تحت أسماء مختلفة، طبقا لتأكيدات موظفي هذه الجهات.
وفي مؤسسات أخرى مثل مصلحتي الضرائب والجمارك، ابتكرت الميليشيات وسيلة أخرى لتعويض رواتب الموظفين العاملين معها، إذ أقرت صرف مبلغ شهري تحت اسم «الحافز» لكل الموظفين، ويتفاوت قدره بحسب درجة الموظف ونوع الوظيفة التي يقوم بها، غير أن ما يحصل عليه عامة الموظفين في هذه الجهات، كما يقول أحدهم لـ«الشرق الأوسط» يعادل ربع ما كان يجنيه الموظف في هذه الجهات قبل الانقلاب الحوثي.
ويعد قطاع الضرائب والجمارك والزكاة، الشريان الحيوي الأهم لتغذية السلة المالية للميليشيات الحوثية، إذ يوفر لها أكثر من 60 في المائة من إجمالي الموارد المالية التي تتحصلها، في ظل تكتم من جانبها على الأرقام المالية الفعلية للعائدات التي يرجح أنها تضاعفت جراء الزيادات التي فرضتها الجماعة على كبار المكلفين من التجار والشركات التجارية.
وبحسب اعتراف المصادر الرسمية الموالية للميليشيات في صنعاء، استطاعت مديرية واحدة في أمانة العاصمة صنعاء (مديرية معين) خلال الربع الأول من العام الحالي، تحصيل أكثر من نصف مليار ريال (نحو مليون دولار) من الضرائب على صغار التجار وأصحاب المحلات والرسوم على الخدمات، وهي مديرية واحدة ضمن 12 مديرية في أمانة العاصمة.
وشمل «الحافز» الحوثي، موظفي قطاعات أخرى مثل موظفي الهيئة العامة للتأمينات والمعاشات، وموظفي الصناديق الإيرادية، مثل صندوق النشء والشباب، وصندوق التنمية الثقافية وصندوق الطرقات والأشغال العامة، كما شمل موظفي صناديق النظافة والتحسين في كل عواصم المحافظات، بسبب رفض عمال النظافة الاستمرار في أعمالهم دون راتب شهري.
وتأتي موارد هذه الصناديق التي استولى عليها الحوثيون بموجب القوانين السارية، من النسب المفروضة لها من إنتاج مصانع الإسمنت والتبغ ومن بيع المشتقات النفطية.
وفي مؤسسات حكومية أخرى ذات إيرادات أقل، اخترعت الميليشيات الحوثية مبالغ مالية شهرية للعاملين معها، تحت اسم «بدل التغذية» كما هي الحال في مؤسسة الثورة للصحافة، في صنعاء، وهذه المبالغ بحسب إفادة صحافيين وفنيين يعملون في هذه المؤسسة، في المتوسط، لا تتعدى 20 ألف ريال لصغار الموظفين، و50 ألف ريال لكبارهم، في حين تذهب أغلب عائدات الإعلانات إلى جيوب قادة الميليشيات المعينين في المؤسسة.
وفي الوقت الذي حرمت فيه الجماعة، بقية موظفي الهيئات والجهات الحكومية الخاضعة لها من الرواتب، خصصت مبالغ شهرية لهذه الجهات تحت اسم «نفقات تشغيلية» بنظر القيادات المعينة من قبلها، في حين شمل الحرمان منتسبي أجهزة الأمن والعسكريين السابقين، باستثناء العناصر الموجودين في جبهات القتال، وهؤلاء، بحسب ما أفاد به مجندون لـ«الشرق الأوسط» تمنحهم الجماعة راتبا شهريا، يعادل 50 دولارا، مع تكفلها بمأكلهم ومشربهم وشراء «القات» لهم (نبتة منبهة يمضغها اليمنيون على نطاق واسع وتصنف في كثير من دول العالم ضمن المواد المخدرة).
وعلى النقيض من ذلك تمنح الميليشيات كبار قادتها ومشرفيها والمسؤولين عن التجنيد والحشد والإمداد، مبالغ ضخمة، تحت اسم «عهد مالية» حيث يستغلونها للإثراء الشخصي وشراء العقارات والسيارات والأراضي، كما تؤكده مصادر عسكرية مطلعة.
«انسداد الأفق» أمام كثير من الموظفين الخاضعين للميليشيات، واستطالة أمد الحرب في تقديرهم، هو ما يدفعهم للاستمرار في الخدمة تحت إمرتها، كما يرجح ذلك، الموظف في وزارة الكهرباء (نجيب. ش) في حديثه مع «الشرق الأوسط».
فبدلا من المكوث في المنزل، يفضل كثير منهم - على حد قوله - الذهاب إلى وظائفهم، بخاصة إن كانت مرتبطة بتقديم خدمات عامة للسكان والمراجعين، الذين عادة ما يعطفون على هؤلاء الموظفين، بدفع إكراميات بسيطة، أو بدفع مبالغ أكبر في حالة ابتزازهم أو التغطية على سلوك لهم غير قانوني.
من جانبه، يعتقد الموظف «ج. ك» وهو مختص في أحد إدارات وزارة الأشغال والطرق، أن الحافز البسيط الذي يحصل عليه شهريا، أفضل من لا شيء. غير أن صديقه الموظف في وزارة التربية والتعليم، يعتقد أن الخوف من إقدام الميليشيات الحوثية على فصله من الخدمة ومصادرة درجته الوظيفية هو السبب الرئيسي لاستمراره في الوظيفة دون راتب، خاصة أنه يمتلك دخلا إضافيا جراء عمله في مدرسة خاصة.
ويبرر «ي. ر» الموظف في الخدمة المدنية استمراره في الوظيفة دون راتب، بقوله: «هذه مصالح ومؤسسات حكومية، وليست ملكية خاصة للحوثيين، ومن واجب من يستطيع الاستمرار في أداء عمله أن يستمر، لجهة المساهمة في الحفاظ على ما تحت يده من ممتلكات حكومية أو وثائق أو أجهزة أو سجلات بدلا من تركها لتصرف عناصر الميليشيات، إذ سيأتي اليوم الذي تعود فيه الحكومة الشرعية، ولا بد أنها ستكون بحاجة إلى جهود هؤلاء الموظفين لإعادة بناء المؤسسات من جديد». وكانت الميليشيات الحوثية، اعترفت قبل أسابيع، بأنها فصلت أكثر من 25 ألف موظف حكومي، في سياق حملة أطلقتها تحت شعار «تنقية كشف الراتب».
وفي حين فرضت الميليشيات، إخضاع الموظفين الموجودين تحت سيطرتها لأداء البصمة الشخصية للتثبت من وجودهم، أعلنت أنها تستهدف بحملتها المستمرة تطهير سجلات الخدمة من 50 ألف موظف مدني آخرين، إلى جانب أكثر من مائة ألف موظف في القطاعين الأمني والعسكري. وتستهدف الجماعة بإجرائها هذا تخويف الموظفين من فصلهم من الخدمة إذا رفضوا الاستمرار في أعمالهم تحت إمرتها، كما تهدف إلى الانتقام من مناهضيها العسكريين والمدنيين الذين غادروا مناطق سيطرتها، إلى جانب سعيها، إلى استبعاد الموظفين الموجودين في مناطق سيطرة الشرعية، باعتبارها ليست مسؤولة عنه بعد أن باتوا في عهدة الشرعية.
ويؤكد موظفون في القطاع المالي، في صنعاء، أن أغلب إيرادات المؤسسات، لا يتم توريدها كما هي العادة في العمل المؤسسي، إلى البنك المركزي والمصارف الرسمية، حيث تقوم الجماعة، على حد قولهم، بنقل أغلب الأموال وتخزينها في أماكن سرية، لتبقى بعيدة عن الأنظار، وخاضعة للتصرف المباشر من قبل زعيم الجماعة.


مقالات ذات صلة

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات…

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي مسلحون حوثيون يحاصرون قرية الأغوال في محافظة ذمار ويتسببون بتلف المزروعات (إكس)

ممارسات حوثية تفسد نمط الاقتصاد الزراعي وتهدد بالكساد

لا تكتفي السياسات الحوثية بإضعاف الزراعة، بل تعيد تشكيلها بالجبايات والبذور الفاسدة واحتكار التصدير ورفع تكلفة الوقود، وتتسبب بمواسم خاسرة وتهديد الأمن الغذائي

وضاح الجليل (عدن)
الخليج رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ) p-circle 02:05

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الدعم السعودي الجديد يُعزِّز أداء الحكومة اليمنية

نوَّه رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني، أن الدعم الاقتصادي السعودي الجديد، يجسد حرص المملكة المستمر على مساندة الشعب اليمني في مختلف الظروف.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي تعمل الحكومة على استعادة زمام المبادرة والانخراط المباشر في مناقشة الخطط المستقبلية التي تمس حياة المواطنين (سبأ)

عدن: الحكومة تدفع بعجلة الخدمات وخطط الاستقرار... بدعم سعودي

ظهرت الملامح الأولية لعودة الحكومة اليمنية إلى عدن برئاسة الدكتور شائع الزنداني رئيس الوزراء في مشهد عملي يعكس استعادة زمام المبادرة وتفعيل مؤسسات الدولة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.