الخلاف الروسي ـ الإيراني... تحضير لحوار واسع حول تسوية في سوريا

مصدر من موسكو لـ {الشرق الأوسط}: إيران أكثر مرونة للحديث عن {تقليص} وليس إنهاء الوجود

فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
TT

الخلاف الروسي ـ الإيراني... تحضير لحوار واسع حول تسوية في سوريا

فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)

انشغلت وسائل إعلام روسية وأوساط الخبراء خلال الأسبوع الأخير بمتابعة اتساع هوة التباينات بين روسيا وإيران في سوريا أخيراً، على خلفية التفاهمات التي توصلت إليها موسكو مع تل أبيب بشأن ضرورة انسحاب إيران والميليشيات الموالية لها من الجنوب السوري، وفي إطار شروع موسكو في محاولة وضع ملامح للتسوية النهائية في سوريا، برزت في بعض جوانبها تناقضات مع الأولويات الإيرانية في هذا البلد.
كان لافتا أن التصريحات الروسية حول هذا الملف اقترنت بتحركات ميدانية؛ بينها تعزيز حضور الشرطة العسكرية الروسية في الغوطة وفي بعض أحياء العاصمة السورية، بالإضافة إلى «المناورة» التي قامت بها موسكو في القصير عبر الدفع بوحدات من الشرطة العسكرية ثم سحبها في وقت لاحق.
وعدّ خبراء روس أن هذه التحركات هدفت إلى توجيه رسائل إلى النظام وإيران بجدية موسكو في طرحها حول ضرورة تقديم تنازلات واضحة من جانب حليفيها النظام وإيران لإطلاق مسار تسوية تكون قابلة للحياة ومرضية للأطراف الإقليمية والدولية كما للمعارضة السورية. وتعمد دبلوماسيون روس التذكير في هذا الإطار بالعبارة التي أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة بعد قمة سوتشي التي جمعته مع نظيريه التركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني، حول أن «التنازلات لإنجاح التسوية مطلوبة من كل الأطراف بما في ذلك من الحكومة السورية». أهمية العبارة أنها جاءت بعد مرور 24 ساعة فقط على لقاء بوتين برئيس النظام بشار الأسد في سوتشي.
لكن الأهم، وفقا لمتابعين روس، أن الضغط الدبلوماسي الروسي على النظام وعلى إيران، اتخذ في الفترة الأخيرة طابعا مفتوحا يتجاوز حال التكتم التي سيطرت على الوضع في أوقات سابقة؛ إذ غدت التحركات والتصريحات الروسية تتخذ مسارات مباشرة وتوجه رسائل مباشرة.
لكن السؤال الذي برز بقوة هو: هل تملك روسيا بالفعل آليات للضغط على إيران من أجل حملها على الانسحاب من سوريا؟ وهل يوحي التباين الحالي بأن علاقات الطرفين تقف على حافة الانفجار كما أشارت تحليلات كثيرة؟
وفي السياق ذاته، نشرت وسائل إعلام تقارير عن وصول العلاقة إلى مستوى واضح من التردي، وذكرت فيها أن «مسؤولين اثنين كبيرين في التحالف الإقليمي الذي يدعم دمشق، أكدا أن انتشار قوات روسية في سوريا قرب الحدود اللبنانية هذا الأسبوع تسبب في احتكاك مع القوات المدعومة من إيران، من بينها قوات (حزب الله) الذي اعترض على التحرك غير المنسق، وأن هذه الخطوة جاءت من أجل طمأنة الإسرائيليين إلى جدية موسكو في مواجهة اتساع الوجود الإيراني في سوريا».
ونقلت الصحافة أيضا أن «محور المقاومة يدرس الوضع بجدية بعد التحرك الروسي غير المنسق»، وأن «أجندة إيران وروسيا المتناقضة أصبحت أكثر وضوحاً اليوم، لا سيما بعد دخول إسرائيل على الخط مع روسيا».
كما أوردت مجلة «بزنس نيو يوروب» البريطانية، مقالة تحت عنوان: «روسيا وإيران: صداقة تقابلها خصومة صامتة»، بقلم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تبليسي الجورجية، إميل أفالدياني. وقال أفالدياني في مقالته: «كما هو معتاد، تبدأ الخلافات الحقيقية بين الحلفاء وقت الحرب، بعد انتهاء الأعمال القتالية الرئيسية، وهذا ما ينطبق على روسيا وإيران. إيران ترغب بتعزيز وصولها إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا، بينما تخشى موسكو من أن تصبح إيران قوية بما يكفي لعدم الخضوع للقيادة الروسية، كما أن أهداف موسكو الإقليمية تستدعي الاستماع جيداً إلى مطالب الحكومة الإسرائيلية».
بعد ذلك جاءت ردود الفعل الإيرانية المباشرة، ثم بشكل غير مباشر من جانب أطراف موالية لإيران، أبرزها «حزب الله»، لتضع موسكو أمام «اختبار جديتها في فرض تسوية في الجنوب مهما كانت طبيعتها فإنها سوف تنسحب على مسار العمل لترسيخ ملامح التسوية الشاملة»، وفقا لخبير روسي مقرب من «الخارجية» تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
تبدو العبارة واضحة جدا؛ إذ لن يكون بمقدور موسكو إقناع أطراف إقليمية مؤثرة وأطراف دولية رئيسية، بقدرتها على إدارة الحل وهي تواجه بتصريحات إيرانية ومن جانب «حزب الله»، مفادها أن لا روسيا ولا أي قوة أخرى ستكون قادرة على إخراج إيران وحلفائها من الجنوب السوري أو أي بقعة أخرى، ما دام النظام لم يعلن رغبته في إنهاء الوجود الإيراني. واعتبرت الصحافة الروسية أن هذه التصريحات حملت رسالة تحد قوية لموسكو سعت إلى إعادة الروس إلى «الحجم الطبيعي» في التعامل ضمن أطر التحالف القائم حتى الآن، وفقا لتعليق صحافي. وكان لافتا بعد هذا التطور أن اللهجة الروسية مالت إلى تخفيف حدتها، وتجاهلت وسائل الإعلام الحكومية الروسية تصريحات قوية لحسن نصر الله انتقد فيها الروس صراحة.
وفي الوقت ذاته دلت التحركات الروسية على مسعى من جانب موسكو إلى احتواء الفتور الذي سيطر على العلاقة مع طهران. وبرز ذلك خلال لقاء بوتين وروحاني على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بكين؛ إذ تعمد بوتين الإشارة إلى «الإنجازات المشتركة للطرفين في سوريا». وصحيح أن الجزء الأعظم من المحادثات جرى خلف أبواب مغلقة مما أوحى بتعقد المفاوضات بين الجانبين، لكن ما تسرب منها لاحقا أوحى بأن روسيا لم تتخذ مواقف حازمة بعد حيال إيران ووجودها وتأثيرها في سوريا.
وكان لافتا تأكيد بوتين وروحاني خلال اللقاء على أن العلاقات الروسية - الإيرانية «فريدة وخاصة» لأنها تتعلق بعدد واسع جدا من المستويات والمسارات ولا تقتصر على تعاون في قطاع أو مسار سياسي. بهذا المعنى يوضح الطرفان أن الخلافات في سوريا حول بعض الملفات لن يكون لها تأثير انفجار العلاقة. ويؤكد الطرفان أن الشراكة في عدد من الملفات الممتدة من جنوب القوقاز وحوض قزوين إلى آسيا الوسطى وصولا إلى الشرق الأوسط، أعمق من أن تكسر بسبب خلاف حول ملف واحد، رغم إقرار خبراء من الجانبين بأن تشابك العلاقة وتعقيداتها يجعل كل طرف شريكا متعبا إلى درجة معينة بالنسبة إلى الطرف الآخر، لكنه «شريك لا بديل عنه حاليا رغم مشكلاته». بعد القمة الروسية - الإيرانية كان لافتا أيضا أن مركز الأزمات الرباعي الذي يضم روسيا وإيران والعراق والنظام ومركزه بغداد، عقد اجتماعا مفاجئا لرؤساء أجهزة الاستخبارات شكل عمليا محاولة لإعادة إحيائه بعدما غدا منسياً، وتم خلال الاجتماع تداول تطورات الوضع في سوريا. ومن الطبيعي أن البحث تركز على الوجود الإيراني ومتطلبات إطلاق التسوية السياسية في المرحلة المقبلة. كانت هذه، وفقا لتصريحات روسية، محاولة أخرى لإعادة ضبط الساعات والسياسات على ضوء المتغيرات ومحاولة لاحتواء تعقيدات الموقف مع إيران.
في إطار هذه التحركات، يرى خبراء روس أن موسكو ما زالت لم تتخذ قرارا نهائيا بمواجهة تعزيز الوجود الإيراني في سوريا، وأن الحديث عن الجنوب والتفاهمات مع تل أبيب، عكسا فقط رغبة روسية في إطلاق حوار شامل حول هذا الموضوع لا يصل في حالته الراهنة إلى مرحلة صدام مباشر أو غير مباشر. وقال المصدر الروسي لـ«الشرق الأوسط» إن موسكو تشعر بأن إيران ستكون أكثر مرونة للحديث عن تقليص وليس إنهاء الوجود في سوريا، لكن الثمن المطلوب في مقابل ذلك لم يوضع بعد على طاولة البحث. هذا يعني أن موسكو ما زالت تخوض مرحلة إطلاق «بالونات اختبار» لتحديد ملامح أولية للتسوية المحتملة في سوريا على ضوء اتصالاتها المكثفة حاليا مع إسرائيل ومع فرنسا التي نشطت سياساتها في سوريا، أخيراً، وعلى خلفية اقتراحات أوروبية بتشكيل آلية مشتركة للحل تجمع بين مسار آستانة ومجموعة إقليمية دولية واسعة تضم بلدانا عربية مؤثرة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي. وربما الصين واليابان.
أهمية هذا المدخل أنه سيكون قادراً على وضع أي اتفاقات نهائية موضع التنفيذ، خصوصا في إطار مسائل التسوية السياسية النهائية، وملف إعادة الإعمار. لكن المشكلة الرئيسية التي تعترض هذا المسار غياب الحوار الروسي - الأميركي الذي لن تكون العلاقة بين موسكو وباريس قادرة على تعويضه حاليا. وحتى يتم إطلاق حوار مباشر بين موسكو وواشنطن تدخل فيه أوروبا ويأخذ في الاعتبار مصالح الأطراف العربية والإقليمية المؤثرة، ستظل الأحاديث الروسية عن خروج كل القوات الأجنبية من سوريا، بما فيها الإيرانية، جزءا من بالونات الاختبار ومساعي التحضير لنقاش مستقبلي شامل في هذه المسألة.



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.