«ماجد» و«باسم» و«بلبل» سافروا بالقراء الصغار إلى عالم الحكايات والخيال

مجلات الأطفال لمعت في التسعينات واختار بعضها مواكبة التطور التكنولوجي

حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
TT

«ماجد» و«باسم» و«بلبل» سافروا بالقراء الصغار إلى عالم الحكايات والخيال

حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»
حرصت مجلة «ماجد» على مواكبة التطور التقني بتحويل قصصها إلى فيديو على موقعها و«يوتيوب» منها قصص «أمونة المزيونة»

تنوعت مجلات الأطفال في الوطن العربي، واستطاعت أن ترسم البسمة على وجوه القراء الصغار، وأن تفتح لهم باب الخيال. مغامرات وقصص «باسم»، و«سعدان»، و«نوارة»، وعالم البط، و«عم دهب»، و«ميكي»، و«بطوط»، وغيرها من الشخصيات المتخيلة الشيقة تناولتها مجلات الأطفال بين صفحاتها الفاخرة الملونة. ومع التسلية كانت تحوي مضموناً تربوياً هادفاً، في ظل ثقافة عربية خصبة، ترعرعت خلال تسعينات القرن الماضي. تلك الحقبة شهدت سطوع نجم صحافة الأطفال في الدول العربية؛ لكنها سرعان ما فقدت بريقها مع غزو تطبيقات الهواتف الذكية، والألعاب الإلكترونية، التي وجدت إقبالاً من جيل الأطفال والشباب على السواء فهجروا أبطال المجلات ووضعوا أعدادها جانباً.

مجلة «الروضة» هي أول مجلة للأطفال في المملكة العربية السعودية، صدر عددها الأول في عام 1959. ورأس تحريرها طاهر الزمخشري؛ لكنها لم تستمر لأكثر من عامين. ومجلة «حسن» التي صدر العدد الأول منها في 32 صفحة عام 1977 عن مؤسسة «عكاظ للصحافة والنشر»، توقفت عن الصدور، ومجلة «باسم» التي صدرت عام 1987 عن «الشركة السعودية للأبحاث والنشر» وكانت موجهة إلى الطفل السعودي والخليجي في المقام الأول لتزويده بالمعلومات الدينية، والاجتماعية، والثقافية، توقفت هي الأخرى.
لكن منها من اختار الاستمرارية ومواكبة موجة التطور التكنولوجي؛ إذ تعتبر مجلة «ماجد» من أبرز مجلات الأطفال الصادرة في الإمارات، وهي مجلة أسبوعية للأطفال ما بين سن السابعة والرابعة عشرة، وتصدرها شركة «أبوظبي للإعلام»، وصدر العدد الأول منها عام 1979، وتم تدشين موقع إلكتروني للمجلة عام 2009. وقناة «ماجد» على «يوتيوب» عام 2015. وتعد مجلة «العربي الصغير» من أهم مجلات الأطفال في الكويت، وتصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، وصدر العدد الأول منها في عام 1986، بعد أن كانت تصدر كتيباً يوزع مع مجلة «العربي»، في كثير من دول العالم.
وفي دراسة للباحث المصري أسامة عبد الرحيم حول «تأثير الواقع الثقافي على بناء القيم التربوية في صحافة الأطفال... دراسة تحليلية مقارنة لعينة من مجلات الأطفال في مصر والسعودية»، أعدها عام 1997 بجامعة الأزهر، خلص إلى أن «مجلات الأطفال في العالم العربي ما زالت تعتمد على نسبة كبيرة من الكتابات المترجمة، وتصدرت القيم الدينية المرتبة الأولى في مجلة «باسم» بنسبة 75.1 في المائة... ومن أهم القيم الاجتماعية التي ركزت عليها مجلة «باسم» العلم، والتعاون، والكرم، والعمل، والصداقة واحترام الكبير، والنجاح والطموح، والإصرار والمثابرة، والاعتماد على النفس».
ويقول الكاتب والناقد محمود قاسم، الذي أعد موسوعة «كُتاب الأطفال في العالم العربي» التي أصدرتها إدارة الطفولة بجامعة الدول العربية عام 2004 لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت صحافة الأطفال في السنوات الأولى من القرن العشرين، لكنها تدهورت الآن وتوقف الكثير منها عن الصدور في دول عربية عدة، مثل: سوريا، وليبيا، والعراق، ومصر؛ لأن رؤساء تحرير بعض المجلات ليس لهم صلة بصحافة الأطفال، ولارتفاع تكاليف الطباعة، والاعتماد على القصص المترجمة، ففقدت الكثير من مجلات الأطفال مكانتها وأصبحت بيوتاً مهجورة لا يدخلها أحد».
مضيفاً: تعد مجلة «ماجد» الإماراتية من أفضل المجلات العربية، وذلك بفضل أحمد عمر، رئيس تحريرها لمدة تقترب من الثلاثين عاماً، الذي أعطى المجلة نكهة خليجية في المضمون والأحداث والشخصيات، واستقطب أبرز كتاب الأطفال ورسامي الكاريكاتير فلاقت المجلة رواجاً كبيراً من الأطفال في الوطن العربي؛ لأنها حافظت على خصوصية الطفل الخليجي. مشيراً إلى أنه «من أمثلة الشخصيات المحبوبة في المجلة (كسلان جداً)، و(موزة الحبوبة)، و(فضولي)، و(أبو الظرفاء)، و(زكية الذكية)، و(شمسه ودانة)، و(النقيب فهمان والمساعد خلفان)». وقال: «تستهدف المجلة الطفل الذي يعيش في بيئة محافظة، وتغرس فيه القيم الدينية والوعي الثقافي، والمحافظة على هويته، والاعتزاز بتاريخه العربي، كما واكبت التقدم الاجتماعي الذي شهدته الإمارات في تلك المرحلة، فضلاً عن إنشاء قناة على (يوتيوب)، التي تخطت آلاف المشاهدات، وموقع إلكتروني، فاحتفظت برونقها منذ صدورها حتى الآن».
من جهتها، تقول آمنة الحمادي، رسامة الكاريكاتير الإماراتية، «ابتكرت شخصية (أمونة) التي تعرض على قناة «ماجد» على «يوتيوب»، ويحكي كارتون (أمونة المزيونة) قصة طفلة إماراتية في السابعة من عمرها، تحب اللعب واللهو وتجربة الأشياء الجديدة، وتحرص على أن تكون نجمة المدرسة والمنزل لخفة دمها وشخصيتها القيادية، ويلائم المسلسل الأطفال من عمر 4 إلى 10 سنوات. وهناك برامج أخرى متنوعة تعرض على قناة (ماجد) مثل: (أبطال الغد)، و(أرقام وألوان)، وكرتون (كسلان)، و(النقيب خلفان)».
يُشار إلى أن مجلات الأطفال العربية حملت أسماء أطفال ذكور أو أسماء حيوانات، مثل: «السمير الصغير»، و«سمير»، و«سندباد»، و«ماجد»، و«باسم»، و«أسامة»، وهناك مجلات قليلة تحمل أسماء البنات، ومنها: مجلة «سناء» الليبية، و«قطر الندى» المصرية، وهناك مجلات لأبطال مؤسسة «والت ديزني» مثل: مجلة «توم وجيري»، و«ميكي».
وتعد مصر هي صاحبة النصيب الأكبر في إصدار مجلات الأطفال، وقد اهتمت المؤسسات الصحافية بإصدار مجلات الأطفال للعثور على قارئ إضافي يتمثل في الطفل أو أولياء الأمور. وتعتبر «ميكي»، و«سمير»، و«علاء الدين»، و«بلبل»، و«قطر الندى» ضمن مجلات الأطفال الشهيرة في حقبة التسعينات التي رسمت السعادة على وجوه الأطفال، وأثرت عقولهم بالحكايات المسلية والمغامرات، وقصص الخيال العلمي.
صدرت مجلة «ميكي» أسبوعياً بلغات عدة بترخيص من شركة «والت ديزني»، وكانت تصدر في مصر منذ عام 1959 عن مؤسسة «دار الهلال» الصحافية، ثم توقفت عن إصدارها في عام 2003، وأعادت إصدارها دار «نهضة مصر» في 2004 مع اكتساب الحقوق في مصر فقط، وفي 2011 منحت شركة «والت ديزني العالمية» الأميركية، دار «نهضة مصر» حق توزيع إصدارات «ميكي» و«ميكي جيب» في السعودية، والكويت، وقطر، وسلطنة عمان، والبحرين. ومجلة «سمير» التي تصدر أسبوعياً عن «دار الهلال» منذ عام 1956، تفردت بتلخيص روايات العالم الشهيرة، إلى جانب نشر قصص المغامرات والاهتمام بالشخصيات العربية في الحكايات، مثل: «باسل وزملاء الكشافة»، و«عصام»، وهو اسم الابن الأكبر لماما «لبنى» التي تولت رئاسة تحرير المجلة لأكثر من أربعين عاماً. ومجلة «قطر الندى» التي أعادت إصدارها الهيئة العامة لقصور الثقافة وتحتوي المجلة على قصص متنوعة بعنوان «القطة العجوز»، و«فنجان شاي»، و«الزنبقة الذكية».
وصدرت مجلة «بلبل» عن دار أخبار اليوم منذ عام 1998... أما مجلة «علاء الدين» فكانت تصدر أسبوعياً منذ يوليو (تموز) 1993 تحت إشراف عزت السعدني، لكنها تصدر الآن شهرياً. ويرى الكاتب قاسم، أن «الأطفال في مصر صاروا يتامى ثقافياً بعد ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، فلم يجدوا الاهتمام الكافي بهم، وبخاصة في مجال معارض كتب الأطفال التي توقفت تماماً في مصر وانتقلت إلى دول أخرى، فمثلاً نجد أن مجلة (سمير) لم يطرأ عليها أي تغيير لأكثر من أربعين عاماً حتى عام 2002؛ الأمر الذي يتطلب ضرورة الاهتمام بثقافة الأطفال»، على حد قوله.
من جانبها، تقول أمل فرح، مدير تحرير إصدارات «ديزني» باللغة العربية لـ«الشرق الأوسط»: «مجلات الأطفال أهم بكثير من أجهزة التابلت التي تحد من تنمية ملكات الطفل الذهنية والفكرية، ومجلة (ميكي) لها تاريخ طويل مع القارئ المصري، وتخاطب المجلة الطفل من عمر 7 سنوات إلى 18 عاماً، وتتسم المجلة بمراعاة مفردات الطفل العربي وتفاصيل حياته، وتطبع في شكل فخم على مستوى القطع والورق والمحتوى، لتكون زاداً معرفياً للأطفال، وتدور حكايات المجلة في العلاقة بين عالم البط، لتكريس أهمية العلاقات الأسرية وقيمة التعاون». وتذكر فرح أن المشكلة الحقيقية عدم اقتناع الآباء بأهمية شراء قصص أطفال لأبنائهم اعتقاداً منهم أنها قد تمثل عبئاً على ميزانية الأسرة، فينصحون أطفالهم بمشاهدة قنوات الرسوم المتحركة، وبالتالي ينصرف الأطفال عن القراءة ويكتفون بالألعاب الإلكترونية والمسلسلات الكارتونية. أما الدكتورة نهى عباس، رئيس تحرير مجلة «نور»، فتقول «صدرت مجلة (نور) للأطفال عن المنظمة العالمية لخريجي الأزهر، وتحتوي المجلة على أبواب تنويرية وتثقيفية وترفيهية، ولها تطبيق تفاعلي على الأجهزة الذكية، وتخاطب المجلة الشريحة العمرية من 8 سنوات إلى 18 عاماً؛ وذلك من أجل بناء شخصية الطفل، وتنمية مهاراته الفكرية والفنية، وحمايته من التطرف، ووقايته من الأخطار التي تسببها الأفلام الأجنبية المليئة بمضامين سلبية كالعنف والقتل والدمار».
مضيفة لـ«الشرق الأوسط»، إن المجلة تحتوي على أبواب متنوعة مثل: «سلة الأفكار»، و«عربة إسعاف نور»، و«كلام للنشر»، وباب «طاقة نور» الذي يهدف إلى محاربة الأفكار المتشددة والفكر المتطرف.
لافتة إلى أنه لتشجيع الأطفال على القراءة، «يجب عدم الاكتفاء بالمجلات المطبوعة فقط، بل يجب علينا توظيف التقنيات التكنولوجية في سرد حواديت الأطفال، وذلك من خلال ابتكار ألعاب الإلكترونية للشخصيات الكارتونية المحببة للأطفال، وإنتاج مسلسلات وأفلام كارتون تحكي قصص ومغامرات الشخصيات الكارتونية، وطرح ألعاب في الأسواق على هيئة هذه الشخوص، وبالتالي نضمن ارتباط الطفل بها فيحرص على تتبع حكاياتها في المجلات المطبوعة والإلكترونية على السواء، وهو ما طبقناه في مسلسل (نور وبوابة التاريخ)، وهو مسلسل تاريخي يتحدث عن علماء العرب والمسلمين، من إنتاج أكاديمية البحث العلمي والأزهر ويذاع في رمضان، إلى جانب تدشين قناة (نور الصغير) التي تخاطب الأطفال من عمر 3 إلى 6 سنوات والتي تعلُم الأطفال الألوان، والحروف، وأغاني أعياد الميلاد»، وذلك وفقاً لما ذكرته د.نهى عباس.
تعليقاً، يقول الدكتور إسماعيل إبراهيم، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام وفنون الاتصال بجامعة 6 أكتوبر (تشرين الأول)، مدير تحرير صحيفة «الأهرام» الأسبق، إنه «رغم التاريخ الطويل لمجلات الأطفال الصادرة في الدول العربية؛ فإنها متأثرة بشكل كبير بالمجلات الأجنبية، فقد توصلت من خلال بحوثي إلى أن مجلات الأطفال تحمل أسماء عربية لكنها أجنبية، ويتضح ذلك جلياً في مجلات (ميكي)، و(سمير) والتي تعد نسخة من المجلات الأجنبية، عدا مجلة (ماجد)».
وأضاف إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»: «يمكن أن تسترد مجلات الأطفال مكانتها في قلوب وعقول الأطفال من جديد، من خلال انتظامها في الصدور، واختيار أبطال قريبين من عقول الأطفال، كما يجب التنوع في فنون الكتابة المستخدمة في مجلات الأطفال، وأن تتناسب مع مراحل نموهم، وقدراتهم العقلية وميولهم، فضلاً عن الاهتمام بالكوادر التحريرية والفنية المؤهلة لتقديم مجلات الأطفال».


مقالات ذات صلة

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

يوميات الشرق ريتا بيا وغريسيا أول شقيقتَيْن تتقاسمان تقديم برنامج ترفيهي (صور الأختين)

الأختان أنطون لـ«الشرق الأوسط»: للإذاعة جاذبية تُبقيك أسيرها

مشاهدو قناة «إم تي في» المحلّية يعرفون الأختين من كثب، كونهما تعملان مراسلتَيْن ومقدّمتَي نشرات أخبار فيها...

فيفيان حداد (بيروت)
إعلام تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية دون تسجيل إصابات

«الشرق الأوسط» (دمشق - لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع لمجلس الوزراء في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن 26 مارس 2026 (أ.ب)

ترمب يغازل مذيعة «فوكس نيوز» بعد سؤال عن أوضاع إيران

أثنى الرئيس الأميركي دونالد ترمب على مظهر مذيعة شبكة «فوكس نيوز» مباشرةً بعد سؤاله عن أحوال المدنيين في إيران التي مزقتها الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق بيان إعلامي يرفض الإساءة إلى مصر (الهيئة الوطنية للإعلام)

القاهرة تتحرك قضائياً ضد مقال «مسيء» لصحافي كويتي

أعلنت وزارة الدولة للإعلام في مصر التحرك قضائياً ضد مقال لكاتب كويتي تضمن «إساءات» لمصر.

محمد الكفراوي (القاهرة )
العالم العربي اجتماع سابق بين وزير الدولة للإعلام ورؤساء الهيئات الإعلامية الحكومية (وزارة الإعلام المصرية)

مصر تناشد «النخب العربية» العمل على «وأد الفتنة الإعلامية»

لوَّحت الحكومة المصرية، الأربعاء، باتخاذ «كل ما تتيحه نصوص القوانين واللوائح لضبط الأداء الإعلامي لوقف الإضرار بمصالح الوطن والإساءة للدول العربية الشقيقة».

محمد محمود (القاهرة )

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
TT

«ثورة تكنولوجية» إخبارية حقيقية في آسيا

شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)
شعار شركة ريلاينس الهندية (رويترز)

تعكف آسيا اليوم، على إعادة كتابة قواعد التلفزيون بهدوء. وفي خضم هذا التغيير، يتلاشى تدريجياً النمط القديم المتمثل في «تشغيل جهاز التلفزيون في تمام التاسعة مساءً لمتابعة الأخبار»، ليحل محله نبض رقمي، حيث يحدد الهاتف الذكي - وليس القناة - موعد وصول الأخبار. وبدلاً عن ضبط التلفزيون في وقت محدد، أصبح المشاهدون يتصفّحون وينقرون ويمررون الشاشة بأي وقت.

ومع انطلاقنا عبر عام 2026، باتت آسيا الساحة الرئيسة لعالم «ما بعد التلفزيون». وبفضل التحوّل المتواصل إلى منصات البث عبر الإنترنت (OTT) والطلب المتزايد على المعلومات «في أي وقت»، لم تعد آسيا مجرد مشارِكة في التحول العالمي نحو الاستهلاك عبر الهاتف المحمول، بل أصبحت تقوده.

إعادة هيكلة جذرية

في الواقع، إننا نعاين اليوم تحولاً هائلاً، وتشير التوقعات الصناعية الحديثة إلى أن انتشار منصات البث عبر الإنترنت في آسيا، سيصل إلى 62.5 في المائة بحلول عام 2029. في الوقت ذاته، نشهد في الوقت الراهن انتقال مئات الملايين من المشاهدين من أنظمة «الكايبل» والأقمار الاصطناعية التقليدية إلى البث عبر الإنترنت.

وكذلك، لا تقل التداعيات الاقتصادية المترتبة على هذا التحول ضخامة؛ ففي الوقت الذي تشير تقديرات إلى تراجع عائدات قنوات التلفزيون التقليدي في المنطقة بنحو 8 مليارات دولار خلال السنوات القليلة المقبلة، تشهد عائدات الفيديو عبر الإنترنت ارتفاعاً صاروخياً؛ إذ من المتوقع أن ترتفع من 70 مليار دولار عام 2025 إلى 89 مليار دولار بحلول نهاية العقد. ويكشف ذلك عن أن هذا ليس مجرد تغيير في الميول والتفضيلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة لاقتصاد الإعلام. وحقاً، أصبح من النادر اليوم، أن تكون الشاشة التي يتابعها المشاهدون التلفزيون الكبير، بل أصبحت الجهاز الصغير الذي يحمله المرء باستمرار بيده. ومع أن محطات البث لا تزال حريصة على عرض نشرة الساعة التاسعة مساءً، فإنها تبدو بشكل متزايد وكأنها «ملف مصدر»، يجري تقسيمه إلى أجزاء صغيرة لتوزيعها عبر التطبيقات والموجزات ومنصات التواصل الاجتماعي.

البث عبر الإنترنت ونهاية الجداول الثابتة

من جهة ثانية، ما عادت منصات البث عبر الإنترنت مجرّد مستودعات للترفيه؛ بل تحوّلت هذه التطبيقات ساحات الأخبار الجديدة. ومع انحسار اعتماد المشاهدين على «الكايبل» التقليدي، استعاض المشاهدون عن التنقل بين القنوات، بالتصفح بين التطبيقات.

داخل الأسواق الناضجة مثل اليابان وكوريا الجنوبية، تُضاف خدمات البث عبر الإنترنت إلى أنظمة التلفزيون التقليدية. أما في الهند وإندونيسيا وفيتنام، فيُمثل البث المباشر تجربة الفيديو المنظمة الأولى لملايين المشاهدين. ومن جانبها، تستجيب شركات الاتصالات وشركات تشغيل القنوات التلفزيونية، من خلال إعادة تسمية تطبيقاتهم لتصبح «مجمّعات OTT فائقة»، مع تجميع البث التلفزيوني المباشر والرياضة والأخبار في تطبيقات واحدة. ومع انتقال جميع قنوات المحتوى إلى تطبيقات الهواتف المحمولة، يبدأ مفهوم «وقت الذروة» في التلاشي.

التوجّه الرقمي أولاً

قادة قطاع الإعلام في جميع أنحاء القارة، يدركون اليوم أن المؤسسات التقليدية أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التكيف أو الزوال. في هذا الإطار، قال مانوج دوبال، الرئيس التنفيذي لشركة «ديش تي في الهند»، إن التلفزيون لن يبقى محورياً، إلا إذا اندمج تماماً مع منصات البث عبر الإنترنت والتطبيقات. وبالمثل، أعرب راسموس كليس نيلسن، مدير «معهد رويترز» والباحث الخبير، عن اعتقاده بأن الاعتماد على المنصات للاطلاع على الأخبار، يُقوّض بشكل جذري النماذج التقليدية المتمركزة حول التلفزيون.

وفي الوقت نفسه، تتردد أصداء هذا الرأي داخل الصين. وكمثال، ذكرت «جمعية الصحافيين لعموم الصين»، في تقريرها السنوي، أن قطاع الإعلام في طور التحول من نموذج البث التقليدي، إلى نموذج المنّصات، وأن تقنيات الذكاء الاصطناعي والبيانات تتولى صياغة عملية التوزيع.

وهكذا، أصبح لدى شركات عملاقة في مجال الإعلام، مثل «تنسنت فيديو» و«يوكو»، دور محوري في كيفية استهلاك الأجيال الشابة للأفلام الوثائقية والأخبار. وبات المشاهدون الصينيون يعتمدون على البث المباشر حسب الطلب، باعتباره شاشتهم الرئيسة، متجاهلين برامج التلفزيون الحكومية.

بل، واللافت أنه حتى في اليابان، حيث لطالما كانت ظلت سوقها الإعلامية محافظة، أفاد «معهد أبحاث الصحافة الياباني» بأن عدد الذين يطلعون على الأخبار عبر الإنترنت يومياً، بات يفوق عدد من يتابعونها عبر التلفزيون أو الصحف المطبوعة. مثلاً، في صحيفة «أساهي شيمبون الرقمية»، يصل أكثر من 70 في المائة من القراء إلى المحتوى عبر الهواتف الذكية؛ ما يُشير إلى نقطة تحول حاسمة في اعتماد استهلاك المحتوى عبر الهواتف المحمولة.

أمام المقر الرئيس لشركة تنسنت الصينية العملاقة (رويترز)

تكنولوجيا متطورة... واعتبارات اقتصادية

في الهند، كذلك، ثمة ثورة تعتمل في هدوء داخل الاستوديوهات على صعيد عملية الإنتاج. إذ لم يعد يجري التخطيط للتقارير لبثها في فقرة واحدة مدتها 30 دقيقة. بل بدلاً من ذلك، يُصمِّم المحرّرون المحتوى مع مراعاة «خيارات متعددة»: نسخة تلفزيونية أطول للأرشيف، مقطع فيديو مُختصر للهواتف المحمولة للاستهلاك السريع، فيديو عمودي لوسائل التواصل الاجتماعي، تنبيه نصي قصير لتطبيقات المراسلة، مثل «واتساب».

بالتالي، نحن نشهد راهناً ليس التخلي عن الحنين إلى الماضي فحسب، وإنما نشهد ثورةً شاملة في الإيرادات تُغير وجه اقتصاديات الإعلام في جميع أنحاء آسيا. ومن المتوقع أن تنمو سوق خدمات الفيديو حسب الطلب (SVoD) من قرابة أربعة مليارات دولار أميركي إلى 20 مليار دولار بحلول عام 2029. ومن المتوقع كذلك أن ترتفع سوق خدمات الفيديو حسب الطلب المدعومة بالإعلانات (AVoD)، من 9 مليارات دولار إلى 24 مليار دولار خلال الفترة نفسها، مع تحول المعلنين والمستهلكين على حدٍ سواء من التلفزيون التقليدي، إلى منصات تعتمد على الخوارزميات وتُركز على الهواتف المحمولة.

فيما مضى، كانت الهيمنة من نصيب قنوات البث من خلال بيع فترات بث ثابتة. أما اليوم، فتُقدم الأخبار والبرامج الترفيهية في الوقت الفعلي عبر محركات التوصيات، مدعومةً بانتشار الهواتف الذكية بنسبة 90 في المائة تقريباً في معظم أنحاء منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وزيادة بنسبة 15 في المائة في وقت مشاهدة الفيديو عبر الهواتف المحمولة منذ عام 2023. ومن المنظور الاقتصادي، بالذات، يُعيد هذا التحول توجيه قيمة الإعلانات والاشتراكات من فترات البث التلفزيوني المجدولة، إلى أنظمة بيئية غنية بالبيانات تتمحور حول المنصات، حيث يمكن تتبع وقت النقر والتمرير والمشاهدة وتسعيرها وجني أرباح منه.

داخل سوق الإعلام الهندية المزدحمة، أصبحت شركة «ريلاينس جيو» نموذجاً لهذا التحول؛ فقد أدى اندماج «ريلاينس جيو» و«هوتستار» عام 2025، إلى ظهور عملاق في مجال البث المباشر يضم قرابة 300 مليون مشترك، ويحقق ما يقارب ملياري دولار أميركي سنوياً، من بث مباريات الكريكيت في الدوري الهندي الممتاز، والمسلسلات الدرامية الإقليمية، وخدمات الترفيه حسب الطلب. ويأتي ذلك في ظل توقّعات تشير إلى وصول الإيرادات إلى 5 مليارات دولار بحلول عام 2029.

في المقابل، نجد التحوّل داخل الصين أشد سطوعاً؛ حيث حوّلت شركات التكنولوجيا العملاقة في بكين منصات البث عبر الإنترنت، إلى منظومة إخبارية وترفيهية تُقدّر قيمتها بـ10 مليارات دولار، تجذب منصات مثل «تنسنت فيديو» وحدها قرابة 137 مليون مستخدم يومياً، يشاهدون المسلسلات القصيرة والبث المباشر ومقاطع الأخبار، ضمن بيئة تخضع لرقابة صارمة، لكنها تُراعي المحتوى المحلي. وتُضيف iQIYI أربعة مليارات دولار سنوياً من عائدات الاشتراكات والإعلانات، بفضل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، التي تُقدّم «تحديثات فورية» تصل في الغالب إلى الجمهور قبل البث التلفزيوني التقليدي.

وبحلول عام 2029، يتوقع أن تستحوذ الصين على قرابة 39 في المائة من إيرادات خدمات البث عبر الإنترنت في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، مدعومةً بالمحتوى القصير، والأخبار المُعتمدة على الخوارزميات، والتوسع في تجارة البث المباشر التي تبلغ قيمتها 500 مليار دولار أميركي، مع تحقيق الربح من كل مقطع فيديو جذاب عبر الإعلانات، أو الاشتراكات، أو عمليات الشراء المباشرة عبر الإنترنت.

في المقابل، يصاحب التحوّل في اليابان ضجيج أقل، لكنّه لا يقلّ أهمية. إذ تشير التوقعات إلى اتساع حجم سوق البثّ عبر الإنترنت في البلاد، من نحو 5 مليارات دولار إلى 7 مليارات دولار بحلول عام 2029، أي بنموّ سنويّ مركّب يبلغ قرابة 6.5 في المائة، في ظل تقديم منصّات مثل «أبيما تي في» نماذج هجينة تجمع بين البثّ المجانيّ والبثّ المباشر، والتي تحقق عائدات بنحو مليار دولار أميركيّ من الإعلانات عبر نشرات الأخبار السريعة، المصمّمة خصيصاً للهواتف المحمولة.

كما تُقدّم خدمة «دي تي في»، من «إن تي تي دوكومو»، باقةً من القنوات المميّزة وخدمات البثّ حسب الطلب ضمن نظام دفع واحد؛ ما يجذب قرابة 10 ملايين مشترك، ويُدمج تنبيهات فورية تُمكّن المستخدمين من متابعة الأخبار العاجلة فور حدوثها.

بالتالي، نجد في شتى أرجاء آسيا أن الأمر لم يعد مجرّد قصة تتعلّق بالتكنولوجيا أو الراحة؛ وإنما تتمحور القصة حول الإيرادات والبيانات والتحكم في دورة الأخبار اليومية، في وقت يُمثّل الهاتف الذكي محور نظام إعلامي وتجاري جديد.

وبالتزامن مع ذلك، غدت بيانات الهاتف المحمول في آسيا رخيصة للغاية؛ ففي الهند وجنوب شرق آسيا، تُقدّم شركات الاتصالات باقات بيانات متعددة الغيغابايت مقابل بضعة دولارات فقط؛ ما يجعل تشغيل تطبيقات متعددة أكثر اقتصادية، مقارنة بتكلفة صيانة جهاز استقبال الكايبل التقليدي.

المستقبل: عالم في حالة اتصال دائم

مع هذا، رغم كل ما سبق، من غير المرجح أن تختفي ساعة الأخبار المُجدولة بين عشية وضحاها؛ بل سيظل التلفزيون التقليدي عنصراً أساسياً بالنسبة لكبار السن وسكان المناطق الريفية. ولكن بمرور الوقت، سيصبح «وقت الأخبار» أقل ارتباطاً بالساعة وأكثر ارتباطاً بالهاتف المحمول. وبدلاً من التساؤل «ماذا ستعرض قناة الأخبار الساعة التاسعة؟»، سيفكر الناس «ماذا شاهدتُ بالفعل على هاتفي اليوم؟».

وأخيراً، فإن ريادة آسيا في هذا التحول ليست وليدة الصدفة، بل هي نتاج التركيبة السكانية الشابة، والتوسع السريع لشبكات الجيل الخامس، والطلب المتزايد على المحتوى المحلي المُخصّص. لم تختفِ «ساعة الأخبار»، بل امتدت لتشمل كل ساعة من ساعات اليوم. ولم يعُد التحكم حكراً على عدد قليل من المحطات، بل أصبح منتشراً عبر مليارات الشاشات والتطبيقات والمستخدمين. الآن، تُروى قصة آسيا في الوقت الفعلي، عبر تحديثات فورية.


تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)
TT

تحديثات «غوغل فيدز» تعيد صياغة الإنتاج المرئي في المؤسسات الإعلامية

شعار "غوغل"  (رويترز)
شعار "غوغل" (رويترز)

عززت شركة «غوغل» تطبيق «غوغل فيدز» المعنيّ بإنتاج الفيديو بأدوات جديدة من شأنها تشجيع الناشرين وصُناع المحتوى على إنتاج مزيد من المحتوى المرئي باحترافية أعلى ووقت وجهد أقل. وبينما عدّ خبراء هذه الخطوة «تحولاً جذرياً في آليات عمل غرف الأخبار»؛ فإنهم حذَّروا من أن «طمس الحدود بين المحتوى البشري والتقني قد يضع مصداقية المؤسسات على المحكّ ما لم تُحكَم بضوابط تحريرية صارمة».

«غوغل» كانت قد ذكرت في أبريل (نيسان) الجاري أن «التحديثات التي شهدها التطبيق تشمل توليد فيديوهات بجودة أعلى عبر أدوات لإنتاج الموسيقى المخصصة، بالإضافة إلى شخصيات افتراضية مدعومة بالذكاء الاصطناعي». وتسمح هذه «الحزمة للناشرين بتحويل المحتوى الصحافي إلى مادة مرئية في دقائق ودون الحاجة لفريق عمل ضخم».

وحقاً يرى مراقبون أن «غوغل» تسعى لتعزيز مكانتها في ظل منافسة محتدمة مع منصات مثل «تيك توك»، التي تطوّر تقنيات مشابهة تشمل ممثلين رقميين للترويج والبيع.

الدكتور حسن مصطفى، أستاذ التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في فرع جامعة روتشستر للتكنولوجيا بدبيّ، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الإشكالية الجوهرية تكمن في تصاعد التوتر بين السرعة والدقة... إذ إن التحديثات الجديدة تضاعف الضغط على هذه المعادلة؛ لأن الأدوات باتت أسرع من قدرة الإنسان على التفكير النقدي في اللحظة ذاتها».

وحذر مصطفى «من تعامل غرف الأخبار مع التقنية على أنها بديل للعملية التحريرية وليس بوصفها مُسرعاً لها... ذلك أن الحل يكمن في نموذج واضح، فالأداة تنتج مسودة والصحافي يعتمدها مع الالتزام بمراجعة إلزامية للأسماء والأرقام والتواريخ والمصادر». وشدد، من ثم، على أن «دور الصحافي (اليوم) أصبح أكثر عمقاً، حيث ينتقل من مجرد كاتب خبر إلى مراجع للسياق وضابط للنبرة البصرية لمنع التضليل... والذكاء الاصطناعي قد يكون دقيقاً في المعلومة، لكنه قد يضلل في العرض».

وعن الجدوى الاقتصادية، أشار الدكتور مصطفى إلى أن هذه الأدوات تحقق ثلاثة مكاسب رئيسية هي: «إنتاج أسرع، وتحويل سهل للمحتوى إلى عدة صيغ، وتقليل التكلفة التشغيلية». لكنه نبه إلى مخاطر «الاعتماد الزائد» الذي قد يؤدي إلى فقدان السيطرة على التوزيع، وتشابه المحتوى بين المؤسسات، والتبعية التقنية الكاملة لمنصات «غوغل».

وحسب الدكتور مصطفى فإن «التقنية الجديدة محايدة، والثقافة المؤسسية هي التي تُحدد نتائجها، والمؤسسات الإعلامية التي ستنجح ليست تلك التي تتبنى أدوات الذكاء الاصطناعي بأكبر سرعة، بل تلك التي تُطور نهجا تحريرياً ناضجاً يعرف متى يستخدم الأداة، وكيف، ومتى يضع الإنسان في المقدمة... فالصحافي الذي يفهم ما تستطيع التقنية فعله -وما لا تستطيعه- هو الأصل الحقيقي لأي مؤسسة إعلامية في هذا العصر».

من جهة ثانية، خلال حوار مع «الشرق الأوسط» رأى رامي المليجي، مستشار الإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي، أن العلاقة بين «غوغل» والناشرين «تكاملية»، موضحاً أن «غوغل سيرش» لا يزال يعتمد في جزء كبير منه على محتوى الناشرين، لذا تهتم المنصة بإطلاق أدوات مخصصة لهم.

وأضاف المليجي أن المؤسسات الإعلامية أصبحت ملزمة بتطوير محرريها لمواكبة مبدأ «الإغراق» الذي تحكمه خوارزميات التواصل الاجتماعي، إذ إن «من يُنتج أكثر يظهر أكثر». ولفت إلى أنه «في ظل الضغوط الاقتصادية، تتيح هذه الأدوات إنتاجاً غزيراً بأقل طاقة بشرية؛ لكن الاستخدام يجب أن يكون محوكماً وفق ضوابط أخلاقية». وحدد، من ثم، ثلاثة محاور لهذه الحوكمة، هي: احترام الحقوق الأدبية والامتناع عن انتهاك ملكية المحتوى، والشفافية المطلقة عبر الإفصاح للجمهور عن استخدام الذكاء الاصطناعي، وتحديد نوعية المحتوى المناسب.

المليجي رأى أن «الذكاء الاصطناعي يصلح للمحتوى السريع والقصص البسيطة، بينما تظل التحقيقات المعمقة والقصص الإنسانية والمقابلات العميقة بحاجة إلى العنصر البشري في مراحلها كافة».


البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.