مظاهرات إيران رفض واضح للعمامة والقبعة العسكرية

مظاهرات إيران رفض واضح للعمامة والقبعة العسكرية
TT

مظاهرات إيران رفض واضح للعمامة والقبعة العسكرية

مظاهرات إيران رفض واضح للعمامة والقبعة العسكرية

«ماذا خلف كل هذا؟» - كان هذا التساؤل الذي طرحه «المرشد الأعلى» علي خامنئي، أول من أمس، لدى استقباله عددا من القضاة. أما «كل هذا» المشار إليه في السؤال، فهو المظاهرات التي أدت إلى إغلاق «البازار الكبير» في طهران في أعقاب إغلاق أسواق أخرى في 30 مدينة إيرانية على الأقل.
ومع ذلك، لم يكن الأمر مقتصراً على المظاهرات فحسب، فبعيداً عن التجار النشطين في الأسواق والبازارات والذين يتميزون بتنظيم خاص بهم ويسعون خلف أهداف واضحة ترتبط في معظمها بالأوضاع الاقتصادية المتردية، كانت هناك عناصر أخرى تتبع استراتيجيات أخرى.
على سبيل المثال، خرج بعض نشطاء المعارضة السريين، الذين استغلوا المظاهرات غطاءً، إلى العلن لفترة وجيزة لإضرام النار في سيارات حكومية وحاويات للقمامة في الشوارع، وفي 5 مناسبات على الأقل، في مبان مشتبه في انتمائها إلى «الأمن»، كما أنهم مسؤولون عن تفريغ شاحنة كانت مملوءة بالقمامة أمام مبنى «مجلس الشورى» (البرلمان)، ونقل كميات كبيرة من الحصى والحجارة والصخور للناس كي يلقوا بها على وحدات «الأمن»، ومن بين هؤلاء الناشطين عناصر من الواضح أنهم تدربوا جيداً على تكتيكات الكر والفر عبر الشوارع.
وتتألف مجموعة ثالثة في معظمها من عناصر من النخبة المثقفة التي انضمت إلى المظاهرات وأمدتها بكثير من الشعارات والعبارات الشهيرة التي سادت مختلف المظاهرات عبر أرجاء البلاد. وتتحمل هذه المجموعة المسؤولية الكبرى عن الصورة السياسية الواضحة التي اتخذتها المظاهرات في يوميها الثالث والرابع. كما أسس هؤلاء مراكز اتصال ونشروا معلومات، منها آلاف الأفلام الوثائقية بتقنية الفيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف تعزيز الصورة العامة للمظاهرات.
أما الأمر الأكثر إثارة للقلق من وجهة نظر خامنئي، فكان مشاركة عدد كبير من «فقراء الهامش» الذين انضموا إلى المظاهرات بكثافة، ولم تكن لديهم قيادة واضحة ولا شعارات خاصة بهم، إلا أنه رغبوا في التعبير عن سخطهم تجاه «ثورة» وعدتهم بالقضاء على الفقر داخل إيران، وانتهى الحال بها إلى مضاعفته.
على أي حال، تحولت المظاهرات التي أثارت قلق خامنئي إلى حركة شعبية ينتمي المشاركون إليها إلى مختلف الطبقات والفئات العمرية والتعليمية، مما جعلها انتفاضة شعبية بحق. وكشفت هذه الحركة أنه عندما تقرر أعداد كبيرة من الإيرانيين مواجهة النظام، الأمر الذي يعتقد كثير من الخبراء أنهم لم يفعلوه بعد، فإنهم يملكون القوة البشرية والأساليب والأدوات اللازمة لخلق تحد حقيقي أمام السلطات.
ومع هذا، افتقرت هذه الثورة المفاجئة إلى قيادة عامة وهدف محدد يمكن إيجازه في عبارة واحدة. الملاحظ أن كثيرا من المتظاهرين تطلعوا ببساطة نحو كبح جماح الفساد، ووضع نهاية للأزمة الاقتصادية، ومعاقبة المسؤولين أصحاب المناصب العليا المفتقرين إلى الكفاءة، ووضع خطط لتخفيف الضغوط عن كاهل ما يقدر بـ30 مليون إيراني يعيشون تحت خط الفقر.
ولا شك في أن بعض المتظاهرين من المتعاطفين، أو ربما - مثلما يدعي خصومهم - مأجورين من جانب فصائل خمينية أكثر راديكالية تعتقد أن الرئيس حسن روحاني والحاشية المقربة منه التي يطلق عليها على سبيل السخرية «فتيان نيويورك»، يشكلون «حصان طروادة» الذي تستغله الولايات المتحدة ضد إيران، على الأقل عندما تكون السلطة في أيدي الديمقراطيين.
ومع هذا، فإن أعلى الفرق صوتاً بين المتظاهرين هم أولئك الذين يمكن وصفهم بائتلاف «تغيير النظام» والذين لا يرضون بديلاً عن تفكيك الجمهورية الإسلامية. وبوجه عام، يمكن تقسيم المعارضة الإيرانية إلى معسكرين كبيرين: أولئك الراغبون في تغيير النظام، وأولئك الساعون لتغيير سلوك النظام الحالي.
وأسهم الإعلان المفاجئ من جانب وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو حول أن إدارة ترمب تسعى فقط لتغيير سلوك النظام الإيراني بخصوص عدد من القضايا، في توسيع الفجوة بين المعسكرين. ووجدت جماعات المعارضة في المنفى التي عملت بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين، بما في ذلك إسرائيل، نفسها مجبرة على إقصاء نفسها عن الخطاب الدائر حول تغيير النظام، مما وفر للنظام الإيراني مساحة إضافية للمناورة.
وبفضل اتصالاتها الدولية وخبرتها بمجال حملات الضغط وقدرتها على جمع الأموال، لا تزال المعارضة بالمنفى مؤهلة للاضطلاع بدور كبير في أي ثورة وطنية مستقبلية. ومع ذلك، يبدو من غير الواضح إذا ما كانت إيران ستتحرك بالفعل نحو تغيير حقيقي للنظام؛ ومتى.
وكانت سلسلة من المؤتمرات التي عقدت في الفترة الأخيرة في لندن وهامبورغ وواشنطن العاصمة قد انتهت بمشاحنات وفوضى مع دخول جماعات المعارضة المنفية في مشاحنات بعضها مع بعض حول قضايا مثل حقوق أبناء العرقيات المختلفة، والاختيار بين النظامين الجمهوري والملكي، مع ظهور الانقسامات الكلاسيكية بين اليمين واليسار في الخلفية.
وبقي بعض أعضاء المؤسسة العسكرية من أفراد النخبة الحاكمة قيد الانتظار. الملاحظ أن عددا من الصحف والمواقع الإلكترونية الخاضعة لإدارة ضباط نشطين أو متقاعدين من «الحرس الثوري» الإسلامي، قد كررت باستمرار الادعاء بأن حكومات متعاقبة بقيادة الملالي أو مدنيين أخفقت، وأن المؤسسة العسكرية تبقى القوة الوحيدة الباقية القادرة على قيادة الأمة للخروج من مأزقها الحالي الذي ولد من رحم 40 عاماً من الحكم الرديء وغياب الكفاءة.
على سبيل المثال، قال الجنرال محمد حسين باقري، رئيس أركان القوات المسلحة، إن رجاله على استعداد «لمساعدة الحكومة في أي موقف صعب لحل المشكلات والتغلب على العقبات». ويحمل هذا التصريح في طياته رسالة مبطنة مفادها أن الحكومة ذاتها بقيادة ملا أو شخص مدني، عاجزة عن إنجاز ذلك.
الملاحظ أن عددا من كبار القيادات العسكرية، بينهم الجنرال قاسم سليماني الذي يتولى قيادة «فيلق القدس»، والقائد السابق لـ«الحرس الثوري» الإيراني الجنرال يحيى رحيم صفوي، شرعوا بالفعل في حملات للترويج لأنفسهم على نحو يشبه ما يجري خلال المراحل الأولى من الحملات الانتخابية الرئاسية.
من بين الحقائق المهمة على هذا الصعيد أن رجال الدين الذين شكلوا وجه النظام على امتداد 4 عقود يحرصون اليوم على البعد عن الأضواء. وقد يكون السبب وراء ذلك وجود انقسام خطير في صفوفهم مع وجود رغبة عارمة لدى كثيرين منهم، بل ربما أغلبيتهم، لإقصاء المسجد عن الحكومة لتجنب تسونامي غضب يطيح بالجميع.
وبغض النظر عما سيحدث لاحقاً، يتفق محللون على أن «المخلص» المقبل في إيران سيأتي مرتدياً إما عمامة أو قبعة عسكرية.
من جانبها، تتميز حركة المظاهرات الإيرانية بالثراء في قيادتها التكتيكية مع مشاركة المئات من أبناء النقابات وكبار التجار والنشطاء النسويين والمفكرين بل والعلماء الدينيين الذين تمكنوا من قيادة المظاهرات عبر أكثر عن 200 مدينة... شيء لم يشهده التاريخ السياسي الإيراني من قبل. أما ما تفتقده الحركة حتى اليوم، فهو قيادة شاملة قادرة على تحويل هذه الميزة التكتيكية إلى ميزة استراتيجية. وكما يقولون: الحاجة أم الاختراع.



صواريخ إيران العنقودية تشكل تحدياً كبيراً للدفاعات الإسرائيلية

نظام «القبة الحديدية» للدفاع الجوي الإسرائيلي يعترض مقذوفات فوق مدينة نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
نظام «القبة الحديدية» للدفاع الجوي الإسرائيلي يعترض مقذوفات فوق مدينة نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

صواريخ إيران العنقودية تشكل تحدياً كبيراً للدفاعات الإسرائيلية

نظام «القبة الحديدية» للدفاع الجوي الإسرائيلي يعترض مقذوفات فوق مدينة نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)
نظام «القبة الحديدية» للدفاع الجوي الإسرائيلي يعترض مقذوفات فوق مدينة نابلس في الضفة الغربية (إ.ب.أ)

أطلقت إيران عشرات الصواريخ المزودة برؤوس حربية عنقودية على إسرائيل منذ بداية الحرب، ما يشكّل تحدياً لدروع الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، إذ يتعين إصابتها قبل أن تنفصل وتتناثر إلى متفجرات أصغر حجماً.

وفشلت إسرائيل في اعتراض أحد الصواريخ العنقودية خلال الليل، وتناثرت قنابله الصغيرة في مناطق مدنية في تل أبيب. وقتل زوجان في السبعينات من العمر، ولحقت أضرار بإحدى محطات القطار الرئيسية في تل أبيب.

وقال المتحدث العسكري الإسرائيلي، اللفتنانت كولونيل نداف شوشاني، للصحافيين، إن الزوجين قتلا في شقتهما بانفجار قنبلة صغيرة، واحدة من الذخائر العنقودية.

وقال: «أطلق النظام الإيراني هذه القنبلة العنقودية باتجاه مركز مكتظ بالسكان، وأطلق عشرات الصواريخ باتجاه المدنيين، مستهدفاً المدنيين عمداً... ‌هذه جريمة حرب ‌ارتكبها النظام الإيراني».

وأضاف شوشاني أن الجيش يبذل قصارى جهده لاعتراض ‌هذه ⁠الصواريخ «على أعلى مستوى ⁠ممكن» للحدّ من الأضرار.

ذخائر محظورة

تنفجر الذخائر العنقودية في الهواء وتنتشر مئات «القنابل الصغيرة» على مساحة واسعة. وغالباً ما تفشل في الانفجار، ما يشكل حقول ألغام افتراضية يمكن أن تقتل أو تصيب أي شخص يعثر عليها لاحقاً.

واتفق أكثر من 100 دولة في مؤتمر دولي، عقد في دبلن عام 2008، على حظر استخدام الذخائر العنقودية. لكن لم تنضم إسرائيل وإيران إلى الحظر، وكذلك الحال بالنسبة للقوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة والصين وروسيا.

ونشرت قيادة الجبهة الداخلية الإسرائيلية، التي تصدر توجيهات السلامة للمواطنين ⁠في أوقات الحرب، مقاطع فيديو تحذر من مخاطر هذه الذخائر، قائلة إنها ‌يمكن أن «تصبح فخاخاً متفجرة خطيرة»، خاصة بالنسبة للأطفال الصغار ‌أو الحيوانات الأليفة.

وذكر الجيش أن نحو نصف الصواريخ التي أطلقتها إيران منذ أن شنّت إسرائيل والولايات المتحدة ‌هجوماً مشتركاً عليها في 28 فبراير (شباط) كانت ذات رؤوس حربية عنقودية. كما أطلقت ‌إيران هذه الصواريخ خلال الحرب التي دامت 12 يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) الماضي.

وقال مسؤول عسكري إسرائيلي إن الرؤوس الحربية العنقودية الإيرانية تحتوي على نحو 24 قنبلة صغيرة، تحتوي كل منها على ما يقرب من كيلوغرامين إلى 5 كيلوغرامات من المتفجرات. وهي تنفجر على ارتفاع 7 إلى 10 كيلومترات فوق سطح ‌الأرض، ما يجعلها تؤثر على عشرات المواقع المنفصلة.

وقال المسؤول: «يمكن أن تنفجر كل قذيفة فرعية عند اصطدامها بالأرض أو بأي سطح صلب آخر. وتأثيرها ⁠مشابه لانفجار قنبلة ⁠يدوية. أضرار محدودة نسبياً (من حيث القوة والمساحة) ولكنها شديدة الخطورة على أي شخص قريب منها».

«يتعين اعتراضها فوق الغلاف الجوي»

قال يهوشوا كاليسكي، وهو باحث كبير في معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، إن معظم الصواريخ يتم اعتراضها بواسطة نظام الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية «أرو-3» الإسرائيلي.

ولمنع وقوع أضرار، قال كاليسكي: «يجب اعتراضها فوق الغلاف الجوي بعيداً قدر الإمكان عن المنطقة المستهدفة.. لا توجد طريقة أخرى، لأنه بمجرد إطلاق القنابل العنقودية (في الغلاف الجوي)، لا يمكن اعتراضها».

وأضاف شوشاني أن القدرات الهجومية لإسرائيل كانت حاسمة أيضاً. وتقول إسرائيل إنها قصفت مئات الأهداف في إيران، بما في ذلك مواقع إطلاق الصواريخ. وتشير تقديرات وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا)، التي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها، إلى أن أكثر من 3000 شخص قتلوا في إيران منذ بدء الحرب.

وقال شوشاني عن الجهود المبذولة لمنع وقوع إصابات إسرائيلية جراء الصواريخ الإيرانية: «نقوض قدرتهم على إطلاق الصواريخ، (إلى جانب) أنظمة الدفاع النشطة وأنظمة الدفاع السلبية، وصفارات الإنذار، وتوجه الناس إلى المساحات الآمنة».

وأضاف: «لقد حقق الجمع بين كل ذلك نجاحاً كبيراً، لكنه لا يزال غير مثالي».


إسرائيل تقصف أهدافاً للبحرية الإيرانية في بحر قزوين لأول مرة

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)
حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تقصف أهدافاً للبحرية الإيرانية في بحر قزوين لأول مرة

حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)
حقل الغاز الإيراني «بارس الجنوبي» في جنوب إيران (أ.ف.ب)

نشرت مصادر ميدانية توثيقاً لعمليات القصف الإسرائيلي التي استهدفت ميناء بندر أنزلي الإيراني على ساحل بحر قزوين، والذي يعد أحد المراكز الحيوية لنقل البضائع والشحن البحري لكل من إيران وروسيا، وفق ما أوردته «وكالة الأنباء الألمانية».

وذكرت المصادر أن الهجمات تضمنت ضربات جوية وبحرية، ما أسفر عن أضرار مادية كبيرة في مرافق الميناء ومنشآته اللوجيستية، بحسب ما أورده موقع قناة «آي 24 نيوز» الإسرائيلي اليوم الأربعاء.

وتعرضت منشآت مرتبطة بحقل الغاز الإيراني الضخم «بارس الجنوبي» في جنوب البلاد لضربات جوية، اليوم، في أول هجوم معلن يستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية، بينها وكالة «إرنا» والتلفزيون الرسمي، بأن منشآت للغاز والبتروكيماويات في مدينة عسلوية بمحافظة بوشهر تعرضت لهجوم الأربعاء، ما أدى إلى اندلاع حرائق في أجزاء من المنشأة.

وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الضربات شملت منشآت بتروكيماوية في حقل «بارس الجنوبي»، مشيرة إلى أن حجم الأضرار لم يتضح بعد. ونقلت الوكالة عن محافظ عسلوية أن وحدات الإطفاء تمكنت لاحقاً من السيطرة على النيران، بعد إيقاف تشغيل الوحدات المتضررة لمنع انتشار الحريق.

ويُعد حقل «بارس الجنوبي» أكبر مصدر للغاز الطبيعي في إيران، ويشكل أحد أكبر حقول الغاز في العالم، إذ تتقاسمه طهران مع قطر عبر الخليج. ويوفر الحقل الجزء الأكبر من احتياجات البلاد من الغاز المستخدم في توليد الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي.


إسرائيل تستهدف حقل «بارس» للغاز… وطهران تهدد بمهاجمة منشآت الطاقة

صورة من فيديو انتشر على شبكات التواصل من غارة جوية على جزء من منشأة ميناء عسلوية جنوب إيران
صورة من فيديو انتشر على شبكات التواصل من غارة جوية على جزء من منشأة ميناء عسلوية جنوب إيران
TT

إسرائيل تستهدف حقل «بارس» للغاز… وطهران تهدد بمهاجمة منشآت الطاقة

صورة من فيديو انتشر على شبكات التواصل من غارة جوية على جزء من منشأة ميناء عسلوية جنوب إيران
صورة من فيديو انتشر على شبكات التواصل من غارة جوية على جزء من منشأة ميناء عسلوية جنوب إيران

تعرضت منشآت مرتبطة بحقل الغاز الإيراني الضخم «بارس الجنوبي» في جنوب البلاد لضربات جوية، في أول هجوم معلن يستهدف البنية التحتية للطاقة الإيرانية منذ اندلاع الحرب بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.

وأفادت وسائل إعلام إيرانية رسمية، بينها وكالة «إرنا» والتلفزيون الرسمي، بأن منشآت للغاز والبتروكيماويات في مدينة عسلوية بمحافظة بوشهر تعرضت لهجوم الأربعاء، ما أدى إلى اندلاع حرائق في أجزاء من المنشأة.

وقالت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن الضربات شملت منشآت بتروكيماوية في حقل «بارس الجنوبي»، مشيرة إلى أن حجم الأضرار لم يتضح بعد. ونقلت الوكالة عن محافظ عسلوية أن وحدات الإطفاء تمكنت لاحقاً من السيطرة على النيران، بعد إيقاف تشغيل الوحدات المتضررة لمنع انتشار الحريق.

ويُعد حقل «بارس الجنوبي» أكبر مصدر للغاز الطبيعي في إيران، ويشكل أحد أكبر حقول الغاز في العالم، إذ تتقاسمه طهران مع قطر عبر الخليج. ويوفر الحقل الجزء الأكبر من احتياجات البلاد من الغاز المستخدم في توليد الكهرباء والصناعة والاستهلاك المنزلي.

وأظهرت مقاطع فيديو تداولها مستخدمون على وسائل التواصل الاجتماعي تصاعد أعمدة الدخان والنيران من أجزاء في المصفاة، بينما ظهرت مشاهد لعمال يغادرون الموقع وسط حالة من الارتباك.

وأعلنت وزارة النفط الإيرانية لاحقاً أن الغارات ألحقت أضراراً ببعض المنشآت المرتبطة بالحقل، مؤكدة أن الحرائق جرى احتواؤها.

رواية إسرائيلية

وقال مصدر لوكالة «أسوشييتد برس» إن الولايات المتحدة أبلغت مسبقاً بخطة إسرائيلية لشن ضربة على حقل غاز إيراني، لكنها لم تشارك في تنفيذ الهجوم.

وجاء ذلك، بعدما قال مسؤولان رفيعا المستوى لموقع «أكسيوس» إن سلاح الجو الإسرائيلي نفذ ضربة استهدفت منشأة لمعالجة الغاز الطبيعي في جنوب غربي إيران، في خطوة وصفها التقرير بأنها الأولى من نوعها منذ بدء الحرب.

وأوضح المسؤولان أن العملية نُفذت بالتنسيق مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وبموافقتها. كما أكد مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية للموقع أن الضربة تمت بتنسيق بين واشنطن وتل أبيب.

وقال أحد المسؤولين الإسرائيليين إن الهدف من العملية كان توجيه رسالة إلى طهران مفادها أن استمرارها في تعطيل حركة النفط عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تصعيد الهجمات على قطاع الطاقة الإيراني.

وأضاف المسؤول أن الضربة «كانت إشارة لما قد يحدث لاحقاً»، في إشارة إلى احتمال توسيع نطاق استهداف البنية التحتية للطاقة إذا استمرت الأزمة.

تحذيرات إيرانية

في المقابل، حذرت طهران من رد محتمل على استهداف منشآتها للطاقة. وقال المتحدث باسم عمليات هيئة الأركان في إيران إن «البنى التحتية للوقود والطاقة والغاز التي انطلق منها الهجوم ستُحرق وتتحول إلى رماد في أقرب وقت».

وأضاف أن هذا «تحذير حاسم» موجّه إلى الجهات التي قال إنها استهدفت البنية التحتية للطاقة في جنوب إيران، مشيراً إلى أن الرد قد يشمل منشآت للطاقة مرتبطة بالهجوم.

وفي خطوة لافتة، نقلت وسائل إعلام إيرانية عن السلطات إصدار تحذير بالإخلاء لعدد من منشآت النفط والبتروكيماويات في دول بالمنطقة، قائلة إنها قد تتعرض لهجمات خلال الساعات المقبلة.

كما كتب مهدي محمودي، مستشار رئيس البرلمان الإيراني للشؤون الاستراتيجية، على منصة «إكس»: «الأمن والاقتصاد في المنطقة، إما للجميع أو لا يكونان لأحد».

وفي سياق متصل، قال قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» الإيراني علي رضا تنكسيري إن استهداف المنشآت النفطية «المرتبطة» بالولايات المتحدة قد يغير «معادلات المنطقة»، محذراً من أنها قد تصبح أهدافاً محتملة.

وأضاف تنكسيري أن المنشآت النفطية المرتبطة بالولايات المتحدة «تعد أيضاً في صف (القواعد الأميركية)»، داعياً العاملين والمدنيين إلى الابتعاد عنها.

الجزء 12 من حقل غاز جنوب بارس بالقرب من ميناء كنغان على شاطئ الخليج 2014 (أرشيفية - أ.ف.ب)

تنديد قطري وتحذير أوروبي لطهران

وأدانت قطر الضربة التي استهدفت منشآت مرتبطة بالحقل المشترك مع إيران. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري إن استهداف البنية التحتية للطاقة يمثل «خطوة خطيرة وغير مسؤولة» في ظل التصعيد العسكري في المنطقة.

وحذر الأنصاري من أن مثل هذه العمليات قد تشكل تهديداً لأمن الطاقة العالمي وللاقتصاد الدولي.

ويأتي هذا التطور في وقت لا تزال فيه أسعار النفط قرب مستوى 100 دولار للبرميل، وسط مخاوف من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات إضافية في أسواق الطاقة العالمية.

وينظر إلى استهداف منشآت الطاقة على أنه مرحلة جديدة في الصراع، إذ تجنبت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأسابيع الأولى من الحرب ضرب البنية التحتية النفطية والغازية الإيرانية.

وكانت تلك المنشآت تُعد خطاً حساساً بسبب المخاوف من ردود فعل انتقامية قد تستهدف منتجي النفط في الخليج أو تعطل إمدادات الطاقة العالمية.

وفي هذا السياق، حذر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن «التداعيات العالمية للحرب ما زالت في بداياتها»، مشيراً إلى أن تأثيرها قد يمتد إلى الاقتصاد العالمي.

وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي ​لـ«رويترز» إن مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، أبلغت عراقجي ‌خلال اتصال هاتفي ​الأربعاء ‌بأن ⁠ضمان ​المرور الآمن ⁠عبر مضيق هرمز يمثل أولوية لأوروبا، وأن الاتحاد يدعم حلّاً دبلوماسيّاً للحرب.وأضاف ⁠المسؤول، الذي ⁠طلب عدم الكشف عن هويته، أن كالاس ‌دعت ‌طهران إلى ​وقف ‌جميع الهجمات على البنية ‌التحتية الحيوية في المنطقة. وأكدت دعم الاتحاد لخفض التصعيد والتوصل ‌إلى حلّ دبلوماسي للحرب.وقال المسؤول: ⁠«جرى الاتصال (صباح اليوم) قبل إعدام مواطن أوروبي كان محتجزاً لدى النظام، وهو ما ندّد به الاتحاد ​الأوروبي ​بأشدّ العبارات».

«جريمة حرب»

وقال السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة، أمير سعيد إيرواني، إن عدة أقسام من حقل الغاز «بارس الجنوبي» خرجت عن الخدمة عقب الهجمات التي استهدفت منشآت الطاقة في المنطقة، معتبرة أن استهداف البنية التحتية المدنية «جريمة حرب».

وأفاد إيرواني، في رسالة عاجلة إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بأن منشآت الغاز في «بارس الجنوبي» ومنطقة عسلوية تعرضت لهجمات عسكرية في الساعات الأولى من اليوم.

وأشار إلى أن التقييمات الأولية تشير إلى خروج عدة مراحل من الحقل عن الخدمة، مشيراً إلى أن هذه المنشآت تُعد أساسية لتأمين الطاقة لملايين المدنيين. وأضاف أن استهداف البنية التحتية المدنية يمثل «انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي» ويعد «جريمة حرب».

وأكد إيرواني، في الرسالة، أن إيران تحتفظ بحقها في الدفاع المشروع وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن طهران ستتخذ «جميع الإجراءات اللازمة والمتناسبة» لحماية سيادتها ومصالحها الوطنية.

ويرى مراقبون أن استهداف حقل «بارس الجنوبي» قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة في الحرب، إذا تحولت منشآت الطاقة إلى أهداف مباشرة في المواجهة بين الطرفين، في منطقة تمثل أحد أهم مراكز إنتاج النفط والغاز في العالم.