رغيف المصريين... «الناجي الوحيد» من «قطار الإصلاحات»

رغيف المصريين... «الناجي الوحيد» من «قطار الإصلاحات»

الحكومة تمسكت بتثبيت سعر المكون الرئيسي لمائدة المواطنين
الأربعاء - 6 شوال 1439 هـ - 20 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14449]
سيارات تتزود بالوقود من إحدى المحطات في القاهرة أمس (رويترز)
القاهرة: محمد نبيل حلمي
يتفق المصريون وحكوماتهم المتعاقبة منذ «انتفاضة الخبز» في سبعينات القرن الماضي على أن رغيف الخبز، المدعوم والذي يباع بخمسة قروش، عامل رئيسي لاستمرار العيش المستقر في البلاد، لدرجة بات اسمه المعتاد على ألسنة المواطنين هو «رغيف العيش».

وهذه العلاقة السابقة بين المصريين والخبز، ربما قد تفسر أسباب نجاة «رغيف الخمسة قروش» (الجنيه يساوي 100 قرش) من الإجراءات الحكومية المتواصلة، والتي زادت وتيرتها مؤخراً في إطار ما تسميه الحكومة بخطة «الإصلاح الاقتصادي».

وكانت أحدث مراحل تلك الإجراءات قرار زيادة أسعار المحروقات، التي تعتمد عليها المخابز في إنتاج نحو 275 مليون رغيف يومياً في كل المحافظات المصرية، ليستفيد منها نحو 80 مليون مصري، يمتلكون بطاقات تموينية لصرف السلع المدعمة، بحسب بيانات وزارة التموين.

في شارع «خاتم المرسلين» بمنطقة العمرانية الشعبية المكتظة بالسكان داخل محافظة الجيزة، كان مختار حامد، وهو رجل خمسيني، يشق طريقه المعتاد صباحاً للحصول على حصته اليومية من أرغفة الخبز المخصص لأسرته، المكونة من خمسة أفراد.

اعتاد حامد المشي إلى المخبز الأقرب لمنزله. لكن بسبب متاعب السكري اضطر الرجل، الذي يعمل بوظيفة إدارية في مدرسة حكومية لركوب «توك توك» (دراجة نارية شبه مغطاة تعمل بثلاث عجلات) لمسافة قريبة، غير أنه فوجئ بزيادة رفعت ثمن الركوب إلى خمسة جنيهات، أي بزيادة جنيهين عن الأسعار التي كانت معتمدة قبل الزيادة في ثمن المحروقات.

وفي حين تقول الحكومة إنها وضعت تعريفة رسمية وملزمة لكافة وسائل النقل، تبدو وسائل النقل الداخلية، وفي مقدمتها «التوك توك»، خارج نطاق الرقابة، إذ إن السلطات المحليات لا تعترف به كوسيلة نقل، وترفض منح غالبية سائقيه رخصة للعمل، لكن هذا لم يحل دون انتشاره.

يقول حامد لـ«الشرق الأوسط» إن «استمرار سعر الخبز مقابل خمسة قروش أمر جيد بالنسبة لغالبية المصريين، الذين لا تخلو وجباتهم من (العيش)، لكنه لا يمكن أن يكون مصدراً وحيداً للتغذية». وأضاف بنبرة متأثرة «بصراحة لا أعرف هل أشعر بالسعادة لثبات سعر الخبز... أم أغضب لأنني أدفع الفارق وربما أكثر في وسيلة مواصلات واحدة اضطر أحياناً لركوبها لشرائه؟».

والمصريون هم من أطلق إبان «ثورة 25 يناير» هتافهم الأشهر «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية»، وكان كثيراً ما يتندر المشتغلون بالعمل السياسي في تسعينات القرن الماضي بأن مفتاح استقرار نظام مبارك هو «العيش والفول»، كما عرفت مصر عام 1977 «انتفاضة الخبز»، التي جاءت كرد فعل على قرار الرئيس الراحل أنور السادات رفع الدعم جزئياً عن بعض السلع، وزيادة سعر رغيف الخبز.

صحيح أن إجراءات «الإصلاح» الأخيرة طالت تأثيراتها «الصعبة» - وفق إقرار الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة - قطاعات واسعة من الخدمات. فمن زيادة أسعار الكهرباء والمياه، إلى تراجع قيمة الجنيه أمام الدولار (الدولار يساوي 17.8 جنيه)، ووصولاً إلى معدل تضخم غير مسبوق تجاوز 30 في المائة، لكن مع ذلك فإن سعر الرغيف ظل على ما هو عليه.

وزارة التموين المسؤولة عن ملف الخبز والسلع المدعمة، تقول بدورها إن الحكومة «تحملت فارق سعر السولار بما يضمن تثبيت سعر الرغيف للمواطن عند 5 قروش، على أن تتولى سداد فارق تكلفة إنتاج الخبز في الحسابات البنكية لأصحاب المخابز بعد خصم 5 قروش، التي يسددها المواطن مقابل كل رغيف».

وبسبب الإقبال الكبير للمصريين على الخبز، تستهلك البلاد سنويا 14.6 مليون طن من القمح، بينها 9.6 مليون طن مخصصة لإنتاج الخبز المدعم، وقد أعلنت الحكومة أمس أنها اشترت 3.4 مليون طن من إنتاجها المحلي من القمح منذ بداية الموسم الحالي، فيما تعتمد في تغطية الفارق على الاستيراد، الذي يضع القاهرة بين أكبر المستوردين للقمح في العالم.

وإذا كانت شريحة غير قليلة من المصريين، البالغ تعدادهم 104 ملايين نسمة، تعتمد على شراء الخبز المدعم من المخابز، فإن قطاعا آخر لا يستهان به يكاد يركز استهلاكه للخبز على سوق أخرر موازية خاصة، يتمثل فيما يعرف بالمخابز «السياحية الفاخرة»، التي تبيع الرغيف الواحد متوسط الحجم بخمسين قرشاً والكبير بجنيه.

يقول محمد رجب، وهو مسوق بيع عقارات في شركة خاصة، يقيم في منطقة «حدائق الأهرام» جنوب الجيزة (متوسطة المستوى المعيشي)، إنه لا يكاد يستخدم «العيش» المدعم لعدم امتلاكه بطاقة تموينية، ويشرح الرجل الثلاثيني الذي يعول طفلة وحيدة، ذلك بقوله: «هناك تعقيدات روتينية ترتبط بحصوله على بطاقة منفصلة».

ومع عدم تعويله على تأثير ثبات سعر رغيف الخبز عليه بشكل شخصي، فإن رجب يشير إلى أنه «إجراء مهم للمستفيدين منه، لكنه يجب أن يوازيه ميزة أخرى لقطاع كبير يتركز فيمن يعملون بالقطاع الخاص، والذي لا تستطيع الحكومة إلزام القائمين عليه بزيادة سنوية ترتبط بمعدلات التضخم، في حين تقرر زيادة سنوية واستثنائية للقطاع الحكومي، صاحب معدلات الدخل المتدنية هو الآخر».
مصر أخبار مصر

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة