شيمة الشمري: أواجه قمع اللغة للأنثى عبر تاريخها الطويل

ترد على من يتهمها بأنها حارسة «نون النسوة»

أغلفة إصدارات للكاتبة
أغلفة إصدارات للكاتبة
TT

شيمة الشمري: أواجه قمع اللغة للأنثى عبر تاريخها الطويل

أغلفة إصدارات للكاتبة
أغلفة إصدارات للكاتبة

لا تكترث القاصة السعودية شيمة الشمري باتهامات النقاد بأن كتاباتها «تفوح منها رائحة الأنثى» وأنها «تقف في ميدان السرد الأدبي تحامي عن حمى المرأة، تحرس نون النسوة».
ترد على من يتهمها بالقول: زيدوني تهما زيدوني.. فما أجملها من تهمة!
وحين سألناها قالت: «سأتجاوز مصطلح الاتهام الذي يمكن أن يكون مقبولا في غرف بوليس العالم الثالث، وأقول: الكتابة عندي لها شرط فني أحاول أن أخلص له، وأجد متعة وأنا أتقاسم معه الحوار، وبالتالي فكل ما يقال عن نصوصي هي آراء من حقها أن تقال، لكن عليها أن تكون مقنعة أمام النص الذي أكتبه».
تضيف: «أقف مدافعة عن الحق والخير والجمال للإنسان ذكرا أو أنثى، وربما رأى بعض النقاد في كتاباتي انتصارا للأنثى، من خلال مدخل للنسوية الحديثة التي أضاءت جوانب من قمع اللغة للأنثى عبر تاريخها الطويل، ولكنهم رأوه انتصارا فنيا، وإنسانيا، وهو ما أحاول الوفاء به».
رغم ذلك، فإن الكثيرين لاحظوا أن «الذات النسائية» لديها متوثبة، وكأنها تدافع عن حمى.. وهي تقول ردا على ذلك: «أنا أكتب من خلال تجارب وقراءات متنوعة، والدفاع عن حياض (الأنثى أو الذكر) أنساق إليه في غير خطابية أو تقريرية وهو غاية نبيلة من غايات الأدب العظيم.. لكنني لا أشعر وأنا أكتب أني في حلبة مصارعة».
الكاتبة والقاصة شيمة محمد الشمري التي تحمل شهادة ماجستير في الأدب والنقد، وهي محاضرة بجامعة حائل، وتحضر حاليا الدكتوراه، سجلت حضورا في عالم السرد السعودي والعربي، ولها مشاركات خارجية متعددة. وقد أصدرت ثلاث مجموعات قصصية: «ربما غدا»، «أقواس ونوافذ»، و«عرافة المساء»، وكتاب سيرة بعنوان: «شاعر الجبل».
في مرحلة مبكرة من عمرها توفرت لشيمة الشمري فرصة للتفرغ للقراءة والكتابة، تقول: «لم أستطع حتى اليوم تحديد سر اندفاعي نحو القلم، فهل كان زواجي المبكر، وانتقالي من حياة إلى حياة أخرى مختلفة هو السبب؟ حيث توطدت معرفتي بالقرية والمزارع والهدوء والبساطة والمسؤولية؟ فربما كان لذلك أثر في انكبابي على القراءة والانفراد بالذات تعويضا عن قرب الأهل وزحام المدينة ووسائل الترفيه هناك».
بدأت قراءتها في التفسير والحديث، إضافة إلى الكتب التراثية.. لكنها اتجهت فيما بعد لقراءة الشعر والنقد والرواية والقصة. تقول: «من الكتاب الذين قرأت لهم: غازي القصيبي، وعبد الله الجفري، وغادة السمان، وأجاثا كريستي، وإيليا أبو ماضي.. وغيرهم.. وهذه المصادر المختلفة أسهمت في صناعة نوع من الوعي، ورسخت في الاتزان الفكري والوسطية، والانطلاق في مجال الكتابة الإبداعية».
كتبت الشمري القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا والمقال والخاطرة وقصيدة النثر، لكنها تجد نفسها أكثر في القصة القصيرة جدا، الذي تقول إنها وجدته «الأقرب في تكثيف لحظة الإبداع التي يجب أن تجد لها فنا موجزا، يتناغم مع سرعة العصر الحديث ويفتح للمتلقي مساحة من المشاركة في استحضار وتأمل فيما قاله النص».
الحقيقة أن تجربة شيمة الشمري في كتابة النصوص القصيرة جدا، كانت مميزة، توقف عندها ذات مرة الناقد التونسي عبد الدائم السلامي بقوله: «إن القصة القصيرة جدا عند شيمة الشمري تمارسُ القتل الفني الرّحيمَ لكلّ ما اهترأ من بِنْياتِ الواقع الاجتماعي التي تجلوها سلوكياتُ الناسِ وتُنبئُ بها مضامينُ رؤيتِهم لعناصرِه، حتى لكأنّ القصّة، على حدِّ توصيفِ الكاتبةِ لها، هي تلكَ الجميلةُ المُشرقةُ، بتفاصيلِها الجذّابةِ، وملامحِها الهادئةِ، التي أنجبت مؤخَّرًا فتاةً صغيرةً جدًّا لكنّها قاتلةٌ!».
وما يلاحظه قراء شيمة الشمري، هو ذاته ما يلاحظه نقادها، فتجربتها تشهد تطورًا من عمل لآخر. تقول: «(أقواس ونوافذ) تجربة مختلفة عن (ربما غدا) وتختلف عنهما مجموعتا الثالثة (عرافة المساء)، فكل مجموعة تجربة جديدة من حيث الطرح والأدوات والتي تأتي نتيجة خبرة المبدع وقراءاته المتنوعة ومحاولة التجريب في الكتابة السردية».
وقد لاحظ السلامي أيضا «أنّ قصص شيمة الشمري القصيرة جدا تنهضُ في فضاءً تخيليًّا يتصارع فيه وعليه مُقدَّسان: اجتماعي يرومُ إخضاعَ الناسِ إلى سلطتِه ويدفعُ بهم إلى تكريسه وتطقيسه، وشخصي نازعٌ دومًا إلى عدم الامتثال للأوّل والتمرّد على السائد من السلوك والأفكار والأحوالِ».
ويضيف: «لا نعدمُ في هذا الإطار اندراجَ قصص شيمة الشمري في حركةِ التجديد المجتمعي التي يشهدها المجتمع السعودي منذ سنواتٍ، حيث نُلفيها تلتقطُ من واقعها المعيش مادّةَ قصصها، وتعوّل على طاقة الإيحاء في القصة القصيرة جدا وإمكاناتها في استغلال الكناية والاستعارةِ لنقضِ مجموعةٍ من المفاهيم الاجتماعيّة المتحكِّمةِ في أعناقِ العلائق بين الناس».



فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
TT

فسيفساء أموية بتقاسيم هندسية وعناصر تصويرية نباتية وحيوانية

قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.
قطع فسيفسائية من محفوظات «متحف آثار قصر الحلابات» في الأردن.

تقع منطقة الحلابات في البادية الشمالية الشرقية التابعة لمحافظة الزرقاء في الأردن، وتضم متحفاً حمل اسم «متحف آثار قصر الحلابات»، كان قد افتُتح عام 2008، وهو بمثابة «متحف موقع»؛ تعود كل القطع المحفوظة فيه إلى هذا القصر الأموي وما يتبعه من مرافق معمارية، وتشكّل مجموعات متنوّعة، منها النقوش المصنوعة من الجص، والتيجان الرخامية، وألواح الفسيفساء، وبقايا بسيطة من الرسوم الجدارية، إضافة إلى كثير من الأواني الفخارية والأدوات المصنوعة من الحجر الصابوني. تبرز في هذا الميدان المجموعة الفسيفسائية، وتتمثّل بقطع جزئية تمثّل عينة من إرث ضاع الجزء الأكبر منه مع الأسف.

تعود هذه القطع في الأصل إلى أرضيات رُصفت على شكل سجادات متعدّدة الأحجام، تزيّن مجموعة من قاعات القصر الداخلية، وهي تحتل مساحة تمتد بين الجدران؛ شمال القصر وجنوبه، كما شرقه. تجمع هذه القطع بين التقاسيم الهندسية والعناصر التصويرية النباتية والحيوانية، وتتمثّل أبرزها في قطعة مستطيلة، تعود إلى طرف الزاوية الجنوبية الشرقية من أرضية تزيّن قاعة حملت رقم «4» في الدراسات التوثيقية الخاصة بهذا الموقع. ضاع الجزء الأكبر من هذه الأرضية، وما بقي منها سمح بتحديد تأليفها الأصلي، وهو على شكل شبكة تتكون من مساحات بيضاوية ودائرية مجدولة، تمتد عمودياً وأفقياً. في القسم الأعلى، تنعقد مساحتان دائريتان مع مساحتين بيضاويتين، ويتكرّر هذا التقسيم في القسم الأسفل. وفي القسم الأوسط، تحل مساحتان بيضاويتان مستقلتان، بينهما مساحتان مستطيلتان.

يحيط بهذه الشبكة إطار عريض، قوامه شريط مزخرف، بقي منه طرفه الأعلى، وهو الطرف المحفوظ على شكل لوح مستطيل في «متحف آثار قصر الحلابات». يحد هذا اللوحَ شريطٌ زخرفي قوامه زهرة اللوتس التي تحل في صياغة مجرّدة من أي ثقل، وتتحوّل عنصراً هندسياً، يتمثّل في كوب تعلوه 3 مساحات مقوّسة، تمثّل بتلات هذه الزهرة. يتكرر هذا العنصر النباتي، ويشكّل في تكراره سلسلة، تقابلها سلسلة تبدو أشبه بصورة منعكسة لها. في القسم الأعلى، يحل اللون الأحمر بتدرجاته، وفي القسم المعاكس يحلّ اللون الأخضر بتدرجاته، في صياغة تشكيلية محكمة بمساحات بيضاء ناصعة.

يتكوّن شريط الإطار من مساحات متشابكة مجدولة، تمتدّ على مساحة نحو 75 سنتيمتراً. تجمع هذه الشبكة بين سلسلة متعاقبة من الدوائر، وسلسلة مشابهة من المربعات المنحنية، تربط بينهما سلسلة من الضفائر المجدولة، تشكّل مساحات متعددة، منها المساحات المثلثة، والمساحات المقوسة، والمساحات اللولبية، في تأليف محكم يشهد لحرفة عالية في الصياغة والابتكار. تدخل سلسلة من العناصر النباتية هذا التأليف المتقن، وتنصهر فيه، وتتمثّل في 3 أنواع تحلّ في صياغة مختزلة؛ هي: الرمان، والبرتقال، والإجاص. تحضر الثمرة الأولى بشكل مفرد، وتأتي على شكل دائرة تعلوها نتوءات بارزة. وتحضر الثمرة الثانية بشكل ثلاثي، مع طرف من غصنها. أما الثمرة الثالثة، فتحضر بشكل مزدوج، وتتميّز بحجمها المنمنم. تأخذ الصياغة اللونية شكلاً تجريدياً جامعاً، وقوامها 3 ألوان متعاقبة، تتكرر في تشكيل كل ثمرة من هذه الثمار. كما في صياغة اللوتس، يحل الأحمر الخمري والأخضر اللازوردي، مع مساحة بيضاء تجمع بينهما في الوسط.

يقابل هذا الشريط الزخرفي المحكم جزء بسيط من الشبكة التي تحتل وسط الأرضية، ويتمثّل هذا التفصيل بمساحة مقوّسة يحلّ في وسطها زوج من الطيور الدجاجية، في وضعية جانبية، وهما على الأرجح من فصيلة الحجل، يتواجهان، وتكسو ريشهما الأخضر شبكة من البقع الدائرية البيضاء. تعلو هذه المساحة المقوّسة مساحتان فارغتان، يسكن كلّ منهما حيوان من الفصيلة الوحشية، بقي واحد منهما، ضاع رأسه ومؤخرته، ونجت من بدنه إحدى قائمتيه الخلفيتين. تعلو قامة هذا الحيوان المتوحّش شبكة من البقع السوداء توحي بأنه نمر، صُوّر في وضعية حيّة، وكأنّه ينقضّ إلى الأمام، شاهراً مخالبه، وظهرت منها تلك التي تعلو قائمته الخلفية التي نجت من التلف.

يحتفظ «متحف آثار قصر الحلابات» بقطع أخرى تعود إلى وسط هذه الأرضية وأسفلها. من القسم الأوسط، يظهر أرنب بري ضمن مربع يحيط به إطار مجدول، ويبدو حانياً رأسه وهو يقضم عنقود عنب مكوّناً من 9 حبات. تحت هذا الأرنب، يظهر ذئب يمد قائمتيه الأماميتين، فاتحاً فكّي فمه، كاشفاً عن أنيابه التي يتدلى من وسطها لسان طويل. في الزاوية المقابلة لصورة هذا الذئب، يظهر غزال له قرنان طويلان مقوسان ولحية متصلة بفكه الأسفل، ويبدو في وضعية جانبية، على خلفية بيضاء مجردة، تزينها شتلتان مورقتان تعلو إحداهما ثمرة برتقالية. في الجزء الأسفل من هذا اللوح، يظهر طير من فصيلة الحجل في وضعية مشابهة وسط خانة نصف دائرية مستقلة. يواجه هذا الطير في الأصل حجلٌ مشابهٌ ضاع أثره، وترتفع بين الطيرين شتلة مورقة، تمتد أغصانها بشكل متجانس على خلفية بيضاء مجرّدة. تتعدّد العناصر الحيوانية وتتنوّع في هذا التأليف كما يبدو. بين الذئب والغزال، تظهر سمكة وسط إطار مقوّس، وتبدو في وضعية جانبية، كأنها تسبح في فضاء مجرّد خلا من أي عنصر مائي.

تكشف بقايا أرضيات قاعات «قصر الحلابات» عن عناصر حيوانية أخرى. في القاعة التي تحمل رقم «10»، يظهر حيوان ضاع رأسه، وما بقي من عنقه وصدره وقوائمه يوحي بأنه جمل ذو سنام. وفي القاعة التي تحمل رقم «25»، تظهر بطة داخل إطار نصف دائري مزخرف، ينصهر في شبكة زخرفية محكمة.

تجد هذه العناصر الحيوانية ما يماثلها في الأرضيات البيزنطية المحلية، وتعكس مناخاً فردوسياً جامعاً تتعدّد تجلياته في تقاسيم تتكرّر وتتجدّد بشكل متواصل.


يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
TT

يوميات ماركيز في منفاه الباريسي

ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار
ماركيز( يمين) مع خوليو كورتاثار

كانت مقاهي الحي اللاتيني وسان جيرمان دي بري بمثابة «الوطن البديل» لشتات أدباء أميركا اللاتينية؛ ففي تلك المساحات الضيقة، حيث تتشابك رائحة القهوة مع تبغ السجائر وضباب باريس الكثيف، نُسجت خيوط واحدة من أجمل الصداقات الأدبية في القرن العشرين وأكثرها عمقاً وتأثيراً. وقد جسّد مقهى «أولد نيفي» تطلعات ذلك الجيل وشغفه، حيث أمضى فيه غابرييل غارسيا ماركيز نحو عام كامل، يجلس ساعات طوالاً على أمل أن يلمح خوليو كورتاثار الذي لم يكن في عينيه مجرد كاتب عابر، بل كان بمثابة الأب الروحي للقصة القصيرة الحديثة في القارة اللاتينية، لا سيما بعد الصدى المدوي الذي أحدثته مجموعته القصصية الشهيرة «بيستيارو». ولم يتحقق هذا اللقاء المرتقب إلا بعد خمسة عشر عاماً، وفي باريس أيضاً، ليوثق ماركيز تلك اللحظة بوصفه الأيقوني لكورتاثار بأنه «الرجل الأطول في العالم، الذي لم يقرر يوماً أن يشيخ». وتحولت هذه العلاقة اللاحقة إلى سيل من الرسائل المتبادلة بينهما، حتى إن كورتاثار كان من أوائل النقاد والكُتّاب الذين احتفوا بولادة رواية «مائة عام من العزلة» وبشروا بعالميتها.

ولم تكن تلك المقاهي مجرد أماكن للتسلية أو تزجية الوقت، بل تحولت إلى صالونات سياسية وأدبية تُمثّل «البحر» الحاضن لقاربهم المشترك في المنفى. فبين جدرانها، كانوا يتبادلون قراءة المخطوطات الأولى لأعمالهم، ويتناقشون بحماس صاخب حول الثورات والانقلابات المتلاحقة في بلدانهم مستمسكين بما سماه بول كولود بـ«البؤس الذهبي»؛ تلك الحالة الفريدة التي يمتزج فيها جوع البطون بجموح الخيال الذي يطاول السماء.

شكّلت باريس في خمسينات القرن الماضي محطة مفصلية في حياة غابرييل غارثيا ماركيز. فبعد أن تقطعت به السبل إثر إغلاق الصحيفة الكولومبية التي كان يعمل مراسلاً لها عام 1955، عاش في ظروف متواضعة كتب خلالها بشغف روايته «ليس لدى الكولونيل من يكاتبه». وقد ظل ماركيز مديناً لباريس طوال حياته؛ إذ اعتبرها المدينة التي صقلت وعيه، ومنحته رؤية أعمق وأشمل لثقافة وسياسة أميركا اللاتينية.

كانت الثلوج تتساقط بغزارة على باريس في ذلك اليوم من شهر يناير (كانون الثاني) عام 1957، حين كان الصحافي الكولومبي الشاب العامل في صحيفة «El Espectador» يضع اللمسات الأخيرة على روايته (لا أحد يراسل الكولونيل)، وهي أولى رواياته الكبرى التي ولدت من رحم المعاناة الباريسية. وكان الشاب الكولومبي قد وصل إلى بلاد رابيله ورامبو وجورج براسينس في ديسمبر (كانون الأول) 1955، محملاً بمهمة كتابة تقارير صحافية عن الأحداث الجارية في أوروبا. وتتذكر الممثلة الإسبانية تاتشيا روسوف التي كانت رفيقته في تلك الفترة، كيف كان يتعلم اللغة الفرنسية بشغف من خلال الاستماع إلى أغاني براسينس، مؤكدة أنه كان يغنيها بطريقة رائعة ومثيرة للإعجاب.

عاش ماركيز أثناء كتابة الرواية فقراً مدقعاً تقاطع تماماً مع معاناة بطلها «الكولونيل»، وذلك إثر إغلاق الدكتاتور الكولومبي روخاس بينييا صحيفته. ولتأمين وجبة طعامه اليومية، اضطر لغناء «البوليرو» في حانة «L›Escale» مقابل فرنكات معدودة، ترافقه ألحان غيتار الفنزويلي خيسوس رافائيل سوتو، الذي غدا لاحقاً من أبرز رواد الفن الحركي والبصري في العالم.

ماركيز الشاب في باريس

باريس في ليلة شتوية

عن حياته في باريس، يقول ماركيز: «لقد جئتُ إلى باريس للمرة الأولى في ليلة شتوية شديدة البرودة من ديسمبر عام 1955. وصلت بالقطار قادماً من روما إلى محطة تزدان بأنوار أعياد الميلاد، وكان أول ما أثار انتباهي هو أولئك العشاق الذين كانوا يتبادلون القبلات في كل مكان؛ ففي القطار، وفي مترو الأنفاق، وفي المقاهي، وعلى المصاعد، كان أبناء الجيل الأول لما بعد الحرب يلقون بأنفسهم بكل طاقاتهم في الاستهلاك العلني للحب، الذي كان لا يزال المتعة الرخيصة الوحيدة المتاحة بعد تلك الكارثة. كانوا يتزاورون بالقبلات في منتصف الشارع، دون أدنى اكتراث بإعاقة المارة الذين كانوا يفسحون لهم الطريق دون أن يرمقوهم بنظرة أو يولوهم أي اهتمام، تماماً كما نفعل مع الكلاب الضالة التي تلتصق ببعضها في منتصف ساحة المدينة لتنجب جروها. لم تكن تلك القبلات الخارجية مألوفة في روما - التي كانت أول مدينة أوروبية أعُيش فيها - ولا بالطبع في بوغاتا الضبابية المتزمتة في تلك الأيام، حيث كان من الصعب حتى تقبيل أحدهم داخل غرف النوم. حدث كل هذا في الأيام الحالكة لحرب الجزائر. وفي الخلفية، وسط نغمات الأكورديون الحنينية الصادرة من زوايا الشوارع، وما وراء رائحة الكستناء المشوية المنبعثة من المواقد، كان القمع شبحاً لا يروى غليله. فجأة ودون مقدمات، كانت الشرطة تغلق مخرج مقهى ما، أو أحد المقاهي الشمال أفريقية الواقعة في جادة سان ميشيل، لتقتاد بوحشية كل من لا تحمل ملامحه (وجهاً مسيحياً). وكان أحدهم، حتماً، أنا وحدي. لم تكن أي مبررات تجدي نفعاً: فلم تكن وجوهنا وحدها هي السبب في هلاكنا، بل وأيضاً لكنة النطق بالفرنسية التي كنا نتحدث بها. في المرة الأولى التي زجوا بي فيها داخل القفص مع الجزائريين، في مركز شرطة سان جيرمان دي بري، شعرت بإهانة بالغة. لقد كان ذلك تحيزاً أميركياً لاتينياً بحتاً؛ فالسجن في ذلك الحين كان شيئاً يُستحى منه، لأننا كأطفال لم نكن نمتلك تمييزاً واضحاً للغاية بين الجرائم السياسية والجرائم الجنائية، وكان كبارنا المحافظون يحرصون على ترسيخ هذا الخلط وإبقائنا رهينةً له. غير أن وضعي كان أشد خطورة؛ فعلى الرغم من أن الشرطة قد اقتادتني لاعتقادهم بأنني جزائري، إلا أن الجزائريين أنفسهم، وما أن وجدوني داخل الزنزانة، حتى أخذهم الريب مني حين أدركوا أنني، ورغم وجهي الذي يشبه وجه بائع أقمشة متجول، لا أستطيع فهم كلمة واحدة مما يقولون. وعلى الرغم من ذلك، وبما أنني ظللت أنا وهم زائرين دائمين لتلك التوقيفات الليلية، فقد انتهى بنا المطاف إلى التوصل لتفاهم مشترك. وفي ذات ليلة، قال لي أحدهم: بما أنك ستكون سجيناً بريئاً على أي حال، أليس من الأفضل أن تكون مذنباً؟ وشرع في تشغيلي لصالح (جبهة التحرير الوطني الجزائري). كان هو أحمد تبّال، الطبيب الذي عُدَّ أحد أعز أصدقائي في باريس خلال تلك الأيام، غير أنه لقي حتفه لاحقاً في موتة حربٍ أخرى بعد استقلال بلاده. وبعد خمس وعشرين سنة، عندما دُعيتُ للاحتفال بذكرى ذلك الاستقلال في الجزائر، صرّحتُ لصحافيٍ بأمرٍ بدا يصعب تصديقه: إن الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً.

مع ذلك، لم تكن باريس آنذاك مجرد مدينةٍ ترزح تحت وطأة الحرب الجزائرية، بل كانت أيضاً الملاذ لشتات أميركي لاتيني هو الأوسع منذ زمن طويل. كنا هاربين من الطغاة لدرجة أن الشاعر نيكولاس غيين كان يطل كل صباح من شرفته في فندق (غراند سان ميشيل) الواقع في شارع (كوجاس)، ويصرخ بالأنباء القادمة من أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية. وفي أحد الصباحات، صاح ملء فمه: (لقد سقط الدكتاتور!). لم يكن قد سقط سوى طاغية واحد بطبيعة الحال، لكننا استيقظنا جميعاً على وهمٍ عذب بأن الجنرال المخلوع هو جنرال بلادنا نحن.

كان بوسعنا أن نطوف القارة بأكملها ونلتقي بأدبائها وفنانيها وسياسييها بمجرد جولة بين المقاهي المكتظة في سان جيرمان دي بري. كنا نتنفس أغاني براسينس في الهواء. وكانت الجميلة تاتشيا كوينتانا، الباسكية الجسورة التي تبنيناها نحن المغتربين الأميركيين اللاتينيين كواحدة منا، وكانت تصنع معجزة إعداد طبق (بايلا) شهي لعشرة أشخاص فوق موقد صغير، يعمل بالغاز. لم أكن أدرك حقيقة وضعي بوضوح حتى تلك الليلة التي وجدت فيها نفسي قرب حدائق لوكسمبورغ دون أن أذوق حبة كستناء واحدة طوال اليوم، ومن غير مأوى أنام فيه. رحت أهيم في الشوارع العريضة لساعات، على أمل أن تعتقلني دورية شرطة من تلك التي تكنس الشوارع بحثاً عن العرب، لعلّي أحظى بنوم دافئ في زنزانة، لكنني لم أجد أثراً لأي منها أينما التفتّ. ومع تباشير الفجر، حين بدأت ظلال القصور على ضفاف نهر السين تتجسد وسط الضباب الكثيف، يممت وجهي شطر جزيرة المدينة، أي وسطها، بخطوات واسعة حازمة، وبملامح عامل شريف استيقظ لتوّه ليلحق بمصنعه. وبينما كنت أعبر جسر سان ميشيل، شعرت أنني لست وحدي في هذا الضباب، إذ سمعت بوضوح وقع خطوات شخص يقترب من الاتجاه المعاكس. رأيته يتشكل عبر الضباب، على الرصيف ذاته ويسير بالإيقاع نفسه الذي أسير به، ولمحت عن قرب سترة الصوف ذات المربعات الحمراء والسوداء، وفي لحظة تقاطع طريقانا في منتصف الجسر، رأيت شعره الأشعث، وشاربه الكثّ كشارب تركي، وسحنته الحزينة التي تفضح جوعاً مؤجلاً وليالي سهد طويلة، ورأيت عينين تترقرق فيهما الدموع. تجمّد قلبي في صدري، لأن ذلك الرجل بدا وكأنه أنا نفسي... في رحلة عودتي.

استحضرتُ أعمق ذكرياتي عن باريس في طريق عودتي من ستوكهولم. فرغم أن المدينة لم تتغير، فإنني حين زرتها عام 1968 إثر الانتفاضة الطلابية، وجدتها فقدت حميميتها وثورتها؛ فاختفت قبلات العشاق العلنية، واستُبدلت حجارة الرصف، ومُحيت أجمل شعارات الجدران. وبات المشهد يقتصر على عمال النظافة ببدلاتهم ودراجاتهم الخضراء وأدواتهم الآلية، وهم يجمعون فضلات الكلاب من شوارع أجمل مدينة في الأرض».

ماركيز: الثورة الجزائرية هي الثورة الوحيدة التي سُجنتُ من أجلها حقاً


الحضور الأول للمرأة في الفن

«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
TT

الحضور الأول للمرأة في الفن

«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .
«بورتريه فنانو الأكاديمية الملكية للفنون» - يوهان زوفاني .

تعد فنون الكهوف السجل البصري الأول الذي عرفه الإنسان وأرّخه، ورغم أن هذه الفنون قد تكون أُنتجت في سياقات نفعية أو طقسية، فإنها تظل اللغة المكتوبة الأولى لإنسان الكهف التي وثّق من خلالها تفاصيل حياته وصيده. وهنا يبرز المعنى الحقيقي لنشأة الفن، كدافع فطري نحو التعبير وتوثيق الوجود الإنساني. فكان الفن هو السجل البصري الأول والوحيد المتاح للإنسان، قبل أن يعرف ويخترع الكتابة. ورسوم الكهوف هي اللغة التي وثّق من خلالها الإنسان حياته ورحلات صيده، ونقل من خلالها خبراته للأجيال التالية. كما أن الفن خلال تلك المرحلة يعد بمثابة إعلان وجود الإنسان وإثبات لحضوره وتميزه ووعيه.

وقد أعادت دراسات عالم الآثار الأمريكي دين سنو (Dean Snow) قراءة هذا الإرث البصري، إذ أخضع بصمات الأيدي المطبوعة على جدران الكهوف في فرنسا وإسبانيا، التي تعود إلى أكثر من 25 ألف عام، إلى التحليل القياسي، مُثبتةً أن معظم تلك الرسوم القديمة (خصوصاً بصمات اليد) كانت من نتاج النساء؛ وقد اعتمد سنو في دراساته على حقيقة تشريحية علمية، وهي أن نسب أطوال أصابع اليد تختلف بشكل واضح بين الذكور والإناث. وقد أثبتت القياسات أن 75 بالمائة من تلك البصمات تعود لأيدي نساء، مما يعني أن الجزء الأكبر من هذا التوثيق البصري لوجود الإنسان كان من نتاج المرأة.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف العلمي في قلب السردية التقليدية لتاريخ الفن، التي كانت تفترض أن الرجل (الصياد) هو الفنان الأول الذي رسم في الكهوف، لكن هذا الاكتشاف يثبت أن المرأة هي التي كانت تقود الدور التعبيري والتوثيقي للإنسان. مما يؤسس لفهمٍ جديد لمسار الفن؛ وأن حضور المرأة في التعبير الفني لم يكن استجابة متأخرة للحداثة، بل كان فعلاً تأسيسياً أصيلاً بدأ مع فجر الإنسانية في العصر الحجري القديم.

ومع تحول المجتمعات الإنسانية من مجتمع الصيد والجمع الذي يقوم على الترحال ويتسم بالمساواة والتشاركية، إلى المجتمعات الزراعية المستقرة التي حتمت تقسيم الأدوار بين الجنسين؛ شهدت بُنية المجتمع تحولاً جذرياً انعكس على مكانة المرأة الإبداعية. فمع ظهور مفهوم الملكية الفردية للأرض ونشأة النظم الأبوية لإدارتها (حيث مُنحت الأولوية للجهد البدني في الحقول المفتوحة)؛ انحصر دور المرأة في الحيز المنزلي والإنجاب ورعاية الأسرة والجيل الجديد الذي ستنتقل له ملكية هذه الأرض، الأمر الذي أدى إلى تراجع دور المرأة التأسيسي في الفن.

وقد مر الفن في المرحلة الانتقالية الكبرى، التي تمثل فجر الحضارات الإنسانية، بتحول كبير، حيث بدأت تتشكل الملامح الأولى للمدنية، وتحول فيها الفن وقنوات تعبيره وسياقاته، فأصبحت الفنون الكبرى كالعمارة والنحت هي الواجهة السياسية والدينية، وهي من إنتاج الرجل لما تتطلبه من نشاط بدني. وانكفأ النشاط الإبداعي للمرأة نحو الفنون التطبيقية والحرفية المرتبطة بالحيز المعيشي واليومي، كالمنسوجات والحياكة والتطريز. ومع مرور الزمن تراجع دور المرأة الفني من الإنتاج والفاعلية إلى حيز الظهور والتمثيل؛ فأصبحت المرأة موضوعاً يتأمله الآخر ويصوغ دلالاته وفق رؤيته الخاصة.

ومع تعقد التنظيم الاجتماعي وظهور المُدن، احتكرت المؤسسات الأبوية سلطة الرؤية والتأريخ. وتجسد ذلك في ممارسات مؤسسية صريحة، حيث كانت المرأة بعيدة عن الفضاءات العامة وأماكن اتخاذ القرار، كما كانت الأكاديميات والورش الحرفية والفنية حكراً على الرجل، الذي عبر عن المرأة وفقاً لرؤيته الخاصة، فجرى اختزال الحضور البصري للمرأة في قوالب رمزية جاهزة، مرتبطة غالباً بالتعبير عنها كرمز للخصوبة والأمومة والجمال.

وحتى في الحالات الاستثنائية التي كانت المرأة فيها مُنتجة للفن ومعبرة عن رؤيتها، فإن تأريخ الفن يظهر تأثراً واضحاً بالأطر التنظيمية والاجتماعية السائدة.

ففي استهلال كتابها «المرأة والفن والمجتمع»، طرحت المؤرخة والناقدة ويتني شادويك (Whitney Chadwick) مثالاً على ذلك، متمثلاً في الأكاديمية الملكية للفنون في لندن؛ ففي عام 1768، ورغم كون الفنانتين أنجيليكا كاوفمان (Angelica Kauffman)، وماري موسر (Mary Moser)، من الأعضاء المؤسسين لها، فإن الأكاديمية همّشت حضورهما في الوثائق البصرية الرسمية - بحسب قراءة شادويك – حيث تشير إلى أنه في لوحة يوهان زوفاني (Johann Zoffany) التي احتفت بتأسيس الأكاديمية، تم استبعاد الفنانتين من التجمع المركزي للأعضاء، واكتفى الرسام بتصويرهما كلوحتين معلقتين في الخلفية، مما كشف في سياق كتابها عن التفاوت الذي أحاط بوضع النساء والرجال عبر تاريخ الفن. لتكون مكانة المرأة كموضوع معروض لا كفاعل مشارك.

لكن عند تحليل هذا المثال، يظهر أن الاستبعاد البصري للفنانتين في اللوحة، لم يكن إجراءً إقصائياً متعمداً، كما تذكر شادويك، بل كان انعكاساً للقيود والتقاليد والأعراف الاجتماعية والمؤسسية السائدة في القرن الثامن عشر؛ التي كانت تمنع النساء من حضور جلسات دراسة التشريح الحي، وهو الحدث في لوحة زوفاني؛ حيث كان أعضاء الأكاديمية الرجال يجتمعون في درس تشريح حي حول عارض عار، ولم يكن يسمح للنساء أخلاقياً واجتماعياً حينها بحضور هذه الدروس؛ فاكتفى الفنان بتمثيلهما من خلال صورتين شخصيتين معلقتين على الجدار في خلفية اللوحة كحل بروتوكولي يتماشى مع المعايير الأخلاقية والاجتماعية حينها. ويُظهر هذا الأسلوب التوثيقي لدى يوهان زوفاني كيف تداخلت الأعراف والقيود الاجتماعية مع الممارسات الفنية لتحدد مكانة المرأة في تلك المؤسسات.

ويعد نموذج الأكاديمية الملكية للفنون في بريطانيا انعكاساً لنسق مؤسسي عام ساد في أوروبا. ففي فرنسا ظلت أكاديمية الفنون الجميلة في باريس، التي كانت عاصمة الفن في العالم، مغلقة أمام التحاق النساء، ولم يُسمح لهن بالدراسة الرسمية فيها إلا في أواخر القرن التاسع عشر. وحتى بعد هذا السماح المتأخر، ظل الحضور النسائي محكوماً بالمعايير الاجتماعية التي حددت طبيعة التلقي والإنتاج.

إن مسار المرأة في تاريخ الفن، لم يكن خطاً تصاعدياً بدأ من العدم وتدرج لما هو عليه، بل كان مساراً معقداً، بدأ بفاعليتها وتعبيرها الأول في الكهف، وتراجع مع تحول البُنى الاقتصادية والاجتماعية. بما يثبت أن غيابها لقرون عن المشهد الفني، لم يكن لقصور في أدواتها الإبداعية، وإنما نتيجة النظم الاجتماعية والمؤسسية والتنظيمية التي حددت مساحات الحركة والظهور. لذا يكتسب الحراك الفني المعاصر للمرأة قيمة حقيقية، فهو ليس محاولة حداثية لابتكار لغة بصرية جديدة، بل هو فعل استردادي وتاريخي، ومحاولة واعية لتأصيل حضورها الأول كقوة تعبيرية وتوثيقية صاغت الوعي البشري منذ فجر الإنسانية.

* كاتبة وناقدة سعودية