حكومة «المشاريع الكبرى»... رهان السيسي في ولايته الثانية

توسّعت في تعيين نواب للوزراء... وحصة المرأة تتزايد

حكومة «المشاريع الكبرى»... رهان السيسي في ولايته الثانية
TT

حكومة «المشاريع الكبرى»... رهان السيسي في ولايته الثانية

حكومة «المشاريع الكبرى»... رهان السيسي في ولايته الثانية

أدت الحكومة المصرية الجديدة، يوم الخميس الماضي، اليمين الدستورية أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، وشملت تعيين 12 وزيراً جديداً، بينهم وزراء الدفاع والداخلية والمالية والطيران، إضافة إلى 15 نائباً للوزراء. وقال أحد المراقبين «أداء مصطفى مدبولي اللافت وزيراً للإسكان، ودوره في المشاريع الكبرى التي يجري الإعداد لها حالياً، جعلاه وجهاً مقبولاً لدى الرأي العام الذي يعول عليه كثيراً في تحقيق طفرة اقتصادية شاملة خلال السنوات المقبلة». ونوه بأن «ارتفاع أسعار السلع والخدمات، المرتبطة بخطة الإصلاح الاقتصادي، أصبح أمراً حتمياً وعلى الجميع أن يدرك ذلك، فهو غير مرتبط بشخص رئيس الوزراء».
آمال تحقيق نقلة اقتصادية ملموسة وتحسين الوضع الأمني، يراهن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مستهل ولايته الرئاسية الثانية، على الحكومة الجديدة برئاسة مصطفى مدبولي. ولقد صاحب الإعلان عن تشكيل الحكومة المصرية الجديدة حالة كبيرة من التفاؤل والأمل، رغم إجراءات اقتصادية مؤلمة تواصل الحكومة اتخاذها في إطار خطة شاملة لتقليل عجز الموازنة العامة.
ضم التشكيل الوزاري: الدكتور مصطفى مدبولي رئيساً لمجلس الوزراء، مع احتفاظه بحقيبة الإسكان والمجتمعات العمرانية، والفريق محمد أحمد زكي وزيراً للدفاع والإنتاج الحربي، والدكتور محمد معيط للمالية، والفريق يونس المصري وزيراً للطيران المدني، ومحمود شعراوي وزيراً للتنمية المحلية، واللواء محمود توفيق وزيراً للداخلية، والدكتورة هالة زايد وزيراً للصحة والسكان، والدكتورة ياسمين صلاح الدين عبد العزيز وزيرة للبيئة، والدكتور عز الدين أبو ستيت وزيراً للزراعة، والدكتور عمرو طلعت وزيراً للاتصالات، والدكتور أشرف صبحي للشباب والرياضة، والمهندس عمرو بيومي وزيراً للتجارة والصناعة، وهشام توفيق وزيراً لقطاع الأعمال العام.
كذلك احتفظ بقية وزراء حكومة المهندس شريف إسماعيل بحقائبهم دون تغيير في الحكومة الجديدة.
غير أن خبراء رأوا أن هذه الحكومة تميزت بملامح عدة، مما ينظر إليها بكثير من الرجاء لتلبية طموحات المصريين، من حيث طبيعة المرحلة المقبلة، ولجم الأسعار المتصاعدة، في حين رأى آخرون أنها جاءت بأجندة تتلخص في استكمال المشاريع الاقتصادية وجدولة ما تبقى من مراحل الدعم.

حقيبتا الدفاع والداخلية
عقب حلف اليمين الدستورية، أوصى الرئيس السيسي أعضاء الحكومة الجديدة التي بدت عليها ملامح شبابية، بأن مهمتها الأولى تتمثل في «تحسين حياة المواطنين، وضغط وترشيد النفقات، مع أهمية استمرار جهود مكافحة الفساد بأقصى طاقة، فضلاً عن تحقيق أقصى تعاون وتنسيق مع أجهزة الدولة ومجلس النواب، إسهاماً في التنفيذ الأمثل لبرامج وخطط الحكومة، وإنجاز التكامل المطلوب بين السلطتين التنفيذية والتشريعية».
وجاء لافتاً أن التشكيل الجديد للحكومة طال وزارات سيادية، تصدرتها وزارتان أمنيتان، هما الدفاع والإنتاج الحربي، والداخلية، الأولى يترأسها الفريق محمد أحمد زكي خلفاً للفريق أول صدقي صبحي، واللواء محمود توفيق لحقيبة الداخلية خلفاً للواء مجدي عبد الغفار، بالإضافة إلى المالية التي شغلها الدكتور محمد معيط.
الملمح الأهم في تغيير منصبي وزيري الدفاع والداخلية أن العادة جرت في الحكومات المصرية السابقة على الاستبقاء عليهما طويلاً. وعلى الرغم من تعيين صبحي نهاية مارس (آذار) عام 2014، وعبد الغفار مطلع الشهر ذاته من عام 2015، فإن التغيير الوزاري لم يستثنهما، علماً بأن الأول واكب محاربة الجماعات الإرهابية في محافظة شمال سيناء، والثاني تصدى لمخططات جماعة «الإخوان» في الداخل. ووصفت هذه الخطوة بأنها تجديد للدماء، ومنح الفرصة لوزراء آخرين يطرحون أفكاراً مبتكرة ورؤى جديدة. واللافت أيضاً أن الرئيس السيسي حرص على لقائهما قبل أن يصدر قراراً بتعيين صبحي مساعداً لرئيس الجمهورية لشؤون الدفاع، وعبد الغفار مستشاراً لرئيس الجمهورية لشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب.

للمرأة... «نصيب الأسد»
تحتفظ المرأة في حكومة مدبولي، التي يحلو للبعض تسميتها بـ«حكومة العيد»، بـ«نصيب الأسد»، إذ تمثل بـ11 سيدة. وتضم تشكيلة الحكومة الأولى في ولاية السيسي الثانية سيدتين جديدتين تحملان حقيبتين وزاريتين، هما الدكتور هالة زايد، وزيرة للصحة والسكان، والدكتورة ياسمين فؤاد وزيرة للبيئة.
ليس هذا فحسب، بل شمل التشكيل 3 نائبات وزير جديدات، هن: نيفين القباج نائبة لوزيرة التضامن للحماية الاجتماعية، وغادة مصطفى نائبة لوزير الإسكان للتخطيط والإصلاح الإداري، وراندا علي صالح نائبة لوزير الإسكان والمرافق، فضلاً عن الدكتورة منى محرز التي تشغل منصب نائب وزير الزراعة لشؤون الثروة السمكية، منذ فبراير (شباط) عام 2017. وفي المقابل، أبقى مدبولي على 5 وزيرات في حكومته، هن: الدكتورة سحر نصر وزيرة التعاون الدولي، والدكتورة غادة والي وزيرة التضامن الاجتماعي، والسفيرة نبيلة مكرم وزيرة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج، ورانيا المشاط وزيرة السياحة، والدكتورة هالة السعيد وزيرة التخطيط والإصلاح الإداري.
وفضلاً عن تمثيل المرأة الملحوظ في الحكومة، فإن الملمح الأبرز يتمثل في عنصر الشباب، إذ عد بعض المحللين والإعلاميين النزول بعمر رئيس وزراء مصر من 63 سنة إلى 52 سنة، وهو سن مدبولي، ملمحاً يدل على النزوع نحو جيل أكثر شباباً، فضلاً عن وجود وزير في الخمسين من عمره مثل أشرف صبحي الذي تولي حقيبة الشباب والرياضة.
ومن بين ما حملت حكومة مدبولي من ملامح، تغيير وزير التنمية المحلية اللواء أبو بكر الجندي الذي لم يمض على تعيينه شهور عدة، على خلفية «زلات لسان» أوقعته في مرمى انتقادات أعضاء مجلس النواب، لكنه ألقى باللائمة على وسائل الإعلام التي قال إنها ضخمت من سقطاته. ورغم كونه شغل منصباً رفيعاً تمثل في رئاسة الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فضلاً عن خلفيته العسكرية السابقة، فإن الوزارة الجديدة تجاوزته. ويبقى أن أبو بكر الجندي نفسه كان يتوقع خروجه من التشكيل الجديد، خصوصاً مع وجود الكثير من الأزمات التي وقعت خلال فترته.

نواب الوزراء... «الصف الثاني»
ينظر للحكومة الجديدة على أنها توسعت في إسناد مهام بنواب للوزراء، باختيار 15 نائب وزير، منهم 4 سيدات، مما يفتح الطريق أمامهم مستقبلاً ليكونوا وزراء، الأمر الذي وصفته المعارضة السياسية في البلاد بأنه من الأمور المحمودة في عصر السيسي، بالشكل الذي يوسع دائرة المشاركة، ويخلق كوادر جديدة من الشباب، وتمكينهم من اكتساب مهارات وخبرات وقدرة على تحمل المسؤولية. وعقب حلف الحكومة لليمين، قال النائب علاء عابد، نائب رئيس حزب «مستقبل وطن»، في تصريحات صحافية، إن «اختيار نواب للوزراء مؤشر لتأهيل صف وزاري ثان بهدف توزيع الأدوار في ظل عبء المرحلة، ووجوب سرعة التنفيذ والتغلب على البيروقراطية وإعداد كوادر ووجوه جديدة فاعلة».
وتعهد مدبولي عقب أداء اليمين بتحقيق المزيد من الشفافية والنزاهة وإعطاء الأهمية للفئات الأولى بالرعاية، وقال: «أولوية العمل ستكون على تحسين مستوى معيشة المواطنين، وزيادة كفاءة المنظومة الحكومية، والحفاظ على الأمن القومي المصري، وتعزيز دور مصر الرائد على الأصعدة العربية والأفريقية والدولية». وشدد على دعم الثقة مع المواطنين بالاهتمام بالملفات، والقضايا ذات التأثير المباشر على المواطن، وإنجاز المشاريع القومية.
مدبولي يتأهب لتقديم برنامج حكومته أمام مجلس النواب خلال ثلاثة أسابيع تقريباً، وسط مطالبات برلمانية بضرورة التزامها بترشيد الإنفاق، والابتعاد عن البذخ والإسراف، والعمل على ضبط الأسواق، ولجم تصاعد الأسعار، واستكمال ما تم من المشروعات القومية، وتعظيم الاستفادة من إدارة أصول الدولة، فضلاً عن وضع قاعدة بيانات حقيقية تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، والعمل على اتخاذ الإجراءات والبرامج التنفيذية في مواجهة أزمة الزيادة السكانية، فضلاً عن زيادة معدلات الإنتاج لتحقيق نهضة تنموية ملموسة، تنعكس آثارها في تحسين معيشة المواطنين.

الأمن والاقتصاد... أبرز التحديات
يأتي التحدي الأمني والإصلاح الاقتصادي وجذب الاستثمارات على رأس التحديات التي تواجه حكومة مدبولي. ومن المنتظر أن تطبق مصر مزيداً من إجراءات التقشف القاسية التي يساندها صندوق النقد الدولي في السنوات المقبلة في مسعى لتعزيز الاستثمارات وتوفير الوظائف في اقتصاد تعصف به اضطرابات منذ ثورة «25 يناير (كانون الثاني)» 2011. وستشمل إجراءات التقشف التي يقف وراءها صندوق النقد خفض دعم الوقود، وهو تحرك سيغضب على الأرجح قطاعات كبيرة من السكان الذين يجدون صعوبة بالفعل في الوفاء باحتياجاتهم.
من ناحية أخرى، تحاول مصر تعزيز الأمن، إذ يقاتل الجيش فرعاً لـ«داعش شبه جزيرة سيناء». وتنقسم الآراء بين الذين يرون أن البلاد باتت أكثر أمناً الآن مما كانت عليه قبل سنوات، ويأملون أن تجذب الإصلاحات الاقتصادية والاستقرار مزيداً من الاستثمارات الأجنبية والسياحة التي تشتد الحاجة إليها، وآخرين ينتقدون ما يعتبرونه تضييقاً على الحريات.
ويُشرف مدبولي بصفته وزيراً للإسكان أيضاً على أهم المشاريع القومية الكبرى التي دشنها الرئيس السيسي خلال ولايته الأولى، وينتظر استكمالها في الولاية الجديدة التي بدأت في يونيو (حزيران) الحالي ولمدة 4 سنوات، وأبرزها العاصمة الإدارية الجديدة، ومدينة العلمين الجديدة، ومدينة الجلالة، فضلاً عن اضطلاع وزارته بملف القضاء على العشوائيات في القاهرة، ما عده «مهندس المشاريع الكبرى» في مصر. وبدا مدبولي للجميع أخيراً، من خلال جهده الدؤوب والملموس شعبياً - خصوصاً في مشاريع الإسكان الاجتماعي التي أحدثت طفرة في حلم القضاء على العشوائيات - أنه يحظى بقدر كبير من ثقة الرئيس السيسي، ولقد أثنى الرئيس عليه غير مرة، وكذلك على أداء الوزارة في عهده.
أبو بكر الديب، الخبير في الشأن الاقتصادي، يقول إن التشكيل الوزاري الجديد «يفتح شهية المستثمرين، وينعش الاقتصاد»، موضحاً أن رئيس الوزراء الجديد تنتظره 10 تحديات، أهمها يتعلق بالملف الاقتصادي، كارتفاع الدين الخارجي وفوائده، وصعوبة تدفق الاستثمارات الخارجية، ومشكلة الزيادة السكانية، واستكمال المشروعات القومية التي بدأها الرئيس السيسي خلال فترة ولايته الأولى كمشاريع الطرق والبنية التحتية وزيادة الإنتاج، وتحسين التعليم والتموين والصحة، ومواجهة ارتفاع الأسعار وارتفاع عجز الموازنة العامة وعجز ميزان.

مزايا مدبولي
ويوضح الديب أن مدبولي يعد من أقدم الوزراء الموجودين حالياً، وذلك منذ تكليف المهندس إبراهيم محلب له في عام 2014 بتولي وزارة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة. ويضيف أن اختيار مدبولي جاء لعدة أسباب، أبرزها تنفيذ مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، ونجاحه في ملف إسكان الشباب، ومساهمته في تخطيط «مثلث ماسبيرو»، وتنفيذه مشاريع طرق وكبارٍ ورفع كفاءتها في فترة وجيزة، وتنفيذ أكثر من 250 ألف وحدة سكنية خلال عام، وهو ما يعادل ما تم تنفيذه في تاريخ وزارة الإسكان بالكامل، بالإضافة إلى تنفيذ نحو 400 ألف وحدة سكنية. وحقاً نجحت الوزارة في عهده في تنفيذ أكثر من 80 في المائة من نصيبها من المشروع القومي للطرق، وطرحت الوزارة أكثر من 500 ألف وحدة سكنية.
أيضاً يشيد الديب بجهود الدكتور محمد معيط، نائب وزير المالية لشؤون الخزانة العامة، في عدد من الملفات بالوزارة، خصوصاً ملفي التأمين الصحي الشامل، وإجراءات الحماية الاجتماعية للمواطنين، قائلاً إنه «مايسترو» و«نصير الفقراء» في الوزارة. ويتابع أن معيط، الذي عُين وزيراً للمالية، أحد الكفاءات المتميزة في الاقتصاد، إذ تقلد عدداً من المناصب، آخرها مساعد أول وزير المالية للخزانة العامة، منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ولم يكن هذا أول عمل له بوزارة المالية، إذ كان يشغل منصب مساعد وزير المالية للتأمينات الاجتماعية، والمسؤول عن ملف التأمينات، وقت أن كانت الهيئة تتبع وزارة المالية في عهد الوزير الأسبق يوسف بطرس غالي، وبقي في الوزارة حتى عام 2013. وعقب خروجه من المالية، عين نائباً لرئيس هيئة الرقابة المالية، والقائم بأعمال رئيس الهيئة، ثم انتقل للعمل مساعد أول وزير الصحة للتأمينات، وتولى مسؤولية إعداد قانون التأمين الصحي الجديد، ثم عاد للعمل بوزارة المالية مساعداً أول للوزير.
عبد المحسن سلامة، نقيب الصحافيين، يرى أن الفترة الأولى للرئيس السيسي «شهدت مواجهة إرث التحديات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على مدى عقود طويلة وممتدة، بالإضافة إلى مواجهة الإرهاب الغاشم الذي استشرى بعد الفوضى التي أصابت المنطقة، ولا يزال يحاول جاهداً كسر إرادة الشعوب وتدمير دولهم». ويردف أن تحديات المرحلة الجديدة «تختلف عن تحديات المرحلة السابقة، لذلك كان قرار تشكيل حكومة جديدة وإجراء تغيير وزاري».

إعادة بناء الإنسان المصري
يرى سلامة، أن أبرز التحديات التي تواجه الحكومة الجديدة هو «إعادة بناء الإنسان المصري، لأن البشر هم أدوات التقدم والتنوير، ولن تكون هناك تنمية أو نهضة إلا من خلال إعادة بناء الإنسان المصري». ويؤكد أن الرئيس السيسي حدد ثلاثة محاور لبناء الإنسان، سيجري التركيز عليها خلال المرحلة المقبلة «هي التعليم والصحة والثقافة، بما يضمن الارتقاء بعقل وجسد وروح الإنسان المصري».
النائب خالد هلالي، عضو مجلس النواب، من جهته، يعتبر تكليف الرئيس السيسي، المهندس مدبولي، بتشكيل الحكومة الجديدة، «اختياراً موفقاً وصائباً». ويوضح: «مدبولي نجح في العديد من ملفات الإسكان خلال الفترة الماضية، ومصر تحتاج الكثير في الفترة المقبلة من أجل مواصلة البناء والتعمير».
ويتابع هلالي أن «مدبولي يستحق رئاسة مجلس الوزراء باعتباره رجل المهام وصاحب الإنجازات، ومن أنجح وزراء الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية الجديدة في تاريخ مصر»، مؤكداً ثقته في قدرة رئيس الوزراء الجديد على تحقيق نتائج سريعة وملموسة للشعب المصري.
من جهته، يعتبر المستشار هاني رياض القللي، المتحدث الرسمي لحركة «وعي» للتثقيف السياسي، أن التغييرات التي حدثت في وزارة مدبولي «تغييرات كبيرة على نطاق واسع، وكانت بمثابة مفاجأة للجميع، خصوصاً أن التغييرات شملت بعض الوزارات الحساسة مثل الدفاع والداخلية والطيران المدني». ويشير القللي إلى أن الحكومة الجديدة تنتظرها بعض التحديات مثل استئصال كل البؤر الإرهابية والقضاء على الإرهاب بشكل سريع، واستكمال المشاريع التنموية الكبرى التي بدأها الرئيس خلال فترة ولايته الأولى، بالإضافة إلى تخفيف العبء عن كاهل المواطن البسيط.
ثم يستطرد أن التغييرات الواسعة «تؤكد أن الوزراء الجدد لديهم تحديات كبيرة يجب إنجازها بشكل سريع للنهوض بمصر إلى بر الأمان، والعبور بها إلى المستقبل المشرق»، مطالباً الجميع بالوقوف بجانب الحكومة الجديدة لإنجاز المهام التي تأخرت، كما يجب العمل على احترام القانون أول طريق بناء الإنسان الذي تحدث عنه الرئيس عبد الفتاح السيسي.

تأييد برلماني واسع لمدبولي
- يشترط الدستور المصري موافقة البرلمان على قرار رئيس الجمهورية اختيار رئيس الحكومة ووزرائه، ثم عرض رئيس الوزراء برنامج الحكومة الجديدة على البرلمان، حيث تنص المادة (146) من الدستور على أن «يكلف رئيس الجمهورية رئيساً لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب». وأعطى الدستور الحزب أو الائتلاف الحائز على الغالبية في البرلمان ترشيح شخصية لرئاسة الوزراء في حال رفض البرلمان ترشيح الرئيس، لكن هذا السيناريو غير متوقع مع الدكتور مدبولي الذي يحظى بتأييد واسع في البرلمان.
وكان «ائتلاف دعم مصر»، صاحب الغالبية البرلمانية، قد أكد أن قرار الرئيس بتكليف مدبولي تشكيل الحكومة الجديدة «يمثل انطلاقة نحو المستقبل، ودفعة جديدة في سبيل استكمال خطط التنمية ومسيرة الإصلاحات التي بدأتها مصر تحت القيادة السياسية الحكيمة للرئيس». وأضاف، في بيان له، أن «مدبولي كان عنصراً فاعلاً في الحكومة السابقة وأبلى بلاءً حسناً في حقيبة وزارة الإسكان، التي شهدت في عهده طفرة كبيرة وتحسناً ملموساً في إحداث نهضة عمرانية وتوفير وحدات سكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل وجميع شرائح الإسكان».
بدوره، قال مدبولي فور أداء حكومته اليمين إن الرئيس السيسي كلفه بالاهتمام بملفات التعليم والصحة وبناء الإنسان المصري والإصلاح الإداري، ليرتبط ذلك بالانتقال إلى العاصمة الإدارية الجديدة، واستكمال إجراءات الإصلاح الاقتصادي. وأضاف أن الإصلاح الاقتصادي «توجه عام للدولة رغم صعوبة الإجراءات»، مشدداً على أن الرئيس كلفه بإعطاء دفعة للمشاريع القومية لأهمية دورها في خلق فرص عمل، حيث وفرت 3 ملايين فرصة عمل استفاد منها نحو 12 مليون مواطن، مشيراً أيضاً إلى أهمية تلك المشروعات في بناء مصر المستقبل.
وأشار إلى أن الرئيس السيسي وجه الحكومة الجديدة - أيضاً - بأهمية إعطاء طفرة لشركات قطاع الأعمال العام، موضحاً أن الرئيس وجه - كذلك - بالاهتمام بالملفات الأمنية وتحسين الخدمات الجماهيرية، مؤكداً أن «التركيز على تحسين الخدمات التعليمية والصحية وبناء الإنسان المصري على رأس أولوياتنا».



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».