تحذيرات فرنسية لإيران من تجاوز {الخطوط النووية الحمراء}

تحذيرات فرنسية لإيران من تجاوز {الخطوط النووية الحمراء}

الخميس - 24 شهر رمضان 1439 هـ - 07 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14436]

هل بدأت إيران تخسر دعم البلدان الأوروبية الثلاثة الموقعة على الاتفاق النووي والتي أبدت حتى اليوم تمسكها بالمحافظة عليه رغم قرار الرئيس الأميركي الانسحاب منه الشهر الماضي وفرض عقوبات اقتصادية مجدداً على طهران وعلى الشركات التي تتعامل معها؟

السؤال مطروح وفق مصادر دبلوماسية أوروبية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» ليس فقط لأن واشنطن لا تبدي حتى الآن أي نية في «استثناء» الشركات الأوروبية المتمسكة ببقائها في السوق الإيرانية من العقوبات، بل أيضاً «وخصوصاً» بسبب ما بدر من طهران في اليومين الأخيرين لجهة عزمها على زيادة «قدراتها» التخصيبية لليورانيوم، بل واستئناف عمليات التخصيب في حال فشلت العواصم الأوروبية الثلاث «باريس ولندن وبرلين» في تقديم الضمانات الاقتصادية والقانونية التي تطالب بها طهران للاستمرار داخل الاتفاق.

تقول المصادر الدبلوماسية المشار إليها، إن الأوروبيين دأبوا منذ اللحظات الأولى على حث طهران على «الامتناع عن أي تصرف يمكن أن يفسر على أنه انتهاك» لالتزامات طهران في موضوع التخصيب. وأرفق الطرف الأوروبي دعوته بالتحذير من أن أي إخلال إيراني، رغم انسحاب واشنطن من الاتفاق «سيعني تخلي الأوروبيين عن تمسكهم بالاتفاق».

والحال أن الخطوة الإيرانية الأخيرة التي وصفها وزير الخارجية الفرنسي أمس في حديث لإذاعة «أوروبا رقم واحد» بأنها «اقتراب من الخط الأحمر» الممنوع تجاوزه على طهران من شأنها أن تدفع الأوروبيين إلى التخلي عن جهودهم في التجاوب مع مطالب طهران، وربما اللحاق بالركب الأميركي.

حتى الآن، ثمة إجماع أوروبي على أن الخطوة الإيرانية لا تعد انتهاكاً للاتفاق النووي، وهذا ما أكده الرئيس إيمانويل ماكرون عقب اجتماعه برئيس الوزراء الإسرائيلي مساء أول من أمس في باريس، وما عاد إليه الوزير جان إيف لودريان. لكن من الواضح أن باريس «طورت» موقفها لجهة التشدد مع طهران؛ الأمر الذي تبينه كلمات ولهجة لودريان.

يقول الوزير الفرنسي، إن ما بدر من إيران «ليس محل ترحيب. وهو يكشف عن شكل من أشكال الإثارة»، مضيفاً إنه «من الخطر دوماً اللعب بالخطوط الحمراء... لكن الخطوة (الإيرانية) ما زالت في إطار اتفاق فيينا» النووي. لكن الوزير الفرنسي سارع إلى تنبيه المسؤولين في طهران من أن انتقال إلى المرحلة اللاحقة «أي العودة إلى التخصيب عالي المستوى وبأجهزة متطورة وفق التهديدات الإيرانية»؛ فذلك سيعني نهاية الاتفاق» وإلى قرع ناقوس الخطر بالتأكيد أن أمراً كهذا، في حال حصوله «سيعرض الإيرانيين لعقوبات جديدة (وبالتالي) فإن الأوروبيين لن يقفوا مكتوفي الأيدي»؛ ما يعني، عملياً، وقف وساطتهم واللحاق بالعقوبات.

تعتبر المصادر المشار إليها أن تصريحات لودريان هي «بمعنى ما» رد على تهديدات إيران التي تسعى لزيادة الضغوط على الطرف الأوروبي لبذل مزيد من الجهود مع الجانب الأميركي. وتنطلق طهران من اعتبار مفاده أن الأوروبيين «متمسكون» بالاتفاق نظراً لما يدر عليهم من منافع اقتصادية وتجارية واستثمارية. وبالمقابل، فإن الأوروبيين يعون حاجة إيران إلى الاتفاق بالنظر لوضعها الاقتصادي، ولأن موته سيفتح الباب على المجهول. لكن الواضح أن ما صدر عن إيران لا يساعد الأوروبيين في مسعاهم، وهو ما استغله رئيس الوزراء الإسرائيلي في جولته الأوروبية التي يهدف منها إلى بناء «جبهة» غربية بمواجهة إيران تمر بخروج أوروبا من الاتفاق. لكن العنصر الذي من شأنه أن يغير المعادلة موجود بأيدي الشركات الأوروبية التي أخذت تباعاً تعلن عن وضع حد لنشاطاتها في إيران وآخرها شركة «بيجو ــ سيتروين» الفرنسية المصنعة للسيارات، وهي بذلك تحذو حذو شركتي «توتال» النفطية و«أنجي» للغاز الفرنسيتين كذلك. وإذا استمر النزف، فإن الجهود الأوروبية الساعية للإبقاء على الاتفاق النووي حياً ستصبح عديمة الفائدة. من هنا، أهمية الرسالة الأوروبية المشتركة التي بعثها وزراء الخارجية والمالية إلى المسؤولين الأميركيين، وفيها يحددون المجالات التي يريدون أن تشملها الإعفاءات، ومنها قطاعات الأدوية والرعاية الصحية والطاقة والسيارات والطيران المدني والبنية التحتية والبنوك. ومما جاء في الرسالة وفق «رويترز»، أن «أي انسحاب إيراني (من الاتفاق النووي) سيزيد من زعزعة الاستقرار في منطقة أي صراعات إضافية فيها ستكون كارثية».

في كلامه إلى الصحافة أول من أمس، أكد ماكرون، أن «قناعته العميقة» تكمن في الحاجة إلى المحافظة على الاتفاق «لمراقبة نشاطان طهران النووية». لكن الرئيس الفرنسي أكد مجدداً الحاجة «إلى استكماله» باتفاق أوسع يضم برامج إيران الباليستية وسياستها الإقليمية المزعزعة للاستقرار ونشاطاتها النووية لما بعد عام 2025. والحال أن المرشد الأعلى أغلق الباب مجدداً، الاثنين الماضي عندما رفض البحث في البرامج الباليستية والعودة إلى البحث في نشاطات إيران النووية؛ ما يعني أن رهانات ماكرون يرجح أن تكون خاسرة. وفي أي حال، فإن لا شيء يؤشر اليوم إلى أن الرئيس ترمب مستعد لـ«التساهل» مع الشركات الأوروبية ومنحها إعفاءات من العقوبات في حال أصرت على البقاء في السوق الإيرانية أو رغبت في التوجه إليها.

وكشفت القناة الأميركية الإخبارية «سي إن إن» قبل يومين، عن أن الاتصال الهاتفي الأخير بين ماكرون وترمب كان «فظيعاً»، وهو وصف غير مألوف في اللغة الدبلوماسية، وأكثر ما يستخدم في توصيف اتصال أو لقاء عاصف هو كلمة «صريح».

وفي أي حال، فإن الملف الإيراني معطوفاً عليه ملف الرسوم الأميركية المرتفعة على صادرات أوروبا من الصلب والألمنيوم سيكون على رأس ما ستبحثه قمة «مجموعة السبع» في اجتماعها في كندا يومي الجمعة والسبت المقبلين.

وسيكون لماكرون وترمب اجتماع جانبي لا أحد يعرف ما إذا سيأتي «عاصفاً» أو «ودياً». وتريد باريس أن يبقى التعاطي مع واشنطن في الملف النووي الإيراني على مستوى العواصم الأوروبية الثلاث المعنية بالاتفاق، وليس على المستوى الثنائي إن لجهة استمرار التمسك أو الخروج منه ما يوفر للأوروبيين وزناً أكبر إن في التعامل مع واشنطن أو مع طهران.


ايران النووي الايراني

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة