ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

ليس لإيران كـ«دولة» مشكلة مع أحد... لكنها كـ«أداة للخمينية» لديها مشاكل مع الجميع

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه
TT

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

ما لا تريد «اللوبيات» الليبرالية الداعمة لطهران فهمه

مع تحرك عقارب الساعة باتجاه موعد 8 أغسطس (آب) المقبل، وهو المهلة الأخيرة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لكشف النقاب عن المرحلة التالية من سياسته تجاه إيران، يتشكّل «كورس» من الساسة والأكاديميين ورجال الأعمال الغربيين - في الولايات المتحدة وأوروبا الغربية - هدفه حث ترمب على الالتزام بسياسات سابقيه إزاء نظام الملالي منذ 1979. ولعل أجلى النتائج التحركات الأوروبية الناشطة على صعيد الدفاع عن الاتفاق النووي الإيراني، ونشاط قوى ليبرالية ملتزمة أو غير ملتزمة بالحزب الديمقراطي الأميركي في الاتجاه نفسه.
بطبيعة الحال، تطور كهذا يشجع عناصر داخل السلطة الحاكمة في طهران على التصلّب، ورفض أي تغيير في النهج أو السلوك في طيف من القضايا. ومن هذه القضايا ما ورد في عداد النقاط الـ12 التي أوردها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو في بيانه المهم حول إيران، وأبرزها محاولة «تصدير الثورة» إلى سوريا ولبنان والعراق والبحرين واليمن وغيرها.
يوم الثلاثاء الفائت رد وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف على بيان وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو بنقاطه الـ12 ببيان مضاد ضم 15 نقطة، ما يؤشر بوضوح إلى عودة سلطات طهران إلى اعتماد سياسات التعطيل والتسويف. أما «الكورس» الذي تشكل – ويتشكل – في الغرب دعماً للنظام الخميني يبني منطقه في مسألة التعامل مع إيران على أساس وجود خيارين لا ثالث لهما هما إما الاستسلام لمشيئة حكام طهران ورغباتهم، أو غزو إيران عسكرياً!
من وجوه «الكورس» المهمة وزير الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت التي طرحت في كتابها الصادر حديثاً «الفاشية: تحذير» سؤالا بسيطاً اختصرت به الخيارات السياسية هو «هل نرغب في تكرار مغامرتنا في العراق؟».
كذلك هناك أحد من خلفوها في وزارة الخارجية جون كيري، الذي ذهب أبعد في دفاعه عن حكام طهران، بجولات قام بها في العواصم الغربية للترويج لفكرة «لا بديل عن القبول بنفوذ إيران» في منطقة الشرق الأوسط.
وهذه الفكرة ردّدها الأكاديمي الأميركي جوشوا لانديس (الأستاذ في جامعة أوكلاهوما)، الذي يعد من أكثر المتحمسين للدفاع عن نظام بشار الأسد في سوريا، بقوله بأن التدخل الإيراني في سوريا، الذي حظي لاحقاً بدعم روسي، حال دون انتصار المعارضة السورية التي تتكون حصراً – حسب رأيه – من «داعش والجماعات المتشددة». ومن ثم، اعتبر ضمناً أن على الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل أن تكونا ممتنّتين لإيران لكونها منعت سقوط الأسد.
ولا يختلف كثيراً تفكير بن رودز، مساعد الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما لشؤون الأمن القومي، الذي عبر عنه ببلاغة في كتابه الجديد «العالم كما هو على حقيقته». رودز يشدد على أن في إيران طبقة وسطى ومجتمعاً متطوراً يصلح لأن يكون نموذجاً أفضل للشرق الأوسط. وهذا الرأي، إذا جرى التعبير عنه بلغة مبسطة يعني أن على واشنطن الاعتراف بحضور إيران في العراق وسوريا ولبنان واعتباره تطوراً إيجابياً.
عودة إلى الدكتور لانديس، الذي يتطرق لهذا الأمر لدى تشديده في تحليل سياسي له بقوله «إنها المرة في التاريخ الحديث التي تربط دول الحزام الشمالي من الشرق الأوسط علاقات طيبة». وبالتالي، إذا كان هناك اتفاق على «بدء التاريخ الحديث» يجوز القول أيضاً بأن الدول التي يقصدها لانديس كانت أيضاً ترتبط بـ«علاقات طيبة» عندما كانت تحت الحكم الاستعماري البريطاني والفرنسي!
ولكن، هل الهيمنة الأجنبية العامل الأوحد لـ«العلاقات الطيبة» بين الدول المتجاورة؟ أكثر من هذا، كيف يمكن وصف العلاقات بين الحكومة اللبنانية المنقسمة على ذاتها، وبقايا نظام الأسد، والنخب السياسية العراقية بأنها «طيبة» وأن الدور الذي تلعبه طهران في الدول الثلاث (العراق وسوريا ولبنان) بأنه لمصلحة شعوبها.
- نظام الخميني نموذجاً
فكرة أن يكون نظام الخميني نموذجاً مثالياً استوحيت من مفهوم «نماذج للتنمية» العائد لعقد الستينات من القرن الماضي. غير أنه ينظر إلى هذا المفهوم اليوم على أنه أقرب إلى خداع فكري منه إلى دليل إرشادي جدّي للتحليل السياسي – الاجتماعي. حتى الديمقراطيات الغربية، رغم جوانب الشبه فيما بينها وتقاسمها الكثير من القيَم الثقافية والدينية، بنيت وفق تصاميم وأوصاف مختلفة. ومن ثم، لا يوجد ما يبرر لماذا يتوجب تشجيع دول الشرق الأوسط – بل حتى إجبارها – على اعتماد نظام «ولاية الفقيه» نموذجاً مثالياً لها.
وسواءً يجري عن عمد أو عن جهل، فإن سوء فهم أو رفض قراءة الدور السلبي المُقلقل الذي يلعبه النظام الإيراني في المنطقة وما هو أبعد من حدودها، أدى إلى ما يمكن وصفه بشلل سياسي يلم بالديمقراطيات الغربية وحلفائها بينما يواجه هذا النظام معارضة متزايدة من الشعب الإيراني. وهذا الشلل يشجع راهناً القيادة في طهران على رفض الإصلاح داخلياً والمقاربات التسووية العاقلة خارجياً خدمة للسلام والاستقرار.
«المرشد الأعلى» علي خامنئي في إحدى كلماته اللافتة قال: «حكام أميركا حلموا دائماً بإجبارنا على تغيير سلوكنا، لكنهم أخفقوا»، وأردف «خمس إدارات رئاسية انتهت وغربت من دون أن تحقق هذا الحلم المستحيل. والشيء نفسه سيتكرّر مع الإدارة الحالية».
- الحلم الأميركي المستحيل
حقيقة الأمر، أن هذا التحليل من خامنئي ليس بعيداً تماماً عن الصواب، ذلك أن عدداً من الرؤساء الذين تعاقبوا على البيت الأبيض حاولوا جهد طاقتهم إقناع النظام الخميني في طهران بتعديل بعض جوانب سياسته الخارجية، ولكن حتى اللحظة باءت كل المحاولات بالفشل. ولعل السبب في ذلك أنه إما لم تتوافر القدرة أو لم تتوافر الرغبة عند هؤلاء الرؤساء المتعاقبين، ومعهم لفيف من النخب السياسية والثقافية الأميركية، في إدراك طبيعة النظام الخميني.
الرئيس جيمي كارتر تصوّر أن استيلاء الخميني على السلطة مثّل عودة الدين إلى قلب الحياة العامة. ولذا، حرصت إدارته على وصف الخميني بـ«رجل مقدس» و«غاندي الإسلام». كما بعث كارتر برسائل إلى الخميني «من رجل مؤمن إلى رجل مؤمن»، بل، وأمر باستئناف بيع الأسلحة لإيران. وفي نهاية المطاف، كلنا يتذكر كيف كوفئ كارتر.
وجاء رونالد ريغان إلى الرئاسة، وهو الذي كان قد زار إيران قبل سنة واحدة من الثورة الخمينية، وكان أدرى بالإيرانيين من كارتر. ذات يوم وصف ريغان الساسة الإيرانيين بأنهم «تجار سجّاد وعاقدو صفقات». ولم يلبث أن هرّب للملالي الأسلحة التي كانوا بحاجة إليها لوقف زحف الجيش العراقي أبعد داخل إيران، وأهدى آية الله كعكة حلويات ضخمة على شكل قلب، ونسخة تحمل توقيعه من الإنجيل ومسدسين من أحدث الطرازات. وفي النهاية، كانت الحصيلة الأهم فضيحة «إيران – كونترا» (إيران غيت) التي هزّت رئاسة ريغان.
وبعد ذلك، مع الانشغال بمعالجة تداعيات تلك الفضيحة، أحجم الرئيس جورج بوش الأب - الذي خلف ريغان في البيت الأبيض – عن تطوير أي سياسة حقيقية تجاه إيران باستثناء إجراء مباحثات سرّية مع جناح علي أكبر هاشمي رفسنجاني لم تسفر عن شيء باستثناء طمأنة سلطات طهران إلى أنهم استطاعوا تحييد «الشيطان الأكبر» الأميركي.
إعجاب كلينتون... واعتذاره
وجاء الرئيس بيل كلينتون، بعد بوش الأب. ورأى كلينتون في النظام الخميني نظاماً «تقدمياً»، وهو الرأي الذي يتقاسمه معه كثيرون من الليبراليين الأميركيين الذين يذهب بعضهم إلى حد اعتبار إعلان العداء لواشنطن علامة أكيدة على المعتقدات التقدمية. وذات يوم من عام 2005، على هامش «منتدى دافوس الاقتصادي» في سويسرا، قال كلينتون: «إيران اليوم، بطريقة ما، هي البلد الوحيد الذي تتمتع فيه الأفكار التقدمية بقاعدة شعبية هائلة. هناك، تدافع الغالبية عن الأفكار التي أؤمن بها». ثم قال في مقابلة تلفزيونية، مع تشارلي روز: «إيران البلد الوحيد في العالم، الوحيد الذي تجرى فيه انتخابات، بما في ذلك الولايات المتحدة... بما في ذلك إسرائيل... بما في ذلك ما شئت، حيث ربح الليبراليون أو التقدميون بين الثلثين و70 في المائة من الأصوات في ستة انتخابات، منها انتخابان للبرلمان وانتخاب للمجلس، وانتخابات للبلديات. وفي كل انتخاب حصل أولئك الذين يقتربون من تفكيري بين الثلثين و70 في المائة من الأصوات. ليس هناك بلد في العالم أستطيع أن أقول هذا الكلام عنها... حتى بلدي».
أضف إلى ما سبق، أن كلينتون، ومعه وزير خارجيته مادلين أولبرايت، اعتذرا للملالي عن «جرائم» غير محدّدة ارتكبتها «حضارتي»، وأزال جملة من العقوبات كانت قد فرضت على النظام الإيراني بعد عملية خطف الرهائن الأميركيين في طهران.
ما هي تلك الجرائم؟ أجاب كلينتون موجزاً «إنها قصة محزنة بدأت حقاً خلال عقد الخمسينات عندما أطاحت الولايات المتحدة السيد (محمد) مصدّق، الذي كان سياسيا منتخباً بصورة ديمقراطية، وأعادت الشاه الذي أطاحه لاحقاً آية الله الخميني، ودفعتنا إلى أحضان صدام حسين. لقد أزحنا ديمقراطية برلمانية (في إيران) في الخمسينات: على الأقل هذا ما أؤمن به».
ما لا يعرفه الرئيس كلينتون، أن نظام الخميني الذي يعجب به أيما إعجاب لا يعامل محمد مصدّق إطلاقاً كبطل وطني، بل يكيل عليه مختلف الافتراءات. وكان من الخطوات الأولى التي اتخذها الملالي بعد استيلائهم على الحكم إزالة اسم مصدّق عن أحد شوارع طهران.
- بوش الابن... ثم أوباما
بعد دخول جورج بوش الابن البيت الأبيض، فإنه انشغل تماماً بملفي أفغانستان والعراق لدرجة أنه لم يهتم كثيراً بشؤون إيران. ولكنه، مع هذا، حاول خلال فترته الرئاسية الثانية إقناع الملالي بتغيير سلوكهم. وزيرة خارجيته كوندوليزا رايس أرسلت دعوة - كي لا نقول رسالة توسّل – إلى الملالي لـ«حوار بناء». غير أنهم ردوا بقتل أتباعهم والميليشيات التابعة لهم مزيداً من العسكريين الأميركيين في كل من أفغانستان والعراق. وبالتالي، لم يتصرف بصورة أفضل من أسلافه.
غير أن أحداً لم يفعل ما فعله باراك أوباما. لم يذهب أي رئيس إلى الحد الذي ذهب إليه أوباما في التقرب من الملالي.
حتى في العام 2009. عندما كانت ميليشيات نظام طهران تقتل الناس في شوارع المدن الإيرانية أيام الانتفاضة الشعبية الواسعة التي عمت البلاد، اختار أوباما تأييد الملالي. واعترف أوباما رسمياً بأن تقترب إيران من أن تغدو «دولة نووية» مقابل تنازلات مشبوهة ومشكوك بصدقيتها قدمتها طهران في إطار ما عرف بـ«الصفقة النووية» التي يدينها دونالد ترمب اليوم.
والحقيقة أن بين أهم أسباب سوء فهم طبيعة النظام الحالي في طهران هو رفض الاعتراف، على امتداد العقود الأربعة الأخيرة، بأن إيران تعاني من انفصام في الشخصية بين «الدكتور جيكل» الطيب و«المستر هايد» الشرير.
- الصورة والواقع
لا شك إطلاقا في جاذبية إيران كشعب وكثقافة. وفاليري جاريت، التي توصف بأنها المستشار الأقرب لأوباما تتذكر بحنين وإعجاب مدينة شيراز، العاصمة الثقافية الإيرانية و«فلورنسا الشرق»، حيث ولدت وترعرعت.
قبل الثورة، كانت شيراز، بعمارتها البديعة تزخر بالحدائق الغناء والطيبات والموسيقى، وكانت تستضيف مهرجاناً دولياً مرموقاً للفنون. كيف يمكن للمرء ألا يقع في هوى شيراز؟
إلا أن المدينة التي عملت فيها شقيقة جون كيري لسنوات، تنتصب فيها المشانق ويجلد المدانون في ساحاتها، وتغص سجونها بالمعارضين السياسيين والجماعات الدينية المغضوب عليها.
النجم السينمائي العالمي شون بن، زار إيران كمراسل غير متفرغ، وكتب تقارير مليئة بالإطراء. شاهد خلال زيارته أصفهان عاصمة إيران القديمة واعتبرها فردوساً أرضياً. ومثل بيل كلينتون، أعجب كثيراً بـ«التقدمية المدهشة» عند من التقاهم. إلا أن ما تجاهله أن إيران تتبوأ الصدارة في العالم في عدد الإعدامات والسجناء السياسيين. وحالياً هناك نحو 15000 رجل وامرأة محكومون بالإعدام وينتظرون الموت في السجون الإيرانية.
نجم سينمائي آخر هو جورج كلوني أغدق المدائح على السينما الإيرانية معتبراً إياها «وحدها الأصلية» في العالم. وبدوره، غض الطرف عن حقيقة أن الأفلام التي أعجب بها، وتشاهد في المهرجانات السينمائية العالمية ممنوعة من العرض داخل إيران، وكثرة من العاملين في قطاع السينما الإيرانية إما مسجونون أو منفيون أو ممنوعون من العمل في هذا القطاع.
- «الدولة»... و«الأداة»
جون كيري، وزير خارجية أوباما، معجب بإيران لأنه يعرف عنها عبر صهره الإيراني المتحدر من عائلة من الطبقة الوسطى في أيام ما قبل الثورة. إلا أنه يجهل أن عائلات كهذه كانت الأشد معاناة من إرهاب الخمينيين وقمعهم، وهذا هو السبب الذي جعلها - بما فيها عائلة صهره - تفر من البلاد للعيش في المنفى.
كـ«دولة - أمة» ليس لإيران مشكلة مع أحد، غير أنها كأداة للفكر الخميني لديها مشاكل مع الجميع، وعلى رأسهم الشعب الإيراني بالذات. والواقع أن النظام لا يخفي كراهيته الشديدة للثقافة الإيرانية، التي يعتبر أن جذورها في «عصر الجاهلية».
ومن ثم، فإن إعجاب كيري بالنظام بسبب الثقافة الإيرانية أشبه بالإعجاب بهتلر بسبب عبقرية غوثه وبيتهوفن، وستالين تقديراً لنبوغ بوشكين وتشايكوفسكي.
لقد أعدم النظام الإيراني عشرات الألوف من الإيرانيين، ودفع نحو ستة ملايين منهم إلى المنافي، وحرم البلاد من حرياتها السياسية. فضلاً عن ذلك، قتل من الأميركيين - بسلاح أتباعه وميليشياته – أكثر مما قتل تنظيم «القاعدة» يوم 11 سبتمبر (أيلول) 2001. ولم يمر يوم من دون أن هناك في قبضته أسرى ورهائن أميركيين وغير أميركيين.
ثم إن النظام نفسه لا يخفي دوره في دعم وإسناد الانقلاب الحوثي في اليمن. وتزعم وكالة «فارس» للأنباء، التابعة للحرس الثوري، أن الحوثيين «يمثلون جزءاً من حركة مقاومة عالمية» تقودها طهران. أما صحيفة «كيهان»، المعبرة عن مواقف «المرشد الأعلى» علي خامنئي، فتزعم أن البحرين جزء من إيران «تخلى عنها» الشاه، ولا بد من استعادتها.
وبما يخص لبنان، فإن الجنرال قاسم سليماني، الرجل المولج بـ«تصدير الثورة»، فلقد حوّل لبنان – حسب كلامه – إلى «دولة مقاومة» تديرها إيران. في حين تباهى آية الله علي يونسي، أحد كبار مستشاري الرئيس حسن روحاني، بأن إيران تتحكم راهناً بأربع عواصم عربية هي: صنعاء وبغداد ودمشق وبيروت. ورغم أن في هذا التباهي شيئا من المبالغة، فإنه يعطي في أي حال صورة عن نمط تفكير حكام إيران الحاليين.
المحلل الإيراني ناصر زماني في تعليق له قال أخيراً «اللوبيات المؤيدة لنظام طهران في الغرب تقوم بعمل مؤذ لكل من إيران وللدول الديمقراطية حيث يعيشون. إنهم يشجعون أوهام نظام طهران التي زجت البلاد في مأزق تاريخي». إلا أن هذا الكلام لا يختصر الحالة ككل.
فناشطو هذه «اللوبيات» يعملون فعلياً على إحباط أي فرصة قد تستغلها القوى الكبرى لاعتماد سياسة تساعد إيران، وتقنعها باستعادة هويتها كـ«دولة – أمة»، والتصرف على هذا الأساس بحيث تطوي صفحة ثورة أغرقت إيران وجزءاً كبيراً من الشرق الأوسط في الفتن والاضطراب.


مقالات ذات صلة

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

حصاد الأسبوع آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي.

إيلي يوسف (واشنطن)
حصاد الأسبوع صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة…

براكريتي غوبتا (نيودلهي)
حصاد الأسبوع من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة،

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
حصاد الأسبوع اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة،

حمزة مصطفى ( بغداد)
حصاد الأسبوع  تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته

إيلي يوسف ( واشنطن)

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».