الشيخ عبد الملك السعدي لـ «الشرق الأوسط»: لا أعترف بشرعية الانتخابات المقبلة.. ولا أحث على انتخاب أحد

الشيخ عبد الملك السعدي («الشرق الأوسط»)
الشيخ عبد الملك السعدي («الشرق الأوسط»)
TT

الشيخ عبد الملك السعدي لـ «الشرق الأوسط»: لا أعترف بشرعية الانتخابات المقبلة.. ولا أحث على انتخاب أحد

الشيخ عبد الملك السعدي («الشرق الأوسط»)
الشيخ عبد الملك السعدي («الشرق الأوسط»)

بدا ظهور الشيخ عبد الملك السعدي، بأفكاره المعتدلة، في ساحات الاعتصام بالرمادي، قبل أقل من عام، مفاجئا، رغم أنه كان يفتي ضد الاحتلال الأميركي وكانت له مواقف ضد النظام السابق في العراق، السبب كما يقول هو ان «الإعلام لم يهتم بما أقول أو أكتب إلا بعد ذهابي إلى الرمادي ولقائي المعتصمين، فسلط الأنظار والأضواء علي فصار يهتم بما أقول؛ مما ولد في أذهان الناس أني كنت ساكتا غائبا بعيدا ولم أتكلم إلا بعد انطلاق الحراك، وهذا خلاف واقعي». العرب السنة في العراق عدوه مرجعا لهم، وإن كان لا يقبل بهذا التوصيف، والسياسيون، السنة، لم يجدوا عنده ضالتهم لأنه لم يؤيدهم، بل ذهب لأكثر من هذا عندما أصدر بيانا بين فيه موقفه المعارض للانتخابات المقبلة.
الشيخ السعدي، الذي لا يتحدث كثيرا للإعلام، تحدث لـ«الشرق الأوسط». وحسب نجله الدكتور براء السعدي، فإن «الشرق الأوسط» كانت «أول صحيفة يستقبلها في منزله بعمان ويتحدث لها مباشرة»، مجيبا بصبر وبصراحة ورؤية العالم الديني على اسئلة عن قضايا مهمة تخص العراق والعراقيين، مؤكدا: «لست سياسيا، وكل ما قمت به أو قلته من بدء الاعتصام إلى اليوم لا علاقة له بالسياسة، بل أمور شرعية؛ من تحصيل حقوق المسلمين ورفع الظلم عنهم وحماية دينهم وأعراضهم وأنفسهم وأموالهم». وفيما يلي نص الحوار
* هل تعتقدون بأن الأوضاع في العراق تنذر بحرب طائفية؟ أو أن الحرب قد حصلت بالفعل؟
- الطائفية قائمة من قبل الحكومة الحالية، وقد تجسدت الطائفية فيها بالفعل لا بالقول، وإن كان هناك من أبناء السنة من يقول: «نحن سنة»، فهذا مجرد قول دون فعل، إلا أن هناك من السياسيين في الحكومة الحالية من أصلها بالفعل من خلال: المداهمات، والاعتقالات، وإرهاب العائلات، والقتل، والتهجير، إضافة إلى إخراج الكفاءات من الجامعات أو تصفيتهم، وتصفية الرموز الوطنية، فهذه كلها أفعال طائفية. ونحن لا ننكر أن المجتمع العراقي خليط، وأنا أمثله بواحة فيها أزهار متنوعة، ففيه المسلم وغير المسلم، والشيعي والسني، وفيه العربي والكردي والتركماني، لكننا لم نر أثرا لهذه التسميات قبل الاحتلال؛ لوجود صلات قوية بين مكونات الشعب العراقي، إلا أن الاحتلال نمى وغذى هذه الفوارق؛ عملا بمبدأ (فرق تسد)، فقسم المجتمع العراقي إلى أكراد وعرب، والعرب إلى نوعين: سنة وشيعة، وكان المفروض بالحكومة القائمة - إذا كانت تقول إنها مستقلة ولا تعمل بما يوحى إليها من الخارج - أن تعمل على أن يبقى العراقيون تربطهم لحمة واحدة، وأن تحافظ على الوحدة الوطنية كما كانت قبل الاحتلال. إلا أنها نمت هذا التقسيم والتفريق والطائفية. نعم، قد يكون هناك بعض السنة الذين دخلوا العملية السياسية، وهم قلة، لكن لم يغيروا أي شيء في العملية.
أما الحرب الطائفية، فهي لم تحدث حتى الآن، والحمد لله، نعم هناك اعتداء يحصل من قبل ميليشيات تتمذهب بالمذهب الشيعي على مكون معين، وهذا لا يسمى الحرب الطائفية كونه يحدث من جانب واحد، حتى في عام 2005 لم تكن هناك حرب طائفية، بل كانت هناك فرصة لقتل السنة من قبل هذه الميليشيات، وقد يكون هناك انتقام شخصي، وجرى استغلال هذه الفرصة. لذلك، فإن دعمت الحكومة ميليشيات معينة أو سكتت عن ممارساتها فهذا يعني أن الحكومة مشاركة وتريد إشعال حرب طائفية وليس الشعب. الشعب العراقي، بشيعته وسنته، لا يريد هذه الحرب الطائفية إطلاقا.
* هل تعنون أن الشعب العراقي ليس طائفيا؟
- نعم، الشعب العراقي ليس طائفيا وإنما الحكومة ممارساتها طائفية؛ إذ قبل الاحتلال لم نكن نذكر على المنبر أسماء مثل شيعي أو سني، حتى في الردود الفقهية والعلمية لم نكن نذكر هذه التوصيفات، لكن بعد مجيء الحاكم الاميركي بول بريمر الذي قسم الشعب العراقي، صارت الحكومة تستغل هذا التقسيم وتنميه، لا سيما أن إيران تشجع على ذلك بصورة مباشرة - إن لم نقل إنها تتدخل بالفعل في الشأن العراقي، والواقع أنها تتدخل بالفعل في كل شيء بالعراق.
* هل تعتقدون بأن الحكومة العراقية هي حكومة المذهب الواحد؟
- أغلبية الحكومة طائفية، فكما تعرفون أن في الحكومة من هو كردي وعلماني وسني، لكن الأغلبية فيها طائفية. وهي حكومة مذهب واحد، ولكن قد يكون هناك عدم اتفاق بينهم في الرأي، وقد يكون قسم منهم غير راض عن ممارسات الحكومة، لكنه يسكت خوفا. ما دامت إيران تدعم الحكومة على هذا، فهناك خوف منها.
* ما رأيكم في التمثيل السني في الحكومة؟
- في رأيي، إن هذا التمثيل فيه ضرران: الأول: هو أن الرأي العام الدولي وغير الدولي سيقران بأن الحكومة حكومة شراكة، وهذا أمر غير فعلي، بل هي حكومة طائفة واحدة فعلا، والثاني: إن هذه المشاركة أعطت مشروعية للحكومة، وأنا في رأيي أنه إما أن يعود التوازن في كل مؤسسات الدولة والجيش والقوات الأمنية، وإما أن ينسحبوا جميعا من المشاركة في هذه الحكومة لإسقاط شرعيتها أمام الرأي العام الدولي.
* أصدرتم بيانا يحث على عدم المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة، فهل هذا لصالح العملية السياسية؟
- لم يصرح البيان بعدم الحث، بل قلت: أنا غير معترف بشرعيتها ولا أؤمن بوضعها الحالي كحل، وأنا شخصيا لا أنتخب ولا أدعم ولا أبارك قائمة أو فردا ولا أحث على انتخاب أحد ولا أحث على عدم انتخابه.. نحن جربنا المشاركة في دورتين انتخابيتين ولم يفعلوا أي شيء للبلد وللشعب، لا الشيعة ولا السنة قدموا أي شيء لشعبهم، ثم إن الانتخابات تجري على أساس المحاصصة، وعلى أساس التزوير في الأصوات والنتائج، ثم إن تقسيم البلد إلى طوائف وقوميات ووضع النسب لها وتمثيلها لا صحة له في الواقع على الإطلاق، فمسألة أن نسبة العرب السنة 20% كذبة كبيرة وضعها المحتل وأعوانه، ويكذبها الواقع. دعنا نحسبها هكذا بعيدا عن الكومبيوتر (حساب عرب) وحسب المحافظات، ففي نينوى، وفي أقل التقديرات، هناك 3 ملايين سني، وفي الأنبار مليونان، وفي صلاح الدين مليون، وفي ديالى مليون، وفي حزام بغداد 3 ملايين، وفي الجنوب، ومن ضمنه البصرة والزبير، هناك على الأقل 3 ملايين سني، يعني 13 مليونا سنيا عربيا، باستثناء محافظة كركوك المتنازع عليها، فهل هذا يعني أن تمثيل هؤلاء هو 20%؟! لهذا، نحن ندعو لأن تقوم جهات محايدة غير عراقية ومنصفة وعادلة وتحت رقابة شعبية من كل أطياف الشعب بإجراء إحصاء سكاني لمعرفة نسب كل مكون ديني ومذهبي وقومي، هذا إن لم يقرروا إلغاء هذه الأسماء وهذا التقسيم والاكتفاء بكلمة عراقي فقط، وهذا ما نريده.
ولهذا لا نشجع على المشاركة في الانتخابات؛ بسبب عدم اعترافنا بهذه النسبة وعدم ثقتنا بنزاهة التصويت واحتساب النتائج، كما لا نثق بأن المشارك سيتمكن من التغيير، ولا نثق بالمشاركين في العملية السياسية أنفسهم وقد جربناهم، بعد أن قلنا هذا وطني ويمكن أن يقدم شيئا للعراقيين، لكنه بعد فوزه يظهر على حقيقته أو يتغير، وذلك بالبحث عن مصالحه الشخصية فقط أو الحزبية. لهذا، قلت: لا أحد يفاتحني بشأن الانتخابات، ولن أجيب عن أي سؤال أو أي زائر حول مشاركته في هذه القائمة أو تلك، أو من ينْتخب. في المستقبل، نعم إذا جاء من يخدم الشعب، ولا نرى بعد ذلك من العراقيين في كربلاء والنجف أو البصرة أو أي محافظة أخرى من يجمع الخبز من الزبالة، وينتهي القتل والاعتقالات فعند ذلك نقول: الحمد لله، ثم ننصح بانتخاب هؤلاء مستقبلا.
* لكن، هناك بعض أعضاء البرلمان من العرب السنة يقولون: إن لم نشارك في الانتخابات، فسوف نترك الساحة للآخر؟.
- قد قالوا مثل ذلك في مشاركتهم في مجلس الحكم وعبر الدورتين السابقتين ولم يقدموا أي شيء للشعب العراقي، ولم يؤثروا أي شيء مع الكتل الطائفية الأخرى، فكلامهم هذا مجرد تبرير، فالساحة متروكة لهم شاركنا أم لم نشارك، وعدم المشاركة هي الحل؛ لأنها ستسلبهم الشرعية والقوة السياسية، ما لم يسيطر الوطنيون المخلصون، المتوافرة فيهم الشروط التي ذكرناها، على الأغلبية العظمى من المقاعد أصواتا وتحالفا، وهذا ما أراه مستحيلا في ظل وجود السيطرة في الحكم بيد الأغلبية الطائفية وفي ظل المخططات والأيدي الخارجية الداعمة لها.
* هل تعتقدون بأنه يجب أن تكون للعرب السنة مرجعية؟
- نتحدث عن المرجعية الفقهية.. أقول: إن إخواننا الشيعة ليست لديهم مرجعية موحدة فعليا، قد يكون السيد علي السيستاني هو المرجع، لكن ليس كل الشيعة يتبعونه، بل هناك مرجعيات أخرى. أما بالنسبة لنا، فنحن نعد كل عالم دين متصف بصفة العالم الحقيقي المتوافرة فيه شروط الإفتاء موجها ومرشدا، سواء كان في المسجد أم في المدرسة، ونحن لا نسميه مرجعا ولا نصفه بالمرجعية كمصطلح، وإنما نقول إن كل عالم يفتي ويرشد ويوجه، سواء في بلده أو قريته أو مسجده.
* بما في ذلك تقديم النصائح للسياسيين؟
- نعم.. المفروض على أهل العلم تقديم النصيحة للسياسيين وألا يكونوا سياسيين، وألا ينجروا أو يغتروا بكل كلامهم.
* هذا بالنسبة للمرجعية الفقهية، فهل تؤيد قيام مرجعية سياسية للعرب السنة؟
- ومتى كانت هناك مرجعية سياسية؟ السياسيون تسود بينهم الخلافات والتناحر، وليس منهم من يعترف أو يرضى بالآخر كمرجع سياسي، حتى أبناء السنة الذين دخلوا مجلس النواب؛ هل هم متفقون على شخص واحد أو رأي واحد؟ لا.. ونحن نقول للسنة ولجميع العراقيين الوطنيين، إن عليهم أن يوحدوا كلمتهم ورأيهم ما داموا متفقين في الخطوط العريضة في الإسلام ولا اختلاف عليها، أما الاختلاف في الخطوط الفرعية، فهذه عليها اختلاف حصل بعد خلافة الراشدين، هذا يجهر بالبسملة وذاك لا يجهر، وهذا يقنت وذاك لا، هذه الأمور ليست مهمة ما دمنا متفقين على الأمور الرئيسة في الدين الحنيف.
* هل يرجع لكم السياسيون من العرب السنة طالبين النصح أو يسألونكم في بعض القضايا التي تهم البلد والشعب، سواء سابقا أم حاليا؟
- لا أحد منهم يرجع إلينا في هذه القضايا، فهم لا يأتون ليسألوا: هل نشارك في الانتخابات أو لا؟ أو هل أدخل هذه القائمة أو تلك أو لا؟ أو هل أعمل كذا أو لا؟ لا يسألونني في هذه الأمور، بل يأتون ومعهم قائمة ويطلبون منا مباركتها، أو يأتون ليعرضوا علي ما قاموا به وما فعلوه وما سيفعلونه ليكسبوا تأييدي.
* هل سبق أن باركتم قائمة أو أشخاصا معينين؟
- لم نبارك قائمة أو أشخاصا في الانتخابات السابقة، إلا أننا أيدنا هذا الشخص أو ذاك على أساس تدينه وتمسكه بتعاليم الدين الحنيف وأنه ذو خلق عال ومنصف وعادل، وقلنا إنه يمكن أن يقدم خدمة للبلد وللناس، وهذا التأييد لم يكن علنيا بل شخصيا.. لكنني اليوم غسلت يدي من الجميع.
* اليوم لا تبارك أو تؤيد أي سياسي؟
- أبدا.. لا أؤيد فردا أو قائمة أو أي سياسي.
* هل جرى استغلال اسمكم سياسيا أو انتخابيا؟
- وما أكثر الكذابين!! نعم، استغل، لهذا قلت: أي خبر أو بيان لا ينقله ابني (براء عبد الملك) أو يجري ترويجه عبر موقعنا (على شبكة الإنترنت)، أو عن طريق أشقائي، فلا يؤخذ به وهو كذب ولا أتحمل مسؤوليته.
* وكيف تعرفنا بنفسك؟
- أنا شخص علمه الله تعالى بعض العلوم، فقمت بتدريس طلابي النحو والصرف والبلاغة والمنطق والفقه وأصوله حسب المصادر القديمة الصعبة، وأقوم بذلك غالبا في المسجد، هنا، في أيام الأسبوع ولمن يحضر من طالبي العلم، باستثناء يومين، اذ ادرس طلبة الدكتوراه في جامعة العلوم الإسلامية بعمان، وأنا أدرس منذ 1958م، ودرست في مدارس المساجد وقتا طويلا، وفي كلية الإمام الأعظم وبجامعة بغداد وكلية المعارف وجامعة الأنبار، وهنا في الأردن أدرس منذ 13 عاما، فدرست في جامعة مؤتة وفي جامعة العلوم الإسلامية العالمية، وعندي أكثر من عشرين ألف طالب تتلمذوا عندي، وأنا أتعامل معهم كأبناء لي، اذ تبقى صلاتنا متواصلة ويعدونني مثل الأب الموجه لهم وهم يرجعون إلي باستمرار يسألوني ويستشيروني، مع أن قسما كبيرا منهم اليوم بدرجات الدكتوراه وأساتذة في الجامعات، فإذا عدني هؤلاء أو قالوا لي: أنت مرجعنا، فماذا أقول لهم؟ هل أغلق الباب بوجوههم؟
* ماذا كان هدفكم من وراء ذهابكم إلى الأنبار ولقائكم المعتصمين في الرمادي وإلقاء خطاب بهم؟
- الحقيقة، أنا ذهبت إلى ساحة الاعتصام في الرمادي لان الاعتصام بدأ هناك، ثم انطلق من هناك إلى الفلوجة ثم سامراء والموصل وديالى وصلاح الدين والحويجة وفي كركوك، ونحن خشينا أن تتحول هذه الاعتصامات من سلمية إلى أمر آخر فندخل في فتنة لا مخرج منها ويقع ضحيتها الناس الأبرياء فنتحمل نحن المسؤولية، هذا أمر، والأمر الآخر والأهم هو أننا كنا نأمل أن يغير هذا الاعتصام والتظاهر الوضع العراقي إلى الأحسن وينقذ العراقيين المظلومين ويلجئ السياسيين إلى التغيير لصالح الشعب من خلال المطالب المشروعة أو يلجئهم إلى ترك الحكم لغيرهم من الوطنيين، فقررنا الذهاب إلى الرمادي لتأييدهم وتشجيعهم في مطالبهم والشد على أيديهم، ومن هناك وجهت نصيحة للحكومة العراقية وقلت: يفترض أن مطالب المعتصمين منفذة أصلا إن كانت الحكومة تدعي الوطنية وأنها جاءت لمصلحة البلد، وإلى الآن هناك فرصة أمام الحكومة للتنفيذ. وقلت: هذه الجموع الحاشدة كانت ستخرج في مظاهرات تأييد للحكومة لو جرى تنفيذ المطالب جميعها فعليا، وخاطبناها حينها بخطاب إسلامي وطني معتدل غير هجومي طمعا في التأثير فيها للاستجابة، لكن الحكومة سدت آذانها، وأغمضت عينيها عن المطالب، بل قامت بمضايقة المتظاهرين وبقتلهم. وهذه المطالب لا تخص السنة فقط، بل لكل العراقيين، فهناك من الشيعة من هو مظلوم أيضا ومعتقل. والغريب، إننا كلما قدمنا نصيحة للحكومة نشهد ظهور ميليشيات مسلحة تستعرض علنا في شوارع بغداد وغيرها. وعندما اقترح البعض في ساحة الاعتصام بالرمادي تشكيل جيش لحماية المعتصمين قامت الدنيا ولم تقعد، بعدها مباشرة شاهدنا استعراضا لميليشيا ما يسمى جيش البطاط في شوارع بغداد وبعدها لميليشيا ما يمسى «عصائب أهل الحق»، فالجيش مسموح له لجهة دون أخرى.
* لماذا لم نسمع لكم موقفا أو رأيا قبل بدء الاعتصامات ولم يكن لكم ظهور قوي؟
- الذي يعرفني جيدا وقريب مني يعرف مواقفي تماما قبل الاحتلال وبعده، ويعرف مواقفي قبل الاعتصامات وبعدها، فكنت أبين رأيي وأحدد موقفي في كثير من الحالات والأحداث، وذلك إما مثبت على الورق وإما محفوظ في أذهان الكثير ممن له علم بذلك، إذ كانت لي مواقف ضد كثير من الأمور في زمن النظام السابق، وقبل الاحتلال كنت أول من أفتى، وأنا خارج العراق ومجموعة من العلماء في فتوى موحدة معهم، بتحريم دخول قوات عسكرية إلى العراق وعدها قوات محتلة ويجب منعها والجهاد ضدها، وكنت غير راض عن الدستور والعملية السياسية التي خلفها المحتل، وحرمت وأدنت ما يجري من قتل وتهجير للعراقيين الآمنين الأبرياء وحرمت وأدنت ما يجري من فساد مالي وإداري وأخلاقي ومن انعدام للخدمات. ولكن الذي حصل أن رأيي وموقفي وصوتي لا يصل إلى الجميع بسبب بعد الإعلام عني آنذاك، والإعلام لم يهتم بما أقول أو أكتب إلا بعد ذهابي إلى الرمادي ولقائي المعتصمين، فسلط الأنظار والأضواء علي فصار يهتم بما أقول؛ مما ولد في أذهان الناس أني كنت ساكتا غائبا بعيدا ولم أتكلم إلا بعد انطلاق الحراك وهذا خلاف واقعي، وما لبث الإعلام حتى ابتعد عني مرة أخرى من شهر رمضان الماضي وإلى اليوم إلا في بعض الأمور القليلة حسب ما تقتضيه مصلحة هذه القناة أو تلك، ولا أعرف ما وراء ذلك، فلم يبق بين يدي لإيصال صوتي للناس إلا موقعنا الإلكتروني (على شبكة الإنترنت).
* هل كنتم تشاركون الحراك الرأي في بياناته وقراراته قبل اتخاذها، وهل كان الحراك يشرككم في ذلك؟
- لا.. لم يطلب الحراك رأيي في قراراته أو خطواته ولا علم لي بها قبل اتخاذها، وكنت أعلم بها من خلال الإعلام، وكنت أخالفهم الرأي في بعضها، وهناك حقائق سلبية حصلت نتستر عليها حفاظا على وحدة الصف والكلمة وتركيزا على الهدف المنشود، ولكن قد تنكشف تلك الحقائق مستقبلا -إن اقتضت المصلحة.
* باعتقادكم، إلى متى ستستمر الاعتصامات في الرمادي وغيرها؟
- ستستمر حتى يجري تنفيذ مطالبهم المشروعة. وإذا أرادت الحكومة إنهاء الاعتصام فعليها الاستجابة لمطالبهم، وهي مطالب واضحة، وتتلخص في: إطلاق سراح النساء وبالذات اللاتي اعتقلن كرهائن بدلا عن الرجال، وإيقاف المداهمات للبيوت، وإنهاء الاعتقالات لمكون معين دون آخر (المكون السني)، وإلغاء قانون الإرهاب الذي استغل ضد مكون واحد، وتحقيق التوازن بالتساوي بين مكونات الشعب في جميع الأمور ومفاصل الدولة المفقود الآن، وإطلاق سراح المعتقلين الذين لم يجر التحقيق معهم أو محاكمتهم؛ لأن المحاكم تبرئ بعض المعتقلين لعدم ثبوت التهم عليهم، لكن الأجهزة الأمنية تبقيهم كي تبتز عوائلهم ماليا، وللأسف نسمع من رئيس الوزراء، أنهم أطلقوا سراح ستة آلاف معتقل! أين هؤلاء الذين أطلق سراحهم؟!! لو كان ذلك صحيحا لشاهدنا ستة آلاف عرس في بيوت العراقيين. عندما كانت قوات الاحتلال الأميركي سابقا تطلق سراح المعتقلين يجري تصويرهم وهم ينزلون من الحافلات وكيف تستقبلهم عوائلهم (المعتقلين)، ولماذا لا يجري تصوير المطلق سراحهم اليوم؟ أو لماذا لم يظهر على شاشة التلفزيون معتقلون جرى إطلاق سراحهم؟ أنا سألت في الرمادي والفلوجة والموصل وغيرها عما إذا كان هناك أي معتقلين أطلق سراحهم فيكون الجواب: لا أحد أطلق سراحه، بل اعتقل غيرهم بالمئات، ووكيل وزارة الداخلية (عدنان الأسدي) يقول: أتحدى وجود اسم امرأة واحدة معتقلة بسبب زوجها أو شقيقها أو ابنها، فقدم بعض المسؤولين 90 اسما لنساء معتقلات. المشكلة، هي أنهم يتحدثون في وسائل الإعلام، والواقع عدم صحة ما ادعوه. إذن، فض الاعتصامات بيد رئيس الحكومة وبيد كتلة «دولة القانون» التي لا تريد التصويت على العفو العام وإلغاء المادة 4 إرهاب التي تطبق على مكون دون مكون آخر، والمخبر السري الذي يؤخذ بكلامه كأنه وحي.
* هل جرت بينكم وبين المالكي مراسلات مباشرة أو تبادل حوارات عبر أشخاص حول الأوضاع في العراق أو في الأنبار؟
- لا أبدا.. لا قديما ولا حديثا؛ ما دام المسؤولون يحرفون كلامي أو يستغلونه لأغراض في أنفسهم، فلن أتحاور معهم ومع أي سياسي يغير في كلامي، وأنا لا ألتقي اليوم السياسيين، لأنهم يدعون بعد اللقاء أني باركت لهم خطواتهم وأيدتهم، وهذا لم يحصل. ومثل هذا حدث مثلا في موضوع إعلان الأقاليم، جاؤوني وتحدثوا معي حول هذا الموضوع فقلت لهم ببساطة - بعد نقاش طويل - إن محافظة صلاح الدين تقدمت للحكومة لإعلان المحافظة كإقليم، فدعونا ننتظر ونر ما النتائج، فخرجوا من عندي يقولون إنه موافق على إعلان الأقاليم، مع أن هذا لم يحدث.
* كيف تنظر لموضوع الأقاليم، أو تشكيل إقليم سني مثلا؟
- أنا أعد تشكيل الأقاليم بمثابة إلغاء للعراق؛ لأنه عندما جاء الخميني للسلطة في إيران نادى بتصدير الثورة وابتدأ بالعراق، وبني صدر وقتذاك قال: حدودنا تنتهي ببغداد لوجود طاق كسرى، فإذا صار إقليم سني، فهذا مبرر قوي لتشكيل إقليم شيعي، وهذا يعني تقوية إيران للتهيئة مستقبلا لالتهام الإقليم السني الذي لا داعم له كما التهم العراق عام 2003 رغم قوته، وإيران لن تقف عند بغداد، بل تريد اجتياح الوطن العربي. فالعراق سيكون ثلاثة أقاليم: الإقليم الكردي القائم، وإقليم سني، وآخر شيعي، وهذا مخاطره واضحة، ويعني تفتيت العراق، وإسرائيل يهمها تفتيت الدول الإسلامية كي لا تكون لهم كلمة موحدة، كما أن تقسيم العراق هو مشروع أميركي - إسرائيلي، فهما من وضعتاه في الدستور.
والجدير بالذكر أني عندما حرمت الإقليم لم أحرم أصل مشروعيته، فلم أحرمه لذاته، بل لغيره وهو إعلانه في العراق الآن وفق هذا الدستور والعملية السياسية الحالية، وهذا ما هو واضح في فتواي في الأقاليم التي هي مجرد اجتهاد شخصي مني وغير ملْزمة، فلو وجد دستور قوي يعطي الإقليم قوته لقلت بالأقاليم. والجدير بالذكر أيضا أن بعض المطالبين بالأقاليم من سياسيين وغيرهم من المغرضين عندما علموا أنه من المستحيل إقامة الأقاليم الآن قانونيا وبسبب وجود هذه الحكومة لم يخبروا الناس بذلك، بل إنما استغلوا هذا الأمر وأخبروهم بأن سبب عدم قيام الأقاليم هو فتوى عبد الملك السعدي للإيقاع بي بين الناس، وهذا لا يهمني، بل الذي يهمني هو إرضاء الله.
* بعض قادة السنة يقولون إن السنة العرب لا أب لهم وهم كالأيتام في العراق؟
- من الأب؟ هو من يرعاهم، ويفترض بمن يترأس الحكومة أن يكون أبا للجميع، للكردي والتركماني والعربي والشيعي والسني واليزيدي والمسيحي والصابئي، ولا يجوز أن ينحاز إلى قومية دون أخرى ولا إلى دين دون آخر ولا إلى طائفة دون أخرى، وعلى هذا الأساس فإن العراقيين كلهم اليوم بلا أب وكلهم أيتام باستثناء المجموعة المحيطة برئيس الوزراء مع أن قسما منهم غير راض عن الأوضاع، فلا نستطيع أن نقول إن المالكي يمارس أبوته على الصدريين ولا على المجلس الأعلى، والأب الكبير لهم هو إيران التي تريدهم أن يكونوا تحت مظلتها.
* يتحدثون في ساحات الاعتصامات وفي الإعلام عن محاولات لإبادة العرب السنة في العراق..هل تعتقدون ذلك؟
- هذا ما يجري اليوم.. وهو ليس محاولات، وإنما، بالفعل، هذا الأمر قائم الآن، في كل مناطق بغداد وخاصة السيدية والعامرية والمشاهدة والتاجي وحزام بغداد، وفي ديالى وفي المسيب والإسكندرية وغيرها، فهناك عمليات تهجير وقتل، ووصل بهم الأمر إلى أن يأمروا العائلات السنية في هذه المناطق بترك بيوتهم بواسطة مكبرات الصوت ويهددوهم بالقول: «اخرجوا من هنا أو نقتلكم»، أليست هذه عمليات إبادة؟! على الحكومة أن تتصرف بعيدا عن المذهبية والطائفية، وعلى رئيس الوزراء - وفي آخر شهور حكمه - أن يبادر إلى إجراءات حسن نية في إطلاق سراح المعتقلين وإيقاف المداهمات وإيقاف العمليات التي تنفذها قوات سوات (التدخل السريع) والميليشيات.
* الحكومة في العراق تحكم باسم الإسلام، وهناك أحزاب إسلامية شيعية وسنية مشاركة في هذه الحكومة، حسب رأيكم كيف يمكن أن يتطابق ذلك مع ما يحدث من قتل وفساد في العراق؟
- أنا قلت لهم أكثر من مرة: يجب أن تحذف كلمة إسلامي من الأحزاب السياسية. أما وجود حزب كذا الإسلامي فيجب أن يكون إسلاميا حقا بتطبيقاته وبحقيقته، أو أن يحذف وصف الإسلامي. الدين الإسلامي هو سياسة، والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حكم الدولة بالإسلام، والخلفاء الراشدون حكموا الدولة الإسلامية بمبادئ الدين، وسيدنا علي بن أبي طالب كان فقيها وينقل الحديث عن الرسول، وبليغا، وحكم الدولة بمبادئ الإسلام. أما ما يجري اليوم في السياسة باسم الإسلام فهذه تعاسة وخساسة وليست سياسة. إذن، إما أن تحترم كلمة إسلامي في وصف الأحزاب السياسية من قبل الأحزاب أنفسهم وإما تحذف، وليس هناك فرق بين سني وشيعي، فهناك أمور في الدين نتفق عليها كلنا، فنهب المال العام حرام عند السنة والشيعة بل تحرمه كل الأديان، وقتل الأبرياء حرام عند الكل، والاعتداء على الأعراض حرام عند الكل، واغتصاب المنازل حرام عند الكل، إلا عند أصحاب العقائد المنحرفة.
* باعتقادكم، ما حجم التدخل الإيراني في العراق؟
- الواقع يتحدث عن هذا الحجم، فالعراق يحكم بتعليمات من قائد جيش القدس ومن السفير الإيراني في بغداد، وهذا بالنسبة لإيران أفضل من الاحتلال العسكري المباشر بكثير.
* إيران تتدخل من باب علاقتها بالشيعة في العراق؟
- شيعة العراق, العرب الأصلاء , لا يرضون بالتدخل الإيراني أبدا، والقبائل العربية في الجنوب ترفض التدخل الإيراني كما ترفض هذه الحكومة الحالية في العراق.
* كيف تنظر للأوضاع في سوريا؟
- مسألة سوريا مسألة طائفية تماما، والحكومة العراقية تكيل مع القضية من هذا الجانب بمكيالين، فهي تعد التظاهر ومعارضة النظام في سوريا غير شرعي، بينما تنظر للمتظاهرين في البحرين كمعارضين وتعتبر خروجهم شرعيا، وهنا ازدواجية واضحة ومنطلقة من تصرف طائفي. لماذا مظاهرات البحرين مشروعة ومظاهرات السوريين ليست مشروعة؟ ولماذا تسمح الحكومة العراقية بمشاركة مقاتلين عراقيين لنصرة النظام السوري ضد المعارضة؟ إضافة إلى الطائرات التي تنطلق من بعض محافظات الجنوب إلى دمشق لدعم النظام هناك، وما يقال غير ذلك فهو كذب، وما عاد الكذب ينطلي على الشعوب، والحاكم يصبح هزيلا وصغيرا عندما يكذب.



هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
TT

هادي واليمن... وداع أعقب مساراً حافلاً بالتحوّلات

الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)
الرئيس اليمني السابق خلال خطابه أمام الاجتماع السنوي للأمم المتحدة (الأمم للمتحدة)

رحل الرئيس اليمني السابق المشير عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر ناهز 81 عاماً، وبذلك يطوي اليمن أحدَ أعقد فصوله السياسية والعسكرية منذ قيام الوحدة عام 1990؛ إذ يغيب الرجل الذي ارتبط اسمه بالمرحلة الانتقالية، والحوار الوطني، ثم الحرب الممتدة التي اندلعت عقب انقلاب الحوثيين على الدولة في أواخر 2014.

لم يكن هادي قائداً صدامياً أو خطيباً شعبوياً، بل ظهر طيلة مسيرته بوصفه رجل المؤسسة الهادئ، الذي فضل العمل بصمت، وتجنب المواجهات الحادة، حتى وهو في قلب أخطر الأزمات في تاريخ اليمن الحديث؛ مما جعله بين رؤيتين، فهناك من يراه شخصية توافقية جنبت البلاد انهيارات أكبر، وهناك من يحمله مسؤولية التراخي أمام تمدد الحوثيين وسقوط معظم مناطق شمال البلاد.

وُلد عبد ربه منصور هادي في 1 سبتمبر (أيلول) 1945 بقرية ذكين التابعة لمديرية الوضيع بمحافظة أبين جنوب اليمن، ونشأ في بيئة ريفية بسيطة قبل أن يتجه مبكراً إلى الحياة العسكرية.

تلقى تعليمه العسكري في عدد من الأكاديميات الخارجية، أبرزها «أكاديمية ساندهيرست» العسكرية الملكية في بريطانيا التي تخرج فيها عام 1966، كما حصل على دراسات عليا عسكرية في «أكاديمية ناصر» بمصر، ودورات تخصصية في الاتحاد السوفياتي السابق.

الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي يغادر الحياة بعد تاريخ حافل (إعلام حكومي)

تدرج هادي في المناصب العسكرية داخل جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية (جنوب اليمن سابقاً)، وتولى مواقع قيادية في سلاح المدرعات، قبل أن تشكل أحداث يناير (كانون الثاني) 1986 الدامية نقطة التحول الأبرز في حياته السياسية والعسكرية.

فبعد خسارة جناح الرئيس الجنوبي السابق علي ناصر محمد في تلك المواجهات، غادر هادي إلى صنعاء مع آلاف العسكريين الجنوبيين، ليبدأ مرحلة جديدة داخل الدولة اليمنية الشمالية، قبل قيام الوحدة بين الشطرين عام 1990.

برز اسم هادي بصورة أوضح خلال حرب صيف 1994، حين عينه الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيراً للدفاع في مواجهة محاولة الانفصال التي قادها نائب الرئيس حينها الراحل علي سالم البيض.

وبعد انتهاء الحرب وتثبيت الوحدة، اختاره صالح نائباً لرئيس الجمهورية في أكتوبر (تشرين الأول) 1994، ليبقى في المنصب نحو 18 عاماً، في إحدى أطول فترات شغل منصب نائب الرئيس في تاريخ اليمن.

خلال تلك السنوات، عُرف هادي بأنه «الرجل الصامت» داخل السلطة؛ إذ نادراً ما دخل في صراعات مراكز النفوذ، أو ظهر طرفاً في التنافسات القبلية والعسكرية التي أحاطت بالرئيس صالح. كما حافظ على صورة المسؤول الإداري والعسكري المنضبط؛ الأمر الذي جعله مقبولاً لدى أطراف داخلية وخارجية بوصفه شخصية غير صدامية.

رئيس المرحلة الانتقالية

مع اندلاع احتجاجات عام 2011 ضد حكم صالح، دخل اليمن مرحلة سياسية شديدة الاضطراب، انتهت بتوقيع «المبادرة الخليجية» التي نقلت السلطة إلى هادي بوصفه رئيساً توافقياً للمرحلة الانتقالية.

وفي فبراير (شباط) 2012، انتُخب هادي رئيساً توافقياً لليمن بدعم محلي وإقليمي ودولي واسع، وسط آمال بإنقاذ البلاد من الانهيار، وإعادة بناء الدولة على أسس جديدة.

وتمثلت أبرز محطات عهده المبكرة في رعايته «مؤتمر الحوار الوطني الشامل» بين 2013 و2014، وهو المؤتمر الذي جمع مختلف القوى السياسية والمجتمعية، بمن فيهم الحوثيون والحراك الجنوبي؛ بهدف صياغة مشروع دولة اتحادية حديثة.

وعدّ كثير من اليمنيين آنذاك «الحوار الوطني» فرصةً تاريخية لإنهاء الصراعات المزمنة والتأسيس لدولة جديدة، غير أن الأحداث اللاحقة دفعت البلاد إلى مسار مغاير تماماً، حيث اجتاح الحوثيون في سبتمبر (أيلول) 2014 العاصمة صنعاء وسيطروا على مؤسسات الدولة، قبل أن يفرضوا الإقامة الجبرية على الرئيس هادي.

الرئيس اليمني الراحل عبد ربه منصور هادي (إعلام حكومي)

ورغم تقديمه استقالته تحت الضغط، فإن هادي تمكن في فبراير (شباط) 2015 من الفرار إلى عدن، وأعلن تمسكه بشرعيته الدستورية، قبل أن تتوسع الهجمات الحوثية وتدفعه لاحقاً إلى الانتقال للرياض.

ومن العاصمة السعودية، قاد هادي السلطة الشرعية المعترف بها دولياً طيلة سنوات الحرب، مستنداً إلى دعم واسع من التحالف العربي بقيادة السعودية، وإلى غطاء سياسي وقانوني وفره قرار مجلس الأمن الدولي «2216».

وخلال تلك السنوات، احتفظت حكومته باعتراف الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وظل يمثل اليمن في المحافل الدولية رغم فقدان سلطته الفعلية على العاصمة المختطفة صنعاء وأجزاء واسعة من شمال البلاد.

جدل بشأن شخصيته وأدائه

أثارت شخصية هادي وأسلوبه في الحكم انقساماً واسعاً بين اليمنيين والمراقبين. فمنتقدوه رأوا أن طبيعته الهادئة، وميله إلى التريث، أضعفا مؤسسات الدولة في لحظات مصيرية، وأن بطء قراراته سمح للحوثيين بالتمدد والسيطرة على صنعاء. كما وُجهت إليه انتقادات تتعلق باعتماده على شبكات نفوذ حزبية وقبلية لم تنجح في حسم المعركة.

في المقابل، يرى مؤيدوه أن الرجل تسلم بلداً منهكاً وجيشاً منقسماً، وأنه واجه مشروعاً مسلحاً مدعوماً إقليمياً وسط ظروف جد استثنائية، ويرى هؤلاء أن هادي نجح في الحفاظ على الشرعية القانونية للدولة اليمنية، ومنع سقوطها الكامل في العزلة الدولية.

كما يشير مقربون منه إلى أن تمسكه بخيار الحوار والتوافق لم يكن ضعفاً، بل قناعة سياسية جنبت اليمن حروباً أوسع في المراحل الأولى من الأزمة.

اليمنيون انقسموا بشأن هادي بين مؤيد جهوده ومنتقد طريقة قيادته البلاد (أ.ف.ب)

حظي هادي طيلة فترة حكمه بدعم إقليمي ودولي استثنائي؛ إذ تبنت دول الخليج، وفي مقدمها السعودية، مسار انتقال السلطة في اليمن عبر المبادرة الخليجية.

كما تحول بعد انقلاب الحوثيين عنواناً للشرعية اليمنية الوحيدة المعترف بها دولياً، وحصل على دعم سياسي وعسكري واسع من التحالف العربي، إضافة إلى مساندة من الولايات المتحدة والدول الأوروبية.

واحتفظ اليمن خلال سنوات الحرب بمقعده في الأمم المتحدة والمنظمات الدولية باسم حكومة هادي، وهو ما عُدّ أحد أبرز إنجازاته السياسية، خصوصاً في ظل مساعي الحوثيين للحصول على اعتراف دولي.

مغادرة السلطة بهدوء

في أبريل (نيسان) 2022، أعلن هادي نقل كامل صلاحياته إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي، في خطوة عدّها كثيرون تحولاً مفصلياً داخل معسكر الشرعية.

وجاء القرار عقب مشاورات يمنية - يمنية استضافتها الرياض، وسط ضغوط لإعادة ترتيب القوى المناهضة للحوثيين، وتوحيد مكوناتها السياسية والعسكرية.

ولقيت الخطوة ترحيباً إقليمياً ودولياً واسعاً، بوصفها انتقالاً سلمياً ومنظماً للسلطة، بينما اختار هادي الابتعاد عن المشهد السياسي بصورة شبه كاملة خلال سنواته الأخيرة.

الرئيس اليمني السابق هادي رحل بهدوء بعد 4 سنوات من تسليمه قيادة الشرعية (رويترز)

وأعلنت الرئاسة اليمنية، الخميس، وفاة هادي بعد معاناة صحية، مشيدة بما وصفتها بـ«مواقفه الوطنية» ودوره في الحفاظ على الشرعية ووحدة اليمن.

وبرحيله، يغيب آخر رئيس قاد اليمن الموحد في ظل الاعتراف الدولي الكامل قبل تشظي مؤسسات الدولة والحرب المفتوحة التي فجرها الحوثيون المدعومون من إيران، تاركاً وراءه إرثاً سياسياً وعسكرياً سيظل محل نقاش طويل بين اليمنيين.

فالرجل الذي جاء إلى السلطة بوصفه «مرشح التوافق» وجد نفسه يقود بلداً ينهار تحت وطأة الانقسامات والانقلاب الحوثي، وظل حتى لحظة مغادرته الحكم متمسكاً بشرعية الدولة، قبل أن يرحل بهدوء، مسدلاً الستار على فصل بالغ التعقيد من تاريخ اليمن المعاصر.

اقرأ أيضاً


«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
TT

«ضيوف مصر» يستحضرون طقوسهم في العيد

سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)
سودانيون وسوريون وفلسطينيون يحرصون على التمسك بتقاليد بلدانهم (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

مع استضافة مصر أكثر من 9 ملايين وافد ولاجئ على أراضيها تبرز طقوس مختلفة للاحتفاء بعيد الأضحى، ويحرص من تطلق عليهم الحكومة «ضيوف مصر»، من سوريين ويمنيين وسودانيين وفلسطينيين وغيرهم، على التمسك بتقاليد بلادهم عبر مظاهر وعادات تعزز التقارب بين العائلات والأصدقاء، وتتشابه إلى حدٍّ ما مع طقوس مصرية راسخة.

وتسيطر «الأكلات التراثية» واللحوم بأنواعها المختلفة على الجزء الأكبر من مظاهر الاحتفاء بعيد الأضحى، ويبقى لدى من يقبعون داخل الأراضي المصرية رغبة في الشعور بالألفة والتكافل الاجتماعي في ظل أوضاع اقتصادية يعانيها بعضهم، وتوترات إقليمية تتصاعد وتيرتها في المنطقة وتؤثر عليهم وهم خارج حدود أوطانهم.

طقوس سودانية وأكلات تراثية

وللزيارات الاجتماعية أهمية كبيرة في عيد الأضحى، خاصة مع ظروف الحرب واللجوء.

مصلون يؤدون صلاة العيد في ساحات المساجد بمحافظات مصر (محافظة بورسعيد)

وتقول السودانية نوسيبا سعيد لـ«الشرق الأوسط» إن طقوس احتفالات السودانيين في مصر بعيد الأضحى تبدأ مبكراً قبل وقفة عرفات بنحو أسبوع؛ إذ يتم تجهيز «الحِنة» الحمراء التي تستخدمها النساء كأحد أهم مظاهر التزيّن في المناسبات، ثم صنع الحلوى السودانية. أما في ليلة العيد، فتبدأ الأسر في تجهيز بعض المكونات الخاصة بأكلات العيد.

وتحدثت نوسيبا، التي تقيم بمنطقة ترسا في محافظة الجيزة ولديها خمسة أطفال، عن أول أيام العيد قائلة: «البعض يشتري ذبيحة أو يتشارك مع مجموعة في أضحية واحدة بسبب الوضع الاقتصادي، وبعضنا يلجأ إلى شراء اللحوم، لكننا نحرص على توزيع أكبر قدر من الذبيحة على العائلات السودانية، ثم ننتقل إلى الزيارات العائلية».

تتناول نوسيبا إفطار اليوم الأول في أحد منازل أقاربها، ويكون حسب طقوس سودانية عبارة عن طهي «الكرشة»، ثم يكون الغداء في منزل آخر، ويتكون من الأكلات التراثية مثل «العصيدة والملاح والكبدة».

الحلوى الشامية تبرز في احتفالات السوريين

وتشكل «أكلات العيد» أحد أهم مظاهر احتفالات السوريين في مصر، بجانب الحلوى الشامية الشهيرة. يقول الشاب السوري خالد محمد لـ«الشرق الأوسط»: «المأكولات السورية والحلويات الشامية تكون حاضرة دائماً في عيد الأضحى، مثل (المنسف الحلبي) و(الشاكرية) و(المعمول)».

أطفال في احتفالية بمفوضية شؤون اللاجئين بمصر (أرشيفية - مفوضية شؤون اللاجئين)

ويسترسل خالد، الذي يعمل في أحد متاجر العطور بوسط القاهرة ويعيش بحي بولاق الدكرور، في الحديث عن مظاهر الاحتفال بالعيد فيقول: «أول أيام العيد يبدأ بزيارة العائلات والأصدقاء، ثم يتوجه الشباب أو العائلات إلى أماكن الترفيه في مصر مثل دور السينما والملاهي».

ومن أبرز مظاهر الاحتفال أيضاً التردد على المطاعم السورية المنتشرة بمناطق عديدة في القاهرة والمحافظات المختلفة. وقال: «السوريون المقتدرون يحرصون على توزيع لحوم الأضاحي على العائلات السورية غير المقتدرة، كما انتشر نظام (الشير)؛ إذ يتشارك مجموعة أشخاص في أضحية واحدة».

التقاليد التراثية الفلسطينية

على الرغم من بعض التشابه في طقوس الاحتفال بعيد الأضحى بين الشعبين، يحرص الفلسطينيون في مصر على التمسك بتقاليدهم التراثية بهدف الحفاظ على الهوية ونقلها إلى الأجيال الجديدة، بحسب عضو الهيئة الإدارية باتحاد الفنانين الفلسطينيين (فرع القاهرة) خالد أبو الفحم.

وأضاف أبو الفحم لـ«الشرق الأوسط»: «الفلسطينيون في مصر يمزجون بين التقاليد المصرية والفلسطينية. نحن نعيش ونعايش الطقوس المصرية بحكم إقامتنا منذ سنوات، ونحرص أيضاً على التمسك بطقوسنا الوطنية للحفاظ على هويتنا، سواء الأطعمة التقليدية أو الموسيقى التراثية».

أطفال يحتفلون بالعيد في مصر (أ.ب)

وكالسوريين والسودانيين، يحرص المقتدرون من الفلسطينيين والمنظمات والجمعيات الأهلية الفلسطينية على وصول لحوم الأضاحي إلى أبناء وطنهم في مصر «على أمل أن تقلل فرحة العيد معاناة التشرذم»، حسبما قال أبو الفحم في معرض حديثه عن أهمية التضامن الاجتماعي.

وأضاف: «نقدم أيضاً العيدية للأطفال، ونقوم بعد صلاة العيد بزيارات اجتماعية لأكبر عدد من الأسر الفلسطينية حيث نقسم أنفسنا إلى مجموعات، كما نحرص على زيارة الجرحى والمرضى الذين يتلقون العلاج بالمستشفيات المصرية».

تكافل اجتماعي بين اليمنيين

ولا يختلف الأمر في تفاصيل التضامن الاجتماعي والتمسك بالطقوس الوطنية عند اليمنيين. وتقول الثلاثينية فردوس سالم لـ«الشرق الأوسط»: «الأسر اليمنية في مصر تحرص على استدعاء الطقوس الوطنية خلال احتفالات عيد الأضحى؛ إذ نطهو الأطعمة اليمنية التقليدية، ونجهز الحلويات، ونشتري ملابس العيد للأطفال، ويحرص الكثيرون من كبار السن على ارتداء الملابس الوطنية اليمنية».

وتؤكد فردوس، التي تعيش في حي فيصل بمحافظة الجيزة: «أجواء العيد تبرز التكافل بين اليمنيين؛ إذ يقوم الكثيرون بإيصال لحوم الأضحية إلى منازل الأسر اليمنية، ثم نزور الأصدقاء والمعارف عقب صلاة العيد، يلي ذلك الخروج إلى المتنزهات أو التجمع في المطاعم اليمنية».


نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
TT

نبيل فهمي يستعد لقيادة الجامعة العربية خلال شهر

السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)
السفير نبيل فهمي المرشح لمنصب الأمين العام لجامعة الدول العربية (أرشيفية - الشرق الأوسط)

يستعد وزير الخارجية المصري الأسبق، السفير نبيل فهمي، لتسلم مهام منصبه أميناً عاماً لجامعة الدول العربية في الأول من يوليو (تموز) المقبل، خلفاً للأمين العام الحالي أحمد أبو الغيط الذي تنتهي ولايته في 30 يونيو (حزيران).

وكانت الدورة العادية الـ165 لمجلس وزراء الخارجية العرب، التي عقدت في مارس (آذار) الماضي عن بُعد عبر تقنية الاتصال المرئي، قد اعتمدت بالإجماع قراراً برفع توصية إلى الدورة العادية الخامسة والثلاثين للقمة العربية المقبلة بالمملكة العربية السعودية بدعم ترشيح فهمي أميناً عاماً للجامعة لمدة خمس سنوات اعتباراً من الأول من يوليو 2026.

وقالت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» إن الأمين العام الجديد بدأ بالفعل الاستعداد لتولي مهام منصبه، مشيرة إلى أن فهمي «زار مقر الجامعة بالعاصمة المصرية القاهرة وعقد لقاءات للتعرف على طاقم العمل».

كما عقد فهمي لقاءات مع عدد من المندوبين الدائمين بجامعة الدول العربية تناولت تعزيز دور الجامعة في دعم قضايا العمل العربي المشترك، كما عرض رؤيته للجامعة العربية وتطوير آليات العمل المشترك.

نبيل فهمي يلتقي المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى الجامعة العربية مهند العكلوك (مندوبية فلسطين)

وفي مطلع الشهر الحالي، التقى فهمي السفير مهند العكلوك، المندوب الدائم لدولة فلسطين لدى جامعة الدول العربية، في مكتبه بالقاهرة. ووفق بيان لمندوبية فلسطين «دار النقاش حول تعزيز فعالية جامعة الدول العربية في إطار الدفاع عن القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، بما يشمل تنفيذ قرارات مجلس الجامعة على مستوى القمة ووزراء الخارجية والمندوبين الدائمين».

كما تناول الحديث «تعزيز الأمن القومي العربي وتطوير آليات العمل العربي المشترك في إطار جامعة الدول العربية وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجه المنطقة العربية».

وقال أحد المصادر إن فهمي في طريقه للتثبيت أميناً عاماً للجامعة العربية من خلال تصديق القادة العرب على قرار وزراء الخارجية عبر عدة احتمالات، سواء عقدت قمة في موعدها أو أُرجئت.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «في ظل صعوبات عقد اجتماع على مستوى القادة العرب، فإن المشاورات الجارية حالياً قد تفضي إلى إتمام التصديق على تعيين فهمي عبر اجتماع افتراضي».

وقال مصدر دبلوماسي عربي آخر: «الوقت الضاغط يُصعّب التحضير للقمة وعقدها قبل موعد تولي الأمين العام الجديد مهام منصبه»، مضيفاً أن «الأمور قد تتضح بعد إجازة عيد الأضحى، لا سيما مع استمرار التوتر في المنطقة وعدم الوصول إلى اتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران».

ولفت مصدر ثالث إلى «إمكانية تسلم فهمي منصبه اعتماداً على قرار من وزراء الخارجية العرب أسوة بتجارب سابقة».

السفير نبيل فهمي خلال لقائه مندوب اليمن لدى جامعة الدول العربية (صفحة نبيل فهمي على «فيسبوك»)

وكان الأمين العام الحالي أبو الغيط قد عُين بقرار من مجلس وزراء الخارجية العرب، في دورة غير عادية عقدت بمقر الأمانة العامة بالقاهرة في مارس 2016، بناء على تفويض من القادة العرب إلى رؤساء الوفود المشاركين في الاجتماع. وتسلم مهام منصبه في يوليو من العام نفسه دون الحاجة إلى عقد قمة عربية للتصديق على قرار تعيينه.

يذكر أن نبيل فهمي شغل منصب وزير الخارجية المصري في الفترة من يونيو 2013 إلى يوليو 2014، كما عمل سفيراً للقاهرة في واشنطن خلال الفترة من 1999 إلى 2008، وفي اليابان من 1997 إلى 1999. وعمل والده إسماعيل فهمي، وزيراً للخارجية في عهد الرئيس المصري الراحل أنور السادات خلال الفترة من 1973 وحتى 1977.