مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

خضنا في البحرين تجربة تحقيق فريدة في ظل تأييد الملك وتعاون وزير داخليته

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
TT

مذكرات شريف بسيوني الحلقة (6): واجهنا في يوغوسلافيا مصاعب سياسية.. واكتشفنا 151 مقبرة جماعية

مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا
مع الدكتور بطرس غالي حينما كان أمينا عاما للأمم المتحدة وكان بسيوني وقتها رئيسا للجنة تقصي الحقائق في يوغوسلافيا

في حديثه عن دوره في لجنة تقصي الحقائق حول جرائم الحرب في يوغوسلافيا، قال شريف بسيوني، إن العمل في اللجنة كان صعبا في بدايته؛ فقد كان لفرنسا وإنجلترا قوات هناك، لكنها كانت محدودة، ولم تزود بدبابات أو أسلحة ثقيلة؛ فكانت تقريبا رهينة لصربيا، وفي الوقت نفسه، كان الاتحاد الأوروبي قد وضع شخصا إنجليزيا اسمه لورد أوين، للتفاوض في موضوع السلم. وكان أوين معترضا في البداية، على اللجنة؛ على أساس أنها ربما تعوق عمله في المفاوضات. لكني ل م أكن أرى في ذلك مشكلة، إذا أبلغ الشخص الذي يقوم بالمفاوضات من يتفاوضهم ان باستطاعته التفاوض على السلام لكنه لا يضمن لهم ما ستخرج به اللجنة، ويفصل بين الموضوعين، ويبلغهم أن عليهم تحمل أية مسؤولية جنائية إن وجدت. ينطبق هذا ايضا على اللجنة إن كانت ستعمل بأمانة ومن دون الإعلان عن نتائج ما تتوصل إليه. أثناء فترة عملي، لم أطلق تصريحات صحافية، وكان كل ما نقوم به يحفظ، ولم أكن أعلن عن مسؤولية أي كان حتى انتهاء التحقيقات، إذ ولا يجوز القيام بعمل دعائي أثناء التحقيق، فإذا ضمنت هذا، فلا خطورة على المفاوضات.
في البداية، كانت هناك مخاوف، خاصة من بريطانيا التي كانت تؤيد أوين في ذلك، ثم انضم إليه سايروس فانس، الذي كان مطمئنا إليّ من أيام حكومة كارتر والمفاوضات مع مصر وفكرة كامب ديفيد، في حين أن أوين لم يكن وقتها يشعر بذلك. في هذه الحلقة، يروي بسيوني التفاصيل:
كانت اللعبة السياسية صعبة جدا، ولم أكن معتادا عليها. فعندما اتصل بي مكتب الدكتور بطرس غالي وطلب - إن كنت موافقا - أن أترأس اللجنة، وافقت. كنت متيقنا من أني سأترأسها، لكن فيما، بعد أزحت من رئاسة اللجنة في البداية، ووضعوا شخصا هولنديا عمره 70 سنة في رئاستها، ولم يكن له إقبال على التنقل ميدانيا، خصوصا أن الحرب كانت قائمة. وجرى هذا بإيحاء من الجانب الإنجليزي الذي كان يستند إلى نائب الإدارة القانونية في هيئة الأمم. وعزز هذا أنه عقب انتهاء عمل اللجنة ووضع تقريرها أمام مجلس الأمن، طلب مجلس الأمن من أمينه العام بطرس غالي أن يرشح من سيكون المدعي العام في محكمة يوغوسلافيا. فأرسل بطرس غالي خطابا إلى مجلس الأمن يقول فيه: لا أستطيع أن أرشح أي شخص آخر لهذا العمل، غير الدكتور شريف بسيوني، ولن أرشح غيره.
فاجتمع مجلس الأمن واتصلت بي مادلين أولبرايت وكانت سفيرة في المجلس، وقالت إن إنجلترا قامت بحملة ضدي، وأن صحيفة «نيويورك تايمز» نشرت في صفحتها الأولى، أن السفير البريطاني وقتها، ديفيد هاناي، صرح لمراسل الصحيفة، أن بريطانيا لا تستطيع أن تقبل أن يكون عربيا مسلما في منصب المدعي العام، لأنه سيكون منحازا للضحايا المسلمين في البوسنة ضد الصرب. وكأن انحياز المدعي العام للضحية خطأ، في حين أنه يطلب من المدعي العام أن يكون منحازا للضحية في العادة. فنشب صراع كبير في مجلس الأمن. وأسفر التصويت على المسألة عن سبعة أصوات ضد سبعة. كانت أميركا إلى جانبي، بينما امتنعت البرازيل عن التصويت، لسبب لا أعلمه حتى الآن، فلم أحصل على الأصوات الثمانية المطلوبة. ونجحت بريطانيا في منع تعييني. ثم عادوا إلي، سواء بريطانيا أو فرنسا أو أميركا على مستوى عال جدا، مستوى الوزراء، وقالوا إنهم يريدون تعييني قاضيا للمحكمة الجنائية ليوغوسلافيا، أو في وظيفة أخرى، فقلت لهم أنا لا أسعى إلى أي وظائف.
كنت مستعدا لدور المدعي العام لأني كنت أرى فيه استكمالا لعملي، على أساس أني من قمت بالتحقيق. مصر وقفت وقفة صارمة، خصوصا من خلال عمرو موسى الذي كان وزيرا للخارجية، وقد أيدته الدول العربية في حينه، لكن موقفها لم يكن كافيا.
وقد انتخبوا شخصا آخر من فنزويلا، من دون أن يعلموا أنه لم يكن على استعداد لشغل هذه الوظيفة. فقد كانت له وظيفة أخرى في فنزويلا، ولم يكن مستعدا للتخلي عنها، فبقي المكان شاغرا لمدة ثمانية أشهر، وفيما بعد عين شخص آخر، متخصص في القانون التجاري.
عمل يوغوسلافيا كان صعبا جدا. تصور أن مجلس الأمن ينشئ مثل هذه اللجنة لأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، بصلاحيات كاملة وشاملة، وحين تعقد أول اجتماع لها، تكتشف أن لا ميزانية لها. كانت الميزانية صفرا. وكنا لا نستطيع أن نتحرك أو ننتقل إلى الميدان. ولا نستطيع تعيين موظفين. كان الغرض هو أن يوهم مجلس الأمن الدولي العالم، بأن هناك لجنة للتقصي من دون أن يوفر لها الإمكانيات. بدأت أطلب من اللجنة أن تعينني مسؤولا عن جمع الأدلة، وتم لي ذلك. ذهبت إلى الجامعة التي أدرس فيها، وطلبت منهم مكانا فأعطوني مكتبا. ثم طلبت أن يسمح لي بطلب متطوعين، فسمح لي. قمت بإنشاء قاعدة بيانات في جامعة ديبول في شيكاغو، عملوا فيها طوال سنتين. كان 141 محاميا وطالب حقوق يعملون معي مجانا كمتطوعين. واستطعت أخذ معونة من «ماك آرثر فاونديشن» و«أوبن سوسايتي فاند». وعلى الرغم من هذا لم نتمكن من العمل. وخلال سنتين، لم يقدم مجلس الأمن أو الجمعية العامة ميزانية للتحقيق، ولا حتى فلسا واحدا أو مليما. كانت الميزانية مجرد رواتب لموظفي هيئة الأمم الذين يعملون معي، وبقية الأموال جمعتها بنفسي. ولكي أتمكن من التحقيق، ذهبت خلال الحرب 35 مرة على مدى عامين، في مهمات ميدانية، اكتشفنا فيها 151 مقبرة جماعية، وقمنا بأكبر تحقيق في التاريخ عن الاغتصاب. أنا شخصيا حققت مع مجموعة من 33 امرأة لأني اخترت النساء فقط للتحقيق. حققنا مع 223 امرأة اغتصبت. وأخذنا أقوال 575 امرأة اغتصبت أيضا. واستطعنا الحصول على معلومات عن 4200 حالة اغتصاب. معنى هذا أن هناك - إحصائيا - 20 ألف امرأة اغتصبت، وكان هذا جزءا من سياسة التطهير العرقي، بالإضافة إلى تهجير كل أهل البوسنة المسلمين من هذه المناطق كي يقطنها الصرب. وفي الوقت نفسه، كان هناك بعض الانتهاكات من الجانب الكرواتي، وأخرى من جانب الصرب ضد الكروات. مقر اللجنة كان في جنيف، وقاعدة البيانات في شيكاغو، ولكي لا تبقى أية معلومات ميدانية، كنا نبعث كل المعلومات لشيكاغو في نهاية اليوم.
كنا بحاجة إلى قوات مسلحة. وحين كنا نقوم بالبحث حول المقابر الجماعية، كنا نستند دائما إلى هولندا التي كانت تساعدنا دائما عبر قواتها المسلحة في عمليات الحفر، كما كنا نعتمد على قوات النرويج وكندا. وصراحة لم نجد أي مساعدة من أي دولة عربية إلا الأردن الذي كانت له قوات في يوغوسلافيا، وكذلك مصر التي كان لها قوات أمن في سراييفو. وقد تعاونت قوات الأمن الأردنية والمصرية معنا تعاونا كاملا، وكان دورهما هاما وملموسا. وهذا ليس مجرد كلام، وسأذكر مثالا على هذا التعاون؛ ففي إحدى المرات خلال موسم رمضان، وكان قائد الوحدة المصرية في سراييفو قد طلب من ضباطه وجنوده أن يتبرعوا بمأكولات من أجل رمضان؛ فتبرعت الكتيبة بكاملها، بنصف دخلها لإطعام الفقراء في سراييفو. وكان يأتي ما بين 100- 200 شخص عند المغيب، ووقت السحور للأكل. ورأيت هذا بنفسي.
أما كتيبة الأردن فكانت في كرواتيا. وأتذكر أني عندما كنت أقوم بالحفر هناك، عثرنا وعلى مقبرة فيها 19 شخصا. قلت ماذا سنفعل بهم؟ وكان ذلك في وسط كرواتيا. فكرت كيف أنقلهم. كانت الإمكانية الوحيدة أن نقوم بحفر مقبرة تضم 19 قبرا. وأقمت حواجز بين المقابر. وطلبت من الكتيبة الأردنية أن تبعث بجنود، وهم من تولوا حفر المقابر لوضع جثث الصرب فيها. ووضعنا حتى الصليب على رأس كل واحد من القبور. وأذكر أنني عندما عدت إلى جنيف، قابلت شخصا يعمل على رأس وزارة العدل، وقال إنه سمع بما قمت به، وأبدى تأثره لقيام مسلمين بذلك.
وأذكر قصة إنسانية أخرى للكتيبة الأردنية مهمة جدا، وهي أن مدينة صربية مجاورة كانت قد هدمت تماما، وقد عثروا فيها على امرأة في السبعينات من عمرها، تمكنوا من انتشالها من تحت أنقاض بيتها، ولم يكن قد تبقى غيرها بعد أن فر كل ابناء القرية. أعادوا بناء جزء من بيت المرأة. وراحت الكتيبة الأردنية تزودها يوميا بالأكل، ويزورها الطبيب مرة كل الأسبوع.
العمل الذي قمنا به كان هائلا، وأرغم مجلس الأمن على إنشاء هذه المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، وكانت تلك نقطة البداية والانطلاق، ولكن واجهتها صعوبات بيروقراطية وأخرى مالية.
في البحرين، كان الوضع مختلفا؛ حيث حصلت على تأييد من ملك البحرين، فتح لي أبوابا. وعملت من جانبي مع الناس بأمانة وإخلاص.
كانت تجربة البحرين فريدة من نوعها. فحين دعاني الملك لكي أترأس اللجنة، طلبت من الملك - طبعا بكل أدب واحترام - أن تكون هناك قواعد معينة للعمل. وعرضت عليه قواعد لاستقلال اللجنة، ومنها أن أختار بنفسي كل أعضائها، وأن تكون الأبواب مفتوحة لي، وأن تكون مصادر التمويل حرة وبلا قيود.
وصراحة، وافق الملك ومن دون أي شروط. فكانت النتيجة. قلت للملك منذ البداية، إنني إذا رأيت شيئا غير سليم أريد إمكانية أن آتي إليك مباشرة ومن دون أي حاجز بيننا، وتقبل ملك البحرين هذا الأمر بصدر رحب، فقلت له إنني حر تماما ولي سندك، فقال: نعم.
مضى التقرير وجمعت فريقي وبدأت العمل. وفي إحدى الليالي، وكان طاقمي يتكون من نحو 40 شخصا، اخترت خمسة منهم، وكانت الساعة تقترب من الواحدة بعد منتصف الليل، وأبلغتهم أن لا يناموا ليلتها؛ لأننا سنخرج في زيارة ميدانية. الساعة الواحدة ليلا، اتصلت بهم، نزل الخمسة، ومضينا في ثلاث سيارات. كان في البحرين وقتها ثلاثة سجون. ذهبنا إلى السجن الأول، وطرقت الباب. خرج لي ضابط أو عسكري نقرابة الساعة الثانية صباحا. قال تفضل. عرفته بنفسي، وقائلا إنني الدكتور شريف بسيوني رئيس لجنة التقصي. فقال بما معناه ما الذي تريده؟ فقلت أريد تفتيش السجن. قال: ما الذي تعنيه؟ قلت افتح يا أخي. فتح الباب. أتى الضابط ومدير السجن، وتناولنا الشاي بكل أدب، واستفسرا عما أريد. قلت لهما: جئت لأفتش، وعندما أفتش لا أريد أيا منكما معي. وقلت للمدير: أمامك خياران: إما أن أدخل أو سأتصل بهاتفي بالملك شخصيا وسيوقظونه من النوم والأمر حينها بينك وبينه.
فتحوا لي الباب. دخلت وأخرجت المساجين. وبدأت بسؤالهم عن أسمائهم وأسباب وجودهم في السجن، وكلما كنت أجد أناسا وقع تعسف ضدهم في السجن أكلم وزير الداخلية الذي كان متعاونا جدا.
وحتى حينما كنت أعلم عن وجود مظاهرات، كنت أرسل أناسا ليشاهدوا كيفية تعامل الشرطة مع المتظاهرين في الميدان نفسه. كنا نذهب حتى لأقسام الشرطة الصغيرة ليلا، لنرى كيفية التعامل مع الناس، وأيضا في السجون الكبيرة مثل السجن العسكري، كنا نتحرك بكل حرية مرة واثنتين وثلاثا. وشخصيا زرت كل سجين ثلاث مرات بالطاقم الذي يعمل معي، وأخذنا أقوالهم بكل حرية، فمن دون شك كان التعاون كاملا ومثمرا.
* اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق

* أنشئت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق في 29 يونيو (حزيران) 2011 في مملكة البحرين، طبقا للقرار الملكي رقم 28 الذي أصدره الملك حمد بن عيسى آل خليفة. وعلى الرغم أن العادة جرت بأن تُنشأ لجان تقصي الحقائق بتفويض من الأمم المتحدة، فقد كانت اللجنة البحرينية المستقلة لتقصي الحقائق لجنة وطنية. وبعد مشاورات للمستشارين القانونيين للملك حمد بن عيسى آل خليفة، مع العديد من الهيئات الإقليمية والدولية، وشخصيات دولية رفيعة المستوى، رشح البروفسور بسيوني لتولي رئاسة اللجنة. ورشح البروفسور بسيوني أربع شخصيات أخرى هم، الخبير القانوني فيليب كيرش (الكندي البلجيكي الأصل)، الرئيس السابق للمحكمة الجنائية الدولية، الدكتورة بدرية عبد الله العوضي (الكويت)، البروفسور السير نايغل رودلي سيمون (المملكة المتحدة) والدكتورة مهانوش ارسنجاني (إيران).
وقد تولت اللجنة مهمة التحقيق وإعداد تقارير عن الأحداث والنتائج المترتبة على تلك الأحداث التي وقعت في البحرين خلال شهر فبراير (شباط) 2011. وقُبيل قبوله منصب رئيس اللجنة، عقد البروفسور بسيوني اجتماعا مع الملك حمد بن عيسى آل خليفة، سلمه خلاله قائمة بما اعتبره عناصر جوهرية ينبغي توافرها في التفويض الملكي لإنشاء اللجنة، خاصة فيما يتعلق بالتأكيد على استقلاليتها، وقدرتها على إنجاز المهمة الموكلة إليها. وقد كان الملك حمد متعاونا لأقصى درجة، حيث نص القرار الملكي رقم 28 الذي أصدره في 29 يونيو (حزيران) 2011 بوضوح على الشروط كافة اللازمة لضمان استقلالية ونزاهة عمل اللجنة. وقد مُنح رئيس اللجنة مسؤولية اختيار طاقم التحقيق والإدارة الذي سيعمل معه، وكذلك مهمة تطوير طرق عمل اللجنة.
ضم طاقم عمل اللجنة 51 شخصا عملوا في فترات مختلفة. توزع طاقم العمل كالتالي: 12 محققا، 12 مساعدا للمحققين، 5 إداريين، 4 مساعدين إداريين، 18 مستشارا فنيا وعلميا. وخلال الفترة من يونيو (حزيران) 2011 إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، تلقت اللجنة 8110 شكاوى وبيانات عن انتهاكات حقوق إنسان واقعة ضمن نطاق عملها. كما قامت اللجنة بعمل 65 زيارة ميدانية أولية وعقدت 48 اجتماعا أوليا مع مختلف الجهات الحكومية والتي أعقبتها بالعديد من زيارات المتابعة. وأصدرت اللجنة مئات الصفحات من التقارير والإجابات على العديد من التساؤلات. كما تلقت اللجنة تقارير ومعلومات من منظمات داخل وخارج البلاد تمثل كافة الأطياف السياسية. عملت اللجنة معتمدة على ميزانيتها المستقلة من دون أية عوائق، واحتفظت بسجلاتها. كما أصدرت تقريرها الخاص الذي نشر في وسائل الإعلام العامة. وقد وضعت الحكومة الكثير من توصيات التقرير حيز التنفيذ. وُصفت هذه اللجنة بأنها ربما تكون لجنة تقصي الحقائق الأكثر نجاحا على الإطلاق التي تجري إدارتها في إطار وطني خلال صراع داخلي قائم. وقد استفادت اللجنة من الدعم الكامل الذي جرى توفيره لها بواسطة الملك حمد ومجلس الوزراء.
تضمن التقرير الذي قدمته اللجنة في احتفالية عامة يوم 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2011، عددا من التوصيات التي تعهد الملك والحكومة بتنفيذها. وجرى بالفعل تنفيذ الكثير من تلك التوصيات. وتواصل حكومة مملكة البحرين جهودها في هذا الشأن لتحسين نوعية العدالة.
* لجنة التحقيق في جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة

* تسبب الصراع في يوغوسلافيا في أزمة أخلاقية بين الأوروبيين، وامتد ذلك التأثير بعض الشيء ليصل إلى الولايات المتحدة الأميركية. بدأت الممارسات الممقوتة والمذمومة للتطهير العرقي والاغتصاب الممنهج بصورة علنية. وأثناء فترة حملته الرئاسية، حث المرشح بل كلينتون على التدخل العسكري في يوغوسلافيا السابقة، بيد أن الجيش الأميركي وحلف الناتو لم يستحسنا هذا الأمر. وبعد انتخابه، واجه الرئيس كلينتون مشكلة الوفاء بوعود حملته الانتخابية التي يتعذر تحقيقها. فكرت مادلين أولبرايت، سفيرته في الأمم المتحدة والتي شغلت فيما بعد منصب وزيرة الخارجية، في تأسيس لجنة تحقيق على غرار لجنة جرائم الحرب بالأمم المتحدة التي أُسست في أعقاب الحرب العالمية الثانية. وبعد جدل كبير في مجلس الأمن، استطاعت السفيرة أولبرايت، في ضوء دعم المملكة المتحدة، استصدار قرار من مجلس الأمن بإنشاء لجنة خبراء.
كانت هذه هي المرة الأولى، منذ انتهاء الملاحقات القضائية الخاصة بالحرب العالمية الثانية، التي يتم فيها إنشاء لجنة دولية من هذا القبيل. بيد أن معارضة روسيا، التي كانت داعمة لصربيا، ظلت كما هي. والأهم من ذلك، أن المملكة المتحدة والأعضاء الآخرين بمجلس الأمن كانوا قلقين من تأثير تلك اللجنة على جهود الاتحاد الأوروبي الممثلة في اللورد ديفيد أوين وممثل الأمم المتحدة، وزير الخارجية السابق سايروس فانس، اللذين جرى تفويضهما لإنجاز مسألة وقف الأعمال العدائية ووقف إطلاق النار. كانت هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها الأمم المتحدة صراعا بين السعي نحو تحقيق تسوية سياسية وتحقيق العدالة. واتخذ ردها شكل عمل بيروقراطي ماكر وقف حجر عثرة أمام عمل اللجنة، تمثل في عدم توفير العاملين والموارد. فلم تحصل اللجنة على أي ميزانية لإجراء تحقيقاتها.
اُختير أعضاء اللجنة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة بعد مشاورات واسعة مع أعضاء مجلس الأمن، وتشكلت من فيرتس كالشوفين (هولندا) بوصفه رئيس اللجنة، وشريف بسيوني (مصر) وويليام فينريك (كندا) وكيبا مباي (السنغال) وتوركال أوبسال (النرويج).
أثناء تلك الفترة، تم تعيين البروفسور بسيوني مقررا للجنة لتجميع الحقائق وتحليلها، حيث كانت تلك الوظيفة هي المهمة الأساسية للجنة. وفي 19 أكتوبر (تشرين الأول) عام 1993، قام الأمين العام بتعيين البروفسور بسيوني رئيسا للجنة.
وتعرضت اللجنة لعوائق إدارية وتعقيدات عطلت عملها، مما اضطرها تحت رئاسة البروفسور بسيوني إلى زيادة تمويلها، الذي تحصل عليه من معهد المجتمع المفتوح ومؤسسة «ماك آرثر»، والمساعدات الحكومية. الأهم من ذلك، أن اللجنة حصلت على كثير من الموظفين من حكومات عديدة (مثل: هولندا والنرويج وكندا). ولولا حصول اللجنة على مساعدات من تلك الحكومات، والتبرعات المالية الخاصة من الحكومات والمتطوعين أيضا، لما استطاعت إنجاز مهمتها المخولة بها على الإطلاق. وبسب هذه الإسهامات، استطاعت اللجنة القيام بـ32 مهمة ميدانية لتوثيق سياسة التطهير العرقي وممارسة الاغتصاب الممنهج. وقد كان ذلك التحقيق هو أول تحقيق في التاريخ يركز على الاغتصاب كأداة مستخدمة في الحرب.
ومما ساعد على عمل اللجنة أيضا حصولها على دعم من المعهد الدولي لحقوق الإنسان بجامعة دي بول، الذي وفر لها قاعدة البيانات. ووفرت الجامعة مكانا لعملها مجانا، كما قام المعهد بجلب واستخدام محامين صغار السن وطلاب دارسين للقانون لإدخال البيانات وتحليل البيانات المدخلة. وكان يوجد أربع كومبيوترات مخصصة يتم التعامل معها من قبل عدد 12 مدخلا لقواعد البيانات من المحامين صغار السن والطلاب المتطوعين الدارسين للقانون، وذلك تحت إشراف محامين حديثي السن والذين لا يُشرفون على عملية إدخال البيانات فحسب، ولكن أيضا الربط بين تلك البيانات والتقارير التي يُجرى إعدادها أسبوعيا بشأن القضايا المختلفة من الانتهاكات التي ارتكبها 6 أطراف متحاربة و86 منظمة شبه عسكرية تم تحديدها في أوائل عام 1993. وكان العمل الخاص بقاعدة البيانات متواصلا على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، حيث يجري تحديث المعلومات والتحليلات والتقارير بشكل منتظم. وتم تقديم كل ذلك إلى أعضاء اللجنة لإجراء مراجعاتهم الدورية. وقد جرى الاعتراف بجهود وإسهامات المعهد الدولي لحقوق الإنسان في خطاب مرسل من قبل الأمين العام للأمم المتحدة.
تباين عدد أفراد البعثات الميدانية، البالغ عددها 32 بعثة، حيث تراوح العدد من ثمانية أشخاص كحد أدنى إلى ما يزيد على 80 شخصا. وكان الغرض من هذه البعثات هو القدرة على جلب واستخدام موظفين مساهمين من الحكومات والذين سيكونون ضمن بعثة لفترة زمنية قصيرة نسبيا. وبالنسبة للتحقيق في حوادث الاغتصاب، كانت هناك 33 امرأة، منهن 22 امرأة متطوعة. وقد شكلن 11 فريقا قوام كل فريق ثلاث عضوات يترأسهن امرأة لديها خبرة في مجال الدعاوى القضائية، بجانب طبيبة نفسية أو عالمة نفس، وذلك من أجل تقليل الضرر النفسي إلى أقل حد ممكن، وتجنب احتمالية التسبب في تكرار الصدمة العاطفية للضحية التي تجرى مقابلة معها، في حين تكون الثالثة مترجمة. وقد تلقت هذه الفرق بيانات موجزة موسعة بشأن كيفية إجراء هذه التحقيقات، ولا سيما بهدف تجنب معاودة إصابة الضحايا بالصدمة العاطفية. وبشكل إجمالي، جرت مقابلات مع 223 ضحية ممن تعرضن للاغتصاب، كما جرى الحصول على 575 تصريحا مشفوعا بالقسم من ضحايا عمليات الاغتصاب الأخريات، بالإضافة إلى تجميع معلومات بشأن حالات يُقدر عددها بنحو 4200 حالة. ويعتبر ذلك التحقيق، حتى وقتنا الحالي، هو أكبر تحقيق تم إجراؤه في التاريخ بشأن حالات الاغتصاب. وللأسف، لم يؤد هذا التحقيق إلا إلى ملاحقة قضائية واحدة من قبل المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. بيد أن ذلك الأمر قد أدى إلى إثارة رد فعل عالمي جعل المجتمع الدولي أكثر دراية بتلك الجريمة المفزعة لجرائم الحرب والحاجة إلى منع وقوعها مرة أخرى. ومما يؤسف له أن يتكرر الأمر ذاته أثناء النزاعات والصراعات التي اندلعت في رواندا أو سيراليون أو دارفور أو جمهورية الكونغو الديمقراطية في الفترة ما بين عامي 1994 و2013.
أجرت اللجنة أيضا تحقيقا حول المقابر الجماعية، محددةً 151 مقبرة من تلك المقابر، من بينها المقبرة التي ارتكبت فيها أفظع الأعمال الشنيعة والواقعة بالقرب من مدينة فوكوفار، حيث يُعتقد أن 214 شخصا قد قُتلوا هناك من مسافة قريبة في منطقة زراعية مهجورة تسمى أوفكارا. وقد تم اقتياد جميع هؤلاء الأشخاص من مستشفى فوكوفار في يومي 20 و21 نوفمبر 1991، بما في ذلك المصابون والمرضى والموظفون، من قبل ميليشيات الصرب، وعلى مرأى ومسمع ضباط الجيش الصربي، وعلى مرأى ومسمع من مسؤولي الأمم المتحدة ليجري تنفيذ أكثر الأعمال وحشية. وصار هذا الحادث معروفا باسم مذبحة فوكوفار. كانت اللجنة هي أول من اكتشف المقابر الجماعية وبدأت عملية فتح القبور وإخراج الجثث وإجراء تحاليل الطب الشرعي على الجثث التي أطلق عليها النار من قبل ميليشيات صربية مغمورة عُرفت باسم «نمور أركان». وفي وقت لاحق، أصبحت المعلومات التي تم الحصول عليها من قبل اللجنة هي الأساس لتحقيقات المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة، التي استخدمت بعضا من خبراء الطب الشرعي باللجنة. وقد جرى العمل في أوفكارا، مثلما كان الحال في المقابر الجماعية الأخرى، بفضل دعم هولندا التي وفرت 65 شخصا عسكريا من سلاح المهندسين ليأخذوا على عاتقهم مسؤولية فتح المقابر واستخراج الجثث. وأسهمت هولندا أيضا في توفير الدعم المالي للتحقيق في حالات الاغتصاب بعد التغلب على العديد من الصعوبات التي اختلقها زاكلين من مكتب المستشار القانوني للأمم المتحدة، والذي سعى مرة أخرى إلى وضع العراقيل بدهاء أمام عمل اللجنة. يعد تقرير اللجنة هو الأطول في تاريخ مجلس الأمن، حيث يتألف من 3500 صفحة، بالإضافة إلى وجود 76000 مستندا مرفقا، ومقاطع فيديو مدتها مئات الساعات، وآلاف الصور، حيث تم منحها جميعا للمدعي بالمحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب. انتهى عمل اللجنة بموجب مرسوم إداري. ولم يتخذ مجلس الأمن على الإطلاق أي قرار لإنهاء عمل اللجنة، وكان القرار متخذا من قبل مكتب المستشار القانوني ذاته، بيد أنه من المؤكد أن ذلك القرار كان بتوجيه القوى الرئيسة في المجلس. وكان ذلك بسبب عمل اللجنة والسجل الحافل الاستدلالي المعتمد على الحقائق الذي صدر عنها بما أدى إلى قيام مجلس الأمن بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة الخاصة بجرائم الحرب.
اعتبارا من 24 يوليو (تموز) 2013، قامت المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة بمقاضاة 161 فردا، وليس هناك أي هارب. ومن بين هذا العدد أدين 69 شخصا، وبرئ 18 وأحيل 13 شخصا إلى سلطة قضاء وطنية، كما سحب 20 اتهاما من قبل المدعي، في حين تُوفي 16 متهما قبل تحويلهم إلى المحكمة الجنائية الدولية في يوغوسلافيا السابقة أو قبل انتهاء محاكماتهم. هناك 25 حالة من إجراءات التقاضي قيد النظر: حيث يخضع حاليا أربعة متهمين للمحاكمة، ويمثل 21 متهما أمام هيئة الاستئناف.
تعد المحكمة من الهيئات القضائية التي حققت معدلا عاليا من التميز القضائي والعدالة. وستنتهي مهام المحكمة بحلول عام 2014. مما لا ريب فيه أن المحكمة الجنائية الدولية قد أسهمت بصورة لافتة في مجال العدالة الجنائية الدولية. وسيظهر إسهام المحكمة في تحقيق المصالحة بين الأطراف المتحاربة في يوغوسلافيا السابقة في المستقبل، حيث إن الأجيال التالية لتلك الأجيال التي كانت موجودة في الصراع قد يكون لها قرارا بشأن المحكمة يختلف عن رأي الذين عاشوا خلال فترة النزاع.
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (5)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (4)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (3)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (2)
مذكرات شريف بسيوني الحلقة (1)



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.