ترقب دولي لـ«قمة الفرص» بين ترمب وكيم

عوامل نجاح أو فشل اللقاء التاريخي بين مبادرة أميركية تاريخية ودعم إقليمي متأرجح

وزير الخارجية السنغافوري يستقبل الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى سنغافورة أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السنغافوري يستقبل الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى سنغافورة أمس (إ.ب.أ)
TT

ترقب دولي لـ«قمة الفرص» بين ترمب وكيم

وزير الخارجية السنغافوري يستقبل الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى سنغافورة أمس (إ.ب.أ)
وزير الخارجية السنغافوري يستقبل الرئيس الأميركي لدى وصوله إلى سنغافورة أمس (إ.ب.أ)

وصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب والزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى سنغافورة أمس، قبل يومين من قمتهما التاريخية التي قد تنهي عقوداً من انعدام الثقة والتوتر بين البلدين.
وستكون الترسانة النووية الكورية الشمالية، التي كلّفت بيونغ يانغ سلسلة من العقوبات الدولية على مرّ السنوات، في صلب النقاشات. ووصل ترمب إلى سنغافورة على متن طائرة «إير فورس وان» الرئاسية، وسيكون أول رئيس أميركي يتفاوض بشكل مباشر وهو في منصبه مع زعيم كوري شمالي.
ووصل الزعيم الكوري الشمالي، الذي يعد ظهوره خارج بلاده نادراً جداً، في وقت سابق من اليوم. وتمّ نقله إلى وسط المدينة على متن سيارة ليموزين، برفقة موكب من أكثر من 20 سيارة، قبل أن يلتقي رئيس الوزراء السنغافوري لي هسين لونغ، ليشكره على استضافة القمة. وقال كيم: «إذا نجحت القمة، فستدخل جهود سنغافورة التاريخ»، مشيداً بـ«القرار الشجاع والمثير للإعجاب» باستضافتها، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية.
وسيلتقي ترمب، البالغ من العمر 71 عاماً، وكيم الذي يصغره بأكثر من 30 عاماً، في فندق فخم في سنغافورة غداً. ويعزز سلوك ترمب في قمة مجموعة السبع في كندا، حيث سحب موافقته فجأة على البيان الختامي بتغريدة غاضبة، التساؤلات حول استراتيجيته الدبلوماسية. لكن كبير المستشارين الاقتصاديين للبيت الأبيض، لاري كادلو، أوضح أن انسحاب الرئيس الأميركي من البيان الختامي لقمة مجموعة السبع كان هدفه عدم «إظهار ضعف» قبل قمته مع كيم.
وستشهد القمة التقاط صورة مشتركة لترمب وكيم، بدت مستحيلة قبل أشهر عندما كانا لا يزالان في خضمّ تصعيدهما الكلامي. لكن أسئلة كبيرة تُطرح بشأن نتيجة هذه القمة، التي سيراقبها العالم بأسره عن كثب. وتطالب واشنطن بنزع الأسلحة النووية الكورية الشمالية «بشكل كامل، ويمكن التحقق منه، ولا عودة عنه»، فيما تبرر بيونغ يانغ برنامجها النووي بضرورة مواجهة التهديد الأميركي.
وتعهدت كوريا الشمالية مرات عدة بجعل شبه الجزيرة الكورية خالية من الأسلحة النووية، لكن هذه العبارة تحمل عدة تفسيرات. ويرى مايكل أوهانلون، من معهد «بروكينغز» في واشنطن، أن المسار الواقعي الوحيد هو عملية تجري «خطوة خطوة»، تتحقق حتماً مع الوقت. وقال: «لا يمكنني تخيّل أن رجلاً كان نظامه منذ سنوات كثيرة يؤكد أنه بحاجة إلى الأسلحة النووية لضمان أمنه، سيتخلى عنها بضربة واحدة، حتى مقابل تعويضات اقتصادية كبيرة»، كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وتحدثت واشنطن عن احتمال التوصل إلى اتفاق مبدئي لوضع حدّ للحرب الكورية. وقد انتهت الحرب الكورية (1950 - 1953) بهدنة، وليس بمعاهدة سلام، ما يعني أن الكوريتين لا تزالان في حال حرب. وقبل مغادرته كندا، أعرب ترمب مرة جديدة، السبت، عن تفاؤله إزاء هذه القمة التي يأمل في أن تكون علامة فارقة في عهده الرئاسي، وقال: «أشعر أن كيم جونغ أون يريد أن يفعل شيئاً رائعاً لشعبه، ولديه هذه الفرصة»، واعتبر أن القمة «فرصة فريدة (...) لن تتكرر أبداً».
ويرى مراقبون أن قمة ترمب - كيم تشكل فرصة تاريخية، وقد تقود لنتائج إيجابية لعدة أسباب: أولها أن هذه المرة الأولى التي لا تنظر فيها الولايات المتحدة بـ«استعلاء» إلى كوريا الشمالية، وقد فاجأ دونالد ترمب المجتمع الدولي بعدما وافق على عقد قمة «أنداد» مع الزعيم الكوري. والعامل الثاني الذي يؤسس لنجاح محتمل لهذه القمة هو أن واشنطن لم تسع كما في السابق إلى «رشوة» بيونغ يانغ للتخلي عن برنامجها النووي بمساعدات غذائية أو أموال، بل اكتفت برهن رفع العقوبات الاقتصادية بوقف البرنامج النووي. العامل الثالث هو المحادثات وراء الستار بين مسؤولين أميركيين وكوريين شماليين، وقد تبادل الجانبان مسودات مبدئية لاتفاق سلام محتمل بين سيول وبيونغ يانغ. أما العامل الأخير والأهم، فهو أن الأطراف جميعها تبدو داعمة لنجاح القمة، بما يشمل اليابان وكوريا الجنوبية التي بدت مشككة خلال حكومتيها السابقتين في جدوى التقارب مع الشمال، فضلاً عن الصين وروسيا.
ويرى ميكا زينكو، الزميل في معهد «تشاتهام هاوس» الملكي للشؤون الدولية، أن قمة سنغافورة «مكسب لأميركا». وعاد زينكو بالتاريخ إلى فترتي بيل كلينتون الرئاسية الأولى والثانية، حين تلقى طلباً من مسؤول عسكري كوري شمالي رفيع بلقاء الزعيم كيم إيل سونغ، رفضه الرئيس الأميركي. وتساءل كيم إيل سونغ آنذاك: «إذا كان بيل كلينتون يستطيع لقاء رئيس كوريا الجنوبية، لماذا لا يلتقي بي؟». ورفض كل الرؤساء الأميركيين منذ ذلك الوقت لقاء زعيم كوري شمالي، قبل أن يغيّر ترمب وكيم جونغ أون المعادلة. ويدعم زينكو قرار ترمب، بالقول إنه لا يمكن التوصل إلى تسوية دون تواصل بين الجانبين.
في المقابل، تحمل القمة في طياتها تهديدات كبيرة، وقد تواجه عراقيل عدة. ومن أهم هذه العراقيل الأسئلة المطروحة حول سلطة كيم جونغ أون، وقدرته على السيطرة على بلاده في حالة انفتاح على الغرب. ففي الوقت الذي يبدو فيه الزعيم الكوري قوياً مسيطراً بعمليات «تطهير» الجيش التي قام بها، والاغتيالات التي استهدفت منافسيه السياسيين، فإن النظام الكوري الشمالي العميق قد يرفض أي تقارب مع الولايات المتحدة.
إلى ذلك، وفيما تبدو كل القوى الإقليمية والدولية متحدة الآن، إلا أن ذلك قد يتغير بعد محطة سنغافورة. ففي حال نجح التقارب الأميركي - الكوري الشمالي، فإن سيول قد تجد نفسها معزولة، فيما سترفض كل من بكين وموسكو فقدان «الورقة الكورية الشمالية». وستقف الصين على وجه خاص ضد أي تحرك سياسي قد يهدد نفوذها في المنطقة، بما في ذلك اتحاد الكوريتين، وتحولهما إلى قوة اقتصادية نافذة.
المخاوف الأخرى التي قد تلي القمة، تتعلّق بطريقة حكم كوريا الشمالية ما بعد الانفتاح ورفع العقوبات المحتمل، فلا وجود للطبقة المتوسطة ولا أحزاب سياسية. ومن المحتمل أن توسع سيول وجودها التجاري والإعلامي في كوريا الشمالية في حال أبرم اتفاق سلام. أما التهديد الأكبر في أعين المراقبين الأميركيين والدوليين، فهو استراتيجية ترمب في التفاوض وإبرام الصفقات، التي تبدو قصيرة المدى.
وللحيلولة دون انتهاء التقارب الأميركي - الكوري، يقول دانيل ريتز، من مركز «اللجنة الوطنية حول كوريا الشمالية» الأميركي، إن استراتيجية «الضغوط القصوى» على بيونغ يانغ نجحت في إقناع كيم بعقد القمة، لكن تشجيعه على الالتزام بشروط واشنطن قد يتطلب استراتيجية مغايرة. ويرى ريتز أن المرحلة الأولى من التقارب يجب أن تشمل مساعدات إنسانية، تشمل برامج تلقيح ضد الملاريا ومرض السل والدعم الغذائي، إلى جانب تشجيع التبادل الثقافي لتحسين نظرة الرأي العام في البلدين.
وفي حال استجابت كوريا الشمالية، واتخذت خطوات أساسية لنزع السلاح النووي، يمكن أن تبدأ الولايات المتحدة في رفع بعض العقوبات الأممية تدريجياً، ثم تشجيع التعاون الاقتصادي بين الكوريتين.
وقد تحدث ترمب، الخميس، عن احتمال دعوة الزعيم الكوري الشمالي إلى البيت الأبيض، إذا كان اللقاء الأول جيداً. وقال وزير الخارجية الأميركية، مايك بومبيو، الذي التقى كيم جونغ أون مرتين في بيونغ يانغ، إنه يعلق آمالاً على هذه القمة، بأسلوب أكثر تحفظاً. وكتب في تغريدة: «على متن الطائرة (إير فورس وان)، في الطريق إلى قمة سنغافورة. مستقبل أفضل ممكن لكوريا الشمالية».
وبدأت تتشكل معالم هذه القمة في البيت الأبيض منذ مارس (آذار)، عندما نقل موفد كوري جنوبي دعوة من كيم جونغ أون إلى دونالد ترمب قبلها على الفور، ما شكل مفاجأة للجميع. وأشار كريستوفر هيل، وهو مفاوض أميركي سابق في هذا الملف، إلى أن «الناس يتحدثون عن قمة تاريخية (...) لكن من المهم ألا يغيب عن الأذهان أن هذه القمة كانت ممكنة لكل رئيس أميركي كان يودّ عقدها، لكن أحداً لم يرغب بذلك، لأسباب وجيهة».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.