كشف شبكة إيرانية خططت لاستهداف مؤتمر لمعارضين في باريس

اعتقالات في بلجيكا وفرنسا وألمانيا... و«دبلوماسي» بسفارة طهران في فيينا «نقل المتفجرات»

الرئيس السويسري آلان بيرست ونظيره الإيراني حسن روحاني في مطار كلوتن بكانتون زوريخ أمس (أ.ف.ب)
الرئيس السويسري آلان بيرست ونظيره الإيراني حسن روحاني في مطار كلوتن بكانتون زوريخ أمس (أ.ف.ب)
TT

كشف شبكة إيرانية خططت لاستهداف مؤتمر لمعارضين في باريس

الرئيس السويسري آلان بيرست ونظيره الإيراني حسن روحاني في مطار كلوتن بكانتون زوريخ أمس (أ.ف.ب)
الرئيس السويسري آلان بيرست ونظيره الإيراني حسن روحاني في مطار كلوتن بكانتون زوريخ أمس (أ.ف.ب)

كُشف، أمس، أن أجهزة أمن أوروبية نفّذت سلسلة اعتقالات في بلجيكا وفرنسا وألمانيا، شملت أشخاصاً على ارتباط بمخطط إيراني مزعوم لاستهداف مؤتمر لمعارضين كان يُعقد في ضاحية قريبة من العاصمة الفرنسية.
وأوحت الاعتقالات بوجود صلة مباشرة بين مخطط تفجير مؤتمر المعارضة وبين الاستخبارات الإيرانية، التي يبدو أنها كانت تدير المؤامرة من خلال دبلوماسي يعمل بسفارة طهران في فيينا.
وتزامنت هذه التطورات مع وصول الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى سويسرا، أمس، في جولة وصفتها طهران بأنها «ذات أهمية قصوى» للتعاون بين «الجمهورية الإسلامية» وأوروبا بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني. وذكرت وكالة الصحافة الفرنسية أن من المقرر أن يزور روحاني كذلك النمسا، التي تتولى حالياً الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر.
وأعلنت «أمانة المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، في بيان أمس، أن المخطط الذي تم إحباطه كان يستهدف مؤتمرها السنوي في فيلبانت، إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية باريس، علماً بأن هذا المؤتمر الضخم شارك فيه مسؤولون سابقون من دول عدة، بينها الولايات المتحدة التي حضر منها شخصيات قريبة من الرئيس دونالد ترمب، بما في ذلك رودي جولياني المحامي الشخصي للرئيس الأميركي. وجاء في البيان أن «إرهابيين (تابعين) للنظام الإيراني في بلجيكا خططوا بمساعدة الدبلوماسيين الإرهابيين للنظام الإيراني لهذا الهجوم». وأشار إلى أن الشرطة البلجيكية «اعتقلت امرأة ورجلاً تورطا في هذه المخطّط الإرهابي... وكانت المرأة قد جاءت من إيران إلى بلجيكا في العام 2009. كما تم اعتقال دبلوماسي للنظام الإيراني في ألمانيا على صلة بهذا المخطّط». وتابع البيان أن «المقاومة الإيرانية» كانت قد حذّرت مرّات عدة من «أعمال إرهابية» يحضّر لها دبلوماسيون من النظام الإيراني وعناصر من وزارة المخابرات أو «قوة القدس» (يقودها قاسم سليماني) «في مختلف الدول الأوروبية».
وجاء البيان في وقت أكدت السلطات البلجيكية إحباط هجوم كان يستهدف مؤتمر المعارضة التي تقودها منظمة «مجاهدي خلق» في باريس، مشيرة إلى أنه يقف وراء المخطط إيرانيٌ وزوجته وهما من سكان بلدية فيلرايك القريبة من مدينة أنتويرب شمال بلجيكا. وأفيد بأن الشرطة البلجيكية نجحت السبت في اكتشاف المخطط، وأبطلت مفعول متفجرات كانت ستستخدم في الهجوم على مؤتمر المعارضة. وبحسب مكتب الادعاء العام البلجيكي، فقد جرى اعتقال المشتبه به، ويدعى «أمير س.» (38 عاماً)، وزوجته «نسيمة ن.» (33 عاماً)، وهما يحملان الجنسية البلجيكية ومن أصول إيرانية. وصدر أمر باعتقالهما من قاضي التحقيق المكلف بملف الإرهاب في مدينة أنتويرب. وقال الادعاء العام: «لقد خططا لاستهداف اجتماع للمعارضة الإيرانية في فرنسا حضره 25000 شخص».
وجرى اعتقال الإيراني وزوجته في سيارتهما السبت، وكان بحوزتهما صاعق تفجير و500 غرام من المتفجرات كانت مخبأة في حقيبة للماكياج. وجرى الاستعانة بقوة متخصصة في تفكيك المتفجرات للتعامل مع الأمر. وأفيد بأنه عقب توقيفهما نفّذت أجهزة الأمن عملية تفتيش لمنزلهما، كما شملت عمليات التفتيش منازل أخرى في مناطق قريبة من أنتويرب وبروكسل.
وبالتزامن مع ذلك، جرى اعتقال شخص في فرنسا يشتبه في أنه كان يقدم المساعدة للإيراني وزوجته، كما اعتقلت الشرطة الفرنسية شخصين آخرين. وفي ألمانيا، اعتقل دبلوماسي إيراني يبلغ من العمر 46 عاماً يعمل في السفارة الإيرانية بالعاصمة النمساوية فيينا، لكن لم يتضح هل لديه حصانة دبلوماسية من عدمه.
وفي باريس، أفيد بأن المخابرات الداخلية الفرنسية لعبت دوراً أساسياً في تعطيل مخطط استهداف تجمع المعارضة الإيرانية في ضاحية فيلبانت قرب مطار العاصمة الرئيسي «رواسي ــ شارل ديغول» الذي شهد هذا العام حضوراً كبيراً، خصوصاً لجهة البعثات الخارجية، وتحديداً الأميركية. وعُلِم من مصادر قضائية واسعة الاطلاع في العاصمة الفرنسية أن القضاء طلب فتح تحقيق أولي حول التحضير لاعتداء إرهابي عهد به إلى الإدارة العامة للأمن الداخلي (المخابرات الداخلية) يوم 28 يونيو (حزيران) الفائت، أي قبل يومين من انعقاد مؤتمر المعارضة الإيرانية، وأيضاً قبل عملية توقيف ستة أشخاص يظن أنهم كانوا على ارتباط بالتحضيرات، وهم اثنان في بلجيكا وثلاثة في فرنسا ودبلوماسي إيراني أوقف في ألمانيا، وينتمي إلى بعثة بلاده في النمسا. ويدل توقيف الخمسة في يوم واحد (30 يونيو)، وفق المصادر الأمنية الفرنسية، على «التنسيق الكبير» الذي حصل بين الأجهزة المخابراتية البلجيكية والفرنسية والألمانية والأميركية.
وأفادت معلومات جمعتها القناة الإخبارية الفرنسية «بي إف إم تي في» أن «أسد الله أ.» الدبلوماسي الإيراني الذي أوقف في ألمانيا، وعمره 46 عاماً، تحوم شبهات حول كونه ينتمي حقيقة إلى المخابرات الإيرانية في الخارج، وأنه سلّم «المتفجرة» وصاعقها إلى الثنائي البلجيكي - الإيراني خلال لقاء جمعهم في دوقية لوكسمبورغ. إلا أن القناة الفرنسية لم تعط تاريخاً محدداً للقاء المذكور. وتسعى الأجهزة الفرنسية إلى جلاء العلاقة القائمة بين الموقوفين الثلاثة على الأراضي الفرنسية والزوجين الموقوفين في بلجيكا والدبلوماسي الذي ألقي القبض عليه في ألمانيا. وأحد الثلاثة واسمه الأول مرهاد وعمره 54 عاماً، أوقف في ضاحية فيلبانت نفسها، أي حيث جرى مؤتمر المعارضة، السبت الماضي، بينما الاثنان الآخران اللذان لم تكشف هويتهما، ألقي القبض عليهما في مدينة سانليس التي تبعد نحو 30 كلم عن فيلبانت. وبالنظر لخطورة المشروع الإرهابي المنسوب للموقوفين، فقد أمر القضاء بتمديد احتجاز الثلاثة حتى يوم الأربعاء، وهو ما يتيحه قانون محاربة الإرهاب في فرنسا.
من جانبها، نقلت القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي، أمس، معلومات نسبتها إلى «المحققين الفرنسيين»، ومفادها أن المخابرات الإيرانية هي التي تقف وراء التحضيرات لارتكاب الاعتداء على مؤتمر المعارضة.
تأتي هذه الواقعة، في حال ثبتت الاتهامات على أن جهازاً إيرانياً أو جهات حكومية تقف وراء التحضيرات الخاصة بهذه العملية، لتضع العراقيل بوجه الجهود الفرنسية الآيلة للمحافظة على الاتفاق النووي المبرم مع إيران. وبحسب مصادر فرنسية، فإنها تعيد التذكير باتهامات لإيران بارتكاب عمليات إرهابية على التراب الفرنسي قبل سنوات، ومنها اغتيال آخر رئيس وزراء لشاه إيران شهبور بختيار يوم 6 أغسطس (آب) عام 1991.
ومن جانب آخر، دأبت طهران على المطالبة، دورياً، بطرد جماعة «مجاهدي خلق» الموجودة على الأراضي الفرنسية منذ سنوات. وفي اتصال هاتفي بالرئيس إيمانويل ماكرون يوم 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، انتقد الرئيس حسن روحاني، باريس، التي «تؤوي قاعدة للإرهابيين في فرنسا (مجاهدي خلق) ويعملون ضد الشعب الإيراني ويشجعون اللجوء إلى العنف». وخلص روحاني إلى القول إنه «ينتظر من الحكومة الفرنسية أن تتحرك ضد هذه المجموعة الإرهابية».
وتعتبر الأوساط الفرنسية أن موضوع التحضير لعملية إرهابية على الأراضي الفرنسية، في حال توافرت الأدلة وظهرت الخيوط والجهات المحركة، يمكن أن تتحول إلى عقبة كبرى على درب العلاقات الفرنسية ــ الإيرانية. وحتى مساء أمس، لم يصدر أي تعليق عن الحكومة الفرنسية حول مسألة وضع القضاء يده عليها. ومن هنا، فإن النتائج التي ستتوصل إليها التحقيقات في الدول الثلاث المعنية (بلجيكا وفرنسا وألمانيا) سيكون لها بالغ الأهمية في التأثير على مسار العلاقات بينها وبين إيران في الأشهر المقبلة.
وكانت رئيسة «المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية»، مريم رجوي، تحدثت في كلمتها أمام مؤتمر المعارضة، يوم السبت، عن مؤشرات على «سقوط نظام الملالي» في إيران، مضيفة أنه «سيتم القضاء على استبداد (المرشد) علي خامنئي». وشددت على ضرورة منع النظام الإيراني من «دعم الإرهاب وتصديره»، معتبرة أن «البرامج الصاروخية ودعم الإرهاب والتدخل في شؤون الغير أسباب كافية لمعاقبة النظام الإيراني». وأوضحت رجوي أيضاً أمام المؤتمر، الذي حمل عنوان «إيران الحرّة البديل»، أن النظام الإيراني يعيش أضعف حالاته، داعية إلى توسيع رقعة «الانتفاضة» داخل إيران. وشارك في مؤتمر المعارضة الإيرانية حليفا الرئيس ترمب، نيوت غينغريتش ورودي جولياني، ودعيا إلى تغيير النظام في إيران، وقالا إن هذا الاحتمال بات أقرب من أي وقت مضى بعد سلسلة الإضرابات والاحتجاجات التي شهدتها إيران، بحسب ما أشارت وكالة الصحافة الفرنسية. وقال غينغريتش رئيس مجلس النواب الأميركي السابق، وجولياني عمدة نيويورك السابق، لأنصار المعارضة في التجمع قرب باريس، إن ترمب يجب أن يمارس ضغوطاً على الدول الأوروبية التي لا تزال تسعى إلى التعامل مع إيران رغم العقوبات التي أعادت الولايات المتحدة فرضها على طهران.



استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

استهداف السفن يفاقم التوتر بين واشنطن وطهران

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

تقترب واشنطن وطهران من مواجهة عسكرية جديدة في ظل تعثر المساعي الدبلوماسية، بينما تتصاعد نبرة التصريحات والتهديدات، فضلاً عن التمسك بمواقف متشددة من الطرفين، ومواصلة تعرض السفن لاستهدافات في مضيق هرمز.

وأشار الرئيس الأميركي، مراراً في الفترة الأخيرة، إلى أنه سيضرب إيران بـ«قوة شديدة» إذا لم تتوصل إلى اتفاق مع إدارته، مرجحاً أن يتم ذلك بعد انتخابات الكونغرس النصفية، الشهر المقبل، أو ربما قبلها، كما حث ترمب طهران على اتخاذ «القرار الصائب» قبل فوات الأوان، مضيفاً أنه لا يعرف «مع من يتعامل في إيران».

وفي المقابل، ردت طهران بقولها إن قواتها المسلحة مستعدة لـ«حرب استنزاف» أو «عملية خاطفة»، إذا استأنفت واشنطن مهاجمتها.

وفي ظل هذا التصعيد، أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية أنها تلقت تقريراً من طرف ثالث يفيد بإصابة الناقلة بمقذوف مجهول في أثناء عبورها مضيق هرمز. وتعرّضت الناقلة، يوم الجمعة، لهجوم في أثناء خروجها من مضيق هرمز؛ ما تسبب في حريق على متنها أُخمد لاحقاً لتواصل رحلتها، وفق ما أفادت به هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية. وقالت الهيئة إن الربّان أفاد بتعرّض الناقلة «لضربة بمقذوف غير محدد في أثناء إبحارها خارجة من المضيق؛ ما أدى إلى نشوب حريق صغير، وانقطاع التيار الكهربائي على متنها». وأوضحت الهيئة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أن «الحريق أُخمد، والسفينة تواصل رحلتها». وأوضحت الهيئة أن الناقلة، التي لم تفصح عن اسمها أو العلم الذي ترفعه، واصلت رحلتها بعد السيطرة على الحريق.

وكثّفت إيران في الفترة الأخيرة هجماتها على السفن التجارية العابرة للمضيق؛ إذ أطلقت أسبوعياً نحو 30 هجوماً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات بصواريخ مضادة للسفن، وفق بيانات سرية لمسؤول أمني غربي نقلتها صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية.

وأضاف المسؤول أن 4 سفن تجارية على الأقل أصيبت بهجمات إيرانية خلال الأيام العشرة الماضية، بينما تشير تقارير البحرية البريطانية إلى إصابة 13 سفينة على الأقل، معظمها ناقلات نفط، بمقذوفات أو حطامها، منذ 10 سبتمبر (أيلول) الماضي.

تكثيف العقوبات الأميركية

وبالتوازي مع التهديدات العسكرية، وسّعت واشنطن نطاق ضغوطها الاقتصادية على طهران، بإعلان وزارة الخزانة الأميركية، الخميس، فرض عقوبات جديدة على قطاعي السكك الحديدية والسيارات في إيران، إلى جانب شركات وموردين أجانب يتعاملون معهما، في أحدث خطوات حملة تستهدف تقليص الموارد المالية المتاحة للحكومة الإيرانية.

وتندرج العقوبات ضمن عملية «الإقصاء الاقتصادي» التي أعلنتها وزارة الخزانة في 24 أغسطس (آب) الماضي، بهدف حرمان طهران من الإيرادات التي تقول واشنطن إنها تُستخدم في تمويل الحرب، وتطوير الصواريخ، وتنفيذ الهجمات الإلكترونية، ودعم «الحرس الثوري» الإيراني.

وتستهدف الإجراءات الجديدة قطاعات اكتسبت أهمية متزايدة بالنسبة إلى إيران، في ظل الحصار البحري الأميركي الذي أدى إلى تعطيل شحنات النفط عبر مضيق هرمز، ودفع طهران إلى زيادة اعتمادها على شبكات النقل البرية لنقل النفط والأسمدة والمواد الكيميائية وسلع أخرى.

وشملت العقوبات شركتي «إيران خودرو» و«سايبا» لصناعة السيارات، اللتين قالت وزارة الخزانة إنهما تستحوذان على أكثر من 90 في المائة من سوق السيارات المحلية، فضلاً عن شركة السكك الحديدية الإيرانية المملوكة للدولة، وشركة «قطارات رجا» لنقل الركاب، وشركة «راه آهن حمل ونقل»، التي وصفتها الوزارة بأنها من كبرى شركات شحن البضائع الخاصة في البلاد.

كما طالت العقوبات شركات أجنبية في إندونيسيا وتركيا، تتهمها واشنطن بتزويد قطاع السيارات الإيراني بالإمدادات اللازمة لاستمرار نشاطه.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إن الإجراءات الجديدة «تستهدف بصورة مباشرة الجهات التي تساعد إيران»، وتمهد الطريق أمام الولايات المتحدة وشركائها لاستنزاف إيرادات النظام الإيراني بصورة نهائية.

وتعكس العقوبات توجهاً أميركياً نحو توسيع نطاق الحصار الاقتصادي، بحيث لا يقتصر على تعطيل الصادرات البحرية، بل يمتد إلى شبكات النقل والتجارة والإمداد داخل إيران وخارجها.

لكن هذه الاستراتيجية تثير مخاوف من انعكاساتها على الأوضاع المعيشية للإيرانيين، في ظل اتساع نطاق القطاعات المستهدفة وتأثيرها المحتمل على النشاط الاقتصادي، وفرص العمل وتكاليف النقل والإنتاج.

منصة «إيه 7» الروسية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

وفي إطار مساعيها لتضييق الخناق على شبكات التمويل التي تتهمها بمساعدة إيران على الالتفاف على العقوبات، فرضت وزارة الخزانة الأميركية إجراءات جديدة على منصة «إيه 7» الروسية للتحويلات المالية، متهمة إياها بتسهيل معاملات مالية مرتبطة بإيران، وإخفاء مدفوعات تخص قطاعات وأفراداً خاضعين للعقوبات.

وقالت الوزارة، الخميس، إنها تحظر التعاملات مع المنصة ووكلائها، ووصفتها بأنها «منظمة إجرامية كبيرة عابرة للحدود»، مشيرة إلى أن الإجراءات الجديدة توسّع نطاق العقوبات السابقة لتشمل الشبكة المرتبطة بها بالكامل.

وتأسست «إيه 7»، عام 2024، على يد بنك «بي إس بي» الروسي، الذي يركز على قطاع الدفاع، وسرعان ما أصبحت من أبرز الجهات العاملة في سوق المدفوعات الدولية في روسيا، في وقت تسعى فيه موسكو إلى تطوير أنظمة مالية بديلة عن المنظومة الغربية، بالاعتماد على وسائل تشمل العملات المشفرة والذهب والعملات غير الغربية، وبالتعاون مع شركاء تجاريين رئيسيين، من بينهم الصين والهند.

ورفضت المنصة، في بيان صدر، الجمعة، الاتهامات الأميركية، نافية أي صلات لها بإيران أو منظمات إرهابية، ومؤكدة أنها توفر خدمات تسوية المدفوعات للسوق الروسية، التي قالت إنها تخضع لإجراءات تقييدية غير قانونية، وأضافت أنها تقدم خدماتها لدعم عمليات الاستيراد والتصدير المشروعة، المتعلقة بالسلع الاستهلاكية والمواد الأولية.

في المقابل، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن المنصة أنشأت شبكة عالمية من الشركات التابعة بهدف إخفاء المدفوعات المرتبطة بقطاعات وأشخاص خاضعين للعقوبات، وإظهارها على أنها معاملات تجارية اعتيادية، مضيفة أن إيران و«الحرس الثوري» استفادا من هذه الشبكة.

مقترح عراقجي

عباس عراقجي يغادر المنصة بعد حديثه إلى وسائل الإعلام خلال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك (أ.ب)

وفي موازاة التصعيد العسكري والاقتصادي، برزت مؤشرات على تحرك دبلوماسي إيراني لاحتواء الضغوط؛ إذ أفادت مصادر مطلعة لوكالة «بلومبرغ» بأن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي اقترح، خلال لقاءاته في نيويورك، السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بالوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب، مقابل تخفيف العقوبات الأميركية.

وبحسب المصادر، فإن المقترح قد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجهها طهران، ورغبتها في التوصل إلى تفاهم يخفف وطأة العقوبات، وإن لم يقدم عراقجي، خلال لقاءاته، تفاصيل موسعة بشأن الوضع الاقتصادي الإيراني، أو طبيعة التنازلات التي قد تكون بلاده مستعدة لتقديمها.

ويأتي المقترح في وقت لا تزال فيه الملفات النووية والعقوبات والأمن الإقليمي تشكل أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط شكوك أميركية بشأن فرص التوصل إلى اتفاق قابل للاستمرار.

وبينما تواصل واشنطن الجمع بين التهديد باستخدام القوة، وتشديد العقوبات، تسعى طهران إلى إظهار استعدادها للمواجهة العسكرية، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام تفاهمات دبلوماسية قد تتيح تخفيف الضغوط الاقتصادية، غير أن استمرار استهداف السفن في مضيق هرمز، وتباعد مواقف الطرفين بشأن الملفات الأمنية والنووية، يبقيان احتمالات التصعيد قائمة، ويجعلان المسار الذي ستتخذه المواجهة مرهوناً بمدى استعداد الجانبين لتقديم تنازلات تحول دون تجدد العمليات العسكرية.


القضاء الإيراني يحكم على ممثلة بالسجن عاماً لدعمها تظاهرات يناير

الممثلة الإيرانية إلناز شاكردوست (أرشيفية)
الممثلة الإيرانية إلناز شاكردوست (أرشيفية)
TT

القضاء الإيراني يحكم على ممثلة بالسجن عاماً لدعمها تظاهرات يناير

الممثلة الإيرانية إلناز شاكردوست (أرشيفية)
الممثلة الإيرانية إلناز شاكردوست (أرشيفية)

حكم القضاء في إيران على الممثلة إلناز شاكردوست بالسجن عاماً بسبب دعمها المتظاهرين الذين قُتلوا خلال القمع الدموي للاحتجاجات التي شهدتها البلاد في يناير (كانون الثاني) 2026، وفقاً لما أعلنته منظمات إيرانية في الخارج.

وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا» وقناة «امتداد» المستقلّة التي أجرت مقابلة مع محامي الممثلة، بأن محكمة الاستئناف أيّدت الحكم الصادر بحقّها، والذي يشمل أيضاً منعها من أي نشاط سياسي أو فني أو عبر الإنترنت لمدة عامين.

ولم يُعرَف تاريخا صدور الحكمَين الابتدائي والاستئنافي الصادرين عن القضاء الإيراني.

ولم يتسنّ لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» التأكد في الوقت الراهن مما إذا كانت الممثلة موجودة في إيران أم لا.

كانت شاكردوست التي شاركت في عشرات الأفلام قد أعلنت، بعد أسابيع من قمع التظاهرات، أنها لن تعمل بعد الآن في بلدها الذي «تفوح منه رائحة الدم»، وفق وصفها.

وكتبت الممثلة، في فبراير (شباط) الماضي، على شبكة «إنستغرام» لدى افتتاح مهرجان «فجر» السينمائي السنوي في طهران: «أبكي إخواني الأعزاء (القتلى). كيف يمكن إقامة مهرجان؟ لن أشارك في أي احتفالات، ولن أؤدي أي أدوار أخرى في هذه الأرض التي تفوح منها رائحة الدم».

وأضافت، على صفحتها على «إنستغرام»، أنها تُفضل مقاطعة المسابقة، قائلة: «لا تستطيع روحي تحمُّل هذه المأساة المروّعة والإجرامية والتاريخية».

وواجهت السلطات الإيرانية بقمع دموي، في مطلع يناير الفائت، الحركة التي اندلعت في أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2025؛ احتجاجاً على غلاء المعيشة.

وما لبثت الحركة أن تحولت إلى احتجاجات واسعة مناهضة للحكومة بلغت ذروتها في 8 و9 يناير.

وتتحدث منظمات غير حكومية عن سقوط آلاف القتلى جرّاء هذا القمع، في حين تقرّ السلطات الإيرانية بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف، لكنها تعزو العنف إلى «أعمال إرهابية» دبّرتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأدت إلناز شاكردوست، البالغة 42 عاماً، أدواراً في أكثر من 50 فيلماً على مدار عقدين، وحصدت عدداً من الجوائز في مهرجانات سينمائية بإيران.


تدفقات النفط ترتفع... وإيران لا تزال تهدد مضيق هرمز

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)
TT

تدفقات النفط ترتفع... وإيران لا تزال تهدد مضيق هرمز

حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق  الأوسط (سنتكوم)
حاملة الطائرات «يو إس إس جورج واشنطن» تجري عمليات طيران في أثناء إبحارها في المياه الإقليمية بالشرق الأوسط (سنتكوم)

على مدار معظم أيام سبتمبر (أيلول)، نشرت وسائل إعلام إيرانية تقارير عن انفجارات «سُمعت من البحر»، في مؤشر مثير للقلق على وقوع أنشطة عسكرية في مضيق هرمز. لكن تلك التقارير لم تكشف عن الجهة التي كانت تنفذ الهجمات. واتضح أن إيران نفسها هي التي كانت تنفذها.

فقد أظهرت بيانات سرية، شاركها مع صحيفة «نيويورك تايمز» مسؤول أمني غربي تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته، نظراً إلى حساسية المعلومات العملياتية، أن إيران تشن عشرات الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على السفن التجارية في المضيق أسبوعياً، بعيداً إلى حد كبير عن أنظار الرأي العام، رغم إخفاقها في كثير من الأحيان في إصابة أهدافها.

ويوم الأربعاء، بدا أن «الحرس الثوري» الإيراني يؤكد للمرة الأولى مسؤوليته عن أصوات الانفجارات التي سُمعت بصورة شبه يومية من الساحل الجنوبي لإيران، معلناً أنه يستهدف مواقع في مضيق هرمز كل 24 ساعة.

وقال متحدث باسم «الحرس الثوري»، في مقابلة بثها التلفزيون الرسمي: «نمنعهم من العبور، لكن الولايات المتحدة لم ترد منذ فترة».

وتكشف هذه الهجمات عن أن حركة الملاحة البحرية عبر المضيق لا تزال محفوفة بالمخاطر، رغم تعافي صادرات النفط من الشرق الأوسط خلال الأسابيع الأخيرة، في وقت تسعى فيه إيران إلى الحفاظ على سيطرتها على أحد أهم مصادر نفوذها.

40 هجوماً على السفن أسبوعياً

سفن بالقرب من مضيق هرمز كما تبدو من محافظة مسندم في سلطنة عُمان يوم 2 أكتوبر 2026 (رويترز)

وقال غريغوري برو، المحلل المتخصص في الشأن الإيراني لدى مجموعة «أوراسيا»: «المفاوضات لا تحقق أي تقدم، ولا يبدي أي من الطرفين استعداداً حقيقياً للتراجع. لذا، نحن أمام حالة من الجمود». وأضاف أن أعمال العنف في المضيق «تعكس الوضع الذي يجد الطرفان نفسيهما فيه؛ إذ لا يسعى أي منهما إلى تصعيد الصراع بصورة حادة». لكنه أشار إلى أن كليهما يريد بسط سيطرته على الممر المائي.

ووفقاً للبيانات التي شاركها المسؤول الأمني الغربي مع «نيويورك تايمز»، شنت إيران، منذ مطلع أغسطس (آب)، نحو 30 هجوماً أسبوعياً بالطائرات المسيّرة، و10 هجمات أسبوعياً بالصواريخ المضادة للسفن، استهدفت سفناً تجارية تعبر مضيق هرمز. وقال المسؤول إن إيران أصابت ما لا يقل عن أربع سفن تجارية خلال الأيام العشرة الماضية.

وتُظهر حصيلة التقارير الصادرة عن مجموعة مراقبة تديرها البحرية البريطانية، أنه منذ 10 سبتمبر، تعرضت ما لا يقل عن 13 سفينة، معظمها ناقلات نفط، لضربات بمقذوفات أو شظايا ناجمة عنها. وقد تكون هذه التقارير غير مكتملة؛ لأنها تستند إلى بلاغات طوعية تقدمها أطقم السفن. ورغم أن التقارير لا تحدد الجهة المسؤولة عن الهجمات، فإن خبراء في الشؤون البحرية يقولون إن تفاصيلها تشير إلى أن إيران تقف وراء كثير منها.

إشراف البحرية الأميركية

مقاتلة من طراز «بوينغ إف إيه 18 إي إف سوبر هورنت» المتعددة المهام وهي تقلع من حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» في بحر العرب (سنتكوم)

واستمرت الهجمات في المضيق، حتى مع اقتراب صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط من مستويات ما قبل الحرب. ويقول محللون إن أحد أسباب هذا التعافي يعود إلى عملية عسكرية أميركية تهدف إلى حماية السفن من الهجمات، وهي خطوة يبدو أنها شجعت على زيادة الشحنات من دول رئيسية مصدرة للنفط، مثل السعودية والإمارات العربية المتحدة.

وتعبر تلك السفن المياه الإقليمية العُمانية عبر مسار تشرف عليه البحرية الأميركية، بدعم من مقاتلات ومروحيات هجومية أميركية للمساعدة في التصدي للهجمات. كما تُعطّل بعض السفن أجهزة الإرسال والاستقبال الخاصة بها، لتسهيل عبورها المضيق دون رصدها.

لكن المحللين يرون أن توفير الحماية العسكرية الأميركية يتطلب موارد كبيرة، وسيكون من الصعب مواصلة هذا الجهد إلى أجل غير مسمى. ووفقاً لمجموعة «كلبر» المتخصصة في تتبع شحنات البضائع، فإن جزءاً كبيراً من الزيادة الإقليمية في الصادرات يعود إلى مسارات تصدير تتجنب مضيق هرمز بالكامل.

وقالت آنا سوباسيتش، المحللة المتخصصة في مخاطر التجارة لدى «كلبر»: «مجرد زيادة عدد السفن وكميات النفط المنقولة مقارنة بما شهدناه في المراحل السابقة من الحرب، لا يعني أننا نشهد عودة حركة الشحن إلى طبيعتها».

ورفضت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، التي تشرف على العمليات العسكرية في الشرق الأوسط، التعليق على الهجمات الإيرانية التي استهدفت الملاحة في مضيق هرمز خلال سبتمبر. ولم تعلن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) عن تنفيذ أي ضربات ضد إيران أو سفن إيرانية منذ مطلع ذلك الشهر.

مخرج من الصراع

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث في البيت الأبيض يوم 30 سبتمبر (إ.ب.أ)

وقال إيان رالبي، رئيس منظمة «أوكسليوم وورلدوايد» غير الربحية المعنية بحوكمة الشؤون البحرية، إن عدم إقدام واشنطن، فيما يبدو، على الرد عسكرياً على الهجمات الإيرانية التي تستهدف السفن، قد يكون مرتبطاً بسعي إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى إيجاد مخرج من الصراع الذي دخل شهره السابع.

من جانبه، قال برو، المحلل المتخصص في الشأن الإيراني، إن ارتفاع صادرات النفط قد يدفع إدارة ترمب إلى الاعتقاد بأن المكاسب التي يمكن تحقيقها من خلال شن ضربات انتقامية أصبحت أقل.

ومنذ أن شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجماتهما في فبراير (شباط) واندلاع الحرب، استخدمت إيران قدرتها على عرقلة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي يُعد ممراً رئيسياً لصادرات النفط والغاز، ما أدى إلى اضطراب الاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، فرضت الولايات المتحدة حصاراً بحرياً وعقوبات أكثر تشدداً على إيران، رداً على ذلك، ما زاد الضغوط على البلاد، في وقت يسعى فيه الرئيس دونالد ترمب إلى تحويل مسار الحرب من حملة عسكرية إلى استراتيجية تركز على خنق الاقتصاد الإيراني.

*خدمة «نيويورك تايمز»