بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

حقق حلم استعادة السلطة للاشتراكيين بعد «سنوات الظل»

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية
TT

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

بيدرو سانشيز... «الشاب الوسيم» على رأس الحكومة الإسبانية

أطاح تصويت على الثقة بحكومة رئيس وزراء إسبانيا اليميني ماريانو راخوي، زعيم الحزب الشعبي، الذي حكم البلاد بين 21 ديسمبر (كانون الأول) 2011 وأول يونيو (حزيران) الحالي. وبعد فترة ارتباك وضياع سادت معسكر اليسار الإسباني، تمكَّن الزعيم الاشتراكي الشاب بيدرو سانشيز عبر تصويت الثقة وإسقاط حكومة راخوي من استعادة السلطة للاشتراكيين.
بيدرو سانشيز (تلفظ سانتشيث، باللغة الإسبانية)، الرئيس الجديد، والسابع للحكومة الإسبانية في الحقبة الديمقراطية الحديثة التي بدأت بعد وفاة الديكتاتور الجنرال فرانشيسكو فرنكو، لا يحتفل بعيد ميلاده سوى مرة واحدة كل أربع سنوات.
سانشيز «الوسيم»، ولد يوم 29 فبراير (شباط) عام 1972 في كنف عائلة مدريدية ميسورة كانت ترسله وشقيقه الأصغر لتمضية عطلة الصيف في ربوع الأرياف البريطانية لتعلّم اللغة الإنجليزية و«الانفتاح على العالم»، كما يردد والده الذي كان يريد لابنه البكر مستقبلاً مهنيّاً خارج إسبانيا.
بيد أن بيدرو الصغير كان يحمل مشروعاً آخر في رأسه ويعمل على تنفيذه بمثابرة لا تعرف الإحباط ولا الملل. ومن المنصف القول إن ثباته اللافت على مواقف جريئة لم يكن يراهن عليها أحد، كان مجزياً... وإن طالعه كان سعيداً في أكثر من مرحلة بدت خلالها الآفاق مسدودة أمام مشروعه.

الدراسة والانطلاق
بعد إنهاء دراسته الثانوية في أحد المعاهد الخاصة في العاصمة، التحق بيدرو سانشيز بكلية الاقتصاد في جامعة مدريد المركزية حيث تخرّج في أحد معاهدها المخصصة للنخبة، ثم بدأ بإعداد أطروحة الدكتوراه التي نالها عام 1998، وانتقل إلى العاصمة البلجيكية والأوروبية بروكسل ليعمل مستشاراً في البرلمان الأوروبي، وهناك بنى علاقات مع بعض السياسيين الاشتراكيين الذين سيواكبون مسيرته السياسية ويدعمونها لاحقاً.
ومن بروكسل، سافر إلى نيويورك حيث عمل مساعداً في بعض المؤسسات المالية «لاكتساب الخبرة والوقوف مباشرة على واقع النظام الرأسمالي». وفي نيويورك توطّدت علاقته بمندوب إسبانيا لدى الأمم المتحدة والوزير الأسبق للخارجية كارلوس وستندورب الذي - عند تعيينه مندوباً للأمين العام في سراييفو إبان حرب كوسوفو - استدعاه ليكون مديراً لمكتبه خلال فترة يصفها سانشيز بأنها كانت «الأكثر تأثيراً في حياته الشخصية والمهنية على غير صعيد».
عاد سانشيز إلى مدريد ليكمل مشروعه الذي كان يحتفظ به سراً ويعدّ له بتصميم وثبات. وفي عام 2004 أصبح عضوا في المجلس البلدي للعاصمة، إلا أنه استقال بعد خمس سنوات كي يدخل البرلمان بديلاً لأحد الوزراء الاشتراكيين الذي اضطر للاستقالة عند توليه مفوضيّة الاقتصاد في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2010 اختاره الصحافيون الذين يغطّون أخبار البرلمان «النائب الواعد»، وبدأت مرحلة صعوده السريع والمتعثّر نحو قيادة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، الذي تولّى قادته رئاسة الحكومة الإسبانية أربع مرات منذ وفاة الجنرال فرنكو.

الاشتراكيون... و«سنوات الظل»
في عام 2014 عصفت أزمة داخلية قوية بالحزب الاشتراكي الإسباني إثر هزيمته في الانتخابات العامة ونشوب صراع شديد بين تّياراته الإقليمية لتولّي القيادة، انتهى بفوز سانشيز (أو سانتشيث) بمنصب الأمين العام كمرشح وسطي وتوافقي بانتظار «هدوء العاصفة» وبروز غالبية واضحة وقيادة جديدة. ولكن خلال العامين التاليين مني الحزب الاشتراكي بهزيمتين أخريين عمّقتا الانقسامات الحادة في صفوفه بعد تراجع شعبيته وصعود حركة «بإمكاننا» التي باتت تهدّد زعامة الاشتراكيين للمشهد اليساري في إسبانيا. ولقد بلغت حدة الانقسام داخل الحزب في تلك المرحلة حد «الانفساخ» بين المعسكر المؤيد لسانشيز ومعسكر الغالبية بقيادة الزعماء التاريخيين للحزب مثل رئيس الوزراء الأسبق فيليبي غونزاليس (تلفظ غونثاليث) الذي ما زال يتمتع بنفوذ قوي بين القيادات والقواعد الشعبية الاشتراكية.
ولم يكن سراً أن المعسكر الأخير كان يهدف إلى إسقاط سانشيز بدفعه إلى الاستقالة، بينما كانت أجهزة الإعلام القريبة من خط غونزاليس، وفي مقدمتها صحيفة «إل باييس» النافذة والواسعة الانتشار، تشنّ حملة غير معهودة في قسوتها على سانشيز مطالبةً بتنحّيه عن منصب الأمين العام. وهنا يقول بعض المقرّبين الذين ظلوا على وفائهم لسانشيز إبان الفترة التي كانت تنصبّ عليه فيها كل الانتقادات والاتهامات وتحمّله مسؤولية الهزائم الانتخابية، إن تلك المرحلة كانت من الصعوبة والقسوة والإجحاف بما يكفي ويزيد لتدمير أي زعامة والقضاء نهائيا على احتمالات نهوضها. غير أن القيادي الشاب أبدى من برودة الأعصاب ورباطة الجأش وروح المسؤولية والنزاهة الفكرية ما يندر وجوده عند كبار الزعماء المخضرمين. هذه المزايا رسّخت قناعة مؤيديه، بل وعدّلت في مواقف بعض خصومه، بأنه حقاً الرجل المناسب لقيادة الحزب ومواصلة المسيرة للعودة إلى الحكم.
مع هذا، ما كانت الأرقام في مصلحة سانشيز عندما انشطر الحزب بين خصومه المؤيدين لمنح الثقة لحكومة راخوي اليمينية مقابل بعض التنازلات، وتيّاره المعارض منحها الثقة لأنها «حكومة حزب يعشّش فيه الفساد، تتغاضى عن الفساد وتكافئ مرتكبيه، ويتوجب حجب الثقة عنها لأسباب أخلاقية». وبالتالي، أجبر القيادي الشاب، يومذاك، على الاستقالة من منصب الأمين العام للحزب. وعلى الأثر قرّر التخلّي عن مقعده البرلماني كي لا يضطر لتأييد حكومة راخوي عملاً بالقرار الذي اتخذته اللجنة التنفيذية للحزب الاشتراكي والذي يُلزِم النواب الاشتراكيين تنفيذه.
تلك كانت في توقعات كثيرين النهاية المعلنة لمسيرة الشاب الوسيم الذي «دأب يدرس ويتعلّم، ويحلم بأنه سيتمكن يوما من تغيير الحياة السياسية في إسبانيا نحو الأفضل»، كما يقول شقيقه الأصغر - الذي درس الاقتصاد أيضاً - وانتهى به الأمر قائدا لأوركسترا. غير أن الذين راهنوا على استسلام سانشيز كانوا يجهلون قوة عزمه وصلابة إرادته وإصراره على مواصلة السعي نحو الهدف الذي وضعه نصب عينيه منذ سنوات.

العودة إلى القمة
وحقاً، بعد أسابيع من استقالته عاد بيدرو سانشيز لينافس خصومه، وفي طليعتهم زعيمة الحزب الاشتراكي في إقليم الأندلس - الذي يعد الخزّان الانتخابي للاشتراكيين - في الانتخابات الأولية لمنصب الأمين العام. وبعد حملة مكثفة جال فيها على قواعد الحزب في الأقاليم الإسبانية، وبخلاف كل التوقعات، فاز على منافسيه الأندلسية سوزانا ديّاز (ديّاث) والباسكي باتشي لوبيز (لوبيث)، وعاد إلى زعامة الحزب من غير منازع منظور هذه المرة.
هذه العودة إلى قيادة الحزب الاشتراكي كانت انتصاراً شخصياً كبيراً لسانشيز على خصومه الذين حاولوا إسقاطه بإصرار غير معهود، واستخدموا كل الوسائل لتدمير سمعته والتشكيك في قدراته القيادية. لكن حنكته، التي راحت تتبدّى مع ظهور الانتكاسات في طريقه، تجلّت في خطابه الجامع دائماً، ونأيه عن تغذية الأحقاد، وحرصه على احتواء الخصوم وتحاشي الوقوع في إغراء الإجراءات الانتقامية. كذلك تجلت في الروح الانضباطية والرياضية التي واجه بها العثرات، وتغليبه الاعتبارات الأخلاقية على المقتضيات التقليدية للعمل السياسي.

التكتيك الذكي

لقد كان يدرك أن انتصاره داخل الحزب سيبقى منقوصاً بقدر ما هو قصي عن هدف الوصول إلى رئاسة الحكومة. إذ كانت دون هذا الهدف عقبات كثيرة ليس أقلّها التمثيل البرلماني الضعيف للحزب الاشتراكي في البرلمان والتشرذم الكبير وغير المسبوق للأحزاب السياسية.
من هنا تتجلّى براعة القيادي الشاب وجرأته في اختيار أسلوب العمل السياسي وتحديد أهداف مراحله. إذ كان يدرك أن تغيير معادلة التمثيل البرلماني، الذي هو الأساس للوصول إلى رئاسة الحكومة، مستحيل في الظروف الراهنة التي تحول دون إجراء انتخابات قبل موعدها الدستوري بعد سنتين. أيضاً كان موقناً أن الانتخابات المبكرة، في حال إجرائها، قد تكون كارثيّة بالنسبة للحزب الاشتراكي طالما هو في المعارضة. ولذا، انصبّت كل حسابات سانشيز على الوصول إلى رئاسة الحكومة من خارج صناديق الاقتراع بالطريقة الوحيدة الممكنة، أي حجب الثقة عن حكومة راخوي في البرلمان، وتشكيل حكومة اشتراكية تتجاوب مع المطالب الملّحة للمواطنين، كالاهتمام بالأوضاع الاجتماعية ومكافحة الفساد السياسي المُستشري وتنفيس الاحتقان الانفصالي. كل هذا تمهيداً للانتخابات العامة المقبلة واستعادة الشعبية المفقودة.
لم يكشف سانشيز أوراقه إلا لعدد ضئيل جداً من مساعديه، مع العلم أن بعضهم حذروه من مغبَّة الإقدام على هذه المجازفة التي قد تعيده إلى نقطة الصفر في حال فشلها، لا سيّما أن خصومه في الداخل ينتظرون أي هفوة لاستئناف معركة إزاحته عن قيادة الحزب. غير أنه لم يكن مستعداً للانتظار طويلاً في صفوف المعارضة بانتظار أن تسنح الفرصة التي قد لا تأتي أبداً وهو خارج البرلمان. وهكذا، مدّ يده كزعيم مسؤول للمعارضة إلى غريمه راخوي لمواجهة التحدي الانفصالي في إقليم كاتالونيا، وراح يراقب المسار الاهترائي للحزب اليميني الحاكم أمام عجزه عن فتح معابر التهدئة مع الانفصاليين وتحت وطأة فضائح الفساد، منتظراً اقتناص المناسبة التي تتيح له الانقضاض على خصمه وهزيمته بالضربة القاضية. وعندما أعلنت المحكمة العليا قرارها النهائي في كبرى قضايا الفساد ضد الحزب الشعبي الحاكم، وقضت بسجن عدد من الوزراء وكبار المسؤولين السابقين وشكّكت في صدقية الشهادة التي أدلى بها رئيس الحكومة راخوي أمام المحققين، أدرك سانشيز أنه بات قاب قوسين أو أدنى من الموعد المنتظر. إلا أنه مع ذلك - كما كشف أحد أعوانه أخيراً، فضّل التريّث مراهناً على عدم صدور ردة فعل من راخوي في مستوى خطورة الأحكام القضائية والاستياء العميق بين المواطنين، ما سيفاقم وضعه ويزيد من عزلته. وصحّ الرهان عندما أصرّ راخوي على أن الأحكام كانت مجحفة من حيث قسوتها. وادعى أنها تطال حقبة سابقة لعهده كرئيس للحكومة، مكتفياً بالدعوة إلى تركيز الجهود على ترسيخ الاستقرار الاقتصادي ومواجهة التحرك الانفصالي بثبات.
ولكن، عندما حان موعد تقديم طلب سحب الثقة من حكومة راخوي، قرر سانشيز المغامرة بالمضي في رهانه حتى النهاية، رافضاً التفاوض مع أي من القوى السياسية التي يتعذر إسقاط الحكومة من غير تأييدها لطلب سحب الثقة، وصرّح بأن الدافع وراء خطوته هو الاعتبار الأخلاقي والاستجابة لمطالب المواطنين بسياسة نزيهة واجتماعية.
مجدداً، روح المغامرة، أو النزاهة السياسية، عند القيادي الإسباني الشاب ما كانت قد بلغت ذروتها بعد. إذ إنه عندما تيقّن من أنه سيحصل على التأييد الكافي لإسقاط الحكومة، عرض على راخوي الاستقالة مقابل سحب طلبه حجب الثقة بحيث يبقى الحزب الشعبي في الحكم ويكلّف شخص آخر تشكيل الوزارة، لكنه لم يلقَ تجاوباً من راخوي الذي كان اتهمه بأنه يريد الوصول بأي ثمن إلى رئاسة الحكومة.

في نعيم السلطة
عشرة أيام فقط انقضت على تشكيل حكومة بيدرو سانشيز، لكن الأجواء السياسية والاجتماعية تبدو أكثر انفراجا وميلا إلى التفاؤل في إسبانيا.
لم يضع سانشيز عناوين كبيرة لبرنامجه الحكومي الذي حصر أهدافه الكبرى بمعالجة القضايا الاجتماعية الملحة التي أهملتها الحكومات اليمينية السابقة، واستعادة ثقة المواطنين بإدارة الشأن العام ومكافحة الفساد من غير تساهل، وفتح قنوات الحوار التي انقطعت بين القوى والأحزاب السياسية. وقد جاء القرار الأول الذي اتخذه سانتشيث باستقبال المهاجرين الأفارقة الذين رفضت إيطاليا استقبال سفينتهم التائهة في عرض البحر، بمبادرة فردية من غير التشاور مع أفراد حكومته، كمؤشر قوي على تغيير سياسة الحكومة في ملف الهجرة ومقاربة القضايا الاجتماعية والإنسانية. كما أن معالجته السريعة والحاسمة لأول أزمة واجهت حكومته عندما أوعز لوزير الثقافة بالاستقالة الفورية بعد انكشاف محاولته التهرب من دفع الضرائب منذ عشر سنوات، رغم تسوية وضعه القانوني لاحقاً مع وزارة المالية وسداد ما عليه من مستحقات، أظهرت أن ثمة ثقافة جديدة ستقوم عليها سياسة سانتشيث في التصدّي لمشكلة الفساد.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».