عبد الناصر وقطب... مسار صعودهما السياسي وصراعهما المميت

عن صراع الأطياف الذي أطاح بربيع يناير

جمال عبد الناصر (غيتي)  -  سيد قطب
جمال عبد الناصر (غيتي) - سيد قطب
TT

عبد الناصر وقطب... مسار صعودهما السياسي وصراعهما المميت

جمال عبد الناصر (غيتي)  -  سيد قطب
جمال عبد الناصر (غيتي) - سيد قطب

يقدم كتاب «تشكيل العالم العربي: صراع ناصر وقطب الذي رسم ملامح الشرق الأوسط» تشخيصاً أكاديمياً عميقاً يمكن أن يعين المراقب المعاصر على تفكيك الجذور التاريخية للأحداث السياسية في مصر، لا سيما مرحلة ثورة يناير 2011، وما تلاها من صراع مفتوح إلى اللحظة بين الدولة المصرية العميقة وجماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها الإخوان المسلمون.
هذه المقاربة في تفكيك مآلات الربيع العربي بطبعته المصرية، التي يقدمها في آخر كتبه (باللغة الإنجليزية) الدكتور فواز جرجس - وهو أستاذ جامعي لبناني أميركي بكلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية ومدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لندن - تقوم على نظرية صريحة تجعل من تقلبات تاريخ المنطقة في آخر مائة عام نتاج صراع محتدم بين القوى التي ورثت الدولة المصرية بعد سقوط الاستعمار المباشر، وبالتحديد بين من يسميهم بالوطنيين أو القوميين والإسلام السياسي، المتمثل أساساً في جماعة الإخوان المسلمين، مع استبعاد شبه تام لأية أطراف ثالثة، من قوى يسارية وغيرها، بحكم ما يصفه جرجس بأنه توافق استمر بين القوتين الأساسيتين - رغم صراعهما الدائم - على احتكار الساحة السياسية ومنع صعود قوى أخرى.
يطرح جرجس نظريته من خلال استدعاء الشخصية الأهم التي شكلت ما يشبه مركز الجاذبية لكل من القوتين: جمال عبد الناصر عند الوطنيين، وسيد قطب عند الإخوان، فيسرد مسار حياتهما وصعودهما السياسي، ومن ثم تقاطعهما في مرحلة الستينات، قبل أن يُعدم قطب عام 1966، ويغيب ناصر عام 1970، كمنصة لفهم صراع القوة المستمر بين الجانبين، الذي - وفق جرجس دائماً - ما زال عميق التأثير في وقائع الحدث المصري إلى اليوم، رغم غياب الشخصيتين الرمز في هذا الصراع الذي ساهم إلى حد حاسم بتشكيل طبيعة السياسة والحكم في غير ما بلد عربي عبر الشرق الأوسط.
ينطلق جرجس من حقيقة أن كلا الطرفين في المعادلة المصرية - الوطنيون والإخوان - انطلق من المساحة الآيديولوجية ذاتها التي خلقها الحضور الاستعماري البريطاني، وهيمنته على مصر وأجزاء واسعة من الشرق الأوسط، كاستجابة من قبل المجتمع الأهلي لتحدي الاحتلال، بحيث لا يمكن التحدث عن أية فروقات آيديولوجية أساسية تميز بينهما في تلك المرحلة، بل إن جرجس يكشف عن أن الرئيس جمال عبد الناصر كان نفسه عضواً في التنظيم السري الخاص الذي أنشأه الإخوان المسلمون في الأربعينات من القرن الماضي - كما الرئيس أنور السادات - قبل أن يحدث الصدام الزلزالي بين الطرفين عام 1954، ومحاولة الإخوان التخلص من ناصر بالاغتيال.
ويرى المؤلف أن عقلية الطرفين وأداءهما السياسي لم يخضعا في أي مرحلة لثوابت فكرية، بل كانتا دائماً شديدة السيولة، ونتاج التفاعل بينهما توازياً وتقاطعاً عبر المراحل، ولذلك يجزم بأن الصراع المعقد والمتداخل هو جذرياً تنازع على تولي السلطة، وتملك مقدرات الدولة، واحتكار الفضاء العام، وليس بمعركة آيديولوجية، كما قد يتبادر للذهن، أو صراع ثقافي حضاري الطابع على الهوية العربية، كما يذهب البعض. لقد وظف الطرفان الأدوات ذاتها تقريباً: اللغة والدين والتقاليد الذكورية واستلهام «الأصالة» كمصدر للهوية - كما العنف وتجريد الآخر من صفته الوطنية وحتى الإنسانية - في كل المواجهات التي خاضاها، بداية ضد الاستعمار ولاحقاً في اشتباكاتهما المتتالية معاً، مما يدفع جرجس إلى تقبل نظرية الأكاديمي المصري شريف يونس، القائلة إن الصدام بين الطرفين كان حتمياً بحكم تماثلهما، لا بسبب من تناقضهما.
ويعتمد «تشكيل العالم العربي» في طروحاته على موقف فلسفي لمؤلفه، يؤمن بقدرة الأفراد على الفعل واتخاذ الخيارات، ولذا تجد ثمة استبعاداً حاسماً لأية نظريات مؤامرة حول أدوار محتملة للدول الكبرى في توجيه الحدث المحلي - ربما دون استبعاد أدوار أجهزة استخبارات إقليمية بشأن أحداث معينة في المراحل المختلفة - كما تستند استنتاجاته إلى مادة تأريخية ثمينة، جمعها من العديد من المقابلات الفردية التي أجراها جرجس شخصياً على امتداد ما يزيد على عقد من الزمان مع وجوه فاعلة ومعنية في مواقع مختلفة ومن أجيال متفاوتة، لا سيما تلك التي عايشت الشخصيتين اللتين اختارهما لتمثيل الصراع: ناصر وقطب. وعلى الرغم من أن البعض قد لا يشترك مع جرجس في رأيه هذا، فإن دراية الرجل الطويلة في دراسة شؤون الشرق الأوسط لدى مؤسسات أكاديمية غربية عريقة، ومعرفته بلغة وثقافة المنطقة وشخصياتها الفاعلة، وقربه من مواقع صناعة الأحداث، تدفع باتجاه منح قراءته وزناً قد لا تتوفر عليه مقاربات أخرى، لا سيما تلك التي كتبها غربيون، أو التي أنتجتها أطراف مالت إلى منطق وسردية أحد الطرفين دون الآخر.
ويخلص جرجس إلى أن الصراع المستمر بين الطرفين دفع في المحصلة ثمنه الشعب المصري، ليس من خلال الضحايا والآلام وخيبات الأمل فحسب بل أيضاً في إفراغ مؤسسات دولته الوطنية من المعنى، وتعميق التخلّف الاقتصادي والاجتماعي، وأن الشخصيات الفاعلة في كلا الجانبين كانت سجينة أجواء فقدان الثقة، والذاكرة التاريخية المحملة بالمرارات وأطياف الماضي - مرمزاً إليها بناصر وقطب - إضافة إلى كونها مسكونة بالمصالح المرحلية، ولذا أضاعت الفرصة العبقرية التي مثلتها لحظة يناير 2011 لصنع نقطة التقاء لمصلحة مستقبل مصر.
ويتهم جرجس قيادة الإخوان بالعجرفة وانعدام الخيال وسوء الخيار والفقر المدقع في الأفكار إبان إدارتهم المعركة السياسية في أثناء أحداث يناير 2011 وما بعدها، وأنها فضلت - كما دائماً - التحالف مع الدولة العميقة على الوقوف مع تطلعات الشعب المصري الغاضب - حتى أنهم حاولوا التفاهم مع نظام حسني مبارك في أيامه الأخيرة - فكانوا قوة رجعية مضادة للحراك الثوري النفس، وأنها كررت من جديد فشلها في القفز على الدولة والحكم من خلال الجيش - بعد فشلها الأول في الخمسينات - بدلاً من أن تنحاز لناس الشارع في انتزاع الشرعية لقيادة المجتمع من خلالهم، لكنه في الوقت ذاته لا يخلي مسؤولية تيار الوطنيين في وضع الإخوان بصميم ذلك المربع، الذي أسهمت سنوات طويلة من الحلول الأمنية القاسية، واحتكار الوطنية، في صنع ما يشبه ثقافة القبو المحصن داخل عقليات القيادات الإخوانية التي ما عادت ترى سوى اللونين الأبيض والأسود في تعاملها مع كل الآخرين، وقد تورطها لاحقاً في التعاون مع أجهزة استخباراتية أو أنظمة معادية لدولتها.
ولا يمنحنا جرجس أفق تفاؤل في مستقبل مصر على المدى القريب، إذ هو يرى أن سياسة استئصال الإخوان لن تنجح في القضاء عليهم نهائياً، لا سيما أن سنوات المواجهة الطويلة بَنَت بين الإخوان أنفسهم، وكذلك مع بعض قطاعات الشعب المصري، علاقات تشابك وتداخل مصالح ومصاهرات لن يمكن تجاوزها بسهولة، وأنها قد تدفع جيل القيادات الجديد على الأرض نحو مزيد من التطرف في خياراتهم ضد المؤسسة العسكرية الحاكمة، الأمر الذي سيكون من شأنه إذكاء الصراع الجديد القديم بين أطياف الماضي: ناصر وقطب.
وبموازاة التفكيك المقنع لجذور الحدث السياسي المصري، فإن كتاب «تشكيل العالم العربي» يقدم قراءة شديدة الانسيابية، على مستوى النص الذي جنبه المؤلف بخبرته والتصاقه بفضاء الحدث من الوقوع في جفاف النصوص الأكاديمية، التي تتصدى للتحليل السياسي المعمق بشأن الشرق الأوسط المعاصر، ولا شك أن ترجمته إلى العربية سيكون إضافة نوعية للمكتبة المتسعة دوماً حول التجربة المصرية.


مقالات ذات صلة

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ثقافة وفنون أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة.

شوقي بزيع
ثقافة وفنون الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق أدريانا كاريمبو (غيتي)

أدريانا كاريمبو: كتاب عن الحبّ وذكريات من بلد لم يعد موجوداً

وصلت إلى عاصمة النور وكادت تفقد أحلامها، فقد أسكنوها في شقة مع عدد من العارضات المبتدئات وبقيت 5 أيام من دون طعام.

«الشرق الأوسط» (باريس)
ثقافة وفنون أنتونيس في مكتبه

أنتونيس فكك روائياً مخلفات الديكتاتورية وإرث الاستعمار

كان الروائي البرتغالي أنطونيو لوبو أنتونيس، الذي رحل الخميس الماضي عن 83 عاماً، غزير الإنتاج، وجعلت منه رواياته متعددة الطبقات.

آدم نوسيتر
ثقافة وفنون يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

يوميات طبيبة سورية تواجه السرطان

عن دار «منشورات الربيع» بالقاهرة صدرت رواية «المساكنة الملعونة» للكاتبة السورية سوسن جميل حسن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك
TT

فضل الاستشراق على العرب

جاك بيرك
جاك بيرك

يمكن القول إنه بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت عدة شخصيات استشراقية كبرى. وهي التي ألقت أضواء ساطعة على تراثنا العربي الإسلامي فجددته ونورته بشكل لم يسبق له مثيل من قبل. نذكر من بينها لويس ماسينيون، ومونتغمري واط، وريجيس بلاشير، وهنري كوربان، وهنري لاوست، وجاك بيرك، وكلود كاهين، وروجيه أرنالديز، وجورج مقدسي، ومكسيم رودنسون، وبرنارد لويس، وتيلمان ناجيل، وجوزيف فان آيس، وأندريه ميكل، وجاكلين شابي، وعشرات غيرهم. ويمكن القول إن إضاءات الاستشراق نفذت إلى عمق أعمق التراث. ولكن من يتجرأ على ترجمة كتبه الأمهات؟ لم تخلقه أمه بعد. هنا يوجد كشف الكشوف، فتح الفتوح. إضاءات تتلوها إضاءات عن تراث العرب والإسلام. حفر أركيولوجي في الأعماق، أعماق تراثنا العربي الإسلامي. نزول إلى الطبقات السفلية التحتية، إلى أسفل طبقة، إلى أعمق طبقة... هذا هو العلم الذي ينير الأبصار. هذا هو العلم الذي يشق دياجير الظلام. ثم يشتمون الاستشراق بعد كل ذلك؟ منذ أربعين سنة وأنا أحلم بتأليف كتاب جديد بعنوان: «الحفر الأركيولوجي في الأعماق وتحرير التراث من التراث أو تحرير الروح من الروح». وعجزت عنه. ولكن عبقرية الاستشراق توصلت إليه. شكراً لهم وألف شكر. ماذا أريد أكثر من ذلك؟ لأول مرة أشعر بأني أولد من جديد. لأول مرة أشعر بأني أتحرر من حالي وتراكماتي وانسدادات آفاقي. لأول مرة أشعر بأن روحي أصبحت حرة طليقة في عالم عربي مقيد بالأصفاد. ولكن إلى حين...

إدوارد سعيد

هذا، وقد حققت الدراسات الاستشراقية إنجازات ضخمة طيلة الثلاثين أو الأربعين سنة الماضية. ويعود الفضل في ذلك إلى تجدد مناهجها قياساً إلى أجيال المستشرقين السابقين في القرن التاسع عشر حتى منتصف العشرين. فالعلم تغير بطبيعة الحال، وكذلك المنهج والمصطلح. هذا لا يعني إنكار أهمية الإنجازات التي حققها المستشرقون الطليعيون الأوائل. فهي أكثر من ضرورية. ولها فضل السبق. ومن أهم المشاريع الجماعية الكبرى في هذه الفترة نذكر أولاً «الموسوعة الإسلامية» في طبعتها الثانية. وهي أفضل من الأولى وأكثر اتساعاً وشمولاً. إنها تمثل العلم الاستشراقي بالمعنى الرصين والدقيق للكلمة. وقد ساهم فيها باحثون عرب ومسلمون، وليس غربيون فقط. ولكن كلهم «مستشرقون» بالمعنى العلمي والإيجابي للكلمة: أي يحسنون تطبيق المنهج التاريخي الحديث على تراثنا العربي الإسلامي ويسيطرون على المنهج والمصطلح. والموسوعة الإسلامية كنز لا ينضب من المعلومات والتحليلات عن هذا التراث الضخم والعريق. ولا يمكن أن يستغني عنها أي طالب منخرط في الدراسات العليا عن الإسلام، لا في جامعة السوربون، ولا جامعة القاهرة، ولا جامعة الرياض، ولا جامعة أبوظبي، ولا كل جامعات العالم. ثم ظهرت بعدها في السنوات الأخيرة موسوعة جديدة مهمة، هي «الموسوعة القرآنية». وقد أشرفت عليها باحثة أميركية كبيرة. وشارك فيها أيضاً باحثون مسلمون وغير مسلمين من أمثال نصر حامد أبو زيد، ووداد القاضي، ومحمد أركون، وعشرات غيرهم. وصدرت في خمسة أجزاء، ثم أضيف إليها جزء سادس كفهرس شامل للمشروع. وهي تعكس النظرة التاريخية الحديثة للقرآن الكريم. وبالتالي يمكن للقارئ أن يقارنها بالنظرة التبجيلية التقليدية السائدة منذ قرون. فرق كبير وتحرير أكبر... ونحن نعتقد أن النظرة العلمية والتاريخية والفلسفية توسع الإيمان وتجعله مستنيراً ناضجاً ولا تنقضه إطلاقاً. إنها تنقض فقط الإيمان المتعصب الانغلاقي الكاره للآخرين والمكفر لهم بشكل مسبق. فهناك الإيمان الذي يحيي وينعش، وهناك الإيمان الذي يعمي ويقتل. وشتان ما بينهما. شتان ما بين عقلية القرون الوسطى وعقلية القرون الحديثة.

ولا ننسى «القاموس الموسوعي للقرآن الكريم» من تأليف الباحث الجزائري الراحل مالك شبل. وينبغي أن نضيف إلى كل ذلك «قاموس القرآن الكريم» الذي صدر في باريس وشارك في إنجازه ما لا يقل عن ثمانية وعشرين باحثاً أكاديمياً مسلماً وغير مسلم. هكذا نلاحظ أن الاستشراق بالمعنى العلمي الأكاديمي للكلمة لم يعد محصوراً بالباحثين الأجانب، وإنما أصبح يشمل أيضاً الباحثين العرب والمسلمين. وأقصد بهم أولئك الذين يشتغلون في جامعات الغرب ويتقنون مناهج البحث العلمي ويحسنون تطبيقها على تراثهم الإسلامي كما يحسن فلاسفة الغرب تطبيقها على تراثهم المسيحي. وهذا قد يخفف من حدة العداء للاستشراق والمستشرقين في الأوساط العربية والإسلامية المحافظة أو المؤدلجة أكثر من اللزوم. فالتعاون الفكري بين الباحثين العرب والباحثين الأجانب يساهم مساهمة فعّالة ليس في إنارة التراث وتخليصه من براثن الظلاميين فقط، وإنما يساهم أيضاً في تدشين حوار الثقافات والحضارات.

ينبغي العلم أن أقطاب الكنيسة الكاثوليكية هاجموا سابقاً تطبيق المناهج الحديثة على التراث المسيحي بذات العنف الذي يهاجم به الشيوخ التقليديون حالياً الاستشراق لأنه طبق ذات المنهجية على تراثنا العربي الإسلامي. العقلية الأصولية واحدة مهما اختلفت الأديان والمذاهب. التعصب هو التعصب والانغلاق هو الانغلاق. وهذا يعني أن المعركة ضد الأصولية الانغلاقية التكفيرية سوف تحصل في الجهة العربية الإسلامية كما كانت قد حصلت في الجهة المسيحية الأوروبية.

إنها لمصيبة كبرى أننا ابتلينا بهذه الآيديولوجيا الديماغوجية الغوغائية التي تحارب تطبيق المناهج العلمية الحديثة على تراثنا بحجة حمايته من عدوان الاستشراق والمستشرقين! وقد سقط في هذا الفخ باحثون كبار مبدعون كإدوارد سعيد. ناهيك عن أنور عبد الملك وآخرين. وهكذا قدموا للأصوليين محاجات حداثية أو قل ضمانات حداثية كانت تنقصهم بشكل موجع. لقد قدموا لهم سلاحاً فعالاً لكي يجلدوننا به. شيء مؤسف جداً ولكن هذا ما حصل. أحياناً يلعب المثقف الحداثي دور «الأبله المفيد» لقضية غير قضيته، بل معاكسة لقضيته. ولله في خلقه شؤون. على أي حال، فقد تراجع إدوارد سعيد عن ذلك في الطبعة الثانية لكتابه الشهير، بعد أن أدرك حجم الحماقة التي ارتكبها. أقصد بعد أن أدرك كيف يستغل الأصوليون بكل لهفة أبحاثه لخدمة قضيتهم الظلامية المضادة لقضيته التنويرية. عندئذ أحسّ بهول ما ارتكب. فكيف يمكن أن نخرج من مستنقع التخلف الذي سقطنا فيه؟ إذ أقول: ذلك لا يعني أني أعتبر الأبحاث الاستشراقية بمثابة المعصومة. لا، أبداً. لا عصمة في العلم. ولكن على الأقل لنطلع على أبحاثهم قبل أن ننتقدها إذا كنا نستطيع أن نرتفع إلى مستواها طبعاً. كيف يمكن أن نهاجمهم وندينهم قبل أن نطلع على ما فعلوه وأنجزوه. ينبغي العلم أن الصورة التي نمتلكها عن تراثنا هي صورة تبجيلية أو أصولية تقليدية، عفى عليها الزمن. وبالتالي فالاستشراق هو وحده الذي كشف لنا عن الصورة التاريخية والواقعية الحقيقية. فهل نرفضه؟ إننا عندئذ نضرّ أنفسنا كثيراً. لماذا؟ لأننا نؤخر تحررنا الفكري بكل بساطة، ونظل مقطوعين عن ركب العلم والحضارة إلى ما لا نهاية. وعلى أي حال، فإن المثقفين العرب لا يستطيعون القيام بما فعله الاستشراق من عمل فكري تحريري لسببين: أولاً لأنهم غير مسيطرين على المنهج والمصطلح. وبالتالي غير قادرين على تطبيق المناهج الحديثة على التراث. وثانياً لأنهم على فرض أنهم يمتلكون ذلك فإنهم لا يتجرأون على الاقتحام الفكري إلا إذا غادروا بلدانهم العربية وأقاموا في بلدان الغرب لحماية أنفسهم من غضب الشارع وزمجرات الأصوليين. في كلتا الحالتين لم يبقَ لنا إلا الاستشراق الذي قدّم لنا أكبر خدمة مجاناً. لقد حرر تراثنا من خلفيات العصور الوسطى وظلماتها نيابة عنا. ولم يكن دافعه إلى ذلك السيطرة ولا الهيمنة، وإنما حبّ الفضول المعرفي ومتعة الكشف العلمي التي لا تعادلها متعة. ولو كنت صاحب قرار في العالم العربي لأمرت فوراً بفتح مركز كبير للترجمة في المشرق أو المغرب متخصص بنقل أمهات الكتب الاستشراقية فقط إلى لغتنا العربية. هذه هي الطريقة الوحيدة لكي نتحرر من رواسب الماضي والانغلاقات الطائفية والمذهبية التي تنغص عيشنا وتسمم وجودنا وتمزق شعوبنا ومكوناتنا الاجتماعية. ليس بالعقلية التكفيرية القديمة سوف نبني وحدتنا الوطنية ونهضتنا الإشعاعية والحضارية المقبلة.

ومؤخراً صدر في باريس كتابان موسوعيان أساسيان بعنوان «قرآن التاريخ»، و«محمد التاريخ». آلاف الصفحات لكل واحد. أي القرآن الكريم مدروساً من وجهة نظر تاريخية وفلسفية محضة. وكذلك النبي الأكرم مفهوماً على ضوء أحدث المناهج والكشوفات بصفته أحد أعظم الشخصيات التي أثرت على التاريخ البشري. والسؤال المطروح الآن: متى سينقل العرب كل هذه الكنوز المعرفية إلى لغة الضاد؟ متى سيدخل العرب التاريخ من جديد؟


الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو
TT

الذكاء الاصطناعي يكشف عن نصوص مجهولة من ملحمة جلجامش

جلجامش وأنكيدو
جلجامش وأنكيدو

تحت أقبية المتحف البريطاني في لندن، حيث تتجاور العتمة مع الضوء، وحيث يتحوّل الصمت إلى مادة قابلة للإصغاء، ترقد آلاف الشظايا الطينية كأنها أرشيفٌ للإنسان قبل أن يتعلّم الأرشفة. قطعٌ صغيرة، متشققة الأطراف، تحمل في نقوشها المسمارية توتّر البدايات: خوف الكائن من انطفائه، وشغفه بأن يترك أثراً أثقل من جسده وأطول عمراً من أنفاسه. هنا، على طينٍ جفّ فوق ضفاف دجلة، والفرات، كُتبت «ملحمة جلجامش» بوصفها سيرةَ سؤالٍ أكثر منها حكايةَ بطل: سؤال الخلود حين يقترب الموت من القلب.

الطين في هذه الألواح ليس مجرد وسيط كتابة، بل فلسفةٌ كاملة: فكرةٌ تهبط من التجريد إلى الكتلة، تتحوّل إلى جسمٍ يمكن لمسه، وكأن الذاكرة تحتاج وزناً كي تقاوم الريح. الكتبة العراقيون القدماء ضغطوا بمساميرهم على طينٍ طري، فتركوا أثر اليد داخل أثر الحرف، وصنعوا جسراً بين الحضور، والغياب. ثم جاءت النار التي التهمت قصور نينوى، فشوَت الألواح وزادتها صلابة، فصار الخراب شريكاً في البقاء، والكارثة ختمَ حفظٍ غير مقصود على مخطوطات الأرض.

عند تأمل «اللوح الحادي عشر» (لوح الطوفان) الذي اكتشفه جورج سميث عام 1872، نرى الحروف المسمارية وقد برزت متحديةً عوامل التعرية. وقف سميث حينها مذهولاً أمام تطابق النص مع روايات الطوفان الأخرى في الأديان عبر العالم، مدركاً أنه يمسك بأقدم وثيقة أدبية مكتوبة.

تمتلك المكتبات، والمتاحف، والجامعات أكثر من نصف مليون لوح طيني عراقي منقوشة بخط مسماري مثل «اللوح الحادي عشر». لكن العدد الهائل من النصوص، والعدد القليل من قراء الأكادية -وهي لغة لم يتحدث بها أو يكتبها أحد منذ 2000 عام- يعني أن جزءاً صغيراً فقط من هذه الألواح قد ترجم.

على أن السنوات الأخيرة شهدت تحولاً جذرياً في طريقة قراءة هذه النصوص. فبينما كان العلماء يعتمدون على العين المجردة، والذاكرة البصرية لمحاولة مطابقة آلاف الكسر المتناثرة من قبل عدد محدود من الخبراء الذين يتقنون قراءة اللغات المندثرة، دخل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه لاعب محوري في هذه العملية. مشروع «فراغمنتاريوم» بقيادة إنريكي خيمينيز يمثل ثورة حقيقية في هذا المجال. الخوارزميات الآن تمسح صور الكسور الطينية وتعالجها رياضياً لتجد الروابط بين قطعة موجودة في لندن، وأخرى في بغداد، أو ييل.

هذه التقنية وفرت تسريعاً هائلاً لعملية تجميع واستعادة النصوص ومطابقتها. لقد نجحت الأجهزة الذكية في ضم مئات القطع المتناثرة، مضيفة سطوراً جديدة بالكامل للملحمة. الآلة هنا تعمل عيناً ثالثة، ترى الأنماط التي تغيب عن العين البشرية، وتعيد بناء اللغز المعقد الذي تركه الزمن. وبفضلها، بتنا نقرأ تفاصيل دقيقة كانت غائبة لقرون، ونسمع أصواتاً ظلت صامتة تحت ركام التاريخ.

كشفت النصوص التي جُمعت حديثاً عن فصول مجهولة لم تقرأ من قبل في رحلة جلجامش وصديقه إنكيدو. فتخبرنا عن زيارة البطلين إلى مدينة نيبور، المركز الديني للعراق القديم، في محاولة لاسترضاء الإله «إنليل» بعد قتلهما للوحش «خمبابا». هذا التفصيل يضيف بعداً سياسياً ودينياً لرحلتهما؛ فهما لم يكونا مجرد مغامرين، بل كانا يدركان ثقل الخطيئة، وضرورة التكفير عنها أمام سادة المصير.

كذلك، ظهرت نصوص تصف صلاة «ننسون»، والدة جلجامش، وهي تتوجه إلى إله الشمس «شماش» طالبةً منه رعاية إنكيدو ليكون دليلاً لابنها في غابة الأرز. هذه السطور تعمق البعد العاطفي للأمومة، والقلق في الملحمة، وتظهر إنكيدو بوصفه شخصية محورية تستحق الحماية الإلهية بفضل دعوات الأم الملكية.

ومن أكثر الإضافات إثارةً للدهشة تلك المتعلقة بشخصية «أوتنابشتم» (الناجي من الطوفان العظيم). تُظهر الأجزاء الجديدة شعوره بالذنب تجاه العمال الذين بنوا له السفينة. يذكر النص أنه «أغدق» عليهم الشراب، والولائم، بينما كان يعلم في قرارة نفسه أن مصيرهم الغرق المحتوم. كلمة «أغدق» أو «سقى بإسراف» تكشف عن صراع نفسي عميق لدى الناجي، وتجعل منه شخصية تراجيدية تحمل عبء المعرفة وحدها.

تبقى العلاقة بين جلجامش وإنكيدو المحرك الأساسي للملحمة. النصوص الطينية تصف بدقة مشاعر الفقد، والألم. حين مات إنكيدو، رفض جلجامش تسليم جثته للقبر، وظل يراقب صديقه بانتظار عودته للحياة، حتى سقطت دودة من أنفه. هذا المشهد، الذي تصوره الألواح بواقعية فجة، يجسد «الصدمة» الأولى التي تدفع الإنسان للبحث عن الخلود.

صرخة جلجامش: «هل سأكون مثله وأرقد فلا أقوم أبد الآبدين؟» تتردد في أروقة المتحف. إنها صرخة الكائن البشري الذي يعي فناءه. الألواح الجديدة تزيد من وضوح حوارات إنكيدو وهو يحاول ثني جلجامش عن بعض المخاطر، ما يبرز دوره باعتبار أنه صوت للحكمة، والحذر، مقابل اندفاع جلجامش الجامح.

في رحلته اليائسة، يلتقي جلجامش بصاحبة الحانة «سيدوري». النص المسماري يقدم نصيحتها باعتبارها واحدة من أقدم الفلسفات الوجودية التي تدعو لاغتنام اللحظة. تقول له: «اجعل بطنك ممتلئة، افرح ليل نهار... انظر للطفل الذي يمسك بيدك، ولتسر زوجتك في أحضانك». هذه الدعوة للحياة البسيطة، والاستمتاع بالحاضر تقف نقيضاً لسعي جلجامش المستحيل وراء الخلود الجسدي.

تكتسب هذه الكلمات عمقاً أكبر عند قراءتها من على سطح لوح طيني متشقق. إنها تذكير بأن الانشغال بالغد قد يضيّع منا جمال اللحظة الآنية. ورغم تجاهل جلجامش لنصيحتها في البداية، وإصراره على المضي قدماً، فإن الملحمة تنتهي بعودته إلى «أوروك» وتأمله لأسوارها العظيمة، في إشارة لقبوله بأن الخلود يكمن في العمل، والإنجاز البشري الذي يبقى بعد رحيل الجسد.

تطرح الاكتشافات الحديثة ألغازاً جديدة تحفز العقل. أحد السطور التي كشفها الذكاء الاصطناعي يأتي على لسان «أوتنابشتم» موجهاً حديثه لجلجامش: «هل بنوا يوماً قصراً لأحمق؟». هذا التساؤل الغامض يفتح باب التأويلات. هل يقصد أن الخلود والمكانة الرفيعة يتطلبان حكمة لا يملكها المتهورون؟ أم يسخر من سعي جلجامش العبثي؟ يبقى هذا السطر دليلاً على أن النص لا يزال يخفي أسراراً تنتظر الفهم، وأن كل كشف جديد يولد أسئلة إضافية.

إن عملية تجميع الملحمة عملية مستمرة، وحيّة. الآلاف من الكسر الطينية في مخازن المتاحف العالمية تنتظر دورها لتدخل تحت ماسحات الذكاء الاصطناعي. ومع كل قطعة تضاف، تزداد الصورة وضوحاً، وتكتسب الشخصيات عمقاً إنسانياً جديداً. العلماء اليوم، مثل ناثان واسرمان، وأندرو جورج، يؤكدون أن التكنولوجيا تعزز القدرة البشرية، ولا تلغيها؛ فهي تقدم الاحتمالات، وتبقي للعقل البشري مهمة الفهم، والتأويل، واستشعار الجمال الأدبي.

إن إعادة قراءة ملحمة جلجامش عبر نقوش المتحف البريطاني وبمساعدة أحدث معطيات التكنولوجيا الحديثة تجربة فريدة للغاية تفتح الباب أمام حوار حضارات حقيقي، فنحن نستخدم أحدث ما أنتجه العقل البشري من خوارزميات لفهم أقدم ما كتبه العقل البشري من قصص. الطين والسيليكون يلتقيان ليخبرا قصة واحدة: قصة الإنسان الذي يبحث عن معنى، ويواجه الفناء بالبناء، والكتابة.

تظل الملحمة العراقية القديمة نصاً مفتوحاً على الاحتمالات، كتاباً يكتب نفسه باستمرار مع كل شظية تخرج من الظل لتأخذ مكانها في جدارية الخلود. جلجامش، الذي رأى كل شيء، ما زال لديه الكثير ليقوله لنا.


حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.