الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

تعاونت مع اليسار.. وعملت مع جماعة التبليغ

الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
TT

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة
الجبالي أثناء إعلان استقالته من رئاسة الحكومة

قراءة مذكرات شخصية ما، كانت وما زالت من أكثر المجالات التي تشدني، لأني أجد فيها الجانب السردي الروائي، في حين أنها تختلف عن الرواية نظرا لكونها حقيقة، و أجد الجانب التاريخي التوثيقي، وتختلف عن التوثيق التاريخي المعمول به عادة وهو أن يكتب التاريخ أناس من خارجه، كما تشمل الجانب الإنساني والذي يهمني الإبحار في أعماقه.
أما كتابتها، فرغم اختلافهاعن قراءتها، فإنها تشترك في الكثير من النقاط، أهمها أنني أبحث عن قيمة الشخص وفاعليته في صنع التاريخ ومدى تأثير ما قام به على واقعنا، ويبقى الجانب الإنساني مهما جدأ، والبحث فيه من اجل التوصل لدوافع تكوين الشخصية التي أحاورها، أو بالأحرى أستمع إليها.
حمادي الجبالي وصف أو صنف على أنه «مهندس» حركة النهضة التي كانت قبل أن يلتحق بقياداتها جماعة إسلامية تعمل بأسلوب، لا خطوط واضحة له، وخلال محاورته لفت انتباهي أنه كان حريصا جدا على التفاصيل بمافيها طريقة الجلوس والتحاور أثناء الاجتماعات التي كانت تعقد في بداية الحركة، وتدور بطريقة عفوية وكان كل يجلس على سجيته، ويجري تبادل الأفكار من دون معالم واضحة.
وخص رئيس الحكومة الأسبق حمادي الجبالي {الشرق الأوسط} بتفاصيل لم يتحدث عنها من قبل، وتعرض خلال جلساتي معه إلى أن الخلفية الفكرية ومبادئ العروبة والإسلام جمعته بالغنوشي، وإلى نشاطاته في فرنسا وكيف بدأ مع جماعة التبليغ التي لم تكن بمستوى طموحاته حسبما ذكر، وكيف أن الحركات الإسلامية في الغرب نفرته بسبب طريقة عملها، وعن مغادرته لتونس عبر البحر ولجوئه إلى إسبانيا بعد أن صدر حكم بالإعدام عليه زمن حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ثم مفاوضات بن علي وعودته إلى تونس سنة 1988 لـ{استدراجه} للسجن بحكم 16 عاما في قضية «براكة الساحل} التي قال الجبالي إنه لم يكن يعلم عنها شيئا.
كما خصنا بتفاصيل عن حياته في الزنزانة الانفرادية التي قضى فيها 10 سنوات، وما تعلمه من السجن الذي عده «عالما آخر}.
وفي المرحلة الأخيرة من الحلقات التي سننشرها تحدث الجبالي عن طبيعة الخلافات في حركة النهضة ودوافعه للاستقالة منها، كما عرض تفاصيل عن تجربته في حكومة الترويكا.

كل عمل تنظيمي هو تجسيد لفكرة قبل الإطار التنظيمي، وليس التنظيم هو الذي يأتي بالفكرة، بل الفكرة هي التي تأتي بالتنظيم، فعندما يكون لديك فكرة تبحث عن تجسيدها في إطار معين وبوسائل محددة وأنا بدأت حياتي بالبحث، كانت لدي أفكار وأبحث عن تنظيم لتجسيدها.
التزامي بالصلاة أعدّه نوعا من الاستفاقة، لم أفكر فيها أو أخطط لها أو أتأثر بأي كان، ففي يوم ما فجأة، ومن دون سابق تفكير، قررت أنا وأخي الهاشمي، أن نبدآ الصلاة، مع أننا ننتمي لعائلة غير معتادة على الصلاة، فلا والدي ولا والدتي كانا يصليان، وهنا أتحدث عن عام 1966، حين كان لا وجود لأي توجهات أو حركات إسلامية في تونس. لما بدأت الصلاة كنت في السنة الخامسة من التعليم الثانوي (الإعدادي)، أي كان عمري 15 أو 16 عاما، وكانت أول صلاة لنا في مدينة سوسة، في جامع الرباط، وكنا يوم الجمعة نذهب للمسجد الذي لم يكن فيه غير الشيوخ كبار السن، وخطبة الإمام كانت مملة جدا، وكنت غالبا ما أتساءل بيني وبين نفسي عما يتحدث هذا الرجل.
كنت مسيسا ومطلعا، أسير في اتجاه النشاط والبحث، وتربيتنا في البيت، كانت تربية تقليدية، كان غير مسموح لنا بأن نبقى في الشارع لوقت متأخر، أو أن نتبع طرق ما يسميه والدي «الفساد»، وأعتقد أن المنعرج في حياتي بدأ مع التزامن بالصلاة، بالإضافة إلى تربيتي المحافظة ومطالعاتي لكثير من الكتب وأزمة 1967، كل هذا بنى شخصيتي.

* الانتقال إلى فرنسا
* غادرت تونس عام 1969 إلى فرنسا للدراسة، وكان اختصاصي تقنية علوم (math technique). انتقلت إلى فرنسا لكلية العلوم في مدينة رانس، حيث درست سنتي اختصاص في الطاقة المتجددة التي تشمل الشمس والرياح.
يمكن القول إن نشاطي في فرنسا لم يبدأ سياسيا أو لا يمكن تصنيفه وقتها كذلك، حيث كان مجرد نشاط في إطار الجالية العربية المسلمة أكثر منه تنظيما سياسيا، وبطبيعة الحال عندما يتغرب الإنسان يشعر بهويته أو يبحث عنها أكثر، فكنا وقتها نلتقي في مدينة رانس في المساجد، ووقتها بدأت فرنسا تشهد ظاهرة تكاثرها، ولم يكن سبب تكاثر المساجد التنظيم السياسي، أو حركة إخوانية أو إسلامية، بل كانت جماعات التبليغ الذين كانوا يأتون إلى فرنسا من كل أنحاء العالم، وخصوصا من باكستان والهند، وباكستان وآسيا عموما، وكان همهم الجاليات الإسلامية في الغرب وكيفية احتوائها وإرجاعها إلى الصلاة والمساجد، وكانوا حريصين على ترسيخ مظاهر الدين حتى من خلال لباسهم، كانوا يرتدون العمامة والزي الإسلامي، وقلائل منهم يزورون البلدان العربية لأنه غير مسموح لهم بالنشاط داخلها من طرف البلدان نفسها، لكنهم انتشروا في أوروبا وأميركا.
وأين أجد هذا الإطار في رانس التي لم يكن فيها مسجد كبير، كما في باريس مثلا في الدائرة الخامسة.
بالنسبة لي وبفضول، أردت الالتحاق بجماعة التبليغ الذين كانوا يشترون قاعات كبيرة ويحولونها لمساجد، وما كان يميزهم أنهم لا يتكلمون في السياسة، وحسب تجربتهم كانوا يرون أن السياسة ستفرق، فكانوا في كل الاجتماعات يذكرون أنه من غير المسموح التكلم في السياسة، وكانت هذه أول تجربة لي رأيت فيها علاقة تقارب تجمع هؤلاء الناس وكان العمل خاصة على مستوى الطلبة.
وبالنسبة لتواصلي مع التونسيين في تلك الفترة، كان لنا طلبة في كلية العلوم، وأذكر أن أول من اجتمعت بهم كان زياد الدولاتي، الطالب في كلية الصيدلة بينما كنت انا ادرس في كلية العلوم، لكن كنا نتقابل باستمرار ونصلي معا، خاصة لقاءاتنا في الاقامة الجامعية، لكننا بطبيعة الحال مهتمان بالسياسة وبالحياة الفرنسية.
وكانت طريقة جماعات التبليغ التي تعتمد على تشكيل جماعات صغيرة، تعتمد على التجول في الشوارع والمقاهي والاقامات الجامعية للدعوة للصلاة، مختلفة عما نريد، فهم يعملون فقط على الجانب الإيماني، لكن بالنسبة لنا كنا نريد نشر معالم الإسلام، أي الإسلام بالمفهوم الشامل : دينا ودولة. كنا نريد العمل بطريقة مخالفة للمفهوم الكنائسي للدين.
جماعة التبليغ يقولون إنهم يريدون البدء بالصلاة ولا تهمهم السياسة، لكننا نحن كنا شبابا مسيسا. الإسلام بالنسبة لنا منظومة كاملة، ما تقوم به جماعات التبليغ يرضي فقط البسطاء، فهو يقتصر على الصلاة ومظاهر الإسلام الخارجية مثل اللحية.
في آخر سنة لي في رانس، عام1973 تقابلت أنا وزياد الدولاتي الذي هو أحد قياديي «النهضة» الآن، وتونسي آخر، وشخص مصري، وبدأنا نجتمع ونتبادل الأفكار حول العالم العربي وعن أسباب تأخر العرب، وعن شؤون بلادنا.
ينتمي زياد الدولاتي لعائلة عريقة، ومن ضمن المواضيع التي نتطرق إليها المواضيع السياسية عموما وأوضاع المسلمين، ونتكلم عن السياسة الفرنسية، وعن القضية الفلسطينية.
داخل المجال الطلابي في تلك الفترة كان جل الطلبة، إما من اليساريين أو ممن جاء لفرنسا للدراسة فقط، وهناك منهم المؤمنون الذين يقومون بفروض الإسلام مثل الصلاة، لكن لا تهمهم المسائل الأخرى. بالنسبة لمجموعتنا نحن لم نقبل أن نبقى على الهامش ولم نقتنع أيضا بالاقتصار على التبليغ.
بعد أربع سنوات من الدراسة في رانس انتقلت إلى باريس، وقد كنت في الفترة السابقة منقطعا عن كل ما يجري في تونس ايام الحبيب بورقيبة والأزمة في الحزب والتعاضد، (تطبيق التنظيم الاشتراكي) وبعد مجيء الهادي نويرة بدأت الحياة السياسية تتدهور، والمعارضة الوحيدة في الجامعات التونسية كانت من اليساريين، وأنا لم أمر بهذه التجربة في الجامعة التونسية، وحتى تركيبتها الطلابية لا أعرفها.

* التجربة مع جماعة التبليغ
* في باريس، حيث واصلت دراستي في مجال الطاقة، قررت الدخول في تجربة مع جماعة التبليغ ،وخرجت معهم في سبيل الله، وتحت مجموعة قيادية باكستانية، وكان فيهم عرب مغاربة، وكنت أنا المثقف الوحيد بينهم، وكان أغلبهم من العمال، وكان بين ثلاث وأربع مجموعات يخرجون ليقنعوا الناس بالصلاة مثلا، فكان يجب عليك امتلاك الجرأة لتتحدث للناس وتقنعهم، ثم من فرنسا خرجنا مرة إلى بلجيكا، وكنت أنا الخطيب فيهم، ثم ذهبنا أيضا إلى الدنمارك.
في بلجيكيا كنت مقتنعا بأن الجماعة أناس بسطاء طيبون، لكن أغضبوني في موقف، لأنني أتذكر أنني قابلت طالبا مغربيا وتحدثنا معا، فاقترب مني الأمير وقتها وذكرني أن لا حديث في السياسة، قلت له إننا لم نكن نتكلم في السياسة، بل كنا فقط نتحدث، لكنه أصر على أننا تكلمنا في السياسة، لم أرد مناقشته، لكن اخترت الانسحاب منهم.
عام 1972 بدأت أبحث عن دور آخر، تعرفت على شخص جزائري اسمه أبو بكر، لكنه كان حركيا يعمل ضد الحكومة الجزائرية، كانت لدي رغبة في التعرف على المسلمين الفرنسيين، ومن هناك تعرفت على شخص ترك بصمة في حياتي، هو عالم صالح زاهد اسمه حميد الله من أصل هندي ، باكستاني ، كان صوفيا طاعنا في السن يسكن في شقة صغيرة بأحد المباني المتواضعة بباريس، كان يتقن 12 لغة ويدرس في الجامعات العالمية، وفسر القرآن وترجمه إلى الفرنسية. تعرفت على مجموعة من الشباب الفرنسي الذي دخل الإسلام، وكان هؤلاء الشباب يتعلمون في مسجد باريس،وينظمون دروسا ومحاضرات في العقيدة، وخدمتني الظروف بأن أصبحت ألقي دروسا بدوري، لكن أبو بكر كان يمنع كل كلام في السياسة وقتها.
وواظبت على إلقاء الدروس بعد كل صلاة في مسجد باريس، وبعد فترة اكتشفت أن حميد الله يلقي دروسا في جمعية الطلبة المسلمين في العاصمة الفرنسية، فالتحقت بهم. هنالك تعرفت على منصف بن سالم (وزير التعليم العالي) وطلبة آخرين.
كانت جمعية حميد الله الذي كان يمتنع عن التطرق لأي مواضيع سياسية هي المهد الأول الذي جمع مجموعة من التونسيين منهم المنصف بن سالم الذي كان يعد شهادة الدكتوراه وقتها، وكان البقية كلهم في المرحلة الثالثة من التعليم العالي، وكنا نجتمع بشكل أسبوعي، ومنا من هو مغرم بالشعر والأدب.
يمكن أن نعد أن مهد تنظيم سياسي بدأ في ذلك الوقت في باريس، وكنا نعمل بالتوازي مع راشد الغنوشي وصالح كركر اللذين كانا يعملان في تونس. وأنشأنا وقتها مجموعة اسمها «لقاء» دون أن يكون لها ارتباط بالبلد الأم، وكان عددنا خمسة أو ستة أشخاص، وبدأت عام 1973 في باريس وبقيت هناك سنتين للدراسة وسنة للتخصص، أي ثلاث سنوات عدت بعدها إلى تونس.
كان ما يجمعنا ليس تنظيما فقط، بل أفكار نتبادلها، وكذلك انضم الشيخ راشد(الغنوشي) مثلي أنا، إلى جماعة التبليغ عندما زار فرنسا بعدما كان يدرس في سوريا، ولكنه مثلنا جميعا ميال إلى فكرة القومية والفكر الإسلامي، ورغم أن الشيخ راشد من الجنوب التونسي بينما أنا من منطقة الساحل، وثمة فارق في السن بيننا، فهو يكبرني سنا، وكذلك المنصف المرزوقي الرئيس الحالي لتونس الذي كان والده يوسفيا(أي من أنصار صالح بن يوسف)، وإحميدة النيفر وصالح كركر وعلي نوير، رحمه الله، رغم اختلاف التوجهات فإن الخلفية الفكرية جمعتنا بما فيها مبادئ العروبة والإسلام وجمال عبد الناصر والثورة.
واليوم أرى أن نشاطنا في تلك الفترة جاء كرد فعل سياسي اجتماعي فكري على فشل بورقيبة، وكانت وقتها أمراض الحزب الحاكم بدأت تبرز ومؤتمر الحزب والتعاضد الذي فشل، والأزمة في تونس وخطابات بورقيبة. وأيضا يعد نشاطنا رد فعل على الفكر الماركسي- اللينيني الذي استأثر بالجامعات التي كانت مسيسة.
هكذا بدأت نشأة هذا الفكر الإسلامي وعندما كنت في فرنسا كنا كطلبة نأخذ وجباتنا في «السيتيه إنترناشيونال»، فكنا طلبة إسلاميين، وآخرين من اليسار التونسي يدعمهم اليسار الفرنسي نلقي خطابات، ولكن في ذلك الحين كنا نعمل باحتشام.
وبدأ التواصل بالعمل في تونس، وكنا نتعاون مع اليسار كمعارضة، وفي البداية وجدنا تجاوبا من العمال البسطاء أكثر من النخب التي لم يكن يعنيها اليسار والثورية، فلم نكن بالنسبة لهم غير شباب متحمس.. فهذه كانت أول خطوة للاتصال بتونس.

* بروفايل: من زعيم «إسلامي سري» إلى رئيس للحكومة ومرشح محتمل لرئاسة الجمهورية
* عرف المهندس حمادي الجبالي عند تخرجه من جامعات العلوم في فرنسا أواخر السبعينات ومطلع الثمانينات من القرن الماضي بهدوئه ومشاركته عن بعد في الأنشطة السياسية والثقافية، بما في ذلك أنشطة حزب «حركة الاتجاه الإسلامي» الذي أسس رسميا في تونس في السادس من يونيو (حزيران) 1981 وذلك بعد أن أعلن الرئيس التونسي آنذاك الحبيب بورقيبة عن موافقته على تعدد الأحزاب.
لكن رفض بورقيبة الاعتراف بهذا الحزب الذي اتهمه بـ«التستر بالدين» تطور في العام نفسه إلى محاكمات للقيادة التاريخية للحركة وزعاماتها الطلابية والنقابية ومطاردة القيادات التي تسلمت منها المشعل سرا وجرى إصدار إحكام غيابية ضدها.
في هذا الظرف، وتحديدا في خريف 1981، عاد الجبالي إلى تونس وتسلم قيادة «حركة الاتجاه الإسلامي» من الجيل الثاني للقيادة الذي انسحب بدوره بسبب المطاردات والمحاكمات.
وفي 1982 انتخب الجبالي من قبل الجيل الثالث من القيادة رئيسا جديدا للحركة وعرف طوال سنوات بنجاحه في «العمل التنظيمي» وفي «مراوغة البوليس السياسي» حتى إبرام قيادة الحركة صلحا مع محمد مزالي الوزير الأول (رئيس الوزراء) لبورقيبة في صيف 1984، الذي أنهكته الإضرابات الاجتماعية والصدامات الدامية في يناير (كانون الثاني) من نفس العام بين عشرات آلاف المتظاهرين وقوات الأمن والجيش ضمن ما عرف بـ«ثورة الخبز».
خلال مرحلة 1984 - 1987 خرج الجبالي من السرية وأصبح من أبرز قياداتها العلنية مع مؤسسيها الخارجين من السجن والعائدين من المنفى مثل راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وصالح كركر والفاضل البلدي.
لكن اندلاع مواجهة جديدة بين بورقيبة وزعامات حركة الاتجاه الإسلامي منتصف عام 1987 دفع الجبالي وقياديين بارزين من الحركة مثل كركر إلى مغادرة البلاد نحو فرنسا ثم اسبانيا في حين انتقل قياديون آخرون مثل مورو إلى السعودية. ومن فرنسا تابع الجبالي الإدلاء بتصريحات صحافية وإجراء مقابلات لفائدة رفاقه الذين أصدرت ضدهم محكمة أمن الدولة ومحاكم حق عام أحكاما قاسية وصلت إلى حد الإعدام.
إلا أن التغيير في أعلى هرم السلطة في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987 ، الذي قاده رئيس الحكومة ووزير الداخلية آنذاك زين العابدين بن علي أوقف مسار المحاكمات وأدى إلى الإفراج عن غالبية زعامات الحركة وعودة المنفيين ومن ضمنهم الجبالي إلى تونس مطلع 1988.
وتسلم الجبالي منذ عودته إلى تونس الإشراف السياسي الفعلي على الحركة ومؤسساتها العلنية والسرية، و أصبح عضوا رسميا في قيادتها العلنية الجديدة التي تغيرت تسميتها منذ فبراير (شباط) 1989، وأصبحت حركة «النهضة» حتى تتلاءم مع قانون الأحزاب الجديد الذي يمنع «الأحزاب التي تعتمد أساسا على الدين أو اللغة أو الجنس».
كما عين الجبالي مديرا للصحيفة الأسبوعية الناطقة باسمها «الفجر» التي تعرضت للإيقاف بعد إصدار بعض أعدادها، وكانت السبب المباشر لإعادة اعتقاله ومحاكمته في 1991 بتهم انتهاك قانون الصحافة في فصول «الثلب ونشر الأخبار الزائفة».
وبعد انتخابات عام 1989 شنت حملة محاكمات شاملة ضد آلاف من نشطاء الحركة وقياداتها. وكان نصيب الجبالي في تلك المحاكمات عشرات السنين سجنا وقع تخفيضها تدريجيا، لكنه لم يغادر السجن إلا بعد أن قضى زهاء 16 عاما منها وبعد سلسلة من الاضرابات عن الطعام.
استأنف الجبالي نشاطه السياسي السري منذ 2006، وأسهم في حوارات غير مباشرة أجرتها قيادة الحركة مع بن علي إلى أن وقعت الإطاحة بالنظام في يناير 2011 فاعترفت السلطات المؤقتة الجديدة بالأحزاب المحظورة وبينها حركة النهضة، مما مكنها من المشاركة في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 التي أسفرت عن تعيين الجبالي رئيسا للحكومة الائتلافية الأولى.
لكن اغتيال المعارض اليساري شكري بلعيد في فبراير 2013 ، واندلاع تحركات للمطالبة بإقالة الحكومة ثم فشل جهود الجبالي في تشكيل حكومة ائتلافية من «المستقلين» و«التكنوقراط» من بين العوامل التي تراكمت وعقدت الأوضاع في تونس، فاستقال من رئاسة الحكومة، لكنه ظل يحافظ على عضوية قيادة حزب النهضة رغم مقاطعته لأنشطته وتقدمه باستقالة من الأمانة العامة للحركة.

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.