اتساع المظاهرات من سوق طهران إلى محيط البرلمان

المحتجون هتفوا ضد تدهور الوضع الاقتصادي وسياسات النظام الإقليمية... والشرطة استخدمت الغاز المسيل للدموع لتفريقهم

إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
TT

اتساع المظاهرات من سوق طهران إلى محيط البرلمان

إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)
إيرانيون يهتفون ضد سوء الأوضاع الاقتصادية أثناء الاحتجاجات قبالة سوق الذهب والمجوهرات في بازار طهران القديم أمس (أ.ب)

اتسع نطاق الاحتجاجات ضد تدهور الأوضاع الاقتصادية، في «بازار» طهران أمس لليوم الثاني على التوالي، على خلفية احتجاجات اندلعت أول من أمس غضبا من ارتفاع سعر الدولار إلى مستويات قياسية، وأعلن عدد من التجار والباعة في أسواق طهران إغلاق أبواب المحلات احتجاجا على تذبذب الأسعار، قبل أن تتشكل موجات احتجاجية عفوية شقت طريقها من مختلف مناطق وسط طهران إلى محيط البرلمان الإيراني للتنديد بالوضع الاقتصادي، وهو ما أدى إلى مناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن في ميدان بهارستان.
وتباينت تقارير وسائل الإعلام الرسمية مع عشرات المقاطع التي تم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي عبر نشطاء من داخل طهران، وبينما دفعت رواية وسائل الإعلام الحكومية باتجاه تمييز المتظاهرين بين تجار يرفعون مطالب اقتصادية محقة و«مجهولين حاولوا تحريف مسار المظاهرات»، أظهرت مقاطع الناشطين موجات بشرية تردد هتافات بصوت واحد تطالب قوات الأمن بتوفير الأمان للمتظاهرين والسماح بإقامة الاحتجاجات وذلك على الرغم من تأكيد الجانبين على سلمية الاحتجاجات.
وأظهرت المقاطع المتوفرة أن نواة الاحتجاجات بدأت بالإضرابات بين أسوار «بازار» طهران القديم منذ أول ساعات الصباح، قبل أن يشكل التجار والباعة إضافة إلى مواطنين غاضبين موجات بشرية شقت طريقها من الأسواق المركزية في وسط العاصمة الإيرانية باتجاه مقر البرلمان الإيراني في ميدان بهارستان.
وبحسب التقارير، شهدت مدن أخرى بالقرب من طهران، مثل شهريار وكرج، إضرابات مشابهة، كما تداول ناشطون حول حراك متزامن في أسواق مدينة مشهد في شمال شرقي البلاد وجزيرة قشم وبندر عباس وعبادان والأحواز في جنوب البلاد.
واتهمت وكالة «إيلنا» أطرافا بالسعي وراء إثارة التوتر على أثر إغلاق سوق طهران. وتابع تقرير الوكالة المقربة من الإصلاحيين أن «تعطل الأسواق كان دائما لإعلان موقف النقابات تجاه القضايا الاقتصادية مثل الضرائب والركود، وقلما تشهد شعارات سياسية».
وأبلغ متعاملون في «البازار»، التي أيد تجارها الثورة الإسلامية في إيران في 1979، وكالة «رويترز» بالهاتف أن معظم المحال التجارية ما زالت مغلقة.
ونقلت الوكالة عن تاجر في البازار طلب عدم نشر اسمه: «نحن جميعا غاضبون من الوضع الاقتصادي. لا يمكننا أن نواصل أعمالنا بهذا الشكل. لكننا لسنا ضد النظام».
وذكرت الوكالة أن بعض أصحاب المحلات في سوق طهران أغلقوا أبواب المحلات التجارية احتجاجا على غلاء الدولار وتراجع المبيعات، وقالت في تقريرها الرئيسي إن «بعض الأشخاص حاولوا إثارة التوتر في سوق طهران بهدف إغلاق المحلات التجارية احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة وسببوا مشكلات للناس العاديين».
وذكرت تقارير وسائل إعلام رسمية أن 8 أسواق في سوق طهران الكبير أغلقت أبوابها «حفاظا على الأموال والأرواح».
وأفاد مراسل وكالة الصحافة الفرنسية بأن شرطة مكافحة الشغب استخدمت عند الساعة الثالثة والنصف بعد الظهر (11.00 ت.غ) الغاز المسيل للدموع عند تقاطع «الفردوسي» وشارع «جمهوري»، في وسط طهران، ضد عشرات من الشبان الذين كانوا يرمون حجارة ومقذوفات في اتجاه عناصر الشرطة. وتفرق المحتجون الذين كانوا يهتفون: «ادعمونا أيها الإيرانيون» عندما بدأ عناصر الشرطة الاقتراب منهم.
وأفادت وكالة «رويترز» نقلا عن شهود، بأن دوريات للشرطة جابت البازار الكبير في طهران أمس في الوقت الذي واجهت فيه قوات الأمن صعوبة في إعادة الأمور إلى طبيعتها بعد اشتباكات مع محتجين أغضبهم انهيار الريال، الذي يعطل قطاع الأعمال من خلال زيادة تكلفة الواردات.
وكانت الدعوات للإضرابات بدأت بسوق طهران للإلكترونيات في شارع «جمهوري».
ونقلت عدسات المواطنين الإيرانيين تفاصيل التطورات إلى مختلف مناطق إيران والعالم. أول مقاطع تم تداولها أظهرت شعارات اقتصادية تندد بارتفاع سعر الدولار وعجز السياسات الاقتصادية الحكومية عن تحسين معيشة الإيرانيين، لكن مع مرور الوقت وابتعاد حشود المتظاهرين عن مناطق الانطلاق باتجاه البرلمان، أظهرت المقاطع أن الشعارات اتخذت ألوانا أكثر سياسية تندد بإنفاق طهران على تدخلاتها الإقليمية وتجاهل أوضاع المواطن الإيراني، فضلا عن شعارات «الموت للديكتاتور» وأخرى تشكك بأهلية المرشد الإيراني علي خامنئي وقدرة البرلمان الإيراني على إدارة شؤون البلاد.
وتشهد إيران منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي احتجاجات متصاعدة ضد تدهور الوضع المعيشي وتنحو إلى مسارات أكثر تحديا للسلطات بعدما جرب الإيرانيون عددا كبيرا من الاحتجاجات خلال العام الماضي ضد تدهور الأوضاع المعيشية والمشكلات البيئية، وهو ما أجمع مراقبون على أنه شكل مفارقة على مدى 39 عاما من عمر النظام الإيراني.
قبل أشهر قليلة كانت السلطات قد نجحت في احتواء الاحتجاجات ضد غلاء الأسعار قبل أن تلجأ قوات الأمن إلى العنف في تفريق احتجاجات جماعة «غناباد الصوفية» في فبراير (شباط) الماضي، بمنطقة باسداران شمال طهران، وهو ما أدى إلى سقوط عدد كبير من القتلى والجرحى في صفوف الجماعة وقوات الأمن، وانتهت باعتقال المئات منهم.
في الأثناء، أعلن رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني حشمت الله فلاحت بيشه عن اجتماع صباح اليوم بين نواب البرلمان ومسؤولين حكوميين في الأجهزة المعنية لبحث الوضع الاقتصادي ومخاوف الإيرانيين، وفقا لوكالة «إيسنا» الحكومية.
وشدد فلاحت بيشه على أهمية تنفيذ الاتفاق النووي في ظل الظروف الراهنة وقال: «الأبعاد الاقتصادية الداخلية المتأثرة بالاتفاق النووي؛ نظرا لهواجس الناس والقضايا الدولية التي لها ظروفها الخاصة، تتطلب النقاش».
وكانت تصريحات فلاحت بيشه أول تعليق يصدر من مسؤول في البرلمان الإيراني بعد ساعات من تجمهر المتظاهرين في محيط البرلمان.
وناقش البرلمان أول من أمس خلف الأبواب المغلقة أوضاع الاقتصاد الإيراني وموجة غلاء الأسعار الجديدة بحضور نائب الرئيس الإيراني إسحاق جهانغيري ووزيري الصناعة والزراعة ورئيس البنك المركزي.
أما محافظ طهران فقد دعا إلى اجتماع طارئ لخلية الأزمة في العاصمة الإيرانية طهران لبحث الإضرابات وتجمهر المحتجين بالقرب من البرلمان الإيراني.
ونقلت «إيلنا» عن المساعد الأمني لمحافظ طهران محسن همداني نسج أن خلية الأزمة في طهران دعت إلى اجتماع طارئ لبحث أوضاع السوق في طهران.
وقال عبد الله اسفندياري، رئيس مجلس أمناء سوق طهران، في أول تعليق على الأوضاع الملتهبة في السوق، إنه «لم يتوقف نشاطه بصورة كاملة، لكن أجزاء كبيرة أغلقت الأبواب».
وصرح اسفندياري لوكالة «إيسنا» الطلابية بأن «مطالب تجار السوق شرعية، يريدون توضيح وضع سوق الصرف بشكل نهائي»، مضيفا: «نأمل في الالتفات إلى مشكلاتهم وأن تعود السوق غدا (اليوم الثلاثاء) إلى حركتها العادية». وأشار إلى أن التجار «يحتجون على سعر الصرف المرتفع... تقلب العملات الأجنبية (...)، وعرقلة البضائع في الجمارك، والافتقار إلى المعايير الواضحة للتخليص الجمركي، وحقيقة أنهم في ظل هذه الشروط، تجعلهم غير قادرين على اتخاذ قرارات أو بيع بضائعهم».
في سياق متصل، قال أمين عام نقابات «بازار طهران» أحمد كريمي أصفهاني لوكالة «إيسنا»: «كنا نتوقع الأوضاع الحالية للسوق، وحذرنا المسؤولين عدة مرات، وقلنا إنه لا يمكن السيطرة على السوق في ظل الأحوال الحالية».
من جانبه، قال المساعد الأمني والسياسي لقائمقام طهران عبد العظيم رضائي، أمس، إن السلطات «لم تعتقل أي شخص من المتجمهرين خلال الاحتجاجات»، مشددا على أن «التجمعات انتهت بشكل سلمي ومن دون مشكلات، ولم تسفر عن إصابة أي أحد».
وقال المسؤول الأمني الإيراني تعليقا على انتشار عدد كبير من قوات الأمن الإيرانية، إنه يأتي نتيجة «الحساسيات الموجودة لتوفير أمن المركز التجاري في محيط السوق، حتى لا يفتقر أصحاب المحلات للأمن ويغلقوا المحلات»؛ بحسب ما أوردت عنه وكالة «إيرنا» الرسمية.
وقال المسؤول الإيراني إن السلطات بحثت مطالب أصحاب المحلات والتجار مع رؤساء النقابات، مضيفا أن «مطالب الباعة اقتصادية، لكن عددا من الأشخاص أرادوا تغيير مسار الاحتجاجات من القضايا الاقتصادية، وهو ما تصدت له قوات الأمن».
وبحسب المسؤولين، فإن مطالب السوق في الاحتجاجات شملت مخاوف من تذبذبات سوق العملة وفقدان الأعمال.
وأجمعت وسائل الإعلام التابعة للحكومة و«الحرس الثوري» على أن الاحتجاجات «كانت مطالب نقابية واقتصادية، أدت إلى إغلاق جزئي للسوق وتجمهر عدد منهم أمام البرلمان».
وقالت وكالة «تسنيم»، التابعة لمخابرات «الحرس الثوري» الإيراني، في تقريرها الرئيسي عن احتجاجات سوق طهران إنها خرجت ضد السياسات الاقتصادية للحكومة الإيرانية.
وأوضحت الوكالة أن «المتظاهرين تفرقوا بإعلان احتجاجهم على الوضع الاقتصادي وقرارات المسؤولين عن الملف الاقتصادي في الإدارة الإيرانية»، ووصفت إغلاق سوق طهران بالخطوة الرمزية بهدف إيصال صوتهم إلى المسؤولين. كما وجهت تهما إلى «مجهولين ملثمين» بالسعي وراء اختراق صفوف المتظاهرين لإجبار التجار على إغلاق محلاتهم التجارية، وهو ما واجه مقاومة من قبل التجار أجبرتهم على مغادرة السوق؛ حسب زعم الوكالة.
وأشارت الوكالة إلى مناوشات بين المتظاهرين وقوات الأمن في شارع «جمهوري» ومنطقة «لاله زار» بالقرب من مقر البرلمان الإيراني، وقالت إن متظاهرين أشعلوا النيران في أكشاك الشرطة والممتلكات العامة.
ويتعرض الريال لضغوط شديدة من تهديد العقوبات الأميركية. وهوت العملة الإيرانية إلى 90 ألف ريال مقابل الدولار في السوق غير الرسمية أمس من 87 ألفا أول من أمس الأحد، ونحو 75500 يوم الخميس الماضي، بحسب موقع الصرف الأجنبي «بونباست دوت كوم»؛ وبحسب «رويترز».
وفي نهاية العام الماضي، بلغت العملة المحلية 42890 ريالا للدولار.
وفرضت إيران حظرا على استيراد أكثر من 1300 منتج في إطار إعداد اقتصادها لمقاومة عقوبات تهدد بها الولايات المتحدة، ووسط احتجاجات على هبوط عملتها إلى مستويات قياسية منخفضة.
في السياق نفسه، ذكرت صحيفة «فايننشيال تريبيون» الإيرانية أمس عن وثيقة رسمية أن وزير الصناعة والتجارة محمد شريعة مداري فرض حظر الاستيراد على 1339 سلعة يمكن إنتاجها داخل البلاد. كما ذكرت صحيفة «طهران تايمز» أن قائمة الواردات المحظورة تشمل الأجهزة المنزلية ومنتجات المنسوجات والأحذية ومنتجات الجلود والأثاث ومنتجات الرعاية الصحية وبعض الآلات.
وتأتي التطورات في طهران قبل بدء العقوبات الأميركية على إيران التي من المفترض أن تبدأ من جديد في أغسطس (آب) وفي نوفمبر (تشرين الثاني) المقبلين بعدما أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي.
وقد يتسبب هذا في انخفاض إيرادات إيران من العملة الصعبة من صادرات النفط، وقد يؤدي ذلك إلى قيام الإيرانيين بتحويل مدخراتهم من الريال إلى الدولار.



قاآني يشيد بدور حلفاء إيران في إنتاج «النظام الجديد في المنطقة»

قاآني يشيد بدور حلفاء إيران في إنتاج «النظام الجديد في المنطقة»
TT

قاآني يشيد بدور حلفاء إيران في إنتاج «النظام الجديد في المنطقة»

قاآني يشيد بدور حلفاء إيران في إنتاج «النظام الجديد في المنطقة»

أشاد قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري الإيراني» إسماعيل قاآني، في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، الاثنين، بجهود التنظيمات المسلحة المدعومة من طهران ومن بينها «حزب الله» اللبناني، التي أنتجت ما وصفه بـ«النظام الجديد في المنطقة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهذا المنشور الذي ورد على منصة «إكس» تحت اسم المستخدم «الجنرال قاآني»، (general_Qaani)، هو الثاني فحسب الذي يُنسَب إلى القائد شديد التكتم لـ«فيلق القدس» التابع لـ«الحرس الثوري»، منذ اندلاع الحرب التي بدأت بضربات أميركية - إسرائيلية على إيران قبل نحو شهر.

وكتب قاآني الذي يتولى قيادة هذه الوحدة المسؤولة عن عمليات «الحرس الثوري» خارج إيران: «إن أمنية قادة المقاومة الشهداء قد تحققت، غرفة العمليات الحربية للمقاومة موحدة. عوّدوا أنفسكم على النظام الجديد في المنطقة».

وأشار قاآني تحديداً إلى «نيران حزب الله» الذي يخوض حرباً ضد الجيش الإسرائيلي على الحدود الجنوبية للبنان مع الدولة العبرية، وجماعة «أنصار الله» الحوثية اليمنية التي دخلت الحرب في الآونة الأخيرة.

وما لبثت منصة «إكس» أن علّقت الحساب الذي نشر هذه الرسالة، غير أن محتواها أُعيد تداوله على نطاق واسع وأوردته وسائل إعلام رسمية أو مرتبطة بالنظام الإيراني.

وتَردّد أن قاآني الذي خَلفَ اللواء قاسم سليماني عام 2020 قُتل خلال حرب الاثني عشر يوماً بين إسرائيل وإيران في يونيو (حزيران) 2025، لكنه عاودَ الظهور.

غير أنه لم يطلّ علناً في الآونة الأخيرة، مما أثار تكهنات بشأن دوره ومكان إقامته، رغم أن كثيراً من المحللين يرون أن تحفّظه أمر منطقي في زمن الحرب.


سكان طهران بعد شهر من الحرب: «نفتقد عاداتنا البسيطة»

دخان متصاعد عقب انفجارات متتالية في الجزء الشمالي الشرقي من طهران فجر السبت (غيتي)
دخان متصاعد عقب انفجارات متتالية في الجزء الشمالي الشرقي من طهران فجر السبت (غيتي)
TT

سكان طهران بعد شهر من الحرب: «نفتقد عاداتنا البسيطة»

دخان متصاعد عقب انفجارات متتالية في الجزء الشمالي الشرقي من طهران فجر السبت (غيتي)
دخان متصاعد عقب انفجارات متتالية في الجزء الشمالي الشرقي من طهران فجر السبت (غيتي)

يحاول سكان طهران مواصلة حياة شبه طبيعية بالرغم من الحرب، لكن الأحوال تبدّلت بالنسبة إلى كثيرين منهم باتوا يفتقدون عادات بسيطة، كارتياد المقهى أو المتنزّه.

بالنسبة إلى فاطمة التي تعمل مساعدة في عيادة لطبّ الأسنان، تفرح عندما تتمكّن من ارتياد المقهى.

وقالت: «عندما أجلس إلى طاولة ولو كان لبضع دقائق، أتصوّر أنها ليست نهاية العالم، كما لو كنت أهرب من هذه الحرب الملعونة لأعود إلى يوم عادي، أو أقلّه لأتخيّل عالماً لا يستولي عليه الخوف، الخوف من الموت أو فقدان شخص عزيز أو كلّ ما نملكه».

وإذا لم يؤرق القصف نوم الشابة البالغة 27 عاماً، ترتدي لباساً أنيقاً وتتبرّج قليلاً للخروج صباحاً. ولكن «فور عودتي إلى المنزل، أعود إلى واقع الحرب بسوادها وثقلها».

إيرانيات يجلسن داخل مقهى في طهران (أ.ف.ب)

وبالرغم من الحرب التي دخلت شهرها الثاني، ما زالت الحياة مستمرّة في طهران، حيث المقاهي والمطاعم مفتوحة، والمتاجر فيها بضائع، ومحطّات الوقود في الخدمة. غير أن الأمور لم تعد على حالها بالنسبة لمن تواصلت معهم وكالة الصحافة الفرنسية من باريس، وطلبوا عدم الإفصاح عن أسمائهم الكاملة حرصاً على سلامتهم.

وشكوا من حرب تلقي بظلال ثقيلة على حياتهم اليومية والهمّ الذي يؤرقهم في بلد يرزح تحت وطأة ركود اقتصادي، مع حواجز أمنية أقيمت في مناطق كانت سابقاً هانئة، وانقطاع الإنترنت على نطاق واسع، وتثبيت زجاج النوافذ بأشرطة لاصقة كي لا يحطّمها عصف الانفجارات.

وأوضحت شهرزاد، وهي ربّة منزل في التاسعة والثلاثين، أنها لا تخرج من بيتها إلا للضرورة القصوى «أبقى قويّة قدر المستطاع من أجل ابنتي. لكن عندما أفكّر في المستقبل، ما من صور واضحة في ذهني كي أتمسّك بها».

وأقرّت بأن «الأمر الوحيد الذي تبقّى لي من حياتي ما قبل الحرب والذي يساعدني في الحفاظ على المعنويات هو الطهو».

أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

وأضافت: «أحياناً أبدأ بالبكاء فجأة وكلّي شوق إلى الأيام العادية، إلى حياة لم يكن علي فيها أن أفكّر دوماً بالتفجيرات والموت».

والأمر سيّان بالنسبة إلى إلناز الرسّامة البالغة 32 عاماً.

وصرّحت: «الخروج ليلاً أو التوجّه إلى حيّ آخر من المدينة للتبضّع في متجر بقالة أو فرن ليسا في الحيّ الذي أسكنه أو المطالعة في مقهى أو ارتياد المتنزّه... هي أمور بسيطة جدّاً أفتقدها».

وأضافت: «أكثر ما أفتقده هو ليلة نوم هانئ»، خصوصاً أن القصف يكون جدّ شديد في بعض الليالي لدرجة أنها تشعر بأن «طهران كلّها تهتزّ».

وجلّ ما باتت تفكّر فيه إلناز هو «الصمود. ولا يهمّني سوى أن أبقى على قيد الحياة مع كلّ من هو عزيز على قلبي، من الأصدقاء وأفراد العائلة وسكان المدينة» الذين باتوا أكثر تعاضداً «من أيّ وقت مضى في هذه الأوقات العصيبة».

وأكّد شايان المصوّر البالغ 46 عاماً: «يوجد وقود ومياه وكهرباء. وما زلنا نخرج. وقد حاولنا الاحتفال بعيد النوروز» لكن «لا حول لنا».

وتزداد الأجواء قتامة مع انتشار صور للأطفال الذين قتلوا في الحرب في شوارع العاصمة وسط مبانٍ مدمّرة.

دخان يتصاعد بعد قصف على طهران في 5 مارس 2026 (أ.ف.ب)

أما الفنان التشكيلي كاوا (38 عاما)، فاشتكى من دوريات عناصر الأمن وأنصار النظام الذين يكثّفون الحواجز لمنع أي احتجاجات.

وبات على سكان المدينة أحياناً عبور «عدّة حواجز تفتيش في يوم واحد كلّ واحد منها بإدارة مجموعة مختلفة».

وأورد كاوا «تفتشّ السيّارات ويتمّ فحص محتويات الهواتف المحمولة وينصبّ الغضب المكبوت لأشهر» على مواطنين عاديين.

وقبل بضعة أيّام، التقط كاوا شظيّة صاروخ سقط على بعد 50 متراً من منزله ليحوّلها إلى قطعة فنّية عندما تتاح له الفرصة.

ولا تغيب عن باله مشاهد الزجاج المحطّم والغبار المتناثر. ويتساءل عن «مستقبل البلد وشعبه وما قد يحسّن الوضع فعلاً»، مؤكداً: «هذا هو الشغل الشاغل للإيرانيين».


إيران تُعدم سجينين عضوين في منظمة «مجاهدي خلق»

أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
TT

إيران تُعدم سجينين عضوين في منظمة «مجاهدي خلق»

أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)
أحد أفراد قوات الأمن الإيرانية يقف حارساً بجوار لافتة للزعيم الإيراني السابق علي خامنئي في طهران 30 مارس 2026 (إ.ب.أ)

أعدمت إيران، الاثنين، رجلين كانا عضوين في منظمة «مجاهدي خلق» المحظورة، حسبما قالت مجموعات حقوقية، في وقت تواصل طهران تنفيذ عمليات إعدام في ظل الحرب ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأُعدم أكبر دانشوركار (60 عاماً) ومحمد تقوي سنكدهي (59 عاماً) شنقاً عند الفجر في سجن غزل حصار في مدينة كرج قرب طهران، بتهمة انتمائهما إلى منظمة «مجاهدي خلق» الإيرانية المحظورة.

وقالت وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية الإيرانية إن الرجلين أُعدما «بعد تأكيد الحُكم ومصادقة المحكمة العليا النهائية عليه».

وتصنّف السلطات الإيرانية «مجاهدي خلق» منظمة إرهابية. وهي منظمة مُعارضة في المنفى منذ ثمانينات القرن الماضي.

وأكد المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، الجناح السياسي للمنظمة، في بيان، أن الرجلين كانا عضوين في منظمة «مجاهدي خلق».

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، مريم رجوي، إن «النظام الديني اليائس، خوفاً من انتفاضة الشعب، يحاول عبثاً تأخير انفجار غضب الشعب لفترة وجيزة عن طريق إعدام أشجع أطفال إيران».

أحد أفراد القوات الخاصة للشرطة الإيرانية يقف على آلية عسكرية في وسط مدينة طهران 30 مارس 2026 (أ.ب)

تصاعد عمليات الإعدام

وكثيراً ما أبدت منظمات حقوق الإنسان مخاوفها من تصاعد جديد في عمليات الإعدام، مع استخدام السلطات هذه العقوبة لبثّ الرعب في المجتمع في ظل الحرب الدائرة منذ أكثر من شهر ضد إسرائيل والولايات المتحدة.

وقال محمود أميري مقدم، مدير منظمة «إيران هيومن رايتس» غير الحكومية، ومقرها النرويج: «نخشى أن تستغل الجمهورية الإسلامية ظروف الحرب الحالية لتنفيذ عمليات إعدام جماعية داخل السجون، بهدف بثّ الرعب في المجتمع».

وذكرت المنظمة الحقوقية أن «السجينين السياسيين» تعرّضا «لتعذيب جسدي ونفسي، وحُرما من حقوقهما في الإجراءات القانونية الواجبة، وحُكم عليهما بالإعدام في عملية لم تستوفِ الحد الأدنى من معايير المحاكمة العادلة».

ونبهت إلى أن أربعة متهمين آخرين «معرّضون لخطر جسيم ووشيك بالإعدام» في سجن غزل حصار بعد الحكم عليهم بالإعدام في القضية نفسها.

وقال شادي صدر المؤسس المشارك لمنظمة العدالة لإيران غير الحكومية، التي تسعى إلى المساءلة القانونية عن انتهاكات حقوق الإنسان في إيران، إن «الشعب الإيراني محاصر بين حرب دولية وقمع شديد في الداخل».

وقالت وكالة «ميزان» إن الرجلين اللذين أُعدما أُدينا بالضلوع في «عمليات إرهابية» وتنفيذ أعمال تهدف إلى قلب نظام الحكم في إيران وزعزعة الأمن القومي.

ويقول المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية إن منظمة «مجاهدي خلق» قامت بأعمال داخل إيران تستهدف السلطات الدينية.

وأعدمت إيران في 19 مارس (آذار) ثلاثة رجال اتُّهموا بقتل شرطي خلال حركة احتجاج واسعة في يناير (كانون الثاني) قوبلت بقمع من السلطات.

وأحدهم كان الشاب صالح محمدي الذي كان قد بلغ لتوه التاسعة عشرة وشارك في مسابقات مصارعة دولية.

كما أعدمت السلطات الإيرانية في مارس كوروش كيواني، وهو إيراني - سويدي بتهمة التجسس لحساب إسرائيل، في خطوة أدانتها بشدة استوكهولم والاتحاد الأوروبي.

وتحتل إيران المرتبة الثانية عالمياً في عدد الإعدامات بعد الصين، حسب منظمات حقوقية من بينها منظمة العفو الدولية.

وقبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، خرجت تظاهرات في إيران أواخر ديسمبر (كانون الأول) احتجاجاً على الأوضاع الاقتصادية، قبل أن تتحول إلى حركة احتجاج واسعة بلغت ذروتها في الثامن والتاسع من يناير.

وأسفر قمع الاحتجاجات عن مقتل الآلاف، وفق منظمات غير حكومية.

وأقر مسؤولون إيرانيون بمقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، لكنهم نسبوا ذلك لأعمال عنف «إرهابية» ارتكبها أشخاص مرتبطون بالولايات المتحدة وإسرائيل.