«الشرق الأوسط» تتجول في حاملة طائرات إسبانية... طبيب الأسنان أهم فرد في طاقمها

«خوان كارلوس 1» مجهّزة بمستشفى طبي يضم 140 سريراً وغرفتي عمليات

سطح حاملة الطائرات {خوان كارلوس1}
سطح حاملة الطائرات {خوان كارلوس1}
TT

«الشرق الأوسط» تتجول في حاملة طائرات إسبانية... طبيب الأسنان أهم فرد في طاقمها

سطح حاملة الطائرات {خوان كارلوس1}
سطح حاملة الطائرات {خوان كارلوس1}

السّفن الحربية عادة ما تكون مجهزة ببعض الأجهزة الطبية، ويرافقها فريق طبي يتحدّد حجمه وتخصّصه حسب المهمة الموكلة لها، لكن أهم فرد في الطاقم الطبي للسّفن الحربية أيا كانت مهمتها هو طبيب الأسنان، فقد يتم الاكتفاء بطبيب عام وعدد من الممرضين، ويستغنى عن باقي التخصصات، لكن ما لا يمكن الاستغناء عنه هو طبيب الأسنان.
جالت «الشرق الأوسط» على متن السفينة الحربية وحاملة الطائرات الإسبانية «خوان كارلوس1»، أثناء رسوها لاستراحة قصيرة في ميناء الإسكندرية، برفقة الفرقاطة «بلاس ليثو»، في طريق عودتها إلى إسبانيا، بعد مهمة استراتيجية لدعم قوات التحالف في العراق. كما زارت خلال الجولة أيضاً، المستشفى الطبي القابع في بطن السفينة برفقة كارلوس سانشيث، المسؤول الإعلامي لحاملة الطائرات، وعدد من قادة السفينة. البداية كانت في حجرة استقبال الطوارئ التي تضمّ مجموعة من الأسرة المعدّة لاستقبال المرضى للكشف عليهم قبل توجيههم إلى القسم المطلوب، حيث تتوزع غرف العمليات ووحدات الرعاية المركزة، وحجرات الأشعة، وغرف المرضى. أول عيادة تعرّفنا عليها في طريقنا كانت عيادة الأسنان.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» قال سانشيث: إنّ «طبيب الأسنان أهمّ عنصر في أفراد الطاقم الطبي للسفينة»، موضحاً أنّ «التوتر والضّغط العصبي الذي يتعرض له قادة السفينة يدفعهم للجزّ على أسنانهم باستمرار، ما يتسبب في ضررها واللثة، ولذلك لا يمكن الاستغناء عن طبيب الأسنان في أي رحلة أو مهمّة للسفينة الحربية».
وأضاف سانشيث أنّ «نوعية الطّاقم الطبي للسفينة وحجمه يتحدّدان وفقا للمهمة التي تجريها»، مشيراً إلى أنّ «حاملة الطائرات خوان كارلوس 1 مجهّزة بمستشفى طبي متكامل يضم 140 سريراً، وغرفتي عمليات، وعيادة أسنان، ووحدة رعاية مركّزة، وحجرة أشعة، كما يمكن إضافة عدد آخر من غرف المرضى في حجرات متنقلة على السطح، في حال تكليف السفينة بمهمة إنسانية أو المساعدة في مواجهة كوارث طبيعية»، موضحاً أنّ الطاقم الطبي للسفينة في المهمة الحالية يضم طبيبا عاما، وطبيب أسنان وممرضين اثنين»، مشيراً إلى «إمكانية إجراء جميع العمليات الجراحية على متن السفينة، وهي مزوّدة بتقنية العلاج عن بعد، وتقديم الاستشارات عن طريق ربطها بمستشفى القوات المسلحة في مدريد».
وكانت حاملة الطائرات (خوان كارلوس1) في مهمة لمساعدة قوات التحالف في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي في العراق، وكانت قد بدأت رحلتها في الأول من مايو (أيار) الماضي، ووصلت إلى الكويت في 24 من الشهر نفسه، لتسليم خمس طائرات مروحية لقوات التحالف، من ثمّ استكملت رحلتها إلى مومباي في الهند التي تعمل على تصنيع سفينة مماثلة، وتوجّهت بعدها إلى البحر الأحمر حيث نفذت مناورة عسكرية مع حاملة الطائرات المصرية من طراز ميسترال، مرورا بقناة السويس، قبل أن ترسو في ميناء الإسكندرية في 18 يونيو (حزيران) الجاري، للاستراحة يومين. في طريق عودتها إلى إسبانيا، ووفقا لبيان صادر عن السفارة الإسبانية فإنّ «هذه المشاركة تأتي تأكيداً على قدرة القوات المسلحة الإسبانية على المشاركة في مهام خارج الحدود من منطلق التزامها بالوفاء بتعهداتها لصالح الأمن والدفاع».
وتستغرق الرحلات والمهمات العسكرية الاستراتيجية مدة طويلة، تقارب الشهرين أو أكثر، ما يعني قضاء طاقم السفينة الذي قد يصل عدده إلى 300 فرد، معظم حياتهم في عرض البحر، بعيداً عن عائلاتهم وأصدقائهم.
وقال خواكيم، أحد أفراد طاقم حاملة الطائرات خوان كارلوس1. لـ«الشرق الأوسط» إنّ «المهمة الحالية تستغرق نحو شهرين، وسنعود إلى إسبانيا لمدة 10 أيام قبل أن ننطلق في مهمة أخرى»، مضيفا: «هذه حياة صعبة بالنسبة للعائلة والأصدقاء، فعلاقتنا بهم تقتصر على زيارات قصيرة من فترة لأخرى، في حين نقضي معظم الوقت على ظهر السفينة مع أفراد الطاقم الذي يصبح بمثابة العائلة».
ورغم صعوبة الحياة على متن سفينة حربية وسط البحر، غرفها صغيرة ومشتركة مع باقي أفراد الطاقم، ومواعيد النّوم والاستيقاظ منتظمة كما الأكل والتسلية، فإنّ هناك أمورا ممتعة أيضاً يتحدث عنها خواكيم قائلا: «نعم حياتنا صعبة، لكنّها ممتعة. أحب البحر والرحلات التي ننظّمها، وأتمكّن من خلالها رؤية أماكن جديدة وأتعرف على شخصيات من كل أنحاء العالم».
استكملنا جولتنا التي بدأت من حجرة الطّعام حيث اجتمع أفراد الطاقم لتوزيع المهمات قبل الحفل المسائي، من ثمّ انطلقنا إلى أعلى السفينة على ارتفاع 12 طابقاً تقريباً، حيث غرفة القيادة المطلّة على سطح السفينة الحربية الذي اصطفّ فوقه عدد من الطائرات الحربية التي يجري توجيه هبوطها وإقلاعها عبر برج المراقبة المجاور لغرفة القيادة الرئيسة، ويمكن للسفينة استقبال كافة أنواع الطائرات الحربية.
تعد «خوان كارلوس 1» أكبر مركب حربي إسباني، وهي الوحيدة من نوعها في إسبانيا، وتعمل تركيا والهند الآن على بناء سفن مماثلة تحت إشراف شركة نافنتيا الإسبانية التي بنت «خوان كارلوس 1»، وأطلق عليها حلف شمال الأطلسي «الناتو»، اسم (LHD)، أي ميناء مروحيات الهليكوبتر، وقد بدأت الإبحار في 8 مارس (آذار) 2008.
وتابع سانشيث قائلاً: إنّ «السّفينة مزوّدة بأحدث تكنولوجيا بحرية، وتتّسع لـ1433 شخصاً، بينهم 295 فرداً هم طاقم السفينة، ويمكنها أن تؤدي أربع مهمات رئيسية، وهي إنزال العتاد الحربيّ، والعمليات الجوّية، والعمليات العسكريّة المشتركة والمهمات الإنسانية، لكنّها لا تقوم بكل هذه المهام مع بعضها، مشيرا إلى أنّها «مرتفعة القيمة وتبلغ سرعتها 21 عقدة، لذلك تحرسها عدد من الفرقاطات حسب المهمة»، ويرافقها في المهمة الحالية الفرقاطة بلاس ليثو (إف - 103)، وهي قطعة حربية متعدّدة الأغراض شيّدت لمهام حراسة السفن الحربية في المحيطات. كما شاركت في المهام الاستراتيجية لوحدات مروحيات الجيش البرّي الإسباني (UHEL) لإعادة الانتشار في العراق، ضمن عملية «العزم الصّلب».
وقال دانيال بينيالبير، رقيب متخصص في التكنولوجيا على السفينة، لـ«الشرق الأوسط»: إنّها تضم مخزنين للمعدات الحربية، واحد للمعدات الخفيفة أقل من 20 طناً، والثاني للمعدات الثقيلة أكثر من 20 طناً، كما تستطيع توليد 22 ميغابايت من الكهرباء، وهي كهرباء قادرة على تغذية 300 ألف نسمة، ويبلغ طولها 232 متراً.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...