«فيكتوريا آند ألبرت» يحتضن معرض «جائزة جميل للفنون» ويتوج الفائزين

من السياسة لإدارة المتاحف... مدير المتحف تريسترام هنت في حوار مع «الشرق الأوسط»

مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
TT

«فيكتوريا آند ألبرت» يحتضن معرض «جائزة جميل للفنون» ويتوج الفائزين

مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)
مارينا تبسم «مسجد بيت روف» (تصوير: ساندرو دي كارلو دارسا)

احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» بلندن ليلة أول من أمس حفل توزيع جوائز الدورة الخامسة من جائزة جميل للفن الإسلامي، وخلافاً للمتَّبَع منحت جائزة هذه الدورة لشخصين: الفنان العراقي مهدي مطشر والفنانة البنغلاديشية مارينا تبسم. الأعمال الفائزة تُعرَض حالياً مع بقية الأعمال في القائمة القصيرة بالمتحف حتى شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ثم سينتقل العرض للقيام بجولة عالمية حتى تصل لمحطتها الأخيرة في مركز جميل للفنون بدبي.
الفنان مهدي مطشر فاز بالجائزة عن عمله الذي يعتمد لغة التجريد البسيطة المتأصلة في التقاليد الإسلامية للهندسة. في حين حازت مارينا تبسم على نفس الجائزة عن عمل «مسجد بيت روف»، الذي بني في عام 2012 في دكا، بنغلادش.
وخلال حوار مع تريسترام هنت مدير متحف «فيكتوريا آند ألبرت»، أشار إلى أن المداولات بين أعضاء لجنة التحكيم التي يرأسها، واجهت صعوبة في الاختيار ما بين العملين الفائزين، وبالتالي كان القرار بمنح الجائزة مناصفة للمرة الأولى في تاريخ الجائزة. وبشكل ما يرى هنت أن أعمال مطشر وتبسم يكملان بعضهما على الرغم من اختلافهما، فهو قدم تشكيلات من الخط العربي بينما تقدمت تبسم بتصميم معماري، يتناغمان بشكل مدهش. يضيف: «كلما تناقشنا أكثر حول اختيار الفائز بدا لنا أن منحها لفائزين أمر صائب، وهو ما اتضح لنا بمجرد الإعلان عن ذلك، فالفائزان يكملان بعضهما بشكل فريد وغير متوقع، فمطشر يعمل منفرداً، بينما تعمل تبسم في إطار مجتمعي. هو لديه حس الفنان المغترب بينما عملها يحمل داخلة الإحساس بالمجتمع. إضافة إلى أن كلاً منهما يستمد تقاليد العمل من الموجة الحديثة في الفن»، ويستكمل: «هناك روعة بصرية لتصميم تبسم والأهمية التي يمثلها بالنسبة للتصميم المعماري للمساجد، فهي خرجت عن التصميمات المتداولة لمبنى المسجد، وتصميمها متجذر بقوة في التقاليد والحرف المحلية في بلدها بنغلاديش».
أسأله عن رأيه في باقي الأعمال التي وصلت للقائمة القصيرة للجائزة وتعرض ضمن معرض «جائزة جميل» بالمتحف حالياً، يقول: «أعجبني عمل الفنانة هيف كهرمان فهو خليط جميل يجمع بين التأثير الأوروبي والإسلامي، كذلك العمل المقدم من مجموعة نقش (يدمج ما بين النحت وتقاليد التطريز في المشرق العربي)، ولكن عموماً كل الأعمال كانت مميزة، وهو ما جعل الاختيار بينها صعباً للغاية».
لا يجد هنت حرجاً في القول إنه جديد على أجواء المتحف، وهو ما يؤكده في إجابته عن تساؤلي إن كان قد شاهد أعمالاً سابقة للفنانين المشاركين أو كان على معرفة بها، ببساطة محببة يقول: «ليس كلهم، من خلفيتي كمؤرخ وسياسي، فالميدان هنا غير مألوف بالنسبة لي، كنت أتعلم خلال التحكيم وحتى كنت أحاول أن ألفت نظر المحكمين الآخرين الذين لديهم خبرة أعمق وأكبر مني لبعض النقاط، فالكثير من أعضاء اللجنة كانوا متابعين للفنانين وأعمالهم لوقت طويل، وكانت نظرتي للأعمال جديدة ومن الخارج. ما أحضره معي كوافد من خارج الوسط هو المؤسساتية المتحفية التي يمثلها (فيكتوريا آند ألبرت)، التي نعتقد أنها أساسية فيما نعمله».
كان من الطبيعي أن أسأله عن رأيه في جائزة جميل وما حققته خلال دوراتها الخمسة. يجيبني قائلاً: «الجائزة لها شعبية ضخمة ونجد أنفسنا نحاول أن نتعامل مع ذلك التفاعل من الفنانين المتقدمين لها».
ألتقط من حديث هنت خيطاً مهمّاً وأسأله إن كانت هناك معايير للاختيار بين الفنانين المعروفين الذين لهم مكانة على الخريطة الفنية والفنانين الناشئين. يجيب بأن الجائزة خلال تاريخها مُنِحت لفنانين فوق الستين ولآخرين في العشرينات من النساء والرجال، «هناك تنوع كبير في الفائزين ويجب ألا نشعر كلجنة تحكيم بأن هناك ضغطاً اجتماعياً لتحديد النتيجة، جودة العمل هي المعيار وما يجب علينا التأكد منه هو أن تكون الاختيارات متنوعة ومجالها كبيراً».
هنت تسلم العمل مديراً لمتحف «فيكتوريا آند ألبرت» في يناير (كانون الثاني) 2017، وكان وقتها قادما من المجال السياسي حيث كان يشغل منصب وزير التعليم في حكومة الظل بحزب العمال، ولكنه أيضاً حاصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة كمبردج.
بعد عام ونصف العام من تسلمه إدارة المتحف اللندني العريق أجدني أتجه بالحديث لما يعتقد أنه أنجزه خلال الفترة «ماذا كانت توقعاتك وطموحاتك عندما تسلمت العمل هنا وما الذي تحقق منها؟» يجيب: «كان شرفاً كبيراً لي أن أتسلم قيادة هذه المؤسسة، وأتمنى أن أكون قد نجحت خلال عام ونصف العام في دعم الجانب التعليمي في أنشطة المتحف تحديداً في مجالي التصميم والتكنولوجيا، خصوصاً في هذا الوقت الذي تشهد فيه أجزاء كبيرة من بريطانيا تراجعاً في تعليم الفنون والتصميم».
خلال الفترة القصيرة الماضية قدّم المتحف مجموعة من المعارض الضخمة التي نجحت في جذب عدد كبير من الجمهور لأروقة المتحف، كمثال معرض «ويني ذا بو» ومعرض «السفن عابرة المحيطات»، ومعرض «المستقبل يبدأ من هنا»، وأخيراً «معرض (فريدا كالو)». يبتسم هنت عند ذكر كل تلك المعارض ويقول إن أعداد الزوار كانت كبيرة وإيجابية ولكنه يُرجِع فضل النجاح المستمر لعمل فرق المنسقين والخبراء في المتحف.
يبدو اهتمام هنت بالتعليم واضحاً لا سيما أنه شغل منصباً وزارياً سابقاً معنياً بالتعليم، وفي خطته لإدارة «فيكتوريا آند ألبرت» يشير هنت إلى أن الاهتمام سيتجه أيضاً لمتحف «الطفولة» (تشايلدهود) التابع للمتحف العريق قائلاً إنه لم يتلقَّ الاهتمام الكافي، ويضيف: «سترين بعض النتائج في الخريف المقبل لكل ما نعمل عليه حالياً، خصوصاً في الأحياء المحرومة في لندن حيث تواجه المدارس ضغطاً كبيراً لتوفير مناهج إبداعية، وهنا يأتي دور المتاحف في توفير ذلك التعليم الفني لملء الفراغ في المجتمع المحلي، وبالنسبة لمتحف الطفولة فالتحدي أمامنا يتمثل في الاستفادة من مجموعة القطع الفنية الموجودة هناك».
- ما الذي يحمله المستقبل من معارض؟
أحاول معرفة بعض التفاصيل عن برنامج المعرض المقبل في «فيكتوريا آند ألبرت» ولكن هنت يبتسم بغموض، قائلاً: «راقبي هذه المساحة جيداً، فستكون هناك أخبار مهمة آتية في الطريق».
ولكنه يحرص على الإشارة لمعرض المتحف حول «ألعاب الفيديو»، الذي سيفتح أبوابه في الثامن من شهر سبتمبر (أيلول) المقبل، وافتتاح جناح التصوير الفوتوغرافي في شهر أكتوبر (تشرين الأول).
بالنسبة للمعارض المختلفة التي أقامها المتحف خلال الفترة الماضية والمعارض المقبلة أيضاً يوجد تنوع كبير ومدى واسع للموضوعات المطروحة، فالمعروف أن «فيكتوريا آند ألبرت» مختص بالتصميم والأزياء ولكن المعارض المختلفة التي قدمت في الأشهر الماضية كانت متنوعة بشكل كبير مثل معرض «المستقبل يبدأ هنا»، الذي يستعرض التكنولوجيا في حياتنا وتطورها.
يعترف بأن التحدي أمامه وأمام العاملين في المتحف هو الخروج عن الصورة النمطية له، التي عبَّر عنها هنري كول أول مدير للمتحف بقوله إن «فيكتوريا آند ألبرت» يمثل «ملجأ للمجموعات المنبوذة» أو وصفه بأنه «مخزن الأمة». يضيف: «لدينا مقتنيات تمثل 17 مجموعة قومية تتنوع محتوياتها ما بين الفنون والتصوير والنحت والسيراميك والأزياء... مضمار واسع ومتنوع، نحاول أن نقدم تغليفاً جديداً لها من خلال شعار (الابتكار والبراعة)».
- الحفاظ على الآثار
يحرص هنت على الحديث عن الجدال الدائر حول الحقبة الاستعمارية في تاريخ بريطانيا، وما جلبت معها من قطع أثرية لمتاحف الدولة، يشير إلى أنه يتعامل مع الأمر بكل شفافية ويرشح أن يكون التعامل مع القضية الحساسة من خلال المختصين: «في المقام الأول يجب أن يقود النقاش مديرو المتاحف والمنسقون والباحثون، لا السياسيون. لأن رجال السياسة سيتعاملون معها من ذلك المنطلق وستكون الحلول مصبوغة بالحاجات السياسية مثل الدفاع أو التجارة. لهذا يجب أن نكون، كمتحفيين، داخل المناقشة، نحدد أبعادها ونقودها أيضاً. والأهم أن نكون شفافين بشأن مصادر القطع والمجموعات الإثنية الموجودة لدينا. بعد ذلك أرى أن نتعامل مع الأمر بشكل منهجي وأكاديمي قطعة بقطعة».
يشير إلى وجود بعض المقولات بأن مجموعة القطع من شرق آسيا في المتحف سُرِقَت خلال فترة استعمار الهند ويختلف مع ذلك قائلاً: «الحقيقة أن أجزاء كبيرة من المجموعات القادمة من آسيا تكونت على مر السنين عبر الشراء القانوني والقول إنها كلها وصلت لهنا عبر النهب والسرقة غير صحيح، ولهذا أرى أننا يجب أن نتعامل مع الأمر بطريقة علمية».
ويرى أن فرنسا تقود أوروبا في خطط ثقافية قد تقدم بعض الحلول عبر الاستثمار في الدول النامية، وتوفير السبل لها لحماية الآثار الموجودة حالياً في مجموعات أوروبية لتتمكن المتاحف الغربية وقتها من تطوير نظام للتعاون وللإعارة. ويعترف بأن الأمر حساس للغاية، قائلاً: «أفهم تماماً عندما نعرض على بلد ما أن نعيره بعض القطع من مجموعتنا أن يأتيني الجواب (لا نريد استعارة بل نريد استعادة القطع)، أتفهم ذلك تماماً، ولكنني أعمل تحت ضوابط قانونية وتشريعية».
وفي نهاية الحديث يؤكد أن عملية اقتناء قطع جديدة محكومة بتوصيات منظمة «اليونيسكو» الصارمة.



طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
TT

طرق طبيعية لزيادة المغنيسيوم دون مكملات

يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)
يمكن زيادة المغنيسيوم في الجسم بتناول الأطعمة الغنية به كالمكسرات والخضراوات الورقية (جامعة ولاية أوهايو)

يُعدُّ المغنيسيوم من أهم المعادن الضرورية لصحة الإنسان، ومع ذلك لا يحصل كثير من الأشخاص على الكمية الكافية منه يومياً، وفقاً لخبراء التغذية.

ويؤدي هذا المعدن أدواراً حيوية في الجسم؛ إذ يساهم في تنظيم ضغط الدم ومستويات السكر في الدم، ويدعم جهاز المناعة وصحة العضلات، كما يساعد على تحسين جودة النوم، من خلال تعزيز الاسترخاء، وتحفيز إنتاج هرمون الميلاتونين، حسب صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية.

وتقول اختصاصية التغذية السريرية الأميركية، بيثاني ماري دورفلر، من مركز «نورثويسترن» لصحة الجهاز الهضمي، إن الاهتمام بالمغنيسيوم ازداد بشكل ملحوظ؛ خصوصاً مع انتشار مشكلات الأرق؛ حيث يتساءل كثير من المرضى عن مدى إمكانية استخدامه لتحسين النوم.

وتشير إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالمغنيسيوم ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بأمراض القلب والسكتات الدماغية، كما تساعد في زيادة كثافة المعادن في العظام، ما يقلل من خطر الكسور وهشاشة العظام.

ورغم هذه الفوائد، أظهرت بحوث أن نحو نصف الأميركيين لا يستهلكون الكميات الموصَى بها من المغنيسيوم، ولكن الخبراء يؤكدون أن الحل لا يتطلب بالضرورة تناول مكملات غذائية؛ بل يمكن تحقيقه بسهولة عبر تحسين النظام الغذائي.

وتوضح دورفلر أن معظم الأشخاص الأصحاء لا يحتاجون إلى مكملات؛ بل إلى زيادة تناول الأطعمة النباتية، مشيرة إلى أن الجسم يمتلك آليات ذكية للحفاظ على المغنيسيوم، مثل تقليل فقدانه عبر الكلى.

وتوصي الجهات الصحية بأن تستهلك النساء البالغات ما بين 310 و320 ملِّيغراماً يومياً حسب السن، بينما يحتاج الرجال إلى ما بين 400 و420 ملِّيغراماً يومياً، مع زيادة طفيفة خلال فترة الحمل.

وتُعد حالات النقص الشديد نادرة، وغالباً ما ترتبط بمشكلات صحية، مثل أمراض الكلى أو اضطرابات الجهاز الهضمي التي تؤثر على امتصاص العناصر الغذائية.

مصادر غذائية

توجد عدَّة طرق فعَّالة لزيادة المغنيسيوم من خلال الطعام دون الحاجة إلى المكملات الغذائية، وذلك عبر التركيز على أطعمة طبيعية غنية بهذا المعدن الأساسي.

وتُعدُّ بذور اليقطين من أغنى المصادر بالمغنيسيوم؛ إذ يوفر ربع كوب منها نسبة كبيرة من الاحتياج اليومي، كما يمكن إضافتها بسهولة إلى السلطات أو تناولها كوجبة خفيفة بين الوجبات الرئيسية.

كما تُعتبر المكسرات والبذور مثل اللوز والكاجو وبذور الشيا خيارات غذائية مهمة، فهي لا توفر المغنيسيوم فحسب؛ بل تحتوي أيضاً على دهون صحية مفيدة للجسم.

أما البقوليات والحبوب الكاملة، مثل الفاصوليا السوداء والحمص والكينوا، فهي مصادر غنية تجمع بين المغنيسيوم والألياف والبروتين، ما يجعلها جزءاً أساسياً من النظام الغذائي المتوازن.

وتساهم الخضراوات الورقية الداكنة، مثل السبانخ، في تعزيز مستوى المغنيسيوم في الجسم، إلى جانب ما تحتويه من فيتامينات ومعادن مهمة تدعم الصحة العامة.

كما يمكن الاعتماد على مجموعة متنوعة من الأطعمة النباتية، مثل التوفو والأفوكادو وحليب الصويا، والتي يسهل دمجها في الوجبات اليومية للحصول على تغذية متكاملة.

ويشير خبراء التغذية إلى أن تنويع النظام الغذائي وزيادة الاعتماد على الأطعمة النباتية يُعدان الطريقة الأكثر أماناً وفاعلية لتلبية احتياجات الجسم من المغنيسيوم، مع فوائد إضافية تشمل دعم صحة القلب والعظام وتحسين جودة النوم.


تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
TT

تطوير أم تجريف... ماذا يحدث في مسار «ترام الإسكندرية»؟

مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)
مجلس الوزراء المصري نفى إزالة ترام الرمل بشكل نهائي (مجلس الوزراء المصري)

في حين تواصل الجرافات والمعدات الثقيلة عملها في الإسكندرية ضمن مشروع إعادة تأهيل «ترام الرمل»؛ ارتفعت أصوات مواطنين بالإسكندرية للمطالبة بالتصدي لما يحدث في مسار الترام، معتبرين إزالة المحطات التاريخية «طمساً لذاكرة المدينة واعتداءً على هويتها البصرية».

ويخضع «ترام الرمل»، نسبةً إلى منطقة محطة الرمل، أو «الترام الأزرق» حيث لونه المميز، في الوقت الحالي لعملية تطوير شاملة ليحل محله ترام متطور، إذ تتضمن خطة التطوير هيكلة شاملة تتضمن تجديد القضبان وعربات الترام، واستخدام قطارات كهربائية مكيفة ومجهزة بأحدث سبل الراحة، وإنشاء أنفاق للمشاة و«كباري» أمام إشارات المرور والمزلقانات لاختصار زمن التقاطر؛ مما يسمح بتقليل وقت الانتظار ومضاعفة طاقته الاستيعابية، وزيادة سرعته.

ويُعدّ ترام الإسكندرية من أقدم شبكات الترام في العالم، حيث بدأ إنشاؤه عام 1860 ليكون أول وسيلة نقل جماعي في مصر وأفريقيا، وفي عام 1863 افتُتح الخط لنقل الجمهور بقطار واحد تجره الخيول، قبل أن تتم كهربته بالكامل عام 1904، حيث استعملت المركبات الكهربائية فى نقل الركاب، وفقاً لـ«الهيئة العامة لنقل الركاب بمحافظة الإسكندرية».

هدم محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية أثار انتقادات (المحامي المصري محمد فتوح)

وتداول نشطاء التراث والبيئة وكذلك حقوقيون، خلال الساعات الماضية، مقاطع فيديو وصوراً تُظهر تعرض محطات الترام التاريخية للهدم، كان أبرزها محطة إيزيس أو «بولكلي»، والتي تعرف شعبيا بمسمى «بوكلا»، مما دعاهم إلى إطلاق حملات واستغاثات للمسؤولين والجهات المعنية لإنقاذ هوية الإسكندرية، مشددين على أن هدم المحطات يعد مخالفة للقانون ويأتي خلافاً لتفاصيل التطوير المعلنة.

كان من أبرز تلك الحملات ما تم توجيهه إلى وزيرة الثقافة المصرية، جيهان زكي، للحفاظ ما تبقى من تراث الإسكندرية، وممارسة سلطتها القانونية في حماية محطات الترام كمعالم تاريخية بالمدينة.

وقال المحامي المصري، محمد فتوح، صاحب الحملة، والذي تقدم قبل أسابيع بدعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري لإلغاء مشروع تطوير ترام الرمل بالإسكندرية، إن النشطاء بالمدينة ليسوا ضد التطوير، فهم يدعمون أي خطوات نحو التقدم، لكنهم يشددون على أن التطوير يجب أن يتم بطريقة تحافظ على الهوية البصرية للمدينة الكوزموبوليتانية، وتحمي تراثها وتاريخها من الاندثار.

محطات ترام الرمل تضم معالم معمارية تعكس هوية المدينة (سيرة الإسكندرية)

وأضاف فتوح لـ«الشرق الأوسط»، أن محطة إيزيس (بولكلي) هي درة معمارية يتجاوز عمرها 163 عاماً، ومسجلة رسمياً في مجلد الحفاظ على التراث المعماري بالإسكندرية تحت رقم توثيق 1898، حيث تتميز المحطة بعناصر معمارية فريدة، أبرزها العمود الكبير المزود بأربع ساعات على غرار ساعة لندن، والذي كان رمزاً بصرياً يمكن مشاهدته من جميع الاتجاهات، مشيراً إلى أن «مشهد هدم هذا العمود أمام أعين الناس يعد بالنسبة للنشطاء ليس مجرد فقدان قطعة أثرية، بل محو لمعالم معمارية تعكس هوية المدينة».

ويؤكد فتوح أن هدم المحطة لم يكن مطروحاً ضمن خطط التطوير المعلنة، واصفاً ما يحدث حالياً بأنه عكس ما تم الترويج له تماماً، إذ كان الحديث يدور عن تحسين المرافق وتجميلها، لا عن محوها بالكامل، موضحاً أن «هدم أصل تراثي مسجل يُعد مخالفة صريحة للقانون».

كما يشير إلى أن المحطة كانت تحتضن أشجاراً قديمة أُدمجت في تصميم المبنى خلال أعمال تطوير سابقة عام 2008، على غرار ما يحدث في المدن الأوروبية، حيث تُحافظ المباني على الأشجار كجزء من المشهد العمراني، لكنها أُزيلت هي الأخرى، وهو ما يجعل المشهد أكثر إيلاماً».

وبيّن أن المطالبة الأساسية للنشطاء هي أن يتم مشروع تطوير الترام في إطار يوازن بين التحديث والحفاظ على التراث، بحيث لا يُجرف تاريخ الإسكندرية تحت شعار التطوير، فالمطلوب هو نموذج يدمج بين التقدم العمراني وصون الذاكرة الجمعية، ليبقى الترام ومعالمه جزءاً حياً من شخصية المدينة.

ويلفت المحامي السكندري إلى أن نزاعه القضائي لإلغاء مشروع تطوير الترام لا يزال منظورا أمام ساحات القضاء، مؤكداً أن «محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية أصدرت أمراً قضائياً باختصام رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري (التابع لوزارة الثقافة)، وإلزامه بتقديم مذكرة توضح طعونه واعتراضاته الفنية على القرار الخاص بالمشروع، وإلزامه بأن يكشف للمحكمة هل وافق فعلاً على هدم محطات الترام؟».

محطة «بولكلي» التاريخية بمسار ترام الرمل في الإسكندرية (المحامي المصري محمد فتوح)

من ناحية أخرى، يؤكد النائب حسام حسن، عضو مجلس النواب المصري، الذي سبق أن قدم إحاطة برلمانية موجّهة إلى وزير النقل والمواصلات، بشأن وقف تشغيل ترام الرمل، لما أثاره من تساؤلات تتعلق بحماية المال العام والحفاظ على التراث، أن «أزمة الترام لا تتعلق بالإسكندرية وحدها، بل هي جزء من مشكلة أوسع تتمثل في طرح مشروعات التطوير دون مشاركة مجتمعية حقيقية أو مراعاة للبعد الشعوري للمواطنين أو حتى في تسويق مشروعات التطوير».

وأضاف حسن، لـ«الشرق الأوسط»، أن غياب هذه المشاركة يجعل الأفراد يشعرون بأن هويتهم تُنتزع منهم، مشيراً إلى أن «مواطني الإسكندرية يرون في الترام جزءاً من شخصيتهم وهويتهم، وأن فقدان هذا المعلم التاريخي يُفسَّر على أنه انتزاع لجزء من ذاكرة المدينة»، موضحاً أن «المصريين بطبيعتهم مرتبطون بالتراث والهوية البصرية، لكن غياب الاعتبار لهذه القيم في مشروعات التطوير يخلق فجوة بين الخطاب الرسمي وما يعيشه المواطن على أرض الواقع»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أن القيادة السياسية تتحدث عن أهمية الهوية البصرية، لكن التنفيذ على الأرض لا يراعي هذه الاعتبارات، وهو ما يفسر حالة الغضب الشعبي من هدم معالم تاريخية مثل محطة ترام بولكلي، مؤكداً أن الشعب المصري مرتبط بأرضه وتاريخه، وأي مشروع لا يضع هذا الارتباط في الاعتبار يظل مهدداً بفقدان ثقة الناس فيه.

كان المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري قد أوضح في بيان خلال فبراير (شباط) الماضي، عدم صحة ما تردد حول إزالة ترام الرمل بشكل نهائي، لافتاً إلى «تأكيد وزارة النقل أن ما يجري هو تنفيذ أعمال إعادة تأهيل وتطوير للمشروع».

وبدورها، شددت محافظة الإسكندرية على أن مشروع تطوير «ترام الرمل» لا يستهدف إلغاءه بأي حال، وإنما يهدف إلى الحفاظ عليه وتطويره ليواكب متطلبات النقل الحديث، مع تحقيق أعلى معايير السلامة والكفاءة البيئية، مؤكدةً أن جميع الدراسات والإجراءات التنفيذية تمت وتتم وفق أسس علمية وفنية دقيقة، وبمشاركة جهات استشارية دولية ووطنية متخصصة.

Your Premium trial has ended


اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
TT

اكتشافات جديدة في «موقع السرين» تعكس الصلات الحضارية بين السعودية والصين

نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)
نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025 للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري (هيئة التراث)

كشفت أعمال التنقيب في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، عن أدلة جديدة توثِّق عمق الروابط التجارية والحضارية، التي شهدها واحد من أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر، حيث أدى دوراً محورياً في التجارة والحج والملاحة بين اليمن ومكة المكرمة وشرق آسيا وأفريقيا، مُسجِّلاً ذروة ازدهاره الحضاري خلال القرنين الرابع والخامس الهجريَّين.

وأعلنت هيئة التراث، الثلاثاء، نتائج جديدة لأعمال التنقيب الأثري لعام 2025م للبعثة السعودية - الصينية في «موقع السرين» الأثري بمحافظة الليث بمنطقة مكة المكرمة، ضمن جهودها لتوثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية، وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ التاريخية الإسلامية على ساحل البحر الأحمر.

ومن أبرز المكتشفات المُوثَّقة، جزء من جرة خزفية صينية تعود إلى عصر سونغ الشمالية (960 - 1127م)، تتميَّز بوجود بقايا ختم زخرفي يحمل رموزاً كتابية صينية متضررة وغير مقروءة، وتعدُّ شاهداً أثرياً على الاتصال التجاري بين جنوب الصين وسواحل البحر الأحمر خلال العصر الإسلامي.

شهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه والمباخر الفخارية والأدوات الحجرية (هيئة التراث)

وأظهرت أعمال الموسم الرابع من أعمال التنقيب في «موقع السرين»، عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب بالموقع، شملت توثيق وحدات سكنية وخدمية وتخزينية، ومواقد فخارية تعكس أنشطة الحياة المعيشية، إلى جانب الكشف عن سور يحيط بالموقع ويمتد في الجهات الجنوبية والشمالية والغربية، بما أتاح قراءة أوضح لتنظيم الموقع وحدوده العمرانية.

وأسفرت أعمال التنقيب ضمن السياق المعماري، عن بقايا مسجد في الجهة الجنوبية الغربية من الموقع، ولا تزال أعمال التنقيب والدراسة مستمرة فيه، مع توقُّع امتداد العمل إلى الموسم المقبل نظراً لأهميته في فهم البنية الدينية والتنظيم الحضري لمدينة السرين.

وشهد الموسم توثيق معثورات أثرية متنوعة شملت الفخار بأنواعه، والمباخر الفخارية، والأدوات الحجرية، وخرز العقيق، والزجاج، إلى جانب مواد عضوية عبارة عن أصداف وعظام حيوانية، بما يعكس تنوع الأنشطة الاقتصادية والمعيشية لسكان الموقع.

وتستمر أعمال التنقيب والدراسة في «موقع السرين» الأثري خلال المواسم المقبلة؛ حسبما أكدت هيئة التراث؛ وذلك بهدف بناء تصور علمي متكامل لتاريخ الاستيطان، والتطور العمراني، وإبراز القيمة الحضارية للموقع بوصفه أحد أهم الموانئ التاريخية على ساحل البحر الأحمر.

التنقيب يأتي ضمن جهود توثيق ودراسة المواقع الأثرية الساحلية وتعزيز فهم المشهد الحضاري للمدن والموانئ (هيئة التراث)

عمق تاريخي لأكثر من ألفَي عام

توجد مدينة السِّرّين في محافظة الليث، الواقعة على بُعد 250 كيلومتراً، جنوب مكة المكرمة، وتحديداً في السهل الفيضي لوادي «حَلية» الشهير، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة الشامية» عند مصب الوادي في البحر، ويقع في جنوبها مصب «وادي عِلْيَب»، أو ما يُعرَف حالياً بـ«وادي الشاقة اليمانية».

وتعود تسمية المدينة الأثرية بهذا الاسم نسبة إلى هذين الواديين، إذ يُعدُّ «حلية» و«عليب» من أشهر وأخصب أودية مكة المكرمة، في حين يُعدُّ ميناء المدينة، الذي تعود نشأته إلى فترة ما قبل الإسلام، جزءاً رئيسياً من تفاصيل المدينة التي كانت أحد المواقع الحيوية والاقتصادية التي نهضت بحركة اقتصادية ونشاط اجتماعي لافت، خلال الفترة من القرن الثالث الهجري حتى القرن الثامن الهجري.

وشهد الموقع نشاطاً حضرياً وتجارياً منذ القرن الثالث الهجري، وأسهم في ربط شبكات التجارة البحرية بين شبه الجزيرة العربية وشرق أفريقيا وموانئ العالم الإسلامي، مستفيداً من موقعه الجغرافي عند مصب وادٍ موسمي وفَّر بيئةً طبيعيةً ملائمةً للاستيطان البشري.

أظهرت أعمال التنقيب عن امتدادات معمارية في عدد من مربعات الحفر ضمن شبكة التنقيب (هيئة التراث)

وفي أكتوبر 2024، وقَّعت هيئة التراث السعودية، في مقرِّ وزارة الثقافة والسياحة الصينية، برنامجاً تنفيذياً مع الهيئة الوطنية للتراث الثقافي الصيني؛ لتجديد الترخيص لأعمال التنقيب في الموقع الأثري، بوصفه واحداً من المواقع التاريخية المهمة في السعودية، والذي يُعتقد أنه يحتوي على آثار تعود لحضارات قديمة استوطنت المنطقة.

وتُعدُّ مدينة السرين إحدى المحطات التاريخية على طريق الحرير البحري، وتحوَّلت من بلدة صغيرة، في نهاية القرن الثالث الهجري، إلى مدينة كبيرة ونشيطة تجارياً، تَعاقب على إمارتها عدد من الأمراء، وارتبط ميناؤها تاريخياً بالرحلات والبضائع المقبلة من الصين ودول آسيا إلى الجزيرة العربية وبلاد ما بين النهرين.

وتضم مدينة السرين ميناءً للسفن، يحتوي آثاراً ونقوشاً تاريخية تعود إلى عصر ما قبل الإسلام، إضافة إلى بقايا آثار استودعتها الحِقب الماضية تبرهن على حجم وقيمة تراثها الغنيّ، ومنها المباني القديمة، وكسر الأحجار الحمراء، والأحجار البحرية، التي كانت تُستخدَم في تشييد المباني، وكسر فخارية وخزفية وزجاجية، وأكوام من الآجُر والحجر، كما تحتفظ شواهد مقبرة المدينة بنقوش مميزة تستحق التعمُّق في دراستها.