المهمّشون نجوماً والشعر مشاع بين الجميع

بعد الانتشار الواسع لمواقع التواصل

المهمّشون نجوماً والشعر مشاع بين الجميع
TT

المهمّشون نجوماً والشعر مشاع بين الجميع

المهمّشون نجوماً والشعر مشاع بين الجميع

لم يحدث عبر حقب التاريخ المختلفة أن وُضعت المعارف والإبداعات والخبرات الإنسانية في تصرف البشر ورهن إرادتهم، كما هي الحال في العقود الأخيرة الماضية. فما كانت تقتصر معرفته والإحاطة به على القلة القليلة من النخب المثقفة والعقول النيرة، بات اليوم في متناول الجميع على اختلاف مشاربهم ومستوياتهم وشرائحهم الاجتماعية. لقد فقد المثقفون التقليديون جُلّ امتيازاتهم السابقة التي كانت تمنحهم سلطة الهيمنة والاستحواذ على من هم دونهم اطلاعاً وتحصيلاً ووقوفاً على الحقائق، وبات محرك البحث «غوغل» شبيهاً بقمقم سحري لا يحتاج فتحه والوقوف على كنوزه المعرفية إلى أكثر من نقرة أصبع سريعة. ولا يقتصر الأمر على وجه واحد من وجوه المعرفة أو الاختصاص، بل يستطيع أي شخص عادي أن يحصل على ما يريده في مجالات التاريخ والجغرافيا والفن والفلك والطب والشعر والرياضيات وعلوم النفس والاجتماع... وغيرها، بحيث يصبح «غوغل» بشكل أو بآخر التجسيد الفعلي لفكرة خورخي بورخيس عن المكتبة الكونية التي تختزن بين جنباتها كل علوم الأرض وآدابها منذ الأزل وحتى إشعار آخر.
لا أحسب أن مارك زوكربيرغ من جهته كان يدرك في البدء أن موقع «فيسبوك» الذي دفعته إلى تأسيسه رغبته الشخصية في إقامة نوع من التواصل المباشر بينه وبين زملائه في الجامعة، سيمكنه خلال سنوات قليلة من أن يستقطب مليارات البشر الساعين إلى الخروج من عزلاتهم وقواقعهم المغلقة نحو رحابة التواصل الإنساني والتفاعل مع الآخرين. وقد يكون إقبال البشر الكاسح على وسائل التواصل بمثابة رد رمزي على الجانب الوحشي من العولمة، خصوصا في شقيها الاقتصادي والسياسي، حيث يتم طحن الأفراد والمجموعات الأقلوية تحت سنابك الإمبراطوريات الكبرى والشركات العابرة للقارات.
وإذا كان «غوغل» وغيره من محركات البحث يوفر لزواره على اختلاف مستوياتهم متعة الاطلاع والتحصيل النظري، فإن «فيسبوك» وإخوانه يوفرون لزوارهم متعتين أساسيتين؛ تتعلق أولاهما بالمشاهدة والتلصص على حيوات الآخرين ونصوصهم وأحوالهم، فيما تنتقل الثانية إلى خانة الفعل والمشاركة المباشرة عبر الكتابة والموقف في أكبر الجداريات النصية والسيميائية التي عرفها التاريخ البشري. الـ«فيسبوك» بهذا المعنى هو نقل للعولمة من إطارها النخبوي إلى إطارها «الشعبوي» حيث بات لكل فرد، صغُر أم كبُر، حق الظهور صورةً ولغةً على شاشته الهائلة التي تتسع لجميع الوجوه؛ السافرة والمقنعة، ولجميع الأسماء؛ الحقيقي منها و«الحركي». وحيث الكل يتواصل مع الكل بلا حواجز ولا حدود، فإن هذه الشبكة العنكبوتية قد استطاعت أن تشكّل أكثر من قوة ضغط سياسية واجتماعية وأخلاقية، وأن تلعب قبل سنوات أكبر الأدوار خطورة في انتفاضات الربيع العربي وفي التحولات التي أعقبتها.
لقد حقق «فيسبوك» بامتياز رغبة البشر المهمّشين والمتوارين داخل حيواتهم المنسية في تحقيق ذواتهم وإثبات وجودهم وإعلان انتسابهم إلى هذا الكوكب الذي لا يكف سكانه عن التناسل المطرد. فقد باتت صفحاته الرحبة تتسع لجحافل لا تحصى من البسطاء والكادحين والجنود المجهولين والأطفال والعجزة وممن لا يكادون «يَفُكُّون الحرف»، وكل من يريد الدفع بأناه المغيبة والمكبوتة إلى الظهور أو التحقق عبر نشر صور وأخبار مفصلة عن مأكله ومشربه ومغامراته وحِلّه وترحاله. وكلما ازداد شعور البعض بالعزلة والتهميش وعقد النقص ازداد بالمقابل تهالكهم على البروز وتضخيم الذات، وإلحاحهم على طلب الصداقات مع كتّاب وفنانين ونجوم لم يكونوا من قبل ليجدوا سبيلاً إلى معرفتهم أو التواصل معهم أو نشدان صداقتهم. هكذا تبدو مواقع التواصل من بعض وجوهها أشبه بـ«هايد بارك» كوني من الوجوه والأصوات والمواقف والخطب والآراء والشعارات. ويبدو حائطها المفتوح على مداه أشبه ببرج بابل جديد من خلائط اللغات والوقائع وأخبار الوفيات والولادات وحفلات الزفاف والولائم والاحتفال بالحياة أو التبرم من صروفها.
وإذا كان «غوغل» قد جعل المعرفة مشاعاً بين البشر، فإن «فيسبوك» قد انتقل بهم من مشاعية «التلقي» إلى مشاعية «الإرسال»، ومن خانة القراءة إلى خانة الكتابة والتعبير. لكن اللافت في هذا السياق هو أن بابل الجديدة قد ألغت الفوارق بين الجميع ولم يعد ثمة من تراتبيات مسبقة في سلم التصنيفات بين المشاركين، بحيث يمكن أن يتجاور المشاهير والمغمورون، الأسماء البراقة والأسماء الغفْل، الرواد المخضرمون والمتدربون الصغار. لا بل إن «فيسبوك» قد ذهب أبعد من ذلك حين قلب هرم التراتب على رأسه وخلط أوراق اللاعبين وفقاً لمعايير وأسس مغايرة لا ينتمي معظمها إلى المعايير النقدية الموضوعية، بل إلى معايير المجاملات الاجتماعية والمداهنة والتزلف المتبادل. يكفي أن نتصفح حائط الشبكة العنكبوتية بشكل عشوائي لكي نتوقف ذاهلين إزاء التفاوت الواسع بين العدد الضئيل لعلامات الإعجاب التي تُمنح لكاتب مرموق، وبين مئات «اللايكات» التي تحصل عليها كاتبة رديئة تدعو المفتونين بجمالها إلى مشاركتها فطور الصباح. ولعل هذا الوضع الغرائبي بامتياز هو ما دفع كاتباً عالمياً مرموقاً هو الإيطالي أمبرتو إيكو إلى شن هجوم بالغ القسوة على مواقع التواصل، لأنها، وفق تعبيره، نوع من «غزو البلهاء»، ولأنها «تمنح حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يثرثرون في الحانات فقط دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع، وكان يتم إسكاتهم فوراً. أما الآن فلهم الحق في الكلام كمن يحمل جائزة نوبل». لقد تحولت ساحة «فيسبوك» إلى مباهلة لغوية غير مسبوقة بين ملايين المنتسبين إليه ممن يقدّمون دون انقطاع تعليقات ونصوصاً مفتوحة حول شؤون الحياة وشجونها المختلفة. ولأن الشعر، في الإطار العربي، لا يزال يحتفظ بوهجه ورمزيته العالية، فإن آلافاً مؤلفة من غير الموهوبين ومنتحلي الصفة قد وجدوا الفرصة سانحة لوضع ما يكتبونه ضمن خانته، ولادعائهم، كهولاً ومسنين، اللقب الذي لم يكونوا ليجرؤوا على ادعائه في مطالع شبابهم. لقد أفاد هؤلاء من حالة البلبلة وسوء الفهم المتعلق بالحداثة الشعرية، وبقصيدة النثر على وجه الخصوص، ليدرجوا كل ما يرتجلونه من «تأوهات» وخواطر إنشائية ساذجة ضمن خانة الشعر وإطاره. على أن الأمر لم يتوقف عند حدود الشعرية «الافتراضية»؛ بل انتقل فجأة إلى التكريس المباشر على أرض الواقع من خلال عقد الأمسيات والمهرجانات المتنقلة، وصولاً إلى إصدار النصوص في مجموعات ودواوين مستقلة، يفيد كتابها من فوضى النشر وغياب النقد على حد سواء. وقد يكون «فيسبوك» قد عزز بشكل أو بآخر فكرة الرمزيين الذين يرون في كل شخص شاعراً بالقوة، لكنه يحتاج لكي يصبح شاعراً بالفعل إلى الموهبة المجردة؛ بل إلى سنوات كاملة من الكدح والمثابرة وتنمية قدراته الأسلوبية والجمالية. لكن النسبة العظمى من الأسماء المعنية بالأمر تفتقر إلى الموهبة من جهة وإلى الاشتغال والحفر المعرفي من جهة أخرى.
على أن الوجه الآخر للصورة يتمثل في تحول مواقع التواصل إلى محفزات دائمة للتفنن الأسلوبي وتمرين الخيال على الابتكار، ولتفجير كل ما كان البشر الموهوبون يختزنونه في أعماقهم بفعل التهيب والخوف. كما يتمثل في اكتشافنا اليومي لمزيد من الأسماء المفاجئة التي لا تكف نصوصها الشعرية والنثرية عن إصابتنا بالدهشة أو الذهول. ثمة أسماء كثيرة لم يسبق أن سمعنا بها من قبل تمكنت خلال فترة وجيزة من رفد شعريتنا العربية الآخذة في الترهل بقدر هائل من الاستعارات الطازجة والكشوف الجمالية غير المألوفة. صحيح أن منسوب التسيب الذي أتاحته مواقع التواصل قد بلغ مستويات غير مسبوقة، ولكن الصحيح أيضاً أن الجودة تكتسب ألقها الإضافي في ظل هيمنة الرداءة والتهافت الغث. والذهب وسط أكوام الرمال يبدو أكثر إثارة للفتنة منه في محلات الصاغة وواجهات العرض.



«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
TT

7 قتلى جراء سقوط طائرة إسعاف جوي في الهند

قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)
قوات أمنية تقف بالقرب من حطام طائرة الإسعاف الجوي من طراز «بيتشكرافت سي 90» بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

كشف مسؤولون في ​الهند، اليوم الثلاثاء، أن جميع الركاب السبعة الذين كانوا على متن طائرة إسعاف ‌من طراز ‌«بيتشكرافت» ​لقوا ‌حتفهم ⁠بعد سقوطها ​في ولاية ⁠جاركاند أمس الاثنين.

وكان على متن الطائرة اثنان من أفراد الطاقم ⁠ومريض وأقاربه.

حطام طائرة الإسعاف الجوي التي سقطت بالقرب من غابة في منطقة تشاترا بولاية جاركاند الهندية (أ.ف.ب)

وقالت ‌المديرية ‌العامة للطيران ​المدني ‌في الهند ‌أمس الاثنين إن طائرة «بيتشكرافت سي 90»، التي تشغلها شركة ‌«ريد بيرد إيرويز»، أقلعت من رانشي في ⁠جاركاند، ⁠لكنها طلبت تغيير مسارها بسبب الأحوال الجوية.

وأضافت المديرية أن الطائرة فقدت الاتصال بعد ذلك واختفت ​من على ​شاشات الرادار.


بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
TT

بين الخلوة والسمعة... موسم التحوّلات الصعبة في «شارع الأعشى»

خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)
خالد صقر في مشهد من المسلسل أثناء زواج ابنته عزيزة (حساب الفنان في إكس)

بين محاولات عزيزة ترميم صورتها، وتورّط والدها وجارتهما في عاصفة من الإشاعات، تتشكّل ملامح الموسم الثاني من مسلسل «شارع الأعشى». هنا لا تبدو السمعة مجرد قيمة اجتماعية، بل ساحة صراع مفتوحة تُختبر فيها الشخصيات تحت ضغط مجتمع يضيق فيه هامش الخطأ وتتعاظم التأويلات.

مع انقضاء الأسبوع الأول من رمضان، يواصل المسلسل تصدّر قائمة الأعمال الأكثر متابعة في السعودية وعدد من الدول العربية، مستفيداً من العلاقة التي بناها مع جمهوره منذ الموسم الأول. غير أن العودة هذه المرة لا تكتفي باستثمار النجاح السابق، بل تدفع الشخصيات إلى مرحلة أشد قسوة؛ إذ تنتقل الحكاية من التعريف إلى الاختبار، ومن البناء إلى المواجهة، حيث تتحول النيات الحسنة نقاطَ اشتباك، وتصبح الشائعة أداة تدفع الأحداث نحو مسارات جديدة.

عزيزة... من الاندفاع إلى الاتزان

مشهد من ليلة زواج عزيزة الذي شهد مرحلة انتقالية للشخصية (شاهد)

تتمحور حكاية الموسم الأول حول الشابة المتهورة عزيزة (لمى عبد الوهاب)، التي تدفع نفسها باستمرار إلى قلب المتاعب، واضعة سمعتها على المحك. فبين محاولات الهروب المتكررة والبحث عن الحب بوصفه خلاصاً سريعاً من واقع ضاغط، تنجرف الشخصية نحو سلسلة من القرارات التي تقودها إلى نتائج قاسية. ويبلغ هذا المسار ذروته حين تفكر في الهرب مع حبيبها، قبل أن تنتهي الحكاية بمقتله في ختام الموسم الأول.

في الموسم الثاني، تعود عزيزة بقدر أكبر من الاتزان، مدفوعة بإحساس متزايد بالمسؤولية تجاه حياتها وخياراتها. وتبدأ ملامح التحول مع زواجها من خالد (ناصر الدوسري)، وهي تجربة تضعها أمام واقع مختلف تماماً؛ إذ تواجه علاقة يغلب عليها الطابع العملي والقسوة، بعيداً عن الأحلام الرومانسية التي سعت إليها في السابق.

ورغم صعوبة هذا التحول، تختار عزيزة الصبر والتحمّل، محاولة الحفاظ على ما تبقّى من ثقة عائلتها وإثبات قدرتها على التكيّف داخل الإطار الاجتماعي الذي سعت يوماً إلى التمرد عليه وكسره. بذلك، ينتقل مسار الشخصية من الهروب الدائم إلى مواجهة يومية مع الواقع، في رحلة إعادة بناء الصورة أمام الأهل والمجتمع.

وضحى... مواجهة الثمن الأعلى

إلهام علي تؤدي شخصية وضحى التي تتعرض لمتاعب كبيرة في الموسم الثاني (شاهد)

على خط درامي موازٍ، تتقدّم شخصية وضحى (إلهام علي) إلى واجهة الأحداث بمساحة أوسع وتأثير أشد. وتبدأ افتتاحية المسلسل بالتحدّي المصيري الذي تواجهه بعد سجن ابنها متعب (باسل الصلي)؛ ما يدفعها إلى اتخاذ قرار قاسٍ ببيع منزلها من أجل تأمين إطلاق سراحه. ويحمل هذا القرار تضحية مضاعفة؛ إذ لا يمسّ الاستقرار المادي فحسب، بل يطول الذاكرة العائلية في عمقها.

وتتجلَّى المفارقة حين يكون المشتري جارها أبو إبراهيم (خالد صقر). ومنذ تلك اللحظة، تبدأ الأقاويل بالانتشار داخل الحارة، وتتحول الصفقة من موقف شهم إلى مادة للشك والنميمة. ويجد أهل الحي في تصرفاتهما مساحة للتأويل والمراقبة، في حين يسبق الكلامُ الوقائع بخطوات، لتجد وضحى نفسها في قلب عاصفة اجتماعية تتَّسع دائرتها مع كل حلقة، وتتحول فيها النية الحسنة عبئاً يتطلب دفاعاً يومياً.

الخلوة... لحظة تغيّر المسار

خالد صقر يمر بتحولات جديدة في الموسم الثاني (حساب الفنان في إكس)

تبلغ هذه الحبكة ذروتها في الحلقة السادسة، حين يجتمع أبو إبراهيم ووضحى صدفة في منتصف الليل داخل محل ابنها. ويتحوَّل هذا اللقاء العابر أزمةً كبيرة بعد اقتحام الشرطة المكان والقبض عليهما بتهمة الخلوة غير الشرعية، وهي تهمة كانت تُواجَه بحزم شديد في منتصف ثمانينات القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي يستلهم منها المسلسل عالمه الاجتماعي خلال الموسم الثاني.

ومنذ تلك اللحظة، تتَّسع دائرة الأقاويل، ويتعرض الاثنان إلى هجوم مباشر من أهل الحارة الذين يرتابون من سلوكهما، لتتحول النظرات والهمسات تدريجياً موقفاً علنياً يضعهما تحت ضغط اجتماعي كثيف.

أمام هذا الواقع، يقرِّر أبو إبراهيم الزواج من وضحى، في خطوة تهدف إلى ردع الأقاويل ووضع حد للتأويلات المتزايدة؛ سعياً إلى حماية السمعة قبل أي اعتبار آخر. غير أن هذه الخطوة تفتح جبهة جديدة داخل بيته، وتضع أسرته أمام اختبار صعب تتداخل فيه المشاعر مع ضغط المجتمع ونظرته.

وتدخل زوجته نورة (عائشة كاي) في تحدٍّ مختلف عمَّا عاشته في الموسم الأول؛ فبعدما تمحورت أزماتها سابقاً حول أبنائها وبناتها، تجد نفسها اليوم أمام أزمة تمس علاقتها الزوجية مباشرة. ومع تراكم الضغوط وتصاعد الكلام داخل الحارة، يلحظ الجمهور بداية تصدّع في هذه العلاقة، تحت وطأة المجتمع وثقل سمعته.

سعد... عودة بوجه مزدوج

براء عالم ملثماً في دور الهارب سعد (حساب الفنان في إكس)

في سياقٍ آخر، يعود الشاب سعد (براء عالم) بعد المسار الذي اتخذه في الموسم الأول، حين انحرف وانضم إلى فئات فكرية ضالّة، وانتشر خبر مقتله. غير أن الموسم الثاني يكشف عن أن سعد ما زال حياً، وأنه يتعامل سراً مع الشرطة للقبض على المطلوبين، ليتحرك بين أزقة الحي متلثماً بشماغه، ويظهر في صورة تجمع بين الغموض والخطر.

ويجعل هذا الحضور الملتبس بعضَ سكان الحارة يلمحونه ويشكّون في هويته، كما يضيف خط سعد طبقة جديدة من التوتر إلى عالم «شارع الأعشى». ويعزّز هذا المسار فكرة السمعة والذاكرة والهوية بوصفها عناصر فاعلة في تشكيل مصائر الشخصيات، مانحاً الموسم بُعداً إضافياً يتجاوز الصراع العائلي إلى صراع مع الماضي وصورته في عيون الآخرين.

وجوه جديدة... وشخصيات تتبدّل

وكذلك، يشهد الموسم الجديد تحولاً في شخصية فواز (محمد الحربي)، الذي كان حضوره هامشياً ومحدوداً في الموسم الأول بوصفه صبياً صغيراً، ليظهر اليوم في صورة مراهق يحاول فرض سيطرته على تصرفات أخواته، ويغار عليهن من شباب الحي، في محاولة لمحاكاة التحولات التي يمر بها الصبيان خلال مرحلة الانتقال من الطفولة إلى الشباب.

ويبدو لافتاً ما يحمله الموسم الثاني من «شارع الأعشى» من مشاركة جديدة لعدد من النجوم الذين انضموا إلى العمل، مثل ناصر الدوسري، ومهند الحمدي، ومها محمد، ومحمد الحجي إلى جانب أسماء أخرى؛ وهو ما أسهم في توسيع عالم الحكاية وفتح مسارات درامية جديدة، ومنح الحارة وجوهاً أخرى تتقاطع مع الشخصيات الأساسية.

في المقابل، شهد الموسم الثاني استبدال شخصية ضاري، التي كان يؤديها الممثل عبد الرحمن بن نافع في الجزء الأول، ليحل محله مصعب المالكي. وأثار هذا التغيير جدلاً واسعاً بين الجمهور خلال الأسبوع الأول من العرض، وفتحِ باب المقارنات بين أداء الممثلين، في نقاش يعكس حجم ارتباط المشاهدين بالشخصيات وتفاصيلها.

ديكور وأزياء أكثر ثراءً

على المستوى البصري، يبرز في هذا الموسم تطور واضح في ديكور الحارة؛ إذ جاء أكثر إتقاناً وغنًى بالتفاصيل، بما يعزّز الإحساس بالمكان والزمن، ويمنح المشاهد شعوراً أعمق بالاندماج في العالم الدرامي. فقد بدت الأزقة والبيوت والمحال وكأنها تحمل طبقات من الذاكرة، وتخدم فكرة الحارة بوصفها كائناً حيّاً يراقب ويحتفظ بالأسرار.

وينسجم هذا التطور مع عناية أكبر بتفاصيل الأزياء، التي جاءت مشغولة بدقة بمشاركة مستشارة الأزياء فوزية بن خميس. كما برز فستان زواج عزيزة من خالد، باللون الوردي المنفوش والمشغولات الذهبية، بوصفه أحد أكثر العناصر البصرية لفتاً للانتباه في الحلقات الأولى.

إلى جانب ذلك، يظهر جانب آخر في شخصية الجازي (أميرة الشريف)، يتمثل في اهتمامها بتصميم الأزياء لسيدات الحارة، وهو تفصيل يضيف بُعداً إنسانياً واجتماعياً جديداً إلى نسيج العمل، ويمنحه مساحة أوسع للتعبير عن الأذواق والطبقات والهوية البصرية للشخصيات.

الحارة... محكمة مفتوحة

إجمالاً، يكشف الموسم الثاني عن تحوّل المكان نفسه إلى سلطة قائمة بذاتها؛ فالحارة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل محكمة مفتوحة لا تتوقف عن المراقبة وإصدار الأحكام. تتحول النظرات اتهاماً، والكلمات قرارات مصيرية، في حين تكتسب الشائعات قوة تفوق الحقيقة أحياناً، لتدفع الشخصيات نحو اختيارات قاسية لا يفرضها القدر بقدر ما يفرضها المجتمع.

ومع مواصلة المسلسل تصدُّر المشاهدة منذ أسبوعه الأول، يتضح أن الجمهور يتابع هذه التحولات بوصفها امتداداً طبيعياً لعالم تعرّف إليه سابقاً، ويراه اليوم في مواجهة أكثر حدة مع اختياراته ونتائجها. وهكذا يقدّم «شارع الأعشى» في موسمه الثاني حكاية شارع يحتفظ بذاكرته، وأشخاص يخوضون سباقاً يومياً على السمعة، ومجتمعاً يجعل من الصورة العامة ساحة صراع مفتوحة، تتقاطع فيها النيات الحسنة مع قسوة التأويل.