حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

مسرحية «دكتور فاوستس» بترجمة جديدة لعبد الواحد لؤلؤة

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»
TT

حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»

صدرت عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت» مسرحية «دكتور فاوستس»، تأليف كريستوفر مارلو، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، تضمّن فهرس الكتاب مقدمة بقلم المترجم، وأخرى بقلم المحرر، إضافة إلى النص المسرحي المترجم عن الصيغة «B»، أي طبعة 1616 التي حُذف منها 36 سطرا وأضيف إليها 676 سطرا، الأمر الذي جعلها أطول من الصيغة «A» بنحو الثلث تقريبا.
تجدر الإشارة إلى أن العنوان الأصلي لهذه المسرحية الإشكالية هو «التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فاوستس»، أما ثيمتها الجوهرية فتتمحور حول «رجل يدعى فاوستس يبيع نفسه للشيطان، مفيستوفيليس، مقابل الحصول على قدرة فائقة، ومعرفة عالية يستطيع من خلالها أن يفعل بها ما يعنّ له من الخوارق بواسطة الشياطين الذين يسخرهم له إبليس، شرط أن يعيش 24 عاما على الأرض يجترح فيها كبائر الأعمال، ثم يتخلى عن روحه لإبليس، ويقيم بعدها في الجحيم ملعونا إلى الأبد». وبغية تغليف الحدث بغلالة درامية فقد اشترط على فاوستس أن يكتب هذا التعهد بدمه ثم يذيله بتوقيعه الخاص.
ورب سائل يسأل: ما الذي يدفع شخصا مثل فاوستس لكي يبيع روحه للشيطان؟ وللإجابة على هذا السؤال المنطقي لا بد لنا من تسليط الضوء على شخصية فاوستس ومراحل تطورها الدرامية إلى ذروة الغطرسة والتكبر والغرور، آخذين بنظر الاعتبار أن الغرور هو أحد الخطايا السبع المميتة، بحسب تصنيف الكنيسة الكاثوليكية. من هنا يتوجب علينا أولا أن نشير إلى أن فاوستس قد تعامل مع الخطيئة البشرية الفاحشة في حق الكتاب المقدس، لكنه وضعنا في مواجهة الإنسان القلق، الشكاك الذي يتأرجح بين فكرتي الإلحاد والإيمان. إن المعطيات الدرامية لشخصية فاوستس كثيرة بمكان ولا يمكن الإحاطة بها جميعا، لكننا سنحاول التركيز على أبرز هذه المعطيات التي تحيلنا بالتأكيد إلى جوانب متعددة من شخصية كريستوفر مارلو المثيرة للجدل التي تركت تأثيرها الواضح على أقرانه ومجايليه وعلى رأسهم الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير.
كان فاوستس طالبا مبرّزا في دراسته في جامعة فيتنبرغ الشهيرة في ألمانيا وقد حصل على لقب دكتور بسبب تفوقه في علم اللاهوت والفلسفة، غير أن هذه الدرجة العلمية لم ترضِ غروره، ولم تشبع رغبته في معرفة المزيد، لأنه ببساطة شديدة شخصية متخطية لنفسها ومتجاوزة للآخرين، لكنه يشبه إيكاروس الذي حلق عاليا، وحينما تخطى حدوده سقط سقوطا دراميا مفجعا بعد أن أذابت حرارة الشمس جناحيه المثبتين بالشمع.
لم يقتنع فاوستس بالأشواط التي قطعتها علوم عصره من منطق ولاهوت وفلسفة وطب وقانون ومعارف علمية وإنسانية أخرى، إذ كان يجد نقصا مروعا، وتقصيرا لا حدود له في كل علم من العلوم آنفة الذكر، فلا غرابة أن يتجه إلى السحر الأسود، وعلم استحضار الأرواح، وكل ما يبزّ الطاقة البشرية المحدودة. وانطلاقا من هذه الانعطافة الخطيرة في حياته يمكن أن نسجل بداية تمرده على الإرادة الإلهية، وتخطيه لمجال الشيطان الذي سوف يقوده إلى الهلاك.
يؤكد النقاد المسرحيون البريطانيون أن موضوعات المسرح الإليزابيثي لم تكن تخرج عن إطار الحروب، وقصص الحب التي تدور في أروقة البلاطات الملكية، وأبطالها غالبا ملوك وأمراء وقديسون. أما في «دكتور فاوستس» فنحن أمام شخصية من عامة الناس ولدت لأبوين من طبقة اجتماعية متواضعة، الأمر الذي يحيلنا إلى الأصل المتواضع لمارلو نفسه، فقد كان والده إسكافيا غير أن تلك المهنة لم تقف عائقا أمام ذكاء الابن وقدراته الفكرية المتأججة التي أهلته للحصول على منحة دراسية إلى جامعة كمبردج التي فجرت في أعماقه نزوعا شديدا صوب المعارف والعلوم الإنسانية، من هنا يمكننا القول إن شخصية إشكالية مثقفة من هذا النوع هي أرقى بكثير لما تنطوي عليه من معطيات عويصة معقدة لا يجاريها خاصة الناس، حتى وإن كانوا من أصحاب الصولجانات، والبلاطات الباذخة، والأروقة المذهبة التي تتجول فيها سيدات المجتمع المترف.
يجب أن نضع في الحسبان أن فاوستس هو شخصية متخطية للحدود التي وضعها الله للبشر، لأن التعاقد مع الشيطان هو أخطر أنواع التحدي، ليس لإرادة الدولة أو الكنيسة التي كانت قوية ومهيمنة آنذاك، وإنما لإرادة الله الذي سيقوده إلى الهلاك حتما مثلما قاد تخطي مارلو وتعاليه على المألوف من علوم الجامعة والشؤون الدينية إلى الكفر والتجديف والموت بطعنة من خنجره هو، لا خنجر خصمه إنغرام فريزر، الأمر الذي عده البيوريتان في عصره «جبرية القدر الإلهي المحتوم على الكافر».
تبدو شخصية فاوستس مترددة، فحينما يحذره ملاك الخير من مغبة انغماسه في أعمال السحر الأسود، يشجعه ملاك الشر، فيقول فاوستس في حيرة واضحة: «كيف اتخمت بهذه الفكرة؟» وهذه المناجاة تذكرنا بالمناجاة الأولى التي يشرك بها الجمهور في تساؤله المؤلم الذي يتمحور حول فكرة جوهرية مفادها: «أين يقف الإنسان بين الخير والشر؟»، هل أن أعماله هي التي تقرر ذلك «الاختيار الحر»؟ أم أن مصيره مقدر بقوة خارجية «جبرية القدر»؟، بكلمات أخرى، هل الإنسان مخير أم مسير؟ هذا التساؤل المحير الذي لا يزال يشغل بال أتباع الديانات السماوية كلها ولا يقتصر على دين محدد بذاته. وهذه إشارة كونية أخرى تخرج المسرحية من مناخها المحلي لتنفتح على آفاق عالمية متعددة انطلاقا من الفكرة الكالفينية التي تجزم بأن «قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته».
يؤكد لؤلؤة في مقدمته الثرية التي أوضح فيها غالبية المواقف الصعبة الملتبسة، أن الجو الفلسفي الذي كان شائعا في كمبردج هو الذي أثار النقاش اللاهوتي الملتهب الذي ساهم في «ضبابية الرؤية حول المسرحية ومؤلفها وهي رؤية لا تزال ضبابية.. قائمة في بلد الضباب».
تتوزع المسرحية على خمسة فصول آخرها هو الأقصر، وفيها جوقة أو كورس يتكون من شخص واحد يحذر مما سيقع في المسرحية أو يعلق على ما حدث. تحتل المناجاة التي أشرنا إليها توا أهمية خاصة في مسرحية «دكتور فاوستس»، وخصوصا في مناجاة الافتتاح والاختتام، فالمناجاة، كما يرى لؤلؤة، تحمل الجمهور على المشاركة الخيالية في الأحداث التي تقع على خشبة المسرح؛ أي بمعنى أن تجعل من الجمهور متلقيا إيجابيا فاعلا، لا مُستقبلا سلبيا مسترخيا في مقاعده، ففي المناجاة الأولى يعقد اتفاقا مع الشيطان، ويتنازل فيه عن روحه، بينما تأخذنا المناجاة الثانية إلى التأمل الذي يفضي إلى التفاهم مع القدر الذي اختطه لحياته منطلقا من تكبره وغروره وتجاوزه لكل الخطوط المرسومة للبشر سلفا.
تناقش المسرحية كما أسلفنا موضوعات في غاية الخطورة من بينها «أن الضلالة ليست من فعل الشيطان وحده، بل هي من فعل الإنسان أيضا». فكما يذهب لؤلؤة إلى أن كل إنسان يجدف أو ينكر معموديته، يهرع إليه الشيطان ليستحوذ على روحه، وهذه إشارة أخرى إلى أن أفعال المرء هي التي تقوده إلى الصلاح أو الهلاك. وحينما يسأل فاوستس مفيستوفيليس عن الجحيم يجيبه هذا الأخير بأن «الجحيم لا حدود واقعية له لأنه حالة ذهنية محض». ترى، لماذا لم يدرك فاوستس، وهو على هذا القدر الكبير من الذكاء تهرب مفيستوفيليس من الإجابة على هذا السؤال؟ ولماذا لم يفهم دواعي المواربة في إجابته المموهة؟ أنلمس في هذه الإجابة المحيرة أن بعض الضلالة مقدر على البشر من جهة عليا، أم أنها إيحاء ببعض القبول بالجبرية والقدر المحتوم؟
توقف لؤلؤة في مقدمته القيمة عند خمسة موضوعات تناقشها المسرحية وهي: خطيئة الطمع، والبحث الدؤوب عن المعرفة، والموت والشيطانية، والسحر، واستحضار الأرواح، والتأرجح بين الخير والشر. وعلى الرغم من أهمية الموضوعات جميعها، فإن الموضوع الأبرز فيها هو السحر، ذلك لأن فاوستس فضل السحر على بقية العلوم الموجودة في عصره.
ينبه لؤلؤة إلى أن المسرحية تقوم في بنيتها على الشعر المرسل من الوزن الأيامبي الخماسي التفعيلات في الغالب الذي يخلو من القافية، لكن ذلك لم يمنعه من استعمال النثر في المشاهد الكوميدية، وألفاظ العامة، ولغة السوقة واللصوص. وهناك نحو 13 مشهدا مكتوبا بلغة منثورة تستجيب للكلام العامي الذي لا يخلو من الابتذال والسب والشتم والتجديف.
يستنتج لؤلؤة من خلال ترجمته لهذه المسرحية أن مالرو لم يمانع من إدخال مشاهد كوميدية أخرى إلى مسرحيته ولا يستبعد أن يكون قد أشرف عليها بنفسه أو أضيفت بموافقته على الأقل.
ثمة أوجه شبه كثيرة بين مسرحيات مالرو وشكسبير من بينها التركيز على الضمير الإنساني، والمونولوغات الداخلية في المناجيات، والشخصيات التي تحلم بالقوة والسيطرة اللامحدودة وما إلى ذلك. فمسرحية «يهودي مالطا» تذكرنا بمسرحية «تاجر البندقية»، وبالمقابل هناك فروقات بين الاثنين، أولها: أن مالرو نزل إلى الشارع، واستوحى من عوالمه أشياء كثيرة، بينما اقتصرت مسرحيات شكسبير على البلاط الملكي، وقصص الحب التي تدور في الأروقة الملكية، والأساطير اليونانية القديمة.
خلاصة القول إن مارلو هو الأب الشرعي للمسرح التراجيدي، وهو مبتكر الشعر المرسل من دون منازع، ويعد الأب والمرشد الروحي لشكسبير.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.