تركيا: لن نتراجع في صفقة «إس400»... ولن نقطع تجارة النفط مع إيران

ألقي القبض أمس على النائب البرلماني أرين أردمعن من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بسبب اتهامات تتعلق بدعمه للإرهاب، واعتقل في انقرة بعد أن أصدر مكتب المدعي العام في اسطنبول مذكرة توقيف بحقه (ا.ف.ب)
ألقي القبض أمس على النائب البرلماني أرين أردمعن من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بسبب اتهامات تتعلق بدعمه للإرهاب، واعتقل في انقرة بعد أن أصدر مكتب المدعي العام في اسطنبول مذكرة توقيف بحقه (ا.ف.ب)
TT

تركيا: لن نتراجع في صفقة «إس400»... ولن نقطع تجارة النفط مع إيران

ألقي القبض أمس على النائب البرلماني أرين أردمعن من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بسبب اتهامات تتعلق بدعمه للإرهاب، واعتقل في انقرة بعد أن أصدر مكتب المدعي العام في اسطنبول مذكرة توقيف بحقه (ا.ف.ب)
ألقي القبض أمس على النائب البرلماني أرين أردمعن من حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بسبب اتهامات تتعلق بدعمه للإرهاب، واعتقل في انقرة بعد أن أصدر مكتب المدعي العام في اسطنبول مذكرة توقيف بحقه (ا.ف.ب)

جددت تركيا موقفها بشأن التمسك بإتمام صفقة صواريخ «إس - 400» الروسية على الرغم من الاعتراضات الأميركية، مؤكدة في الوقت ذاته أن الرئيس دونالد ترمب تعهد بتسليم مقاتلات «إف - 35» في موعدها بحسب الاتفاق الموقع مع أنقرة في هذا الشأن، كما شددت تركيا على أنها لن تخضع لأي ضغوط أميركية من أجل وقف تجارة النفط مع إيران.
وفي سياق آخر عبرت عن أملها بأن يفي الاتحاد الأوروبي بتعهدات قادته بتسليم تركيا الدفعة الثانية من مساعدات اللاجئين والتي تبلغ 3 مليارات يورو في موعدها وتلافي القيود البيروقراطية التي عطلت تسليم الدفعة الأولى من المساعدات.
وقال وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وعد بلاده باتخاذ «الخطوات الضرورية» فيما يتعلق بمقاتلات إف 35. وأضاف جاويش أوغلو، في مقابلة تلفزيونية أمس (الجمعة)، أنه لا توجد مشاكل في شراء المقاتلات الأميركية حتى الآن، وأنه لا يعتقد أنه سيكون هناك أي مشاكل في المستقبل، ولفت إلى أن أنقرة نقلت انزعاجها بشأن هذه القضية إلى ترمب الذي أكد أنه سيتم اتخاذ الخطوات اللازمة في هذا الشأن.
وتسلمت تركيا في 21 يونيو (حزيران) الجاري أولى الطائرات من طراز إف - 35 في إطار مشروع مشترك يتضمن حصولها على 100 طائرة، وذلك على الرغم من اعتماد مجلس الشيوخ الأميركي قبلها بأيام قليلة مشروع ميزانية الدفاع لعام 2019 من بنوده إنهاء مشاركة تركيا في برنامج إنتاج المقاتلة الأميركية «إف - 35»، بسبب شرائها أنظمة الصواريخ الروسية المضادة للطائرات «إس - 400»، واحتجاز القس الأميركي أندرو برونسون واتهامه بدعم تنظيمات إرهابية، وقللت تركيا من أهمية هذا المشروع وأعلنت في الوقت ذاته أن لديها بدائل مناسبة وتتخذ الاحتياطات اللازمة التي تتضمن دعم قطاع الصناعات الدفاعية الوطنية، واصفة خطوة مجلس الشيوخ الأميركي بالـ«مؤسفة» التي «تخالف روح التحالف الاستراتيجي القائم بين البلدين».
وتشارك تركيا في مشروع إنتاج المقاتلة (إف - 35) مع 8 دول أخرى، وتبلغ مساهمتها 11 مليار دولار، استثمرت منها حتى الآن نحو 800 مليون دولار. ولفت جاويش أوغلو إلى أن مجموعة العمل المشتركة بين تركيا والولايات المتحدة ستجتمع في أنقرة في 13 يوليو (تموز) وستجتمع مجموعة عمل أخرى لاحقا لمناقشة التعاون في مكافحة نشاط حزب العمال الكردستاني (المحظور).
من جانبه، أكد المتحدث باسم الرئاسية التركية إبراهيم كالين أن بلاده «لن تتراجع» عن شراء منظومة الدفاع الصاروخية «إس - 400» من روسيا، على الرغم من التلويح الأميركي بفرض عقوبات على تركيا حال عدم تراجعها عن خطوة شراء هذه المنظومة، لافتا إلى أن اتخاذ أي قرار بخصوص مسائل مثل شراء منظومة «إس - 400» هو بيد تركيا فقط كونها دولة ذات سيادة، وهي فقط من تحدد قرارها حول منظومة الدفاع تلك أو ماهية التكنولوجيا التي ستشتريها ومن أين.
وأكد أن معاهدة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لا تتضمن مادة تفيد بإنهاء عضوية أي بلد في حال شرائه منظومة دفاع من دولة خارج الحلف، لافتا إلى أن تركيا ستدرس موضوع شراء منظومة الدفاع الجوي «باتريوت» الأميركية أو أخرى مشابهة لها مصنعة في الغرب حال توفرت الشروط المناسبة. ورفض كالين الادعاءات التي تقول إن تركيا اشترت من روسيا نظام «إس - 400» لتعزيز علاقاتها معها، قائلا: «إننا ننتهج هذه السياسات انطلاقا من مصالحنا الوطنية، وما ننتظره ونطلبه من جميع الدول في السياسة الخارجية هو اتباع سياسة لا يملي فيها أحد على تركيا شيئا وكذلك ستفعل تركيا».
وفيما يتعلق بالدعوات الأميركية لوقف استيراد النفط من إيران، أوضح كالين أن تركيا ستتحرك وفقاً لمصالحها الاقتصادية، وأن إيران شريك تجاري مهم لتركيا فضلا عن وجود حدود مشتركة للبلدين. وأضاف: «لدينا اتفاقيات غاز طبيعي ونفط، ولن ندخل أبدا في خطوة تعرض ذلك للخطر، ولسنا نحن فقط أو بلدان المنطقة ضد حزمة العقوبات الأميركية ضد إيران، وإنما البلدان الأوروبية أيضاً». من جانبه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو في تصريحاته أمس إن بلاده لن تقطع العلاقات التجارية مع طهران بناء على أوامر من دول أخرى، وذلك بعد أن أبلغت الولايات المتحدة دولا بوقف جميع وارداتها من النفط الإيراني اعتبارا من نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. وأضاف: «إيران جار جيد لتركيا ولدينا علاقات اقتصادية. لن نقطع علاقاتنا التجارية مع إيران لأن دولاً أخرى أخبرتنا بذلك.. إذا كانت قرارات الولايات المتحدة تهدف إلى تحقيق السلام والاستقرار، فسوف ندعمها، ويجب على الولايات المتحدة ألا تتصرف بشأن قضية إيران بناء على التلاعب الإسرائيلي، إن زعزعة الاستقرار في بلد مثل إيران لن تعود بالنفع على أحد ولن يفيد ذلك الولايات المتحدة أيضا».
وفي شأن آخر، وحول إعلان قادة الاتحاد الأوروبي أمس اعتماد الدفعة الثانية من المساعدات المخصصة للاجئين والتي تبلغ 3 مليارات دولار وفقا لاتفاق الهجرة وإعادة اللاجئين الموقع بين تركيا والاتحاد في مارس (آذار) 2016، قال جاويش أوغلو إن أنقرة تأمل في أن يتم سداد المبلغ دون إبطاء.
وانتقد الوزير التركي الاتحاد الأوروبي لفشله في تزويد بلاده بالدفعة الأولى من المساعدات المالية المتفق عليها، لا سيما أن تركيا نفذت تعهداتها وقامت عقب توقيع الاتفاق مباشرة بمنع مرور المهاجرين إلى دول الاتحاد إلى حد كبير. وتابع: «نأمل أن يأخذوا الدروس من المشاكل البيروقراطية التي عرقلت تسليم الدفعة الأولى من المساعدات وأن يتم تسليم الدفعة الثانية بسرعة أكبر».
من ناحية أخرى وعلى صعيد التحضيرات الجارية لتشكيل الحكومة التركية الجديدة، عقدت اللجنة المركزية لحزب العدالة والتنمية مساء أمس اجتماعا برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان. وقال المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالين إنه من الممكن أن يعلن إردوغان التشكيلة الوزارية في 8 يوليو (تموز) المقبل، أثناء تأديته اليمين الدستورية في البرلمان.
ولم يستبعد كالين تعيين عدد من الوزراء من خارج حزب العدالة والتنمية الحاكم المتحالف في البرلمان مع حزب الحركة القومية في إطار «تحالف الشعب». ومن المنتظر أن تعلن اللجنة العليا للانتخابات النتائج الرسمية للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي أجريت الأحد الماضي، عقب استكمال المدة القانونية للطعون، في 5 يوليو المقبل، وبعدها بثلاثة أيام يجتمع البرلمان ويؤدي رئيس الجمهورية والنواب الجدد اليمين الدستورية.
وفي سياق متصل، أعلن حزب «الحركة القومية» دعمه لمرشح حزب العدالة والتنمية لرئاسة البرلمان، نافيا نيته التقدم بمرشح لهذا المنصب. ولم يعلن العدالة والتنمية مرشحه بعد لكن جميع التوقعات تصب باتجاه ترشيح رئيس الوزراء الحالي بن علي يلدريم، الذي سيغادر منصبه بعد أداء الرئيس اليمن الدستورية بموجب النظام الرئاسي الجديد، لمنصب رئيس البرلمان.
إلى ذلك، نفى مرشح الانتخابات الرئاسية التركية الخاسر محرم إينجه مزاعم تعرضه للخطف أو التهديد ليلة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية الأحد الماضي، قائلا إن «المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي حيال تعرضي للخطف أو التهديد ليلة الانتخابات أو عزمي إنشاء مدرسة وسكن طلابي بالتبرعات القادمة على حساب الانتخابات الرئاسية عارية تماما عن الصحة، وإن ذلك غير ممكن من الناحية القانونية».
في الوقت ذاته، ألقي القبض أمس على نائب برلماني سابق عن حزب الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، بسبب اتهامات تتعلق بدعمه للإرهاب.
واعتقل أرين أردم في أنقرة بعد أن أصدر مكتب المدعي العام في إسطنبول مذكرة توقيف بحقه، واقتادته الشرطة إلى إسطنبول، حيث أمرت المحكمة بحبسه. وتضمنت لائحة الاتهام اتهامات للنائب السابق بـ«مساعدة منظمة إرهابية دون أن يكون عضواً فيها» و«كشف هوية شاهد سري» و«انتهاك سرية التحقيق الجنائي»، وهي جرائم تتراوح العقوبات فيها بين 9 أعوام ونصف العام و22 عاما، وقالت المحكمة إنها أمرت بتوقيفه بسبب شكوك حول احتمال هروبه خارج البلاد. وكان الشعب الجمهوري استبعد أردم من قائمة مرشحيه للانتخابات البرلمانية المبكرة التي أجريت الأحد الماضي.



إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...


«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
TT

«البنتاغون» يبحث معاقبة أعضاء في حلف الأطلسي بسبب حرب إيران

مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)
مارك روته سكرتير حلف شمال الأطلسي (أ.ف.ب)

‌قال مسؤول أميركي إن رسالة بريد إلكتروني داخلية لوزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) احتوت على خيارات أمام الولايات المتحدة لمعاقبة أعضاء في حلف شمال الأطلسي تعتقد ​أنهم لم يدعموا العمليات الأميركية في الحرب مع إيران، بما في ذلك تعليق عضوية إسبانيا في الحلف، ومراجعة موقف الولايات المتحدة بشأن مطالبة بريطانيا بجزر فوكلاند.

وذكر المسؤول، الذي اشترط عدم الكشف عن هويته للتحدث عن محتوى الرسالة، أن الخيارات السياسية مفصلة في مذكرة تصف خيبة الأمل إزاء ما يُنظر إليه على أنه تردد أو رفض من جانب بعض أعضاء الحلف لمنح الولايات المتحدة حقوق الوصول والتمركز ‌العسكري والعبور ‌الجوي في إطار حرب إيران، وفقاً لما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وأشار إلى أن ​الرسالة ‌وصفت ⁠حقوق الوصول ​والتمركز العسكري والعبور ⁠الجوي بأنها «مجرد الحد الأدنى المطلق بالنسبة لحلف شمال الأطلسي»، وأضاف أن الخيارات كانت متداولة على مستويات عالية في «البنتاغون».

وذكر المسؤول أن أحد الخيارات الواردة في الرسالة يتضمن تعليق عضوية الدول «صعبة المراس» من مناصب مهمة أو مرموقة في حلف الأطلسي.

وانتقد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشدة أعضاء حلف شمال الأطلسي لعدم إرسال أساطيل بحرية للمساعدة في فتح مضيق هرمز، الذي أُغلق ⁠أمام الملاحة البحرية العالمية عقب اندلاع الحرب ‌الجوية في 28 فبراير (شباط).

كما أشار ترمب ‌إلى أنه يفكر في الانسحاب من ​الحلف. وتساءل ترمب خلال مقابلة مع ‌«رويترز» في أول أبريل (نيسان) قائلاً: «ألم تكونوا لتفعلوا ذلك لو ‌كنتم مكاني؟»، رداً على سؤال حول ما إذا كان انسحاب الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي مطروحاً.

وقال المسؤول إنه مع ذلك، فإن رسالة البريد الإلكتروني لا تشير إلى أن الولايات المتحدة ستفعل ذلك. كما أنها لا ‌تحتوي على اقتراح لإغلاق القواعد الأميركية في أوروبا. ولكن المسؤول رفض الإفصاح عما إذا كانت الخيارات تتضمن ⁠سحب الولايات المتحدة بعض ⁠قواتها من أوروبا، وهو ما يتوقعه الكثيرون.

ورداً على طلب للتعليق بشأن رسالة البريد الإلكتروني، قالت المتحدثة باسم «البنتاغون» كينغسلي ويلسون: «مثلما قال الرئيس ترمب، على الرغم من كل ما فعلته الولايات المتحدة لحلفائنا في حلف الأطلسي، فإنهم لم يقفوا إلى جانبنا».

وأضافت ويلسون: «ستضمن وزارة الدفاع أن تكون لدى الرئيس خيارات موثوقة لضمان ألا يكون حلفاؤنا مجرد نمر من ورق (قوة ظاهرية بلا تأثير حقيقي)، بل أن يقوموا بدورهم. ليس لدينا أي تعليق آخر على أي مداولات داخلية بهذا الشأن».

ويقول محللون ودبلوماسيون إن الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران أثارت تساؤلات جدية ​حول مستقبل حلف الأطلسي ​الذي تأسس منذ 76 عاماً، وأثارت قلقاً غير مسبوق من أن الولايات المتحدة قد لا تمد يد العون لحلفائها الأوروبيين إذا تعرضوا لهجوم.

وقال مسؤول في حلف شمال الأطلسي، رداً على سؤال عما إذا كان من الممكن تعليق عضوية دولة في الحلف: «معاهدة تأسيس حلف شمال الأطلسي لا تنص على أي بند بشأن تعليق العضوية في الحلف».

«تقليل الشعور بالاستحقاق»

وقالت بريطانيا وفرنسا ودول أخرى إن الانضمام إلى الحصار البحري ​الأميركي سيعني دخولها في الحرب، لكنها ستكون على استعداد للمساعدة في إبقاء المضيق ‌مفتوحاً بمجرد التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار أو انتهاء الحرب.

لكن مسؤولي إدارة ترمب شدَّدوا على أن حلف شمال الأطلسي لا يمكن أن يكون طريقاً من ‌اتجاه واحد. وعبَّروا عن خيبة الأمل من إسبانيا، التي قالت حكومتها التي يقودها حزب العمال الاشتراكي إنها لن تسمح باستخدام قواعدها أو مجالها الجوي لمهاجمة إيران. ولدى الولايات المتحدة قاعدتان عسكريتان مهمتان في إسبانيا، هما قاعدة روتا البحرية وقاعدة مورون الجوية.

قال المسؤول، مٌلخصاً محتوى رسالة البريد الإلكتروني، إن الخيارات السياسية الموضحة في الرسالة تهدف إلى إرسال إشارة قوية إلى أعضاء حلف شمال الأطلسي بهدف «تقليل الشعور بالاستحقاق لدى الأوروبيين».

وأوضح أن الرسالة تشير إلى أن خيار تعليق عضوية إسبانيا في الحلف سيكون له تأثير محدود على العمليات العسكرية الأميركية، لكنه سيكون له تأثير رمزي كبير.

ولم يكشف المسؤول ‌عن السبل التي ربما تتبعها الولايات المتحدة لتعليق عضوية إسبانيا في الحلف.

وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، رداً على سؤال حول التقرير قبيل اجتماع لقادة الاتحاد الأوروبي في قبرص لمناقشة قضايا، من بينها بند المساعدة المتبادلة في حلف شمال الأطلسي: «لا نتحرك بناءً على رسائل إلكترونية. نحن نتحرك بناءً على وثائق رسمية ومواقف حكومية، وفي هذه الحالة عن مواقف الولايات المتحدة».

جزر فوكلاند

تتضمن المذكرة أيضاً خياراً للنظر في تقييم الدعم الدبلوماسي الأميركي لما يعرف باسم «الممتلكات الإمبراطورية» الأوروبية القديمة، مثل جزر فوكلاند بالقرب من الأرجنتين.

ويذكر موقع وزارة الخارجية الأميركية أن الجزر تخضع لإدارة بريطانيا، لكن الأرجنتين لا تزال تطالب بالسيادة عليها. ورئيس الأرجنتين خافيير ميلي من حلفاء ترمب.

وتحمس ميلي لهذه الاحتمالات. وقال في مقابلة مع محطة إذاعية نشرها على حسابه على «إكس»، الجمعة: «نفعل كل ما في مقدور البشر لنستعيد كل جزر مالفيناس الأرجنتينية، الجزر، لأيدي الأرجنتين... نحرز تقدماً كما لم يحدث من قبل» وهو الاسم الذي تطلقه الأرجنتين على جزر فوكلاند.

وخاضت بريطانيا والأرجنتين حرباً قصيرة في 1982 بشأن الجزر بعد محاولة أرجنتينية فاشلة للسيطرة عليها. وقتل نحو 650 جندياً أرجنتينياً و255 عسكرياً بريطانياً قبل أن تستسلم الأرجنتين.

وأكد متحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الجمعة، أن بريطانيا لها السيادة على جزر فوكلاند. وقال للصحافيين: «موقف بريطانيا بشأن جزر فوكلاند واضح تماماً. إنه موقف راسخ لم يتغير».

وأساء ترمب مراراً إلى ستارمر، ووصفه بأنه جبان بسبب عدم رغبته في الانضمام إلى حرب الولايات المتحدة مع إيران، ووصف ترمب حاملات الطائرات البريطانية بأنها «دُمى». وقال إن ستارمر «ليس ونستون تشرشل»، مقارناً إياه برئيس الوزراء البريطاني الراحل.

ولم توافق بريطانيا في البداية على طلب الولايات المتحدة السماح للطائرات الأميركية بمهاجمة إيران من قاعدتين بريطانيتين، لكنها وافقت لاحقاً على السماح بمهام دفاعية تهدف إلى حماية سكان المنطقة، بما في ذلك المواطنون البريطانيون، ​وسط الرد الإيراني.

وفي تعليقات للصحافيين في «البنتاغون» في وقت سابق من ​هذا الشهر، قال وزير الدفاع بيت هيغسيث إن «الكثير قد انكشف» من خلال الحرب على إيران، مشيراً إلى أن صواريخ إيران بعيدة المدى لا يمكنها ضرب الولايات المتحدة، لكنها تستطيع الوصول إلى أوروبا.

وقال هيغسيث: «نواجه أسئلة، أو عراقيل، أو تردداً... وليس لدينا في الحقيقة الكثير من مقومات التحالف إذا كانت هناك دول غير مستعدة للوقوف إلى جانبنا عندما نحتاج إليها».