تركيا: سباق محموم في الساعات الأخيرة قبل الانتخابات... وصراع على إسطنبول

إردوغان يحذّر من «مؤامرات» وإينجه يخشى «تلاعباً بالنتائج»

أنصار إردوغان في إسطنبول (رويترز)
أنصار إردوغان في إسطنبول (رويترز)
TT

تركيا: سباق محموم في الساعات الأخيرة قبل الانتخابات... وصراع على إسطنبول

أنصار إردوغان في إسطنبول (رويترز)
أنصار إردوغان في إسطنبول (رويترز)

شهدت الساعات الأخيرة قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المبكرة التي تجري في تركيا اليوم نشاطاً محموماً من مرشحي الرئاسة ومن الأحزاب السياسية، وتم التركيز بشكل مكثف على مدينة إسطنبول التي تعد أكبر تجمع للناخبين، حيث تضم 10 ملايين و559 ألفاً و686 ناخباً من أصل 56 مليوناً و322 ألفاً و632 ناخباً يحق لهم التصويت في الانتخابات. وذلك قبل إعلان الصمت الانتخابي أمس، وحتى انتهاء عملية التصويت والبدء في إعلان النتائج مساء اليوم.

- إردوغان يكثف المؤتمرات الجماهيرية قبل الصمت الانتخابي
ولليوم الثاني على التوالي، واصل الرئيس رجب طيب إردوغان التنقل بين أحياء إسطنبول، حيث عقد 4 مؤتمرات جماهيرية في 4 أحياء في غرب ووسط المدينة أمس، داعياً جميع الناخبين إلى الحرص على التوجه إلى صناديق الاقتراع. وشدد على أن السلطات اتخذت جميع التدابير اللازمة لضمان أمن الصناديق في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
وأشار إلى تعيين ممثل عن كل حزب سياسي لمراقبة التصويت في المراكز المخصصة للاقتراع في أنحاء البلاد، حيث يجري التصويت في 181 ألف صندوق انتخابي، وحث أنصاره على الذهاب إلى صناديق الاقتراع، واصطحاب من حولهم من أجل التصويت، وعدم التهاون. وشدد إردوغان على أن النظام الرئاسي الجديد في تركيا سيقودها إلى النهوض، وإلى تجاوز مستوى الحضارات المعاصرة، وسيضعها في مصاف الدول العشر صاحبة أكبر اقتصادات في العالم، وفي مصاف الدول الكبرى كأميركا وروسيا.
ولفت إلى أن حزبه (العدالة والتنمية الحاكم) حقق الكثير من الإنجازات في تركيا خلال فترة حكمه، وسيعمل على إنجاز أمور لا يتخيلها الآخرون (في إشارة إلى المعارضة)، داعياً المواطنين ذوي الأصول الكردية إلى الحذر وعدم الانخداع والانجرار وراء المؤامرات؛ لأن حزبه لا يميّز على الإطلاق بين تركي وكردي وشركسي وغجري وبقية الأعراق، بل يحثّ على الوحدة والتكاتف بعيداً عن التفرقة.
وأشاد الرئيس التركي بالمشروعات التي أنجزها حزبه خلال الأعوام الماضية، مثل نفق «مرمراي» للمترو، وجسر «السلطان ياووز سليم»، ونفق «أوراسيا» وجسر «عثمان غازي ومطار إسطنبول الثالث الذي سيفتتح في 29 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، وهاجم منافسه في الانتخابات الرئاسية محرم إينجه، مرشح حزب الشعب الجمهوري؛ بسبب محاولاته للتقليل من أهمية هذه المشروعات.
واتهم إردوغان حزب الشعب الجمهوري بالضلوع في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهدتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016. وأوضح، أن حزبه نفّذ حملة انتخابات مكثفة خلال الشهرين الأخيرين، وأنه عقد أكثر من 100 تجمع انتخابي في هذا الإطار؛ «لأن هذه الانتخابات ليست انتخابات عادية، فنحن مقبلون على منعطف، وأود أن أذكّر أبناء بلادي بضرورة استخدام حقهم في التصويت».
ونوّه إلى المشاركة الكثيفة من قبل الناخبين الأتراك في الانتخابات السابقة، بنسب بلغت ما بين 85 و86 في المائة. وأطل إردوغان الليلة قبل الماضية في بث تلفزيوني على الكثير من القنوات استمر حتى الساعات الأولى من صباح أمس، لاستعراض ملامح النظام الرئاسي الجديد وشكل الحكومة التي سيؤلفها عقب فوزه بانتخابات الرئاسة. وقال: إنها ستضم 16 وزيرا فقط، بدلاً عن 26 وزيراً في الحكومة الحالية. ولفت إلى أن عدد الوزارات التي تتعامل مع الاقتصاد ستنخفض من ست وزارات إلى ثلاث فقط، قائلاً: «في ظل النظام الجديد سنحد من البيروقراطية، سنتخذ القرارات بشكل أسرع، وكل الخدمات ستركز على النتائج».
وأوضح إردوغان، أنه سيشكل تسعة مجالس معنية بالسياسة سترفع تقاريرها للرئيس في مجالات مثل السياسات الاجتماعية والصحية والخارجية. وركز إردوغان على شريحتي النساء والشباب اللتين تشكلان أكثر من 80 في المائة من الناخبين، قائلاً: «أثق في شعبي وأحبه، وأعرف أنه سيعطي الرد المناسب على المعارضة في صناديق الاقتراع غداً (اليوم الأحد)».

- إينجه يحذر من التلاعب بنتائج الانتخابات
في المقابل، عقد محرم إينجه مؤتمره الختامي في ساحة مالتبه إسطنبول، حيث احتشد عشرات الآلاف من أنصار حزبه (الشعب الجمهوري)، ووجّه خلال خطابه أمام هذا الحشد تحذيراً إلى الولاة في جميع محافظات تركيا قائلاً: «إنكم ولاة في هذا البلد ولست ولاة لإردوغان»، كما حذر اللجنة العليا للانتخابات ووكالة أنباء «الأناضول» وهيئة الإذاعة والتلفزيون التركية (تي آر تي) من التلاعب بنتائج الانتخابات، منتقدا التلفزيون الرسمي لعدم تغطية مؤتمراته الانتخابية في الوقت الذي يلهث فيه وراء إردوغان.
وكانت وسائل إعلام تركية نشرت نتائج الانتخابات الرئاسية قبل ثلاثة أيام من إجرائها، اعتماداً على بيانات وكالة أنباء «الأناضول» الحكومية، التي اعتذرت لاحقاً وقالت: إن الأمر مجرد خطأ. ونشرت «الأناضول» النتائج الخاطئة، التي أشارت إلى احتفاظ الرئيس رجب طيب إردوغان بمنصبه بعد فوزه بنسبة 52.7 في المائة من الأصوات، متقدماً على محرم إينجه 26.2 في المائة، وميرال أكشنار 11.7 في المائة، وصلاح الدين دميرتاش 7.1 في المائة. وقالت الوكالة في بيان رسمي، نشرته على موقعها الإلكتروني، إنها أرسلت إلى وسائل الإعلام المشتركة في خدمتها النتائج على سبيل الاختبار، وإن هذه الاختبارات تجري 4 مرات قبل الانتخابات لضمان وصول المعلومات إلى وسائل الإعلام بصورة صحيحة، وتهدف إلى تلافي الأخطاء أثناء نقل النتائج أثناء الفرز، معتبرة انتقادات المعارضة ادعاءات لا أساس لها من الصحة.
ودافعت الحكومة التركية عن الوكالة التابعة لها، وقال نائب رئيس الوزراء، باكير بوزداغ، إن «الأناضول» لم تسع مطلقاً للتلاعب بالنتائج، إلا أن المعارضة رأت أن ما جرى يثبت أن الوكالة ستتلاعب بنتائج الانتخابات الحقيقية يوم التصويت.
وقال إينجه، إن تركيا ستكون دولة للحريات تحت حكمه إذا فاز بالرئاسة، ولن تشهد ممارسات من قبيل التنصت على هواتف المواطنين، وإنه سيكفل الحرية لوسائل الإعلام وسيضع القانون اللازم لضمان ذلك، ولن تكون هناك تفرقة بين المواطنين الأتراك بأي شكل من الأشكال، مطمئناً المحجبات من عدم التضييق عليهن. وقال، إن من يروجون هذه الشائعات هم أناس بلا أخلاق، وإنه دافع دائماً عن حقهن في التعليم والعمل ولم يكن الأمر مشكلة بالنسبة له في أي وقت.
كما تعهد إينجه باستئناف المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي ورفع الحد الأدنى للأجور وبمساعدة الفلاحين ورفع أسعار توريد منتجاتهم كالبندق، ودعم المازوت وافتتاح أكاديمية للتصميم، وأعمال النسيج ورفع التأمين الصحي للعائلات إلى 100 في المائة، وتقديم منح دراسية لطلاب الجامعات قائلا، إنه سيعمل على تحسين اقتصاد البلاد وتقوية عملتها البلاد، مشيراً إلى أن بقاء إردوغان يعني استمرار تدفق اللاجئين السوريين وكبت الحريات وضعف الاقتصاد.

- انتقادات تركية للمراقبين الدوليين
ويخوض انتخابات الرئاسة إلى جانب إردوغان، وإينجه ومرشحة حزب الخير ميرال أكشنار، كل من مرشح حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد، السجين صلاح الدين دميرتاش الذي يرفض التدخل العسكري لتركيا في الشمال السوري، والذي تعهد بأن يحتل المرتبة الثانية في انتخابات الرئاسة، وأن يحصل حزبه على أكثر من 10 في المائة في انتخابات البرلمان، ورئيس حزب السعادة الإسلامي تمال كرم الله أوغلو، ورئيس حزب الوطن المنفتح على النظام السوري دوغو برنتشيك.
وقبل ساعات من الانتخابات الرئاسة والبرلمانية، انتقد رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم سلوك بعض المراقبين الأوروبيين للانتخابات التركية، مشيراً إلى أنهم يتصرفون وكأنهم متحدثون باسم «كيانات سياسية هامشية». وقال يلدريم في تصريحات أمس: «أعتقد أن هذا يعتبر تدخلاً في الانتخابات بشكل أو بآخر، ولا يحق لأحد أن يلقي ظلال الشبهات أو يثير علامات استفهام على الانتخابات التي ستجريها تركيا».
وكشفت مصادر أمنية تركية، أمس، عن أن مراقبين من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، يسعون إلى بث الفوضى في البلاد، والإيحاء بعدم نزاهة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية. ولفت رئيس الوزراء، إلى أن بعض المراقبين الأجانب يتمثل عملهم على الدوام، بالإدلاء بتصريحات تشوّش أذهان الناخبين قبل الانتخابات.
وأضاف: «تعالوا، وإن شئتم، فليأتِ 800 مراقب بدل 400، لكن راقبوا الانتخابات كما يجب، ولا ترتكبوا أخطاء كالتدخل في السياسة، فتركيا بلد ديمقراطيته متقدمة؛ فهي دولة قانون». ودعا يلدريم الناخبين كافة إلى التوجه إلى صناديق الاقتراع والإدلاء بأصواتهم في الانتخابات.
وكانت اللجنة العليا للانتخابات التركية قد منحت الاعتماد لمراقبي 8 مؤسسات دولية، تقدمت بطلب لمراقبة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، هي: منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والجمعية البرلمانية لمنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، والجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، والجمعية البرلمانية المتوسطية، والجمعية البرلمانية لمنظمة التعاون الاقتصادي للبحر الأسود، والجمعية البرلمانية للبلدان الناطقة بالتركية، ومجلس تعاون الدول الناطقة بالتركية (المجلس التركي)، ومنظمة شنغهاي للتعاون.
وقالت المصادر الأمنية، إن بعض مراقبي منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وبينهم داعمون لحزب العمال الكردستاني (المحظور) بشكل علني، يسعون لإعداد خطة لبث الفوضى في تركيا والإيحاء بعدم نزاهة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، مشيرة إلى مشاركة 400 مراقب من المنظمة في متابعة الانتخابات.
وأضافت المصادر: إن بعض المراقبين التقوا «أشخاصاً معارضين» في أنقرة وإسطنبول، وأبلغوهم بأن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان سيفوز بالانتخابات الرئاسية بنسبة تتجاوز الـ50 في المائة، وسيحقق «تحالف الشعب» (بين العدالة والتنمية والحركة القومية) الأغلبية في البرلمان، وقدموا توجيهات للمعارضين بهدف إضفاء الضبابية على نتائج الانتخابات.
وتشهد الانتخابات منافسة شرسة وغير مسبوقة، وتشكل واحدة من أصعب الاستحقاقات الانتخابية التي تشهدها تركيا، منذ صعود حزب العدالة والتنمية الحاكم إلى السلطة قبل 16 عاماً. وعقب هذه الانتخابات ستنتقل تركيا رسمياً إلى النظام الرئاسي، الذي أثار كثيراً من الجدل، والذي تم الاستفتاء عليه في 16 أبريل (نيسان) 2016، وتم تأييده من قبل أغلبية ضئيلة من الناخبين بلغت 51.4 في المائة.

- نظام «الصناديق الجوالة»... سابقة في الانتخابات التركية
وللمرة الأولى، سيتم تطبيق نظام الصناديق الجوالة من أجل المرضى المقعدين وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث ستصل الصناديق بناءً على طلبهم إلى مكان إقاماتهم، وفي هذا الإطار سيتم تخصيص 1303 صناديق من أجل 17 ألفاً و258 ناخباً مُقعداً تتوافر فيهم المعايير اللازمة لتوفير هذه الخدمة.
ونشرت السلطات التركية 38 ألفاً و480 شرطياً لضمان سير العملية الانتخابية بأمان في إسطنبول، كما نشرت الآلاف بالمدن الأخرى، واتخذت مديرية أمن إسطنبول تدابير أمنية واسعة في المدينة، حيث تجرى عملية الاقتراع في ألف و670 مركزاً انتخابياً، موزعة على 3 دوائر انتخابية، وتم دعم عناصر الأمن بأربع مروحيات، و8 زوارق بحرية، و85 عربة مكافحة شغب، و90 عربة مصفحة، و137 عربة مراقبة، و3 طواقم طائرات مسيرة.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...