12.3 مليار دولار مبيعات الأجانب في الأسواق الناشئة الشهر الماضي

بينما تزيد الصناديق السيادية عملياتها الشرائية

12.3 مليار دولار مبيعات الأجانب في الأسواق الناشئة الشهر الماضي
TT

12.3 مليار دولار مبيعات الأجانب في الأسواق الناشئة الشهر الماضي

12.3 مليار دولار مبيعات الأجانب في الأسواق الناشئة الشهر الماضي

أظهرت بيانات معهد التمويل الدولي أمس الثلاثاء، أن التراجع الحاد للأسواق الناشئة الشهر الماضي شهد بيع الأجانب سندات وأسهما بقيمة 12.3 مليار دولار.
وقال معهد التمويل الدولي إن التدفقات الخارجة انقسمت بالتساوي بين أسواق الدين والأسهم، بينما على مستوى المناطق كانت أكبر التحركات في آسيا بخروج ثمانية مليارات دولار و4.7 مليار دولار من أفريقيا والشرق الأوسط مجتمعين.
وسُجلت مبيعات في نهاية أبريل (نيسان) أيضاً، مما يجعل هذه ثاني أطول عملية بيع في الأسواق الناشئة في سجلات معهد التمويل الدولي.
وكانت المدة الأطول بعد انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) من العام 2016.
وما زالت تدفقات المحافظ إيجابية منذ بداية العام عند نحو 46 مليار دولار لكنها منخفضة بشكل كبير بالمقارنة مع المستوى المسجل في نفس الفترة من 2017 البالغ 134 مليار دولار.
أظهرت بيانات من معهد التمويل الدولي أن المستثمرين الأجانب سحبوا 1.15 مليار دولار من السندات الحكومية والأسهم التركية في الثلاثة أسابيع الأولى من مايو (أيار)، مع تضرر الأسواق من الشكوك بشأن السياسة النقدية للبلاد.
وقال المعهد إن التدفقات إلى الخارج من السندات التركية المقومة بالعملة المحلية وصلت إلى مليار دولار في الفترة من أول مايو إلى الخامس والعشرين من الشهر.
وفي آخر أسبوع من شهر مايو الماضي، باع غير المقيمين أسهما تركية بما يصل إلى تسعة ملايين دولار، بينما شهدت أسواق الدين تدفقات إلى الخارج بنحو 153 مليون دولار. وتنطبق بيانات معهد التمويل الدولي على أدوات الدين الحكومي بالعملة المحلية.
ويذكر أن أسعار الفائدة ارتفعت في الأرجنتين لتبلغ نحو 40 في المائة، لكن المخاطر ما زالت تحدق باقتصاد الدولة اللاتينية.
إلا أن الصناديق السيادية زادت من تداولاتها في الأسواق الناشئة خلال الفترة الماضية، وبدلا من أن تعرض الشركات نفسها لمخاطر الإدراج بسوق الأسهم، فإنها تلجأ ببساطة إلى داعمين من القطاع الخاص في قطاع التكنولوجيا في الأسواق الناشئة في جولات تمويلية تزداد ضخامة باطراد، لتنشئ موارد نقدية كي تتغلب على منافسيها.
وحتى 24 أبريل من العام الجاري، شاركت صناديق ثروة سيادية في 15 صفقة ضخمة لرأس المال المغامر، بقيمة نحو 10.9 مليار دولار، بالمقارنة مع 22 صفقة قيمتها 9.75 مليار دولار فقط في 2017 ككل، وفقا لقاعدة بيانات التمويل بيتش بوك.
وبلغ إجمالي جولات التمويل لرأس المال المغامر في آسيا البالغة قيمتها 100 مليون دولار أو أكثر 20.7 مليار دولار حتى 21 أبريل (نيسان) وفقا لما أظهرته بيانات شركة بريكن للأبحاث. ويتجاوز ذلك بسهولة إجمالي جولات الولايات المتحدة، البالغة قيمتها 8.9 مليار دولار، وأوروبا البالغة 1.7 مليار دولار.
ووفقا لبريكن، فإن 14 من بين أكبر 20 صفقة لرأس المال المغامر للعام 2017 جرت في آسيا، وبالأساس في الصين والهند. ومن بين تلك كانت جولة تمويلية ضخمة بأربعة مليارات دولار لشركة ديدي تشو شينغ الصينية المتخصصة في تطبيقات حجز سيارات الأجرة، بدعم من مبادلة كابيتال التابعة لأبوظبي ومجموعة سوفت بنك اليابانية.
كذلك أنفق الصندوقان السياديان التابعان لسنغافورة، تيماسيك وجي.آي.سي، بغزارة. ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، شارك جي.آي.سي في جولة تمويلية بقيمة أربعة مليارات دولار لشركة ميتوان - ديانبينغ أكبر شركة لخدمات الإنترنت في الصين. واستثمر تيماسيك 1.5 مليار دولار في جولة تمويلية في فبراير (شباط) لصالح شركة جو - جيك لتطبيقات حجز سيارات الأجرة في إندونيسيا.



الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
TT

الحرب... اختفاء الجبهات


مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»
مشهد من فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»

لم تعد الحرب تُفتتح كما اعتدنا، لا لحظة إعلان، ولا انتقال واضح من السلم إلى الصراع. ما يحدث اليوم أقرب إلى انزلاق بطيء داخل حالة مستمرة، تتراكم فيها الأفعال دون أن تتكوَّن منها صورة واحدة واضحة. نحن لا نشهد بداية يمكن الإشارة إليها، ولا نعيش ذروة يمكن الاتفاق عليها، بل نتحرك داخل توتُّر ممتد، يتخذ أشكالاً متعددة دون أن يستقر على هيئة واحدة. هذا التحول لا يغير فقط طريقة اندلاع الحرب، بل يبدل أيضاً إدراكنا لها، ويجعل التمييز بينها وبين غيرها من حالات التوتر أمراً أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للحسم أو التعريف المباشر.

في النموذج القديم، كانت الحرب تُفهم من خلال نقطة ارتكاز واضحة، جبهة يمكن تحديدها مكانياً، وخط يفصل بين من يقاتل ومن لا علاقة له بالمواجهة. هذا الشكل منح العالم قدرة على التمييز، حتى في أقسى الظروف، بين الداخل والخارج، بين منطقة القتال وبقية الحياة. كان بالإمكان أن يعيش الإنسان خارج الحرب، أو على الأقل أن يتوهَّم ذلك، لأن هناك حدوداً تفصل بين الفعل العسكري وبقية أنماط الوجود. هذه الحدود لم تكن دائماً صلبة، لكنها كانت كافية لإنتاج معنى واضح للحرب بوصفها حالة استثنائية، لها بداية ونهاية يمكن تصورهما.

في الحرب التي جسَّدها فيلم «كل شيء هادئ على الجبهة الغربية»، تتجلَّى هذه البنية بوضوح، خنادق متقابلة، مسافة مرئية بين الطرفين، وزمن للحرب يمكن تمييزه عن زمن الحياة اليومية. حتى العنف كان محصوراً داخل هندسة مكانية قابلة للفهم، وكان بالإمكان أن يُروى وأن يُفهم ضمن سياق محدد. الجبهة هنا ليست مجرد موقع، بل بنية تنظّم التجربة وتمنحها شكلاً يمكن إدراكه، وتضع حدوداً واضحة لما هو داخل الصراع وما هو خارجه.

لكن هذا الإطار لم يعد يعمل بالطريقة نفسها. ما كان يُفهم بوصفه جبهة تحوَّل إلى تداخل ممتد بين مستويات متعددة من الفعل. لم يعد هناك فصل واضح بين الضربة والرد، أو بين الفعل العسكري وبقية البنى الاقتصادية والسياسية المحيطة به. الأحداث لم تعد تتتابع في خط زمني يمكن تتبعه بسهولة، بل تتشابك في شبكة من التأثيرات التي يصعب فصل بعضها عن بعض. بهذا المعنى، لم تختفِ الحرب، بل فقدت شكلها القابل للرؤية، وأصبحت أقرب إلى بنية خفية تعمل من تحت السطح.

حين تتحرك الولايات المتحدة وإسرائيل في مواجهة إيران، لا يبقى الصراع محصوراً في نقطة واحدة يمكن متابعتها بصرياً أو جغرافياً. الأثر ينتقل عبر مستويات متعددة، تتداخل فيها البنية العسكرية مع المالية والتقنية والإعلامية، بحيث يفقد الحدث وحدته الأولى. ما يبدو فعلاً محدوداً في مكان معيَّن، يمتد تأثيره عبر مساحات واسعة من النظام العالمي، ويعيد تشكيل توازنات لا ترتبط مباشرة بموقع الفعل نفسه، بل بتداعياته غير المباشرة. بهذا المعنى، لا تختفي الجبهة لأنها أزيلت، بل لأنها تفككت إلى عناصر صغيرة تعمل في مسارات متفرقة. لم يعد هناك خط واحد يمكن رسمه، بل مجموعة علاقات متغيرة لا تستقر على شكل ثابت. الجبهة لم تعد مكاناً، بل أصبحت نمطاً من التداخل، يتغيَّر بحسب السياق ويتشكَّل وفقاً لتفاعل قوى متعددة، لا يمكن اختزالها في صورة واحدة.

هذا التحوُّل يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالحرب. لم يعد بالإمكان الوقوف خارجها بوصفها حدثاً منفصلاً. حتى من لا يعيش في منطقة المواجهة المباشرة، يتأثَّر عبر تدفقات الاقتصاد، وأسعار الطاقة، وحركة الأخبار، وتبدُّل التوقعات السياسية. التجربة لم تعد مكانية فقط، بل أصبحت ممتدة داخل الحياة اليومية نفسها. الحرب لم تعد تقع في مكان بعيد، بل أصبحت جزءاً من الإيقاع العام للحياة، ومن تفاصيلها الصغيرة أيضاً.

في هذا السياق، لا يعود الأمان حالة مستقرة، بل يصبح نتيجة مؤقتة لتوازن قابل للاهتزاز في أي لحظة. الاستقرار لم يعد وضعاً قائماً بذاته، بل وضعاً مستمراً في التكوين. ما يبدو هدوءاً ليس نهاية للتوتر، بل شكلاً من أشكاله المؤجَّلة، التي يمكن أن تنقلب في أي وقت إلى تصعيد، أو إلى تحوُّلات غير متوقعة.

كما أن فكرة القرار الحاسم تتراجع. لم تعد الحرب تُدار من نقطة واحدة أو لحظة واحدة، بل عبر سلسلة أفعال جزئية، لا يبدو أي منها كافياً لتعريف الحالة ككل. هذا ما يجعل تتبع بدايتها أو نهايتها أمراً غير ممكن بالمعنى التقليدي، لأن الحرب لم تعد حدثاً يبدأ وينتهي، بل عملية تتغير باستمرار، وتعيد إنتاج نفسها.

في مواجهة هذا الواقع، تصبح الحرب الحديثة أقرب إلى نمط إدارة مستمر للتوتر، لا إلى مواجهة تنتهي بانتصار أو هزيمة واضحين. هي حالة تتغير صفتها أكثر مما تنقطع، وتعيد تشكيل نفسها وفقاً للظروف التي تمر بها، وتفرض إيقاعها الخاص على الجميع.

ومن هذا المنظور، فإن وعي هذا التحول ليس ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية، خصوصاً لدول مثل المملكة العربية السعودية التي أدركت مبكراً طبيعة هذا التغير. فتعزيز الاستقلال الاستراتيجي، وتنويع مصادر القوة، وبناء منظومات اقتصادية وتقنية متماسكة، ليس إلا استجابة واعية لحرب لم تعد تُخاض على جبهة واحدة، بل في كل اتجاه.

في النهاية، لم يعد السؤال عن موقع الجبهة ذا معنى، لأن الجبهة لم تعد بنية مكانية أصلاً. السؤال الأعمق يتعلق بطريقة تشكُّل الصراع نفسه، حين يفقد شكله المتماسك ويتحوَّل إلى شبكة من التأثيرات المتبادلة. وعند هذه النقطة، لا يعود الإنسان خارج الحرب كما كان يُفترض سابقاً، بل داخل امتدادها، حتى في اللحظات التي يظن فيها أنه بعيد عنها، أو قادر على تجاهلها.

* كاتب سعودي


رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف
TT

رحيل فيليب سادجروف... الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز

 فيليب سادجروف
فيليب سادجروف

غيّب الموت الأكاديمي والمستعرب البريطاني البارز، الدكتور فيليب سادجروف، عن 82 عاماً بعد صراع طويل مع المرض.

بعد إكماله دراسته الجامعية كدارس للغة العربية، عمل سادجروف في السلك الدبلوماسي وخدم في السعودية ومصر ولبنان قبل أن يترك الدبلوماسية ويتفرغ للدراسة الأكاديمية، متخصصاً في التاريخ والثقافة العربية. أحب سادجروف العرب وثقافتهم وجال على وطنهم من مشرقه إلى مغربه.

شغل الراحل منصب رئيس قسم الدراسات الشرقية في جامعة مانشستر وكان المحاضر الأول فيها.

كما درّس اللغة العربية في جامعتي دورهام وأدنبرة، والترجمة في جامعة هيريوت- وات بأدنبرة، وخلال مسيرة الدكتور سادجروف الأكاديمية الزاخرة تتلمذ على يديه المئات من الطلبة العرب والأجانب.

المسرح العربي كان الشغل الشاغل للدكتور سادجروف، ويُعرف بتوثيقه الدقيق لتاريخ المسرح العربي، خاصة كتابه الشهير «المسرح المصري في القرن التاسع عشر (1799-1882)» الذي يؤرخ لبدايات المسرح منذ الحملة الفرنسية ودور الفرق الشامية والأجنبية. يعتبر كتاب «المسرح المصري في القرن التاسع عشر» التوثيقي مرجعاً أساسياً لدراسات المسرح العربي.

استخدم الدكتور سادجروف في الكتاب مصادر لم يتم استغلالها من قبل ليقدم تاريخاً شاملاً للمسرح في مصر، منذ وقت الحملة الفرنسية عليها عام 1798، وحتى الاحتلال البريطاني عام 1882، متفحصاً الأشكال التقليدية من الدراما العربية المحلية، ومراحل نمو وتطور المسرح الأوروبي في مصر، في باكورة العقد الثامن من القرن التاسع عشر. يتناول الكتاب أيضاً مشروع إنشاء مسرح قومي في مصر، ويروي قصة الفرق المسرحية المهاجرة التي لعبت دوراً حاسماً في تدشين تقاليد مسرحية جديدة، ويورد التجارب الأولى في الدراما العربية، ومنها مسرح يعقوب صنوع، وكذلك المسرح العربي السوري في مصر ويركز على نشاط الجاليات الأجنبية والفرق السورية وتأثيرها على الحركة المسرحية المصرية.

كما ينسب إلى الراحل الفضل في اكتشافات بحثية تتعلق بنصوص مسرحية عربية مبكرة، بما في ذلك أبحاثه حول أول نص مسرحي عربي جزائري كتبه إبراهيم دانينوس بعنوان «نزاهة المشتاق وغصَّة المشتاق في مدينة طرياق في العراق» باليد، وبخطٍّ مغربي - جزائري، طبع على الآلة الحجرية عام 1847 وذلك في 62 صفحة من القياس الصغير.

إلى جانب المسرح، اهتم الدكتور سادجروف بجوانب أخرى من الثقافة العربية، لا سيما الصحافة المكتوبة في مصر وغيرها من الدول العربية، وكانت له مساهمات في إثراء المعرفة في هذا المجال عبر أبحاث ومحاضرات ومقالات أصبحت مرجعاً مهماً للمتخصصين فيه.


«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة
TT

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

في كل مرة تفتح هاتفك الذكي أو تشغل سيارتك المتصلة بالإنترنت، فإنك تُنشئ سلسلة من الأدلة الرقمية، التي يمكن استخدامها لتتبع كل تحركاتك.

ويكشف أندرو غوثري فيرغسون أستاذ القانون في كتابه «بياناتك ستُستخدم ضدك: العمل الشرطي في عصر المراقبة الذاتية»، الصادر حديثاً عن دار نشر جامعة نيويورك، كيف تحوَّلت إنترنت الأشياء، بهدوء، إلى شبكة مراقبة واسعة، محولاً أجهزتنا الشخصية إلى أدوات استخبارات رقمية.

حوادث رصدتها أدوات الاستشعار

يتناول المقتطف الآتي من الكتاب مفهوم «المراقبة الحسية» (مراقبة أدوات الاستشعار)، مفصلاً الآليات المحددة - مثل «مخزن غوغل للاستشعار» (Google’s sensorveillance)، ومذكرات التفتيش ضمن نطاق جغرافي محدَّد، وقياس بيانات المركبات عن بُعد - التي تُمكِّن أجهزة إنفاذ القانون من إعادة توظيف التكنولوجيا الاستهلاكية، لتصبح أدوات فاعلة للتحقيق والسيطرة.

* حادثة سطو على بنك. «دخل رجلٌ إلى بنك في ميدلوثيان، بولاية فرجينيا، وكان يرتدي قبعةً سوداءَ ونظارةٍ شمسيةٍ داكنة. سلَّم ورقةً للصراف، ثمّ أشهر مسدساً، وغادر حاملاً معه 195 ألف دولار أميركي. لم يكن لدى الشرطة أيّ خيوطٍ تقودهم إلى الجاني، لكنّهم كانوا يعلمون أنّ اللص كان يحمل هاتفاً ذكياً عند دخوله البنك. وبافتراض أنّ الهاتف، مثل معظم الهواتف الذكية، كان يحتوي على خدمة من خدمات «غوغل»، أمرت الشرطة شركة «غوغل» بتسليم معلوماتٍ عن جميع الهواتف الموجودة بالقرب من البنك، في أثناء عملية السطو. واستجابةً لسلسلةٍ من أوامر التفتيش، قدّمت «غوغل» معلوماتٍ عن 19 هاتفاً كانت مُفعّلةً بالقرب من البنك وقت السرقة. وبالفعل، قاد التحقيق الشرطة إلى أوكيل شاتري، الذي وُجّهت إليه التهمة في نهاية المطاف.

> حادثة اصطدام سيارات. واجهت كاثي بيرنشتاين صعوبةً في تفسير سبب إبلاغ سيارتها عن حادثٍ للشرطة. كانت بيرنشتاين تقود سيارة فورد مُجهّزةً بنظام 911 Assist، الذي جرى تفعيله تلقائياً عندما اصطدمت بسيارةٍ أخرى. وبدلاً من البقاء لتبادل معلومات التأمين، انطلقت بيرنشتاين مسرعةً. غير أن سيارتها الذكية رصدت الاصطدام، واتصلت بمركز الشرطة. وسرعان ما أُلقي القبض عليها وحُررت لها مخالفة مغادرة مكان حادث. وجرى تقديم سيارتها دليلاً على إدانتها.

«إنترنت الأشياء»

فيما مضى، كانت أغراضنا مجرد أشياء. كانت الدراجة وسيلة للتنقل، تنقلك من مكان إلى آخر، لكنها لم تكن «تعرف» عن رحلاتك أكثر مما يعرفه أي جماد آخر. في الواقع، كانت بسيطة بطريقة مريحة، وكنا نستخدمها كما هو مُصمم لها. في المقابل، نجد اليوم أنه يمكن لأحدث الدراجات تتبع مسارك، وحساب متوسط سرعتك على طول الطريق. على سبيل المثال، بمجرد أن تستقل دراجة كهربائية من خدمة مشاركة الدراجات التجارية، ستتولى جمع بيانات رحلتك، بالإضافة إلى رحلات جميع من استخدموها في ذلك الشهر.

في مجملها، تنتمي هذه الأجهزة «الذكية» إلى ما أطلق عليه خبير التكنولوجيا كيفن أشتون اسم «إنترنت الأشياء». واقترح أشتون إضافة علامات تعريف الترددات الراديوية (RFID) وأجهزة استشعار إلى الأجهزة المستخدمة في الحياة اليومية، ما يتيح لها جمع بيانات يمكن إدخالها في أنظمة شبكية دون تدخل بشري. مثلاً، يمكن لجهاز استشعار في نهر مراقبة نظافة المياه، ويمكن لعلامة على زجاجة شامبو تتبع مسارها عبر سلسلة التوريد. وعبر إضافة عدد كافٍ من أجهزة الاستشعار إلى عدد كافٍ من الأشياء، يمكن صياغة نموذج صحة نظام بيئي كامل، أو معرفة ما إذا كنت ترسل كمية كبيرة للغاية من مخزونك إلى ماساتشوستس وكمية ضئيلة للغاية إلى تكساس.

من جهته، وضع أشتون نظريته الأولى عن إنترنت الأشياء أواخر التسعينيات. واليوم، يتجاوز إنترنت الأشياء رؤيته الأولية بكثير، ليشمل ليس فقط علامات تعريف الترددات الراديوية، بل كذلك أجهزة استشعار مزودة باتصالات «واي ـ فاي» و«بلوتوث» وشبكات خلوية ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS). وتسجِّل هذه المستشعرات الصغيرة منخفضة التكلفة، بيانات حول الحركة والحرارة والضغط والموقع، ويمكنها إجراء اتصال ثنائي الاتجاه.

وبالطبع، يعتبر هذا النظام، بالضرورة، نظام مراقبة. اليوم، أصبحت «المراقبة الاستشعارية» - مصطلح ابتكرته لتسليط الضوء على التداخل بين أجهزة الاستشعار والمراقبة - تُعتبر الوضع الافتراضي في جميع أنحاء العالم المتقدم.

شبكات مراقبة الهواتف المحمولة

دعونا نبدأ بالهواتف؛ ربما لا تستغرب أن شركة الاتصالات الخاصة بك تتعقب موقعك؛ فهذه آلية عمل الهواتف المحمولة. تستخدم كل من الهواتف الذكية والهواتف المحمولة التقليدية أبراج الاتصالات المحلية، المملوكة لشركات الاتصالات، لربطك بأصدقائك وعائلتك، مما يعني أن هذه الشركات تعرف الأبراج الموجودة بالقرب منها في جميع الأوقات.

إذا كنت تحمل هاتفك معك طوال الوقت، فإن موقعه - المسجل كمعلومات موقع خلية الاتصال (CSLI) - يكشف عن هويتك.

في الواقع، فإن إشارات الهاتف المحمول ليست سوى غيض من فيض البيانات. فإذا كنت تملك هاتفاً ذكياً، فأنت على الأرجح تستخدم منتجاً من منتجات «غوغل». والمعروف أن «غوغل» تجني أرباحها من الإعلانات، وكلما زادت معرفة «غوغل» بالمستخدمين، تمكنت من توجيه الإعلانات إليهم بشكل أفضل. وتتوفر خدمات تحديد المواقع من «غوغل» على جميع هواتف «أندرويد»، التي تستخدم نظام تشغيل الشركة، كما تتوفر كذلك على تطبيقات «غوغل»، بما في ذلك «خرائط غوغل» و«جيميل».

لسنوات، كانت جميع معلومات الموقع تُخزَّن فيما أطلقت عليه الشركة اسم «مخزن المستشعرات». وكما يوحي الاسم، جمع «مخزن المستشعرات» بيانات من نظام تحديد المواقع العالمي و«البلوتوث» وأبراج الاتصالات وعناوين «آي بي» الإنترنتية وإشارات «واي فاي»، لإنشاء نظام تتبع قوي قادر على تحديد موقع الهاتف بدقة شديدة. وكما هو متوقع، اعتبرته الشرطة بمثابة معجزة في مجال الأدلة الرقمية. مثلاً، عام 2020، تلقت «غوغل» أكثر من 11500 طلب إذن من جهات إنفاذ القانون، للحصول على معلومات من «مخزن المستشعرات».

اللافت أن «المراقبة عبر المستشعرات» - مصطلح ابتكرته لتسليط الضوء على التداخل بين المستشعرات والمراقبة - أصبح تدريجياً السائد في جميع أنحاء العالم المتقدم.

عام 2024، أعلنت «غوغل» أنها لن تحتفظ، بعد الآن، بكل هذه البيانات في السحابة. وبدلاً من ذلك، سيجري تخزين معلومات الموقع الجغرافي على الأجهزة الفردية، ما يتطلب من الشرطة الحصول على إذن قضائي لجهاز محدد. وجاء زوال نظام «مخزن المستشعرات» نتيجةً لتغيير في سياسة الشركة، وهو تغيير قابل للتراجع. غير أنه في الوقت الراهن، على الأقل، خلقت «غوغل» صعوبة أكبر بكثير أمام الشرطة، فيما يخص الوصول إلى بياناته.

بيانات السيارات

وفي الوقت الذي كان «مخزن المستشعرات» المصدر الأكبر لأدلة تحديد الموقع الجغرافي، فإنه ليس المصدر الوحيد؛ فحتى التطبيقات التي لا علاقة لها بالخرائط أو الملاحة قد تجمع بيانات موقعك. مثلاً، في إحدى القضايا بولاية بنسلفانيا، اكتشف المدعون أن لصاً استخدم تطبيق مصباح يدوي على هاتفه الآيفون لتفتيش منزل، واستخدموا بيانات التطبيق لإثبات وجوده في المنزل وقت الاقتحام. وعليه، فإنه ربما يجري تسويق هذه التطبيقات باعتبارها «مجانية»، لكنها تنطوي على تكلفة خفية.

وتجمع السيارات، بشكل متزايد، معلوماتٍ تُقارب حجم المعلومات التي تجمعها الهواتف؛ إذ تستطيع أجهزة استخراج البيانات المحمولة جمع أدلة رقمية حول سرعة السيارة، ووقت انفتاح الوسائد الهوائية، ووقت استخدام المكابح، وموقعها وقت وقوع كل ذلك. إذا وصلت هاتفك لتشغيل «سبوتيفاي» أو قراءة رسائلك النصية، يُمكن تنزيل سجلات مكالماتك، وقوائم جهات اتصالك، وحساباتك على مواقع التواصل الاجتماعي، ومحتوى الترفيه المُختار مباشرةً من سيارتك. ونظراً لتورط السيارات في الكثير من الجرائم (سواءً كأداة للجريمة أو كوسيلة نقل)، أصبحت عمليات البحث عن هذه البيانات أكثر شيوعاً.

وحتى دون استخراج المعلومات فعلياً من السيارة، فلدى الشرطة سبل أخرى للحصول على البيانات؛ فنظام القياس عن بُعد المُدمج في السيارة يُشارك المعلومات مع جهات خارجية. وبالإضافة إلى المعلومات الشخصية المعتادة التي تُقدمها عند شراء سيارة (الاسم، العنوان، رقم الهاتف، البريد الإلكتروني، رقم الضمان الاجتماعي، رقم رخصة القيادة)، عند امتلاكك سيارة من علامة «ستيلانتيس»، تتولى الشركة جمع معلومات حول عدد مرات استخدامك للسيارة، وسرعتك، وحالات التسارع أو الكبح.

من جهتها، تؤكد شركة «نيسان» للسيارات حقها في جمع معلومات حول «النشاط الجنسي، وبيانات التشخيص الصحي، والبيانات الجينية»، بالإضافة إلى «التفضيلات، والخصائص، والاتجاهات النفسية، والاستعدادات، والسلوك، والمواقف، والذكاء، والقدرات، والكفاءات». وتحتفظ سياسة خصوصية «نيسان»، تحديداً، بحقها في تقديم هذه المعلومات إلى كلٍ من وسطاء البيانات، وجهات إنفاذ القانون.

حماية الخصوصية

بمرور الوقت، تحوَّلت المخاوف حيال كمية المعلومات الشخصية، التي قد تُكشف من خلال المراقبة طويلة الأمد عبر نظام تحديد المواقع العالمي، إلى واقع ملموس. اليوم، لم تعد الشرطة بحاجة إلى زرع جهاز لتتبع تحركاتك، بل يمكنها الاعتماد على سيارتك أو هاتفك لإنجاز ذلك.

إذا كنا لا نرغب في أن يجري تتبعنا، فيمكننا دوماً العودة إلى استخدام الخرائط الورقية وتدوين الاتجاهات يدوياً. وإذا كان قليل منا على استعداد بالفعل لفعل ذلك، فاللوم يقع علينا. غير أن الأمر ليس بهذه السهولة. وتبقى هناك خطوات تكنولوجية يمكننا اتخاذها لحماية الخصوصية؛ إذ يمكن للشركات تخزين البيانات، التي تولدها المستشعرات داخل الأجهزة نفسها، بدلاً من تخزينها في موقع مركزي، مثل «مخزن المستشعرات». وبالمثل، تبقى المعلومات التي تتيح لك فتح قفل هاتف «آبل آيفون» الخاص بك عبر خاصية التعرف على الوجه مخزنة داخل الهاتف. هذه حلول تكنولوجية إيجابية، لكن حتى البيانات المخزنة محلياً تصبح متاحة للشرطة بموجب مذكرة قضائية.

في الواقع، هذه باختصار معضلة العصر الرقمي. لا يمكننا - أو لا نرغب - في تجنب إنشاء البيانات، لكن هذه البيانات، بمجرد إنشائها، تصبح متاحة لأغراض قانونية... وموجز القول إن هذه السلطة الهائلة يمكن إساءة استخدامها، بل وسيُساء استخدامها حتماً.