تأجيل مؤتمر الحوار الاقتصادي في تونس للمرة الثالثة يعوق إصلاحات هيكلية في برنامج الحكومة

تأجيل مؤتمر الحوار الاقتصادي في تونس للمرة الثالثة يعوق إصلاحات هيكلية في برنامج الحكومة

تخفيض الدعم على المحروقات وعلى مواد استهلاكية أبرز النقاط الخلافية
الخميس - 6 شهر رمضان 1435 هـ - 03 يوليو 2014 مـ

لم تتمكن الحكومة التونسية من إقناع الأطراف السياسية والاجتماعية بفائدة الجلوس إلى طاولة واحدة بشأن عقد مؤتمر الحوار الاقتصادي المؤجل. ويبدو أن فرضية تأجيله للمرة الثالثة واردة بسبب خلافات عميقة على مستوى الإصلاحات الهيكلية الأليمة التي تعد الحكومة بتطبيقها، وتدعو بقية الأطراف إلى تجنبها في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة.
وتأجل مؤتمر الحوار الاقتصادي الذي دعا له مهدي جمعة إثر توليه رئاسة الحكومة، في مرة أولى بعد أن دعت له الحكومة يوم 28 مايو (أيار) الماضي، وأعيد تأجيله مرة ثانية يوم 14 يونيو (حزيران) الماضي. وكان من المتوقع أن تنطلق جلسات الحوار الاقتصادي بداية الشهر الحالي قبل تقديم قانون المالية التكميلي لسنة 2014 وعرضه على أنظار المجلس التأسيسي (البرلمان) للتصديق على جملة من الإصلاحات الهيكلية التي تمس بالخصوص تخفيض الدعم على المحروقات وعلى مجموعة من المواد الاستهلاكية.
وعقدت خمس فرق عمل اجتماعها الرابع بقصر الحكومة لمتابعة الملفات الاقتصادية وعرض نتائجها بشأن التوافقات الحاصلة والاحترازات المسجلة بخصوص التوازنات المالية الكبرى وإصلاح الجباية وترشيد نفقات صندوق الدعم. إلا أن النتائج التي تأمل الحكومة الوصول إليها لم تتحقق؛ إذ اعترض ممثل الاتحاد العام التونسي للشغل (نقابة العمال) في لجنة إعداد مؤتمر الحوار الاقتصادي، على زيادة بـ100 مليم تونسي (الدينار التونسي يساوي ألف مليم) في أسعار المحروقات، وهي نقطة خلافية أساسية حالت دون التوصل إلى انعقاد مؤتمر الحوار الاقتصادي.
ويشرف رئيس الحكومة التونسية بنفسه على لجنة إعداد مؤتمر الحوار الاقتصادي، وتضم هذه اللجنة وداد بوشماوي رئيسة منظمة رجال الأعمال، وحسين العباسي رئيس نقابة العمال، وعبد المجيد الزار رئيس اتحاد الفلاحة والصيد البحري.
وفي ظل شح الموارد المالية، يبحث الاقتصاد التونسي خلال هذه الفترة عن متنفس في انتظار وصول القسط الخامس من القرض الائتماني الاحتياطي الذي سيمنحه لها صندوق النقد الدولي بعد دراسة ملف التقدم في الإصلاحات الاقتصادية التي طلبها منذ مدة ومن بينها إعادة النظر في صندوق الدعم وإصلاح الجهاز البنكي.
وبعد ثلاث سنوات من الثورة، لم يستعد الاقتصاد التونسي توازنه، وحافظ على مجموعة من الإخلالات ذات الصبغة السلبية، من بينها عجز ميزان المدفوعات وشح الموارد الداخلية وعدم القدرة على الحصول على قروض من الخارج لارتفاع درجة المخاطر الاقتصادية في الداخل.
وتوقع حكيم بن حمودة وزير الاقتصاد والمالية في تصريحات إعلامية أن يواجه الاقتصاد التونسي صعوبات كبيرة إذا لم تحقق البلاد نسبة نمو بين ستة وسبعة في المائة. وأقر بتواصل الصعوبات خلال هذه السنة مع حتمية تضافر جميع الأطراف لوضع الاقتصاد التونسي على قاطرة الانتعاشة الاقتصادية المرجوة.
وأبدت دوائر اقتصادية تونسية تفاؤلها بشأن حصول الاقتصاد التونسي على القسط الخامس من القرض الائتماني الاحتياطي من صندوق النقد الدولي المقدر بنحو 200 مليون دولار وذلك نهاية شهر يوليو (تموز) الحالي. ويقدر المبلغ الإجمالي للقرض الائتماني بنحو 2.7 مليار دينار تونسي (نحو 1.7 مليار دولار).
وقامت بعثة صندوق النقد الدولي بزيارة رسمية إلى تونس خلال المدة ما بين 14 و24 يونيو الماضي وتباحثت مع عدد من كبار المسؤولين في الحكومة التونسية، وستقرر مصير القسط الخامس من القرض المذكور إثر الاجتماع المزمع عقده يوم 27 يوليو الحالي.
وأشارت مصادر من وزارة الاقتصاد والمالية التونسية إلى أن البعثة الاقتصادية لصندوق النقد الدولي غادرت تونس وهي «راضية عن تقدم الإصلاحات الاقتصادية»، وأضافت أن المحادثات تناولت ملفات عديدة من بينها مواصلة الحكومة الحالية تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وأنه جرى التطرق إلى مجمل التحديات الاقتصادية التي تواجه تونس خلال هذه الفترة. وقد تسعى تونس خلال المدة المقبلة إلى تقديم معلومات إضافية إلى هياكل صندوق النقد الدولي قبل اجتماعه نهاية الشهر الحالي بهدف التأثير عليها وإقناعها بجدوى وأهمية تمكين الاقتصاد التونسي بجرعة مالية جديدة قد تساعده لاحقا على الاستجابة لجانب مهم من طلبات التنمية والتشغيل.
وصرح علي العريض رئيس الحكومة التونسية السابق لـ«الشرق الأوسط» بأن نسبة النمو كانت إيجابية خلال سنوات 2012 و2013، وأنها تحوم حول ثلاثة في المائة بعد أن كانت سلبية تماما مباشرة إثر الثورة. وطالب الحكومة الحالية بمزيد من ترسيخ ثقافة العمل والإنتاج من أجل ضمان نسبة نمو سنوي بين ستة وسبعة في المائة بعد أن استقرت الأوضاع الأمنية عما كانت عليه ونجاح الثورة التونسية في تغيير صورتها في الخارج.
وأشار العريض إلى تردد الاستثمارات الخاصة إلى حد الآن في دخول المناطق الداخلية، و«هذا خلافا للاستثمارات العمومية (الحكومية) التي غامرت منذ بداية الثورة ونفذت عدة مشاريع ناجحة».
وكانت نسبة الاستثمارات في تونس التي لم تنجز لعدة أسباب منها الأمني والعقاري والإداري، في حدود 66 في المائة، وهو ما دفع الحكومة التونسية إلى البحث عن منوال تنمية مختلف أساسه إمكانات الجهات الداخلية، ومن ثم الاعتماد على كفاءاتها الخاصة وتقرير أولوياتها بنفسها. إلا أن هذا التوجه التنموي الجديد لن يؤتي أكله إلا بعد سنوات، وهو ما لا يتماشى وطبيعة المطالب الاجتماعية والاقتصادية العاجلة لفئة كبيرة من التونسيين.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة