تغييرات في إثيوبيا ومصالحة مع إريتريا وزيارة لمصر

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته نيروبي الشهر الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته نيروبي الشهر الماضي (رويترز)
TT

تغييرات في إثيوبيا ومصالحة مع إريتريا وزيارة لمصر

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته نيروبي الشهر الماضي (رويترز)
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال زيارته نيروبي الشهر الماضي (رويترز)

أصدر رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، خلال الأيام الماضية، قرارات مهمة، تضمنت إقالة أقوى رجلين في الائتلاف الحاكم، وهما قائدا الجيش والمخابرات، وأعلن قبول ترسيم الحدود مع جارته إريتريا وتطبيع علاقات بين البلدين، بعد عقدين من الحرب والجفاء، ويقوم اليوم بزيارة مفاجئة للعاصمة المصرية القاهرة، ما لفت الأنظار إلى أن هناك سياسات جديدة تتشكل في إثيوبيا، داخلياً وإقليمياً.
فقد فاجأ آبي أحمد المراقبين أول من أمس، بتعيين سيري ميكونن قائداً للجيش بديلاً لسامورا يونس، وقائد القوات الجوية آدم محمد رئيساً لجهاز الاستخبارات والأمن الوطني خلفاً لغيتاتشو أسافا، اللذين ظلا في منصبيهما الحساسين لعقود دون تغيير. قرار الإطاحة بأقوى رموز الحرس القديم، كما يراه الخبير في شؤون القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، هو محاولة من الرجل لإحكام سيطرته على الأوضاع عن طريق الإتيان بقيادات جديدة تنسجم مع خطواته الإصلاحية.
ويقول في إفادته لـ«الشرق الأوسط»: «القرارات بإطلاق المعتقلين، وبدء التفاوض مع المعارضة، واتخاذ خطوة تصالحية مع الجارة إريتريا التي تعد أعدى أعداء إثيوبيا، كلها تؤشر إلى حاجة إثيوبية لقيادات عسكرية وأمنية جديدة، تنسجم مع التوجه السياسي لرئيس الوزراء». ويتابع: «هناك بعض مكونات التحالف الحاكم لا توافق بنسبة مائة في المائة على الخطوات التي اتخذها آبي أحمد، وهي تملك مراكز نفوذ داخل الأجهزة الأمنية يمكن أن توظفها في معارضة هذا التوجه، لذلك أقدم آبي أحمد على إقالة الرجلين».
ويقطع أبو إدريس بأن إطلاق برنامج الإصلاح وبناء الثقة بين أجهزة الحكم والشعوب الإثيوبية، يجعل من الإتيان بقيادات جديدة قضية جوهرية.
يذكر أن آبي أحمد كان قد قطع بعد توليه المنصب في أبريل (نيسان) الماضي، بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية، مستجيباً لمطالب الاحتجاجات التي شهدتها بلاده منذ 2015، أطلق بموجبها سراح معتقلين سياسيين، وأعلن عن بادرة تصالحية أسقط بموجبها التهم عن زعيم حركة «قنبوت سبات» المعارضة برهانو نيقا، التي كانت تصنفها الحكومة الإثيوبية «حركة إرهابية».
ونقلت تقارير صحافية أن أحمد ومنذ توليه الحكم بدأ تحركات جدية لتغيير رموز في التحالف الحاكم، والعمل على ضخ دماء جديدة بديلاً للقيادات التي أججت السخط الشعبي مطالباً بتغييرها، وكان إعلانه الجمعة، إطاحة قائد الجيش سامورا يونس، بسيري ميكونن، وإطاحة رئيس جهاز المخابرات والأمن جيتاتشو أسافا، وتعيين قائد القوات الجوية آدم محمد بديلاً عنه مفاجأة كبيرة للمراقبين.
وعلى الرغم من آبي أحمد لم يقدم أي تفسيرات للقرارات التي اتخذها وأطاح بموجبها بيونس وأسافا، اللذين ظلا في منصبيهما لقرابة عقدين من الزمن، فإن التحليلات الصحافية اللاحقة اعتبرت القرار خطوة باتجاه تحقيق وعود قطعها الرجل قبل توليه المنصب، استجابة لمطالبات المحتجين في المظاهرات التي بدأت منذ عام 2015.
على المستوى الإقليمي، فإن دعوة آبي أحمد لإنهاء التوتر بين بلاده وإريتريا وتعزيز العلاقات بين الجارتين، وتنفيذ اتفاقية السلام الإثيوبية - الإريترية، وتطبيق قرارات لجنة التحكيم بشأن النزاع الحدودي مع إريتريا. وأنهت اتفاقية الجزائر 2000 الحرب بين إثيوبيا وإريتريا (1998 – 2000)، ودعت لعدم اللجوء إلى القوة، وأقرت تكوين مفوضية من 5 قضاة دوليين لترسيم حدود الدولتين قضت بتبعية المنطقة المتنازعة المعروفة بـ«مثلث بادمي» لإريتريا، لكن أديس أبابا لم تنفذ القرار.
وفي هذا الصدد، نقلت التقارير عن أحمد قوله: «إثيوبيا تتحمل مسؤولية الحفاظ على السلام في المنطقة، ومن الضروري توحيد الشعبين الإريتري والإثيوبي عبر تعزيز العلاقات بين البلدين، وإنهما لم يحققا أي مكاسب من العلاقات المتوترة». ويقول الكاتب محمد الدابولي في دراسة نشرها مركز البديل للتخطيط والدراسات الاستراتيجية، إن المساومات التي أتت بآبي أحمد لرئاسة الوزارة تثير أسئلة كثيرة، من بينها ما إن كانت اختيارات الرجل امتداد طبيعي للسياسات التي أرسى دعائمها رئيس الوزراء السابق ملس زيناوي، أم أنه يحمل رؤى جديدة حول مستقبل السياسة الإثيوبية.
ويضيف: «لكونه أول رئيس وزراء إثيوبي من عرقية الأورومو ذات الأغلبية، فإن اختياره يضع السياسة الإثيوبية الداخلية والخارجية أمام محكات وتحديات كبيرة وحقيقية»، يقع في مركز القلب منها ملف «النزاع على سد النهضة» الذي يتوقع أن يبحثه الرجل بتعمق مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مباحثاتهما التي تجري اليوم.
وفي هذا المنحى يرى الخبير بشؤون القرن الأفريقي عبد المنعم أبو إدريس، أن زيارة آبي أحمد «الغريبة والمفاجئة» للقاهرة من عنتيبي وليس من أديس أبابا، يمكن أن تفهم ضمن سياق الأمور المرتبطة باتفاقية «عنتيبي» لتقاسم مياه النيل التي ترفضها القاهرة والخرطوم. كما توقع أبو إدريس أن يقدم الجانب الإثيوبي أثناء الزيارة تنازلاً لصالح مصر في الجانب المتعلق بسنوات ملء بحيرة سد النهضة، لأن المسافة قريبة بين مقترحي الطرفين، فالإثيوبيون يرون أن يتم الملء خلال 7 سنوات، فيما يرى المصريون أن يتم الملء خلال 10 سنوات، حتى لا يؤثر كثيراً في حصتهم من مياه النيل.
ويصف أبو إدريس شكل الزيارة وتوقيتها بأنه محاولة لإيصال رسالة إيجابية للقاهرة بأن أديس أبابا تتعامل معها باعتبارها دولة حدودية، انطلاقاً من الزيارات التي قام بها آبي أحمد إلى كل الدول المحادة لبلاده، ورسالة أخرى لطمأنة حلفاء إثيوبيا الخليجيين، الذين هم في الوقت ذاته حلفاء لمصر. في الملفات الداخلية، يقول الدابولي إن إثيوبيا تواجه تحديات حقيقية تتمثل في مواجهتها اختلالات بنيوية واضطرابات سياسية كامنة في بنية نظامها السياسي الإثيوبي، نتيجة فشل تطبيق نظرية «الديمقراطية التوافقية» وتحقيق العدالة بين الإثنيات المختلفة وأدت في النهاية إلى سيطرة مجموعة محددة على السلطة والثروة.
وعلى الرغم من تحقيق إثيوبيا معدلات نمو سريعة، فإن معدلات الفقر لم تتأثر بها وظلت مرتفعة، ما عزز مشاعر الحرمان الاقتصادي داخل الجماعات الإثنية ودفعها للاحتجاج والتظاهر وخلق التوتر، وهو ما يضع حكومة آبي أحمد أمام امتحان مصداقية حقيقي. مطلوب من حكومة آبي أحمد بحسب الخبراء، العمل بجد لاحتواء توتر جماعتي الأورومو والأمهرا وتحقيق مطالبهما، وتطبيق سياسات اقتصادية للقضاء على البطالة، وتضمين التعاطف مع ضحايا الاحتجاجات ضمن الأجندة السياسية، وتجديد دماء النظام والدفع بقيادات جديدة... بدأها الرجل من أعلى سلمها بإعفاء قائدي الجيش والمخابرات.



إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

إريتريا لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أفاد المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة، حبيب محمد عثمان، أمس، بأن بلاده لا تستبعد حرباً مع إثيوبيا. وعن اتهامات إثيوبيا لإريتريا بزعزعة استقرارها، قال عثمان لـ«الشرق الأوسط»، إن «ما تقوله أديس أبابا حالياً ادعاءات غير مقبولة ولا يقبلها الواقع، لأن إريتريا لم تعلن أنها تريد أن تغزو إثيوبيا، أو أي إقليم من الأقاليم الإثيوبية، أو تهديد أديس أبابا، وإنما العكس هو الموجود».

وجاءت هذه التصريحات تزامناً مع إعلان قوات موالية للحكومة الإثيوبية السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى.

ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.


مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
TT

مقتل أكثر من 50 عنصراً من قوات الأمن في النيجر بهجومين

جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)
جنود من النيجر (رويترز - أرشيفية)

قال مصدران أمنيان إن أكثر من 50 فرداً من قوات الأمن في النيجر لقوا حتفهم في هجومين وقعا في غرب الدولة الواقعة بمنطقة الساحل، حيث ينشط متشددون، من بينهم أعضاء في الفرع الإقليمي لتنظيم «داعش»، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأفاد المصدران بأن قافلة تابعة للدرك تعرضت لكمين بالقرب من بلدة أبالا-فيلينجي يوم الأربعاء الماضي. وأضافا أن هجوماً منفصلاً وقع في بيرني-نكوني أودى بحياة أكثر من 30 جندياً يوم السبت. وأشارا إلى أن الهجومين نفّذهما إرهابيون، دون الخوض في التفاصيل.

وقالت مجموعة «سايت إنتليجنس غروب»، اليوم (الاثنين)، إن الفرع التابع لتنظيم «داعش» في غرب أفريقيا، والمعروف باسم «تنظيم داعش - ولاية الساحل»، أصدر أمس (الأحد) بيانين أعلن فيهما مسؤوليته عن الهجومين.

وهاجم التنظيم المطار المدني وقاعدة جوية عسكرية في العاصمة نيامي في يناير (كانون الثاني)، ما يسلط الضوء على عدم إحراز الحكومة تقدماً يُذكر في مواجهة الجماعات المتمردة. ويقود الجيش الحكومة التي استولت على السلطة في انقلاب 2023.

وهاجم جنود متمردون في النيجر المطار ومقر الرئاسة في الشهر الماضي، ما أدى إلى اندلاع مواجهة مع القوات الموالية للحكومة التي كانت مدعومة بقوات من «فيلق أفريقيا»، وهي قوة شبه عسكرية يسيطر عليها الكرملين.

ويقول محللون ومصادر أمنية إن الإحباط يتزايد داخل وحدات الجيش في الخطوط الأمامية بعد الخسائر المتكررة أمام المتمردين، لا سيما في غرب النيجر.


الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

الجيش الإثيوبي يعلن السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في تيغراي

أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلنت قوات موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية في إقليم تيغراي، شمال البلاد، في تطور ميداني قد يغيّر موازين القوى مع تجدّد المواجهات بين الجيش الاتحادي و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». ويتزامن التقدم العسكري مع اتساع رقعة القتال إلى إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، وسط اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي ومخاوف من انهيار اتفاق السلام الذي أنهى حرباً أهلية دامية قبل أقل من أربع سنوات.

ألاماتا في قبضة القوات الموالية للحكومة

قالت «قوة سلام تيغراي»، وهي جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، يوم الاثنين، إن الجيش الاتحادي والقوات المتحالفة معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا، الواقعة جنوب عاصمة الإقليم ميكيلي بنحو 120 كيلومتراً، بعد هجوم شنّته قوات المعارضة الأسبوع الماضي.

ونشرت الجماعة مقطعاً مصوراً عبر صفحتها على «فيسبوك» يُظهر جنوداً يسيرون في شوارع البلدة ويلوّحون بالأعلام الإثيوبية. وأكد مصدران دبلوماسيان السيطرة على البلدة، في حين قال مصدر ثالث إن القوات الموالية للحكومة دخلتها، دون أن يتضح ما إذا كانت قد أحكمت سيطرتها عليها بالكامل، وفق ما ذكرت وكالة «رويترز».

وتكتسب ألاماتا أهمية استراتيجية باعتبارها مركزاً رئيسياً لإمداد القوات بالغذاء والوقود، فضلاً عن موقعها بالقرب من الحدود الجنوبية لتيغراي مع إقليم أمهرة. ومن شأن السيطرة عليها أن تتيح للقوات الاتحادية تعزيز تقدمها شمالاً باتجاه ميكيلي، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى احتواء الهجوم الذي تشنه قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي».

هجوم المعارضة يمتد إلى عفر وأمهرة

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو شمال إثيوبيا (أرشيفية - رويترز)

وكانت قوات «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» قد أطلقت هجوماً واسعاً يوم الأربعاء الماضي، تمكنت خلاله من السيطرة على مطار ميكيلي ومطارَين آخرَين، قبل أن تتقدم باتجاه إقليمَي عفر وأمهرة المجاورَين، معلنة أن عملياتها تأتي في إطار ما وصفته بـ«حرب دفاعية» ضد الحكومة الاتحادية برئاسة آبي أحمد.

وأفاد مصدر بأن مقاتلي «الجبهة» سيطروا يوم الأحد على بلدة إريبتي في إقليم عفر، بالقرب من حدود تيغراي، وأنهم يتقدمون باتجاه بلدة أفديرا، الواقعة على مسافة نحو 100 كيلومتر إلى الشرق. وقدّر المصدر عدد النازحين في عفر بنحو 150 ألف شخص، مشيراً إلى صعوبة تحديد حصيلة دقيقة في ظل استمرار المعارك.

وتكتسب جبهة عفر أهمية حيوية لإثيوبيا، إذ يهدف التقدم العسكري فيها، وفق تقديرات ميدانية، إلى تهديد خطوط الإمداد القادمة من جيبوتي، التي تمر عبرها غالبية الواردات الإثيوبية، بما في ذلك الوقود والسلع الأساسية.

وكانت سبع جماعات معارضة للحكومة الاتحادية، من بينها «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وميليشيات «فانو» في أمهرة و«جيش تحرير أورومو»، قد أعلنت تشكيل تحالف جديد يهدف إلى الإطاحة بحكومة آبي أحمد. وتوعّد التحالف بشن «هجمات مضادة واسعة النطاق»، رداً على العمليات العسكرية للقوات الاتحادية.

وكانت الجبهة قد أعلنت تشكيل التحالف قبل ثلاثة أيام من بدء هجومها الأخير، في خطوة تعكس اتساع نطاق التنسيق بين الجماعات المسلحة المعارضة للحكومة في مناطق مختلفة من البلاد.

استهداف التلفزيون العام

المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)

وفي موازاة التطورات العسكرية، تعرّض مبنى تلفزيون تيغراي، المنبر الإعلامي الرئيسي لسلطات الإقليم، لضربة بطائرة مسيّرة صباح الأحد في العاصمة ميكيلي، ما ألحق أضراراً بواجهته، وأدى إلى تعليق البث المباشر للقناة، التي يعمل فيها أكثر من 400 صحافي، وفق ما أفاد به مراسلون في المحطة «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال أحد المراسلين إن العاملين سمعوا انفجاراً قوياً ناجماً عن غارة بطائرة مسيّرة في موقع آخر، فغادروا المبنى، قبل أن يتعرض التلفزيون للقصف بعد مغادرتهم. ولم يصدر تعليق رسمي يحدد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

ويأتي استهداف المحطة بعد إعلان السلطات الاتحادية الإثيوبية، يوم الاثنين الماضي، تعليق عمل «تيغراي تي في» ومنع وسائل الإعلام من نقل أخبارها، في وقت تتصاعد فيه المواجهات بين الجانبين.

كما شهدت مناطق في شمال إثيوبيا، منذ الجمعة، انقطاعاً في خدمات الهاتف والإنترنت، ما صعّب الحصول على معلومات مستقلة بشأن التطورات الميدانية وحجم الخسائر. وأشارت منظمة «نت بلوكس»، المعنية برصد انقطاعات الإنترنت، إلى حدوث اضطراب واسع في الاتصال بالشبكة في شمال البلاد، بالتزامن مع تقارير عن انقطاع الاتصالات في تيغراي.

وأثار ذلك مخاوف السكان من تكرار ظروف الحرب السابقة، حين فرضت الحكومة الاتحادية حصاراً على الإقليم، وانقطعت الكهرباء والخدمات المصرفية، وتراجعت قدرة المساعدات الإنسانية على الوصول إلى السكان.

اتهامات متبادلة بالتدخل الخارجي

مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية - أ.ف.ب)

ومع اتساع المواجهات، تصاعدت الاتهامات بشأن دور دول الجوار في دعم أطراف النزاع. واتهم قائد الجيش الإثيوبي، المشير برهانو جولا، إريتريا والسودان ومصر بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى قوات المعارضة، قائلاً إن بلاده تواجه مجموعات «منظمة ومتحالفة لخدمة مصالح قوى خارجية».

وفي تصريحات بثتها وسائل إعلام تابعة للجيش، قال جولا إن إريتريا، التي وصفها باسمها المحلي «شابيّا»، و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، لا تستطيعان تحقيق أهدافهما بمفردهما، حتى في حال تحالفهما، من دون دعم وإمدادات من قوى خارجية أخرى.

ورفض الجيش السوداني الاتهامات الإثيوبية، ووصفها بأنها «لا أساس لها من الصحة»، مؤكداً في بيان أن القوات المسلحة السودانية ملتزمة بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، فيما نفت إريتريا في تصريحات سابقة دعم قوات المعارضة الإثيوبية.

وتأتي هذه الاتهامات في ظل توتر متصاعد بين أديس أبابا والخرطوم، إذ تتهم السلطات السودانية إثيوبيا بمساعدة «قوات الدعم السريع» التي تخوض حرباً ضد الجيش السوداني منذ أبريل (نيسان) 2023، وبالسماح بتنفيذ هجمات بطائرات مسيّرة انطلاقاً من أراضيها، لكن إثيوبيا تنفي هذه الاتهامات.

وكانت إثيوبيا قد اتهمت، في مايو (أيار) الماضي، الجيش السوداني بدعم مقاتلين مرتبطين بـ«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي»، وهو ما نفته الخرطوم، في مؤشر على اتساع دائرة الخلافات الأمنية بين البلدين.

«اتفاق بريتوريا» أمام اختبار جديد

أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ويهدد تجدد القتال اتفاق السلام الذي وُقّع في بريتوريا بجنوب أفريقيا في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، وأنهى حرباً أهلية استمرت من عام 2020 إلى عام 2022 بين الحكومة الاتحادية و«الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي». وأسفرت الحرب، وفق تقديرات الاتحاد الأفريقي، عن مقتل ما لا يقل عن 600 ألف شخص، فضلاً عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتدمير واسع للبنية التحتية.

وتعود جذور الصراع إلى انهيار العلاقات بين «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» ورئيس الوزراء آبي أحمد، الذي تولى السلطة عام 2018، منهياً عقوداً من هيمنة الجبهة على المشهد السياسي الإثيوبي، بعدما كانت قد تولت الحكم عام 1991.

وعلى الرغم من أن اتفاق بريتوريا أوقف العمليات العسكرية الواسعة وأرسى هدوءاً حذراً، فإن الجانبين تبادلا خلال الأشهر الماضية الاتهامات بانتهاكه. وتجددت الاشتباكات في أواخر عام 2025، مع تنفيذ القوات الاتحادية غارات بطائرات مسيّرة على إقليم تيغراي وحشد قواتها على حدود الإقليم، فيما اتهمت منظمات حقوقية الجبهة بتنفيذ حملات تجنيد قسري خلال العام الحالي استعداداً لاستئناف القتال.

وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الخلافات السياسية والعسكرية التي لم تُحسم بموجب اتفاق السلام لا تزال تشكّل مصدر تهديد للاستقرار في إثيوبيا، خصوصاً مع اتساع التحالفات المسلحة المعارضة للحكومة وتزايد الاتهامات بالتدخل الخارجي.

مخاوف من اتساع الصراع في القرن الأفريقي

دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويثير تجدد الحرب مخاوف من امتداد المواجهات إلى نطاق إقليمي أوسع، في منطقة تعاني بالفعل من تداعيات الحرب المستمرة في السودان، والتوترات المرتبطة بالبحر الأحمر، والصراعات في الشرق الأوسط.

وتكتسب العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا أهمية خاصة في هذا السياق، في ظل التوترات المرتبطة بمساعي إثيوبيا إلى الحصول على منفذ مباشر إلى البحر الأحمر، وهو ما يثير مخاوف إريترية من تداعيات أي تحرك إثيوبي بالقوة لتحقيق هذا الهدف.

ورغم التفوق العسكري الذي تتمتع به القوات الاتحادية، وما تتلقاه الحكومة الإثيوبية من دعم خارجي، فإن اتساع رقعة المواجهات وتعدد الجماعات المسلحة المنخرطة فيها قد يعقّدان جهود احتواء الصراع، ويزيدان الضغوط الإنسانية والأمنية على المناطق المتاخمة لإقليم تيغراي.

وفي ظل استمرار انقطاع الاتصالات وتضارب المعلومات بشأن السيطرة على بعض المناطق، تبقى التطورات الميدانية مرشحة لمزيد من التغير، فيما يواجه اتفاق السلام اختباراً جديداً قد تكون له تداعيات تتجاوز حدود إثيوبيا إلى منطقة القرن الأفريقي بأكملها.