ترمب ودبلوماسية الاستعجال المدروس في سنغافورة

ترمب ودبلوماسية الاستعجال المدروس في سنغافورة

الخميس - 1 شوال 1439 هـ - 14 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14443]

بصرف النظر عن النتيجة النهائية لقمة سنغافورة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس كوريا الشمالية كيم جونغ أون، لقد جذب ذلك اللقاء انتباه العالم بالفعل، لأن يوصف بالمشهد الدراماتيكي الأبلغ أثراً لما يُمكِن أن يُطلق عليه «أسلوب ترمب الدبلوماسي».

وإن فهمنا الأمر على نحوه الصحيح، فمن شأن هذا الأسلوب المساعدة في علاج عدد من المشكلات والقضايا الدولية الرئيسية بمشاركة مباشرة من الولايات المتحدة الأميركية. وإن أسيء الفهم، فمن شأن أسلوب ترمب أن يسفر عن تعقيد بالغ في كثير من القضايا، وقد يؤدي، كما تقول بعض الدوائر النخبوية السياسية والثقافية الغربية، إلى إضعاف تحالف الدول الديمقراطية التي أرست الكثير من الأجندات العالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى اليوم.

ولكن ما السمات الرئيسية لأسلوب ترمب الدبلوماسي؟

الطريقة المثلى للإجابة عن هذا التساؤل هي مقارنة أسلوب ترمب مع دبلوماسية سلفه باراك أوباما.

كان أوباما يفضل أن يُطلَق على أسلوبه اسم «الصبر الاستراتيجي»، والمثال الأبرز لذلك كما يزعم كان الاتفاق النووي مع جمهورية إيران الإسلامية. ولقد أمضى باراك أوباما قرابة الخمس سنوات في مفاوضات سرية وعلنية بغية إنجاز هذه الغاية. ولقد أدار عجلات المحرك بجولاته الكثيرة حول العالم من خلال إلقاء الخطب الرنانة المشيدة بالإسلام، بما في ذلك في إسطنبول والقاهرة، ومنح الجمهورية الإسلامية الشرعية كنموذج يُحتذى به للحكم الإسلامي في العالم.

كما أنه وجه كثيراً من الرسائل إلى المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي والرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد، متوسلاً الموافقة على الاجتماع في أي وقت وأي مكان، غير أنه لم يتلقَّ أي رد على الإطلاق.

ولقد جنَّد دعم وإسناد عدد كبير من القوى الأخرى، التي ضمَّت في وقت من الأوقات كلاً من البرازيل وتركيا، بهدف التوصل إلى إبرام الاتفاق النووي الذي كان من بين نتائجه إضفاء المشروعية على البرنامج النووي الإيراني ولأن يكون مقبولاً به لدى المجتمع العالمي. واتباعاً لأسلوب القيادة من خلف الكواليس، منح أوباما ملالي طهران الفرصة الذهبية السانحة للتلاعب بالأوروبيين، والروس، والصينيين، وضرب بعضهم ببعض، وفوق كل شيء، اللعب ضد الولايات المتحدة الأميركية ذاتها.

ونجم عن أسلوب أوباما بيان صحافي من 176 صفحة في نسخ مختلفة، ذلك الذي لم يوقع عليه أحد قط ولا يحظى بتصديق أية هيئة تشريعية في أية دولة حول العالم، ولكنه رغم ذلك مُنح صفة النص المقدس من قبل باراك أوباما.

أما ترمب على النقيض من ذلك، لم يتلُ الخطب المطوَّلة، ولم يبعث بأية رسائل إلى كيم، ولم يتوسل الحصول على أية تفضيلات من كوريا الشمالية ونظامها الحاكم. وعندما حلَّق بخياله كان يستخدم اللغة الفجة الوقحة في وصف كيم عبر تغريدات قصيرة وحادة وموجزة، وألغى القمة في مرة ثم أعاد الموافقة على حضورها، مؤكداً على أنه ليس بالخصم السهل أو ليِّن العريكة.

استغرقت عملية المفاوضات الكاملة مع بيونغ يانغ ستة أسابيع فحسب، بما في ذلك زيارة وزير الخارجية الأميركي الجديد مايك بومبيو. واستغرقت القمة الفعلية بين الزعيمين بضع ساعات قليلة، بما في ذلك الافتتاحية التي استمرت لدقيقة واحدة، والتي قرر دونالد ترمب خلالها أنه يمكنه التعامل مع شخصية كيم. وكانت النتيجة النهائية عبارة عن نص مقتضب، أوجز بكثير من النص المطول لباراك أوباما في حالة إيران واتفاقها النووي. ولقد رفض أوباما التوقيع على ذلك النص مع إيران، في حين أن دونالد ترمب وقَّع بالفعل على النص مع كوريا الشمالية.

لا يفضل ترمب أسلوب القيادة من وراء الكواليس، وبالتالي لم تكن لديه حاجة لبهرجة الاحتفالات. ومع ذلك، فهو يحتفظ ببطاقات اليابان وكوريا الجنوبية والصين في مرحلة مؤجلة، وحتى روسيا نفسها تؤيد محاولته لتسوية المشكلة مع كوريا الشمالية. لقد أظهر ترمب أنه يفضل القيادة من الأمام، وربما في قلب الجبهة إن اقتضت الضرورة.

لقد منح أوباما الكثير لإيران قبل أن يحصل منها على شيء باستثناء التعهدات اللفظية بعدم القيام بأمور معينة. في حين أن ترمب لم يمنح كوريا الشمالية شيئاً ملموساً قط، حتى مع إصراره بعد انقضاء القمة على استمرار سريان العقوبات المفروضة على كوريا الشمالية حتى استكمال الصفقة تماماً. إلا أن كيم قد أطلق سراح الرهائن الأميركيين، ودمَّر الموقع الرئيسي لإجراء التجارب النووية في بلاده، وأنهى تقليداً شعبياً عمره 70 عاماً من حرق العلم الأميركي في البلاد، وأوقف ازدراء الإمبريالية الأميركية في الخطب الرسمية. وتعين على أوباما الابتسام والتحمل في الوقت الذي احتجزت طهران فيه الرعايا الأميركيين، وواصل كبار المسؤولين الإسلاميين في البلاد الوطء على العلم الأميركي يومياً قبل دخولهم إلى مكاتبهم.

وبعد دقائق من الكشف عن النص النهائي لقمة سنغافورة، سمح كيم أيضاً بإغلاق الموقع الرئيسي لاختبارات الصواريخ الباليستية، وهي مكافأة ما بعد القمة للسيد دونالد ترمب.

عمد أوباما إلى تعليق العقوبات على إيران، وأفرج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة، وحتى إنه سمح بتهريب الأموال النقدية إلى طهران في عملية لا تقوم بها إلا عصابات المافيا.

وبطبيعة الحال، منح ترمب كيم شيئين مهمين: أولاً، معاملة زعيم كوريا الشمالية على قدم المساواة وأنه الرئيس الذي يستحق عقد قمة كاملة معه. وثانياً، التعهد بتأجيل المناورات العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، التي لم تكن مقررة قبل عام 2020 على أية حال.

كان نص باراك أوباما مع إيران محملاً بالمفردات القانونية والاصطلاحات السياسية، الأمر الذي يجعل من المستحيل الخروج بعدة تفسيرات من النص. أما نص دونالد ترمب بشأن كوريا الشمالية، رغم كل شيء، كان موجزاً ومباشراً من خلال التأكيد على الغاية من ورائه، وهو استكمال نزع السلاح النووي تماماً في مقابل الضمانات الأمنية لصالح بيونغ يانغ.

ولقد رفض نقاد ترمب على الفور «الاستعجال التكتيكي» في مقابل «الصبر الاستراتيجي» لباراك أوباما. وأحد الأسباب وراء هذا الاختلاف بين الأسلوبين هو أن أوباما كان في الأربعينات من عمره رئيساً للبلاد، في حين أن ترمب في السبعينات الآن، مما يمنح الرجلين رؤى جد مختلفة ومتعارضة للدور الذي يلعبه الزمن في الدبلوماسية.

ربما أن قرار ترمب الحديث عن كيم بعبارات متوهجة قد أثار حفيظة الكثيرين في الغرب. ولكن أسلوب ترمب لا يملك الوقت الكافي للإشادات الشفهية.

وكان هدف دونالد ترمب في سنغافورة هو إلزام كيم بالتنازل التام عن المشروع النووي العسكري لكوريا الشمالية، وليس محاولة إقناعه بتغيير آيديولوجيته في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان واقتصادات السوق. ومن ثم، كان الاختبار النهائي للنجاح أو الفشل هو ما إذا كانت كوريا الشمالية سوف تُغلِق مشروعها النووي كما فعلت جنوب أفريقيا، وأوكرانيا، وروسيا البيضاء، وكازاخستان، والأرجنتين، والبرازيل في أوقات مختلفة.

ومن السابق لأوانه، بطبيعة الحال، ترشيح دونالد ترمب لجائزة نوبل للسلام، على الرغم من حصول باراك أوباما عليها من قبل أن يفعل أي شيء سليم أو خاطئ. ويبقى العمل الشاق المضني في تنفيذ اتفاقية سنغافورة الموجزة.

لا بد لحالة الحرب التي خيمت على آفاق شبه الجزيرة الكورية لما يزيد على سبعة عقود أن تنتهي. ولا بد من محاسبة المسؤولين عن الآلاف من الكوريين الجنوبيين الذي اختفوا أو سُجنوا في كوريا الشمالية.

وهناك أكثر من 30 ألف مواطن كوري شمالي يشاركون في المشروع النووي الوطني لا بد من إعادة تدريبهم وتكليفهم بأعمال أخرى.

يتعين على الولايات المتحدة وعلى كوريا الشمالية إقامة العلاقات الدبلوماسية وتبادل السفراء. ولا بد لمعاهدة السلام الكاملة أن تحل محل الهدنة الراهنة القائمة تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة.

ويجب تحويل المنطقة منزوعة السلاح بين الكوريتين إلى حدود طبيعية ومناسبة بين البلدين، كخطوة على طريق لم الشمل النهائي وبموافقة متبادلة بين الجانبين.

تترك صفقة سنغافورة الأخيرة الجمهورية الإسلامية في إيران باعتبارها الحلقة الوحيدة المتبقية مما يُعرف عالميا باسم «محور الشر»، وهو الأمر الذي تحتاج القيادة في طهران إلى النظر والتفكير فيه بمنتهى الجدية.

في الوقت الذي كان التاريخ فيه على أتم الاستعداد للتحرك بسرعة أكبر، تسبب صبر أوباما الاستراتيجي في تفاقم الأوضاع بالنسبة إلى إيران.

لذلك، قد يكون أسلوب الاستعجال التكتيكي لدونالد ترمب موحياً بنموذج جديد من نماذج حل المشكلات الدبلوماسية الدولية.


أميركا الولايات المتحدة

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة