ترقب دولي لـ«قمة الفرص» بين ترمب وكيم

ترقب دولي لـ«قمة الفرص» بين ترمب وكيم

عوامل نجاح أو فشل اللقاء التاريخي بين مبادرة أميركية تاريخية ودعم إقليمي متأرجح
الاثنين - 28 شهر رمضان 1439 هـ - 11 يونيو 2018 مـ

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، قبل يومين من قمتهما التاريخية التي قد تنهي عقوداً من انعدام الثقة والتوتر بين البلدين.

وستكون الترسانة النووية الكورية الشمالية، التي كلّفت بيونغ يانغ سلسلة من العقوبات الدولية على مرّ السنوات، في صلب النقاشات. ووصل ترمب إلى سنغافورة على متن طائرة «إير فورس وان» الرئاسية، وسيكون أول رئيس أميركي يتفاوض بشكل مباشر وهو في منصبه مع زعيم كوري شمالي.

ووصل الزعيم الكوري الشمالي، الذي يعد ظهوره خارج بلاده نادراً جداً، في وقت سابق من اليوم. وتمّ نقله إلى وسط المدينة على متن سيارة ليموزين، برفقة موكب من أكثر من 20 سيارة، قبل أن يلتقي رئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ، ليشكره على استضافة القمة. وقال كيم: «إذا نجحت القمة، فستدخل جهود سنغافورة التاريخ»، مشيداً بـ«القرار الشجاع والمثير للإعجاب» باستضافتها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.

وسيلتقي ترمب، البالغ من العمر 71 عاماً، وكيم الذي يصغره بأكثر من 30 عاماً، في فندق فخم في سنغافورة غداً. ويعزز سلوك ترمب في قمة مجموعة السبع في كندا، حيث سحب موافقته فجأة على البيان الختامي بتغريدة غاضبة، التساؤلات حول استراتيجيته الدبلوماسية. لكن كبير المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض، لاري كادلو، أوضح أن انسحاب الرئيس الأميركي من البيان الختامي لقمة مجموعة السبع كان هدفه عدم «إظهار ضعف» قبل قمته مع كيم.

وستشهد القمة التقاط صورة مشتركة لترمب وكيم، بدت مستحيلة قبل أشهر عندما كانا لا يزالان في خضمّ تصعيدهما الكلامي. لكن أسئلة كبيرة تُطرح بشأن نتيجة هذه القمة، التي سيراقبها العالم بأسره عن كثب. وتطالب واشنطن بنزع الأسلحة النووية الكورية الشمالية «بشكل كامل، ويمكن التحقق منه، ولا عودة عنه»، فيما تبرر بيونغ يانغ برنامجها النووي بضرورة مواجهة التهديد الأميركي.

وتعهدت كوريا الشمالية مرات عدة بجعل شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية، لكن هذه العبارة تحمل عدة تفسيرات. ويرى مايكل أوهانلون، من معهد «بروكينغز» في واشنطن، أن المسار الواقعي الوحيد هو عملية تجري «خطوة خطوة»، تتحقق حتماً مع الوقت. وقال: «لا يمكنني تخيّل أن رجلاً كان نظامه منذ سنوات كثيرة يؤكد أنه بحاجة إلى الأسلحة النووية لضمان أمنه، سيتخلى عنها بضربة واحدة، حتى مقابل تعويضات اقتصادية كبيرة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.

وتحدثت واشنطن عن احتمال التوصل إلى اتفاق مبدئي لوضع حدّ للحرب الكورية. وقد انتهت الحرب الكورية (1950 - 1953) بهدنة، وليس بمعاهدة سلام، ما يعني أن الكوريتين لا تزالان في حال حرب. وقبل مغادرته كندا، أعرب ترمب مرة جديدة، السبت، عن تفاؤله إزاء هذه القمة التي يأمل في أن تكون علامة فارقة في عهده الرئاسي، وقال: «أشعر أن كيم جونغ أون يريد أن يفعل شيئاً رائعاً لشعبه، ولديه هذه الفرصة»، واعتبر أن القمة «فرصة فريدة (...) لن تتكرر أبداً».

ويرى مراقبون أن قمة ترمب - كيم تشكل فرصة تاريخية، وقد تقود لنتائج إيجابية لعدة أسباب: أولها أن هذه المرة الأولى التي لا تنظر فيها الولايات المتحدة بـ«استعلاء» إلى كوريا الشمالية، وقد فاجأ دونالد ترمب المجتمع الدولي بعدما وافق على عقد قمة «أنداد» مع الزعيم الكوري. والعامل الثاني الذي يؤسس لنجاح محتمل لهذه القمة هو أن واشنطن لم تسع كما في السابق إلى «رشوة» بيونغ يانغ للتخلي عن برنامجها النووي بمساعدات غذائية أو أموال، بل اكتفت برهن رفع العقوبات الاقتصادية بوقف البرنامج النووي. العامل الثالث هو المحادثات وراء الستار بين مسؤولين أميركيين وكوريين شماليين، وقد تبادل الجانبان مسودات مبدئية لاتفاق سلام محتمل بين سيول وبيونغ يانغ. أما العامل الأخير والأهم، فهو أن الأطراف جميعها تبدو داعمة لنجاح القمة، بما يشمل اليابان وكوريا الجنوبية التي بدت مشككة خلال حكومتيها السابقتين في جدوى التقارب مع الشمال، فضلاً عن الصين وروسيا.

ويرى ميكا زينكو، الزميل في معهد «تشاتهام هاوس» الملكي للشؤون الدولية، أن قمة سنغافورة «مكسب لأميركا». وعاد زينكو بالتاريخ إلى فترتي بيل كلينتون الرئاسية الأولى والثانية، حين تلقى طلباً من مسؤول عسكري كوري شمالي رفيع بلقاء الزعيم كيم إيل سونغ، رفضه الرئيس الأميركي. وتساءل كيم إيل سونغ آنذاك: «إذا كان بيل كلينتون يستطيع لقاء رئيس كوريا الجنوبية، لماذا لا يلتقي بي؟». ورفض كل الرؤساء الأميركيين منذ ذلك الوقت لقاء زعيم كوري شمالي، قبل أن يغيّر ترمب وكيم جونغ أون المعادلة. ويدعم زينكو قرار ترمب، بالقول إنه لا يمكن التوصل إلى تسوية دون تواصل بين الجانبين.

في المقابل، تحمل القمة في طياتها تهديدات كبيرة، وقد تواجه عراقيل عدة. ومن أهم هذه العراقيل الأسئلة المطروحة حول سلطة كيم جونغ أون، وقدرته على السيطرة على بلاده في حالة انفتاح على الغرب. ففي الوقت الذي يبدو فيه الزعيم الكوري قوياً مسيطراً بعمليات «تطهير» الجيش التي قام بها، والاغتيالات التي استهدفت منافسيه السياسيين، فإن النظام الكوري الشمالي العميق قد يرفض أي تقارب مع الولايات المتحدة.

إلى ذلك، وفيما تبدو كل القوى الإقليمية والدولية متحدة الآن، إلا أن ذلك قد يتغير بعد محطة سنغافورة. ففي حال نجح التقارب الأميركي - الكوري الشمالي، فإن سيول قد تجد نفسها معزولة، فيما سترفض كل من بكين وموسكو فقدان «الورقة الكورية الشمالية». وستقف الصين على وجه خاص ضد أي تحرك سياسي قد يهدد نفوذها في المنطقة، بما في ذلك اتحاد الكوريتين، وتحولهما إلى قوة اقتصادية نافذة.

المخاوف الأخرى التي قد تلي القمة، تتعلّق بطريقة حكم كوريا الشمالية ما بعد الانفتاح ورفع العقوبات المحتمل، فلا وجود للطبقة المتوسطة ولا أحزاب سياسية. ومن المحتمل أن توسع سيول وجودها التجاري والإعلامي في كوريا الشمالية في حال أبرم اتفاق سلام. أما التهديد الأكبر في أعين المراقبين الأميركيين والدوليين، فهو استراتيجية ترمب في التفاوض وإبرام الصفقات، التي تبدو قصيرة المدى.

وللحيلولة دون انتهاء التقارب الأميركي - الكوري، يقول دانيل ريتز، من مركز «اللجنة الوطنية حول كوريا الشمالية» الأميركي، إن استراتيجية «الضغوط القصوى» على بيونغ يانغ نجحت في إقناع كيم بعقد القمة، لكن تشجيعه على الالتزام بشروط واشنطن قد يتطلب استراتيجية مغايرة. ويرى ريتز أن المرحلة الأولى من التقارب يجب أن تشمل مساعدات إنسانية، تشمل برامج تلقيح ضد الملاريا ومرض السل والدعم الغذائي، إلى جانب تشجيع التبادل الثقافي لتحسين نظرة الرأي العام في البلدين.

وفي حال استجابت كوريا الشمالية، واتخذت خطوات أساسية لنزع السلاح النووي، يمكن أن تبدأ الولايات المتحدة في رفع بعض العقوبات الأممية تدريجياً، ثم تشجيع التعاون الاقتصادي بين الكوريتين.

وقد تحدث ترمب، الخميس، عن احتمال دعوة الزعيم الكوري الشمالي إلى البيت الأبيض، إذا كان اللقاء الأول جيداً. وقال وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، الذي التقى كيم جونغ أون مرتين في بيونغ يانغ، إنه يعلق آمالاً على هذه القمة، بأسلوب أكثر تحفظاً. وكتب في تغريدة: «على متن الطائرة (إير فورس وان)، في الطريق إلى قمة سنغافورة. مستقبل أفضل ممكن لكوريا الشمالية».

وبدأت تتشكل معالم هذه القمة في البيت الأبيض منذ مارس (آذار)، عندما نقل موفد كوري جنوبي دعوة من كيم جونغ أون إلى دونالد ترمب قبلها على الفور، ما شكل مفاجأة للجميع. وأشار كريستوفر هيل، وهو مفاوض أميركي سابق في هذا الملف، إلى أن «الناس يتحدثون عن قمة تاريخية (...) لكن من المهم ألا يغيب عن الأذهان أن هذه القمة كانت ممكنة لكل رئيس أميركي كان يودّ عقدها، لكن أحداً لم يرغب بذلك، لأسباب وجيهة».


سنغافورة الولايات المتحدة كوريا الشمالية

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة