غزة مصدر «صداع» للجميع ولا دولة فلسطينية من دونها

القطاع ظل مفصولاً جغرافياً ثم سياسياً وإدارياً... فهل يذهب بعيداً أم يعود؟

فلسطينية برفقة صبي يمران من أمام لافتة رُفعت في أحد شوارع رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فلسطينية برفقة صبي يمران من أمام لافتة رُفعت في أحد شوارع رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

غزة مصدر «صداع» للجميع ولا دولة فلسطينية من دونها

فلسطينية برفقة صبي يمران من أمام لافتة رُفعت في أحد شوارع رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فلسطينية برفقة صبي يمران من أمام لافتة رُفعت في أحد شوارع رام الله بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

يمكن القول بشكل واضح، إن قطاع غزة ما انفك يشكل صداعاً لإسرائيل منذ 60 عاماً، ولا يمكن تجاهل انتقال هذا الصداع إلى الولايات المتحدة ودول أخرى في المنطقة. لكن ربما من الصعب القول علانية، إن المسؤولين الفلسطينيين يعانون بدورهم، وربما أكثر من غيرهم من هذا المرض. فهم يشعرون بالقلق من احتمالات فصل القطاع سياسياً، ويتهمون، في الوقت عينه، بـ«السعي» لهذا الانفصال.
وعلى الرغم من أن قطاع غزة لم يشكل وحدة جغرافية متواصلة مع الضفة الغربية أبداً، فإن الخوف من تبدد هذا حلم أن يشكلا دولة واحدة، هو ما هو يسيطر على الفلسطينيين الآن فعلياً. وليس سراً أن الفلسطينيين ساعدوا، بطريقة أو بأخرى، على تعزيز الفصل بين غزة والضفة جغرافياً وسياسياً. فقد فشلوا في الحفاظ على النظام السياسي الواحد، بعد سنوات من إنجازه، مع قيام السلطة الفلسطينية عام 1993، بانقسام دام عام 2007، طال كل شيء في الضفة وغزة: السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية. وهو انقسام ما زال متواصلاً وراح يهدد بانفصال كامل.
وطيلة سنوات مضت، لم ينجح الفلسطينيون أبداً في إعادة توحيد المؤسسات ولو بشكل رمزي. ساعد هذا إسرائيل على إبقاء القطاع كياناً منفصلاً، وهو على أي حال، استمرار لوضع سبق إسرائيل، بحكم أن الضفة قبل احتلالها كانت تابعة للحكم الأردني، في حين كانت غزة تحت الحكم المصري. ويمكن فهم الاختلافات الكثيرة بين سكان الضفة وسكان القطاع، حتى في الطباع والعادات الاجتماعية، بحكم الانفصال السياسي والجغرافي المتواصل والقديم بين المنطقتين. وعملياً، خلال 6 عقود من الزمن، لم يصل غزة بالضفة سوى ممر آمن، أنشئ بعد اتفاق أوسلو، الذي بسطت السلطة الفلسطينية بموجبه سيطرتها على القطاع والضفة الغربية. وقد حرصت إسرائيل على التخلص من القطاع سريعاً، فسلمته للسلطة الفلسطينية، وأعطتها مدينة أريحا فقط في الضفة، قبل أن تنقل إليها مدناً أخرى.
كان اتفاق أوسلو، يترجم، باختصار، ما قاله إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، وأحد أكثر القادة الإسرائيليين الدهاة إبان الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي انطلقت في عام 1988، واستمرت لسنوات عدة: «أتمنى أن أصحو ذات يوم لأجد البحر وقد ابتلع غزة بالكامل». وكان هذا تعبيراً واضحاً وصريحاً وبليغاً، ويختصر عقدة غزة بالنسبة لإسرائيل، أو كما يحلو للإعلام الإسرائيلي تسميتها أحيانا «طنجرة الضغط». لكن العقدة لم تنته بالنسبة لإسرائيل حتى بعد أن سلمت القطاع للسلطة، وبعد أن انسحبت أحادياً منه في 2005.
ظل احتلال القطاع مشكلة، والخروج منه مشكلة، وتركه في حاله مشكلة. وكبرت هذه المشكلة مع سيطرة «حماس» عليه في 2007، فتحولت من مشكلة مع إسرائيل إلى مشكلة فلسطينية - فلسطينية، وفلسطينية - عربية. صحيح أن «حماس» لم تذهب بالقطاع إلى الانفصال الجغرافي؛ لأنه تحصيل حاصل، بعدما كانت إسرائيل أوقفت العمل بالممر الآمن، بعد اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، لكنها على الأقل فصلته سياسياً، وهو فصل استثمرته إسرائيل على أحسن حال، ثم استفادت منه الولايات المتحدة في بث دعايتين مهمتين: الأولى أنه لا يمكن توقيع اتفاق مع رئيس يحكم نصف شعبه، والأخرى أنه يجب التركيز الآن، على إنقاذ قطاع غزة إنسانياً وقبل أي شيء.
وليس من باب المناكفة، أن تتهم الرئاسة الفلسطينية الإدارة الأميركية، باختزال خطتها للسلام، المعروفة باسم «صفقة القرن» بإنجاز «صفقة في غزة»، وتقول إنها قائمة على تحويل القضية الفلسطينية إلى إنسانية. وأكثر ما تخشاه السلطة الفلسطينية اليوم، هو تساوق حركة حماس مع طروحات لعقد صفقات إنسانية في غزة؛ ما يمهد لفصل القطاع نهائياً سياسياً وجغرافياً.
وتسيطر فكرة فصل القطاع على المسؤولين الفلسطينيين كون القطاع شبه مفصول فعلاً، ولأن إقامة كيان منفصل هناك وعقد صفقات طويلة مع إسرائيل، سيجعلان انفصاله كاملاً. وحذر الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية، نبيل أبو ردينة، من التساوق مع أي «طروحات وأفكار وأوهام، سواء عبر ما يسمى بصفقة القرن أو صفقة غزة»، قائلاً، إن الهدف بالأساس، هو «إلغاء الهوية الوطنية الفلسطينية، وقتل المشروع الوطني المتمثل بإقامة دولتنا الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية».
وكان أبو ردينة يشير إلى توجه حمساوي لعقد اتفاق هدنة في غزة، يتضمن حلاً طويل الأمد، باعتبار أنه يساهم في تعزيز التوجه الأميركي بفضل غزة، لكن «حماس» ردت بقولها، إن موقفها من صفقة القرن ثابت، وإنها ترفضها جملة وتفصيلاً. بل ردت على السلطة باتهامها بتسهيل تمرير صفقة القرن، من خلال فرض عقوبات على القطاع الصغير المحاصر.
أما الولايات المتحدة، فتقول إنها تريد أن تساعد الفلسطينيين في غزة من أجل بداية جديدة. وهي بداية قالت إسرائيل، إنها مستعدة للمساهمة فيها بقوة إذا تخلى القطاع عن السلاح، واعدة الفلسطينيين في غزة، بميناء بحري ومحطات للطاقة خطوةً أولى على طريق تخفيف الحصار. ومساعدة السكان في غزة، هو العنوان الذي تتحرك تحته دول الإقليم كذلك، وليس فقط الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي حين ترفض السلطة أي تحرك نحو غزة إلا من خلالها، ترفض «حماس» الكثير من الشروط المفروضة من قِبل إسرائيل والولايات المتحدة، لكنهما أي السلطة و«حماس»، لا يلتقيان كذلك.
واليوم لا يمكن حصر اللاعبين الكثر في القطاع المعزول، الذي تحول إلى قبلة للمساعدات وعنواناً للفصل السياسي وجوهر الصفقات وأرض الحروب والفقر والحصار. لم يعد القطاع مشكلة إسرائيل فقط، بل مشكلة الفلسطينيين أيضاً والعرب والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. الكل يخطط له، ولا أحد ينقذه أو يعرف إذا ما كان سيعود للدولة التي لم تقم بعد. لا أحد أيضاً يستطيع رسم سيناريو للخطوة المقبلة هناك.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.