فاسكيز: الطريقة الوحيدة لكشف أكاذيب السياسيين هي رواية قصصنا

الروائي الكولومبي قال لـ «الشرق الأوسط» إن هناك فجوة بين الثقافة العربية والثقافات الأخرى

الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
TT

فاسكيز: الطريقة الوحيدة لكشف أكاذيب السياسيين هي رواية قصصنا

الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز
الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز

القصة وراء «شكل الأطلال»، أحدث روايات الكاتب الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز (1973)، غير قابلة للتصديق إلى حد يجعل من الصعب اعتبارها حقيقية حتى لحظة قراءتها؛ وفي تلك الرواية يلعب المؤلف شخصية رئيسية في الحبكة الدرامية.
حقق الكولومبي خوان غابرييل فاسكيز (1973)، الذي يجمع أسلوبه النثري بين الفلسفة والتأملات والتاريخ والجماليات، حضوراً ملحوظاً في العالم الأدبي بفضل أعماله الإبداعية التي سيستعيد معظمها الأيام المعقدة والعنيفة التي عاشتها كولومبيا بسبب تهريب المخدرات، وما ارتبط بها من عنف سياسي في ثمانينات القرن العشرين. وانتشر فاسكيز عالمياً بعد صدور روايته «صوت الأشياء المتساقطة». وقد صدرت له أخيراً رواية «شكل الأطلال».
هنا حوار معه حول أعماله، وروايته الأخيرة، وتجربته الروائية عموماً:
> أولاً، هل أنت مطلع على السرد العربي العربي؟
- نعم، وإن كان اطلاعاً ضعيفاً. الـ«ثلاثية» لنجيب محفوظ من الأعمال الأدبية التي لطالما كانت مهمة بالنسبة لي دوماً. وعموما، أعتقد أن هناك فجوة تثير الأسى في التواصل بين الثقافة العربية وثقافات البلدان الأوروبية وغيرها، وبخاصة في مجال الرواية. أعتقد أنه على الروائيين البدء في قراءة المزيد عن بعضهم بعضاً.
> هل تعتقد أن للأدب العربي تأثيراً على الأدب اللاتيني؟
- أعتقد أن النسخة الشهيرة من كتاب «ألف ليلة وليلة» كان لها تأثير كبير على غارسيا ماركيز بوجه خاص، وأيضاً على فكرة محددة في الأدب الروائي لأميركا اللاتينية بوصفه نوعاً من الأعمال التي تتسع لكل شيء. ونظراً لأن الرواية التقاء لقصص مختلفة، أعتقد أنه يمكن قراءة «ألف ليلة وليلة» كرواية تصويرية عظيمة مكونة من أحداث مختلفة، وتتضمن بعض الشعر الصوفي، لكن ليس أكثر من ذلك. ربما يكون لها وجود خفي سري لا أعرفه في نفوس المؤلفين، لكن ذلك بسبب جهلي أكثر منه لأي سبب أخر.
> لقد جعلت من تهريب المخدرات والاغتيالات السياسية خلفية لعرض القصص. هل تعتقد أن هذا يثير اهتمام الجمهور؟
- أعتقد أن الموضوعات التي تتناولها رواياتي تستكشف ما وراء الحكايا السياسية والاجتماعية والتاريخية التي تذكرها. نعم، تسلط الروايات الضوء على شكل الحياة في بوغوتا في زمن الإرهاب المرتبط بتهريب المخدرات، وذلك في رواية «صوت الأشياء المتساقطة»، كذلك تعالج الروايات موضوعات مثل جرائم قتل شكّلت القرن العشرين في كولومبيا كما جاء في «شكل الأطلال». لكنها في الحقيقة، تيمات كونية؛ فهو الخوف في «صوت الأشياء المتساقطة»، حيث يتم تصوير الخوف من العنف غير المتوقع، وعدم القدرة على تحمل فقدان الأشخاص الذين نحبهم. إنها أمور تثير قلق الشخصيات كما في رواية «شكل الأطلال». أعتقد أن هذه الأفكار قد تثير اهتمام القراء، ومن العرب بالطبع؛ لأن كل الشعوب لديها هذه القواسم المشتركة.
> إذن، نستطيع أن نقول إنك تنطلق غالباً في روايتك من أحداث واقعية؟
- لطالما كانت رواياتي متجذرة في الواقع، ولها نقطة بداية توثيقية للغاية، فقد ولدت رواية «صوت الأشياء المتساقطة» من لقاءات بيني وبين طيارين هرّبوا مخدرات إلى الولايات المتحدة في السبعينات. وأنطلق أيضاً من ذكرياتي المباشرة لشكل الحياة في كولومبيا خلال السنوات الممتدة من مقتل لارا بونيلا حتى وفاة بابلو إسكوبار.
تدور أحداث روايتي «شكل الأطلال»، وهي الأحدث، حول مقتل الزعيمين السياسيين الكولومبيين خورخي إلييثير غايتان، ورافائيل أوريب، لكن الرواية بالنسبة لي ولدت حين دعاني طبيب، له شخصية فضولية جداً ومقيم في العاصمة الكولومبية بوغوتا، إلى بيته وأراني فقرة عظمية لغايتان كانت في وعاء مملوء بالفورمالدهيد، وجزءاً من جمجمة رافائيل أوريب محفوظتين في منزله. لماذا كان يحتفظ بتلك الأشياء في منزله، وكيف وصلت إليه؟ لماذا يمكن لشخص مدني عادي أن يمتلك تلك الأشياء؟ هذا هو أصل الرواية. لذا؛ دائماً ما تستند الروايات إلى حقائق مادية واضحة، عادة ما تكون مرتبطة بتجربتي الشخصية. إنها روايات تتحدث عن التاريخ والماضي، لكنها دائماً ما تولد من رحم التجربة المباشرة.
> حيث إنك تتحدث عن أحدث رواياتك، لقد اخترت أن يكون المؤلف شخصية من شخصيات الرواية. لماذا استخدمت هذه التقنية، وكيف يختلف الكاتب لديك في الرواية عن الكاتب الحقيقي؟
- كان هذا بسبب القصة التي أخبرتك بها، التي تمثل أصل الرواية، وهي أن رجلاً اقترب مني في عيادة ودعاني إلى منزله ليريني عظاماً لموتى كولومبيين. كان هذا قوياً ومؤثراً للغاية، وأعتقد أن غريزة الرواية وجهتني نحو تقديم شخصية راوٍ يكون على سبيل المثال صحافياً، ومنحه اسماً آخر وإخباره بأن لديه عظاماً لموتى كولومبيين. لقد أردت إخبار القارئ بما حدث بالفعل، لكن تزامنت تلك اللحظة في حياتي مع مولد ابنتَي التوأم، وكان هذا مهماً لأنها كانت ولادة مبكرة، وقضيتا وقتاً طويلاً في الحضّانة. لقد حضرت إلى العيادة لأحملهما وكنت أقول إني لمست بتلك اليدين أيضاً فقرة عظمية لغايتان. ما الذي يعنيه هذا؟ لقد بدا لي أن هناك سؤالاً، هو: هل سترث الفتاتان عنف ماضي كولومبيا؟ لقد ولدت بعد 25 عاماً من موت غايتان، لكني شعرت طوال حياتي بأن مقتل غايتان قد شكّل حياتي. كان هذا السؤال شخصي للغاية إلى حد دفعني إلى أن أجعل الراوي أنا شخصياً.
> بعد اتفاق السلام حدث استقطاب في كولومبيا، ما الدور الذي يمكن للمفكرين الاضطلاع به خلال فترة ما بعد الصراع؟
- يرتبط جزء مهم جداً من الصحة النفسية للبلاد باستعادة الحوار المجتمعي الذي تقوّض بالكامل لأنه فسد وتلوث بشكل غير قابل للإصلاح نتيجة العنف اللفظي، والخطاب، وتدهور النقاش المجتمعي بسبب إساءة استخدام مواقع التواصل الاجتماعي. للأسف، لقد أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة لنشر الأكاذيب والمعلومات المضللة، ويقودني هذا إلى مسألة أخرى مهمة هي هوسي حالياً بالسياسة الكولومبية: السيطرة على ما نسميه القصة. إنها تلك القصة التي نرويها عن حياتنا وتجربتنا، والتي نحاول من خلالها فهم أنفسنا، وموقعنا في العالم.
خلال السنوات القليلة الماضية تمحورت القصة في كولومبيا حول السلام. السلام بعد نهاية نصف قرن من الحرب. لذا؛ أثار ذلك عدداً لا يحصى من النقاشات؛ لأن القصة التي تصف الحرب من منظور ضحية للجماعات شبه العسكرية، ليست هي نفسها التي يرويها ضحية حروب الشوارع، ولا تشبه القصة التي يرويها أحد سكان بوغوتا، تلك التي يرويها أحد سكان المناطق المنسية. نروي جميعاً الكثير من القصص المتباينة. ويحاول السياسيون أن يقنعونا بأن هناك طرفاً هو الكاذب، وأن قصتهم هي الحقيقية. في تلك النقطة نتدخل كصحافيين ومؤرخين وروائيين. أعتقد أن علينا مسؤولية محاولة إتاحة مساحة تتسع لجميع القصص وذلك باستخدام كلماتنا. علينا العثور على قصة مشتركة، أو إتاحة مساحة يمكننا فيها التعرف على الحقيقة الموجودة في قصص الآخر، والقصص التي يرويها لنا الآخرون. هذه هي الطريقة الوحيدة للتصدي إلى الأكاذيب التي حاول السياسيون من خلالها تشويه إدراكنا للعالم والواقع.
> كيف هو حال أدب أميركا اللاتينية اليوم مقارنة بفترة الازدهار؟ هل هناك فترة ازدهار أخرى؟
- لا، لا يمكن أن تحدث فترة ازدهار أخرى، مثلما لا يمكن أن تكون هناك ساعة «بيغ بين» أخرى. مع ذلك؛ هناك جيل من الكتّاب اليوم يستفيد بشكل كبير مما حدث في فترة ازدهار أميركا اللاتينية. إنهم يضعون أدب أميركا اللاتينية في المركز بشكل يتميز عن الأدب المكتوب باللغة الإسبانية الذي بات يمثل مركز عالم الأعمال الأدبية منذ نشر رواية «دون كيخوته» عام 1605.
فجأة نجد غارسيا ماركيز، وخوليو بورغيس، وخوان رولفو، وفارغاس يوسا، يؤلفون أعمالاً أدبية تحدث تأثيراً مباشراً، ليس فقط على القرّاء، بل على الأدب المكتوب في أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، والشرق الأوسط. أعرف مؤلفين يقولون إنهم لم يكونوا ليستطيعوا كتابة رواياتهم لولا قراءتهم لرواية «مائة عام من العزلة». اللغة الإسبانية، والنوع الأدبي الذي ورثته مصدره هو «مائة عام من العزلة»، و«محادثة في الكاتدرائية» ليوسا، وهذا الأمر يقدم ثراءً كبيراً. أعتقد أن هناك مجموعة من المؤلفين، وأنا منهم، لا يحتاجون إلى فترة ازدهار للعثور على أميركا اللاتينية في الكلمات، بل يصنعون الازدهار بأنفسهم، ويستكشف بعضنا الماضي طريقةً لفهم الحاضر، مثلما استكشف من قبلنا تاريخ بلادنا. يمكن للورثة التركيز على القصص الخاصة جداً، لكننا جزء من تقاليد ثرية للغاية. لطالما أقول إن ما أتميز به عن غارسيا ماركيز هو أني عندما بدأت تأليف كتبي كان غارسيا ماركيز قد انتهى من تأليف أعماله، إنه لم يكن يعرف ماركيز، بل كان عليه أن يصبح ماركيز. لذا؛ اللغة التي وصلتني كانت أكثر ثراءً، وهذه ميزة، وحظ موفق.
> ما الذي تعكف على كتابته حالياً؟
- أنا أيضاً أتساءل عن هذا الأمر. تظل رواياتي داخلي لسنوات كثيرة قبل أن أبدأ في كتابتها. ظلت رواية «صوت الأشياء المتساقطة» تتكون لمدة عشر سنوات. في هذه اللحظة بداخلي رواية قابعة منذ خمس سنوات، وأخرى منذ ثلاث سنوات، وأحتاج إلى واحدة منهما لتكون الرواية التالية. هناك أمر غير عقلاني؛ هوس يملي عليّ الرواية التالية. كل ما يسعني قوله الآن هو أن هناك قصة عن الجنود الكولومبيين الذين شاركوا في الحرب الكورية. ربما تكون تلك هي الرواية القادمة.
> ما هي كلمتك المفضلة في اللغة الإسبانية؟
- «أزول» (أزرق)، التي لها جذور في اللغة العربية. هناك كلمة أخرى تشبهني حقاً هي كلمة «هيستوريا» (التاريخ)؛ لأنه في اللغة الإسبانية، على عكس اللغة الإنجليزية، تشير هذه الكلمة إلى قصة نرويها أو مجال دراسة الماضي وأنا أحب هذا الأمر. أحب الخلط بين الأمرين في اللغة الإسبانية.
> هل لك أن توصينا بقراءة أعمال لمؤلف من أميركا اللاتينية؟ أعلم بدراستك الرصينة لفارغاس يوسا.
- عندما كنت في العشرين من عمري أردت أن أصبح يوسا حين أكبر. هناك جيل جديد من كتّاب القصة القصيرة مثل سامنثا شويبلين من الأرجنتين، وفاليريا لويزيلي من المكسيك، له قصص قصيرة رائعة. إنهم ورثة مذهلون لما تركه كل من كارلوس فوينتس، وخوليو كورتاثر وبورخيس.
> هل يمكنك التوصية بكتاب نقرأه من كتبك؟
- «صوت الأشياء المتساقطة» من الكتب التي يتزايد عدد قرائها في العالم؛ لأنه يتناول قضايا ومسائل ذات طابع عالمي، وفي الوقت نفسه تمثل جزءاً من تاريخ كولومبيا، وهي في المجال العام أيضاً.


غلاف روايته «شكل الأطلال» بالإنجليزية



ولية عهد النرويج تظهر في مناسبة رسمية وهي تحمل أنبوب أكسجين

الأميرة ميت ماريت تحمل أنبوب الأكسجين (إ.ب.أ)
الأميرة ميت ماريت تحمل أنبوب الأكسجين (إ.ب.أ)
TT

ولية عهد النرويج تظهر في مناسبة رسمية وهي تحمل أنبوب أكسجين

الأميرة ميت ماريت تحمل أنبوب الأكسجين (إ.ب.أ)
الأميرة ميت ماريت تحمل أنبوب الأكسجين (إ.ب.أ)

ظهرت ولية عهد النرويج، الأميرة ميت ماريت، في مناسبة رسمية وهي تحمل أنبوب أكسجين لأول مرة.

وأظهرت صور من وكالة الأنباء النرويجية (إن تي بي)، الجمعة، ميت ماريت وهي تحمل أنبوباً، يُعْرف باسم «قنية أنفية»، وهو جهاز يُستخدم لتوصيل الأكسجين الإضافي للمريض.

وكان سبب ظهورها حفل استقبال للمشاركين النرويجيين في دورة الألعاب البارالمبية.

العائلة الملكية النرويجية تقيم حفل استقبال للرياضيين المشاركين في دورة الألعاب البارالمبية (د.ب.أ)

وحضر أيضاً ولي عهد النرويج، الأمير هاكان وابنا الزوجين، الأميرة أنجريد ألكسندرا والأمير سفير ماجنوس أيضاً الحدث في القصر الملكي في أوسلو.

وكانت ميت ماريت تعاني من مرض التليف الرئوي، وهو مرض لا شفاء منه، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويسبب هذا المرض تندب (تليف) أنسحة الرئة؛ ما قد يؤدي إلى ضيق في التنفس من بين أعراض أخرى.


أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)
ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)
TT

أحمد حلمي: الموهبة وحدها لا تكفي... والاستمرار هو التحدّي الحقيقي

ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)
ياسر السقاف يحاور أحمد حلمي في جامعة عفت (الشرق الأوسط)

في جلسة اختلط فيها البوح الإنساني بالتجربة الفنّية، بدا الفنان المصري أحمد حلمي أقرب إلى حكّاء يستعيد تفاصيل رحلته، وليس نجماً يستعرض إنجازاته. على مسرح جامعة عفت بجدة (غرب السعودية)، حيث يتقاطع الحراك الثقافي مع جيل جديد من صنّاع السينما، تحوَّلت الجلسة إلى درس مفتوح في المعنى، أكثر منها حديثاً عن النجومية.

منذ اللحظة الأولى، بدا واضحاً أنّ الحديث لن يكون تقليدياً. قُدّم حلمي على أنه «فنان رسم الضحكة على وجوه جمهور عربي كامل»، لكن ما كشفه كان أبعد من ذلك، إذ تراءى سرداً لتجربة تشكّلت من المصادفة والتعثّر والوعي.

جدة... الذاكرة الأولى

يبدأ حلمي من جدة، التي يراها جزءاً من تكوينه. عاش فيها سنوات الطفولة والمراهقة، وهي المرحلة التي «بُني فيها جزء كبير من شخصيته»، وفق وصفه.

ويستعيد زمناً لم تكن فيه صناعة السينما حاضرة، حيث كان الفنّ يُشاهد عبر أشرطة الفيديو. اليوم، يرى المشهد مختلفاً، مع وجود مؤسّسات تعليمية ومهرجانات، مشيراً إلى أنّ ما يحدث هو «بداية تشكل هوية»، وليس مجرّد حراك عابر.

المصادفة... نقطة البداية

يروي حلمي مشهداً حاسماً من طفولته: طفل يقف في شارع بالقاهرة، يشاهد طلاباً يحملون أدوات فنّية، فيتمنى أن يكون واحداً منهم. تمرّ السنوات، ليجد نفسه أمام المكان ذاته، وكأنّ الحلم لم يغادره.

ورغم تعثّره دراسياً، إذ حصل على مجموع لم يؤهّله لمسار واضح، قادته المصادفة إلى أكاديمية الفنون، إذ تغيَّر مساره بالكامل، وتفوَّق على آلاف المتقدّمين. هنا، لا يقدم القصة نموذج نجاح تقليدياً، وإنما دليل على أنّ الطرق لا تُرسم دائماً بخطّ مستقيم.

ويستعيد حلمي لحظة فوزه بجائزة مدرسية عبارة عن آلة حاسبة و«خلاط». تفصيلة تبدو عابرة، لكنها كانت بالنسبة إليه أول اعتراف بموهبته، وبداية إحساسه بأنه قادر على أن يكون «فناناً».

حين تختبرك الحياة

لا يخلو حديث حلمي من الصدمات، إذ يكشف أنّ أكبر موقف واجهه لم يكن في الفنّ، بل في حياته الشخصية، حين كاد زواجه بالفنانة منى زكي أن يتوقّف يوم الفرح. ففي اللحظات الأخيرة، رفض والد العروس إتمام الارتباط، قبل أن تتدخّل جدتها لإقناعه، ليُستكمل الزواج في النهاية. يرويها بوصفها إحدى مفاجآت الحياة التي قد تعترض الطريق قبل أن تعود الأمور إلى مسارها.

تحدّي الاستمرار وعدم كفاية الموهبة

يصف حلمي المجال الفنّي بأنه مساحة بلا قواعد ثابتة، لا يمكن التنبؤ بمساراتها. ويؤكد أنّ التحدّي الحقيقي ليس في البداية، بل في الاستمرار، خصوصاً مع تغيُّر الأجيال وتبدُّل الأدوار. هنا، يصبح الوعي هو الأساس: أن يعرف الفنان موقعه ويدرك طبيعة التحوّلات من حوله.

في خلاصة تجربته، يقدّم حلمي فكرة محورية: الموهبة وحدها لا تكفي. ويُشبّهها بجذر شجرة يحتاج إلى رعاية حتى ينمو. قد تكون موجودة، لكنها تظلّ خاملة إن لم تُنمَّ. ومن هنا، تصبح الاستمرارية شرطاً لظهورها، لا بديلاً عنها.

ويرى أنّ الشخصية لا تُخلق أمام الكاميرا، بل تُبنى عبر سنوات من المعايشة والفهم. فالممثل، في نظره، لا يؤدّي الدور بقدر ما يستدعي مخزوناً من التجارب، وهو ما يمنح الأداء صدقه.

وعلى عكس المتوقع، يرى أنّ الكوميديا أصعب من الدراما، لأنها مرتبطة بإيقاع متغيّر. فما يُضحك في زمن قد لا يُضحك في زمن آخر، ممّا يجعلها فناً يتطلَّب حساسية دائمة تجاه التحوّلات.

وفي حديثه لـ«الشرق الأوسط» عن السعودية، يرى حلمي أنّ السينما أداة لصناعة الهوية أو التعبير عنها. ووجود التعليم السينمائي والمهرجانات يعكس بداية بناء حقيقي، قد يقود إلى حضور تنافسي إذا استمر هذا الزخم.

الشهرة والنجاح... معادلة معقّدة

ويصف الشهرة بأنها «سلاح ذو حدين»، تمنح الحبّ لكنها تحدّ من الحرّية. أما النجاح، فيحذر من الانشغال به، مشيراً إلى أنّ «الانتباه له قد يكون بداية الفشل». لذلك، يتعامل مع نفسه وكأنه لم يصل بعد، حفاظاً على دافعه للاستمرار. ثم يعرّف الفنّ بأنه لقاء مع المشاعر، لا مجرّد رسالة مباشرة. أن تجعل الإنسان يضحك أو يبكي أو يتأثر... هذا، في نظره، هو جوهر التجربة الفنّية.

رحلة تتقاطع مع التعليم وصناعة المستقبل

في ختام اللقاء، تتضح أهمية هذه التجربة في سياقها التعليمي، إذ أكدت رئيسة الجامعة الدكتورة هيفاء جمل الليل أن استضافة أحمد حلمي تُمثّل فرصة مُلهمة للطلاب للاطّلاع على تجارب واقعية في صناعة السينما، وفهم دور الفنّ في بناء الوعي والتأثير المجتمعي، مشيرة إلى حرص الجامعة على ربط التعليم بالممارسة المهنية وفتح قنوات التواصل مع رموز الإبداع في العالم العربي.

بدوره، أوضح رئيس مدرسة الفنون السينمائية الدكتور محمد غزالة أنّ الزيارة تُمثّل جسراً بين ما يُدرَّس داخل القاعات الدراسية وما يحدث في سوق العمل، لافتاً إلى أنّ تجربة حلمي تُقدّم نموذجاً مهمّاً في بناء مسار فنّي قائم على التنوّع والقدرة على التحوّل، بعيداً عن النجومية السطحية.

وبين جدة والقاهرة، بين المصادفة والتخطيط، يُقدّم أحمد حلمي تجربته بوصفها رحلة مستمرة لا محطة نهائية. رحلة تبدأ بحلم بسيط، وتستمر بحقيقة واحدة: الموهبة موجودة... لكن لا بدَّ أن تُسقَى.


«إشعار بالموت»... بطولة سينمائية أولى وأخيرة لبهاء الخطيب

من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)
من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)
TT

«إشعار بالموت»... بطولة سينمائية أولى وأخيرة لبهاء الخطيب

من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)
من كواليس تصوير الفيلم (حساب المخرج على «فيسبوك»)

يُسجِّل الفيلم السينمائي المصري «إشعار بالموت»، الذي استقبلته الصالات مؤخراً، البطولةَ الأولى والأخيرة لبطله الممثل الشاب بهاء الخطيب، الذي تُوفي في أغسطس (آب) الماضي إثر أزمة صحية، عقب الانتهاء من تصوير الفيلم.

«إشعار بالموت» من بطولة بهاء الخطيب، ويارا عزمي، وكارولين خليل، وهاجر الشرنوبي، وأيمن الشيوي، ويشهد ظهوراً شرفياً لعدد من الممثلين، منهم حمدي الوزير وعمرو عبد الجليل، وهو من تأليف وإخراج أحمد عادل عقل، ويُعد أول فيلم سينمائي يُطرح في الصالات المصرية في ظل مواعيد العمل الجديدة لدور العرض، التي شهدت إنهاءً مبكراً للحفلات قبل التاسعة مساءً.

تدور أحداث الفيلم حول «مروان»، الشاب الذي نشأ في ظروف عائلية صعبة رغم ثراء والده؛ إذ إن تعنيف الأب في التربية، متأثراً بالجد، ومحاولة الأم تدليله في الطفولة، ووفاتها مبكراً بعد إصابتها بالمرض، وزواج والده من قريبته التي استعان بها لتمريض زوجته في أيامها الأخيرة... كلها أمور تؤدي إلى إصابته بمرض نفسي.

وعبر تنقلات عدة بين «الفلاش باك» والحاضر، مع الارتكاز على لحظة وفاة والده وهو شاب، نتابع كثيراً من المواقف التي يمر بها «مروان»، الذي يعمل سائقاً لسيارة «مرسيدس» قديمة نسبياً عبر أحد تطبيقات النقل الذكي، خصوصاً بعد تعرّفه إلى «ريم»، الفتاة التي يقع في حبها، لكنه يخشى الاقتراب منها.

وفي الأحداث، نتابع مواقف عدة يمر بها مروان، سعياً منه لتطبيق ما يراه «عدلاً» في المجتمع، لكن الأمور تتفاقم وتكشف كثيراً من التعقيدات التي يواجهها، عبر علاقته مع «ريم»، التي يحاول ابن عمها «مدحت»، الذي يحبها، إبعاده عنها، في حين تظهر محاولته للتغيير من أجل الفتاة التي يحبها.

بطلا الفيلم في كواليس التصوير (حساب المخرج على «فيسبوك»)

وعلى مدار نحو ساعتين، نتابع الرحلات التي يقوم بها «مروان» ومن يلتقي بهم، مع رغبة في التخلص منهم، بسبب ما يعتقد أنها جرائم يرتكبونها في حق المجتمع، وهم أشخاص ينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة، في رحلة تكشف عمق المعاناة المرضية التي يعيشها.

وقال المخرج أحمد عادل عقل لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة العمل بدأت لديه قبل سنوات عدَّة، لكن العمل الفعلي لم يبدأ إلا بعد تعرّفه إلى منتج الفيلم محسن الشوادي، عن طريق زميله الراحل وبطل العمل بهاء الخطيب، مشيراً إلى أنهم طوّروا المعالجة، واستغرقوا وقتاً في الكتابة لتطوير السيناريو، حتى بدأوا تصوير النسخة السابعة، بوصفها الأكثر تطوراً، وكان لدى المنتج حماس للمشروع رغم صعوبته.

المخرج أحمد عادل عقل أمام الملصق الترويجي للفيلم في العرض الخاص (حسابه على «فيسبوك»)

ووصف مرحلة الكتابة بأنها كانت «مرهقة نفسياً وذهنياً»، نظراً لطبيعة الموضوع، مع حرصه على الاستعانة بمتخصصين؛ إذ عقد جلسات مع أطباء نفسيين، وزار «مستشفى العباسية»، لفهم طبيعة الأمراض النفسية بشكل دقيق، واستخدامها مرجعاً درامياً لتفسير سلوكيات البطل في الأحداث، مشيراً إلى أن النجوم الذين ظهروا ضيوفاً في العمل جاءت مشاركتهم دعماً لأبطال الفيلم من المواهب الشابة.

وأوضح عقل أن بناء الفيلم، خصوصاً على مستوى استخدام «الفلاش باك»، كان قائماً على تأسيس واضح في السيناريو، لضمان خدمة الموضوع بدقة، وبما لا يجعل المشاهد يشعر بالتشتت، وهو ما جرى دعمه بتوظيف الصورة وتقنيات الألوان بصورة تبرز ذلك.

وأكد عقل أنهم كانوا حريصين على إنهاء الفيلم بالصورة التي كان يتمناها بطل الفيلم الراحل، ليكون بمنزلة تخليد لمسيرته الفنية التي كان يأمل تحقيق الكثير فيها، لافتاً إلى أن عرض الفيلم في الصالات السينمائية تأخر بسبب رغبتهم في تنفيذ أعمال ما بعد التصوير بأفضل صورة.