حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

مسرحية «دكتور فاوستس» بترجمة جديدة لعبد الواحد لؤلؤة

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»
TT

حين يبيع المرء روحه للشيطان من أجل إشباع غروره

غلاف «فاوست»
غلاف «فاوست»

صدرت عن «المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت» مسرحية «دكتور فاوستس»، تأليف كريستوفر مارلو، وترجمة الدكتور عبد الواحد لؤلؤة، تضمّن فهرس الكتاب مقدمة بقلم المترجم، وأخرى بقلم المحرر، إضافة إلى النص المسرحي المترجم عن الصيغة «B»، أي طبعة 1616 التي حُذف منها 36 سطرا وأضيف إليها 676 سطرا، الأمر الذي جعلها أطول من الصيغة «A» بنحو الثلث تقريبا.
تجدر الإشارة إلى أن العنوان الأصلي لهذه المسرحية الإشكالية هو «التاريخ المأساوي لحياة وموت الدكتور فاوستس»، أما ثيمتها الجوهرية فتتمحور حول «رجل يدعى فاوستس يبيع نفسه للشيطان، مفيستوفيليس، مقابل الحصول على قدرة فائقة، ومعرفة عالية يستطيع من خلالها أن يفعل بها ما يعنّ له من الخوارق بواسطة الشياطين الذين يسخرهم له إبليس، شرط أن يعيش 24 عاما على الأرض يجترح فيها كبائر الأعمال، ثم يتخلى عن روحه لإبليس، ويقيم بعدها في الجحيم ملعونا إلى الأبد». وبغية تغليف الحدث بغلالة درامية فقد اشترط على فاوستس أن يكتب هذا التعهد بدمه ثم يذيله بتوقيعه الخاص.
ورب سائل يسأل: ما الذي يدفع شخصا مثل فاوستس لكي يبيع روحه للشيطان؟ وللإجابة على هذا السؤال المنطقي لا بد لنا من تسليط الضوء على شخصية فاوستس ومراحل تطورها الدرامية إلى ذروة الغطرسة والتكبر والغرور، آخذين بنظر الاعتبار أن الغرور هو أحد الخطايا السبع المميتة، بحسب تصنيف الكنيسة الكاثوليكية. من هنا يتوجب علينا أولا أن نشير إلى أن فاوستس قد تعامل مع الخطيئة البشرية الفاحشة في حق الكتاب المقدس، لكنه وضعنا في مواجهة الإنسان القلق، الشكاك الذي يتأرجح بين فكرتي الإلحاد والإيمان. إن المعطيات الدرامية لشخصية فاوستس كثيرة بمكان ولا يمكن الإحاطة بها جميعا، لكننا سنحاول التركيز على أبرز هذه المعطيات التي تحيلنا بالتأكيد إلى جوانب متعددة من شخصية كريستوفر مارلو المثيرة للجدل التي تركت تأثيرها الواضح على أقرانه ومجايليه وعلى رأسهم الشاعر والكاتب المسرحي وليم شكسبير.
كان فاوستس طالبا مبرّزا في دراسته في جامعة فيتنبرغ الشهيرة في ألمانيا وقد حصل على لقب دكتور بسبب تفوقه في علم اللاهوت والفلسفة، غير أن هذه الدرجة العلمية لم ترضِ غروره، ولم تشبع رغبته في معرفة المزيد، لأنه ببساطة شديدة شخصية متخطية لنفسها ومتجاوزة للآخرين، لكنه يشبه إيكاروس الذي حلق عاليا، وحينما تخطى حدوده سقط سقوطا دراميا مفجعا بعد أن أذابت حرارة الشمس جناحيه المثبتين بالشمع.
لم يقتنع فاوستس بالأشواط التي قطعتها علوم عصره من منطق ولاهوت وفلسفة وطب وقانون ومعارف علمية وإنسانية أخرى، إذ كان يجد نقصا مروعا، وتقصيرا لا حدود له في كل علم من العلوم آنفة الذكر، فلا غرابة أن يتجه إلى السحر الأسود، وعلم استحضار الأرواح، وكل ما يبزّ الطاقة البشرية المحدودة. وانطلاقا من هذه الانعطافة الخطيرة في حياته يمكن أن نسجل بداية تمرده على الإرادة الإلهية، وتخطيه لمجال الشيطان الذي سوف يقوده إلى الهلاك.
يؤكد النقاد المسرحيون البريطانيون أن موضوعات المسرح الإليزابيثي لم تكن تخرج عن إطار الحروب، وقصص الحب التي تدور في أروقة البلاطات الملكية، وأبطالها غالبا ملوك وأمراء وقديسون. أما في «دكتور فاوستس» فنحن أمام شخصية من عامة الناس ولدت لأبوين من طبقة اجتماعية متواضعة، الأمر الذي يحيلنا إلى الأصل المتواضع لمارلو نفسه، فقد كان والده إسكافيا غير أن تلك المهنة لم تقف عائقا أمام ذكاء الابن وقدراته الفكرية المتأججة التي أهلته للحصول على منحة دراسية إلى جامعة كمبردج التي فجرت في أعماقه نزوعا شديدا صوب المعارف والعلوم الإنسانية، من هنا يمكننا القول إن شخصية إشكالية مثقفة من هذا النوع هي أرقى بكثير لما تنطوي عليه من معطيات عويصة معقدة لا يجاريها خاصة الناس، حتى وإن كانوا من أصحاب الصولجانات، والبلاطات الباذخة، والأروقة المذهبة التي تتجول فيها سيدات المجتمع المترف.
يجب أن نضع في الحسبان أن فاوستس هو شخصية متخطية للحدود التي وضعها الله للبشر، لأن التعاقد مع الشيطان هو أخطر أنواع التحدي، ليس لإرادة الدولة أو الكنيسة التي كانت قوية ومهيمنة آنذاك، وإنما لإرادة الله الذي سيقوده إلى الهلاك حتما مثلما قاد تخطي مارلو وتعاليه على المألوف من علوم الجامعة والشؤون الدينية إلى الكفر والتجديف والموت بطعنة من خنجره هو، لا خنجر خصمه إنغرام فريزر، الأمر الذي عده البيوريتان في عصره «جبرية القدر الإلهي المحتوم على الكافر».
تبدو شخصية فاوستس مترددة، فحينما يحذره ملاك الخير من مغبة انغماسه في أعمال السحر الأسود، يشجعه ملاك الشر، فيقول فاوستس في حيرة واضحة: «كيف اتخمت بهذه الفكرة؟» وهذه المناجاة تذكرنا بالمناجاة الأولى التي يشرك بها الجمهور في تساؤله المؤلم الذي يتمحور حول فكرة جوهرية مفادها: «أين يقف الإنسان بين الخير والشر؟»، هل أن أعماله هي التي تقرر ذلك «الاختيار الحر»؟ أم أن مصيره مقدر بقوة خارجية «جبرية القدر»؟، بكلمات أخرى، هل الإنسان مخير أم مسير؟ هذا التساؤل المحير الذي لا يزال يشغل بال أتباع الديانات السماوية كلها ولا يقتصر على دين محدد بذاته. وهذه إشارة كونية أخرى تخرج المسرحية من مناخها المحلي لتنفتح على آفاق عالمية متعددة انطلاقا من الفكرة الكالفينية التي تجزم بأن «قدر الإنسان مرسوم قبل ولادته».
يؤكد لؤلؤة في مقدمته الثرية التي أوضح فيها غالبية المواقف الصعبة الملتبسة، أن الجو الفلسفي الذي كان شائعا في كمبردج هو الذي أثار النقاش اللاهوتي الملتهب الذي ساهم في «ضبابية الرؤية حول المسرحية ومؤلفها وهي رؤية لا تزال ضبابية.. قائمة في بلد الضباب».
تتوزع المسرحية على خمسة فصول آخرها هو الأقصر، وفيها جوقة أو كورس يتكون من شخص واحد يحذر مما سيقع في المسرحية أو يعلق على ما حدث. تحتل المناجاة التي أشرنا إليها توا أهمية خاصة في مسرحية «دكتور فاوستس»، وخصوصا في مناجاة الافتتاح والاختتام، فالمناجاة، كما يرى لؤلؤة، تحمل الجمهور على المشاركة الخيالية في الأحداث التي تقع على خشبة المسرح؛ أي بمعنى أن تجعل من الجمهور متلقيا إيجابيا فاعلا، لا مُستقبلا سلبيا مسترخيا في مقاعده، ففي المناجاة الأولى يعقد اتفاقا مع الشيطان، ويتنازل فيه عن روحه، بينما تأخذنا المناجاة الثانية إلى التأمل الذي يفضي إلى التفاهم مع القدر الذي اختطه لحياته منطلقا من تكبره وغروره وتجاوزه لكل الخطوط المرسومة للبشر سلفا.
تناقش المسرحية كما أسلفنا موضوعات في غاية الخطورة من بينها «أن الضلالة ليست من فعل الشيطان وحده، بل هي من فعل الإنسان أيضا». فكما يذهب لؤلؤة إلى أن كل إنسان يجدف أو ينكر معموديته، يهرع إليه الشيطان ليستحوذ على روحه، وهذه إشارة أخرى إلى أن أفعال المرء هي التي تقوده إلى الصلاح أو الهلاك. وحينما يسأل فاوستس مفيستوفيليس عن الجحيم يجيبه هذا الأخير بأن «الجحيم لا حدود واقعية له لأنه حالة ذهنية محض». ترى، لماذا لم يدرك فاوستس، وهو على هذا القدر الكبير من الذكاء تهرب مفيستوفيليس من الإجابة على هذا السؤال؟ ولماذا لم يفهم دواعي المواربة في إجابته المموهة؟ أنلمس في هذه الإجابة المحيرة أن بعض الضلالة مقدر على البشر من جهة عليا، أم أنها إيحاء ببعض القبول بالجبرية والقدر المحتوم؟
توقف لؤلؤة في مقدمته القيمة عند خمسة موضوعات تناقشها المسرحية وهي: خطيئة الطمع، والبحث الدؤوب عن المعرفة، والموت والشيطانية، والسحر، واستحضار الأرواح، والتأرجح بين الخير والشر. وعلى الرغم من أهمية الموضوعات جميعها، فإن الموضوع الأبرز فيها هو السحر، ذلك لأن فاوستس فضل السحر على بقية العلوم الموجودة في عصره.
ينبه لؤلؤة إلى أن المسرحية تقوم في بنيتها على الشعر المرسل من الوزن الأيامبي الخماسي التفعيلات في الغالب الذي يخلو من القافية، لكن ذلك لم يمنعه من استعمال النثر في المشاهد الكوميدية، وألفاظ العامة، ولغة السوقة واللصوص. وهناك نحو 13 مشهدا مكتوبا بلغة منثورة تستجيب للكلام العامي الذي لا يخلو من الابتذال والسب والشتم والتجديف.
يستنتج لؤلؤة من خلال ترجمته لهذه المسرحية أن مالرو لم يمانع من إدخال مشاهد كوميدية أخرى إلى مسرحيته ولا يستبعد أن يكون قد أشرف عليها بنفسه أو أضيفت بموافقته على الأقل.
ثمة أوجه شبه كثيرة بين مسرحيات مالرو وشكسبير من بينها التركيز على الضمير الإنساني، والمونولوغات الداخلية في المناجيات، والشخصيات التي تحلم بالقوة والسيطرة اللامحدودة وما إلى ذلك. فمسرحية «يهودي مالطا» تذكرنا بمسرحية «تاجر البندقية»، وبالمقابل هناك فروقات بين الاثنين، أولها: أن مالرو نزل إلى الشارع، واستوحى من عوالمه أشياء كثيرة، بينما اقتصرت مسرحيات شكسبير على البلاط الملكي، وقصص الحب التي تدور في الأروقة الملكية، والأساطير اليونانية القديمة.
خلاصة القول إن مارلو هو الأب الشرعي للمسرح التراجيدي، وهو مبتكر الشعر المرسل من دون منازع، ويعد الأب والمرشد الروحي لشكسبير.



إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز
TT

إيفا إيلوز تعلن نهاية الحب وتنعى فن الغزل

إيفا إيلوز
إيفا إيلوز

لم يكف المفكرون وعلماء النفس والاجتماع الغربيون منذ بدايات القرن الفائت عن تناول الأسباب العميقة التي أدت إلى تدهور العلاقات العاطفية بين البشر، في ظل الاستشراء المتعاظم لنظام القيم الرأسمالي، الذي يقع الجشع والمنفعة وجباية الملذات في رأس أولوياته. وإذا كان الباحث البولندي زيغمونت باومان قد تحدث في كتابه «الحب السائل»، الذي تم تناوله في مقالة سابقة، عن لزوجة الروابط الإنسانية الحديثة، فإن الباحثة الفرنسية إيفا إيلوز ذهبت في كتابها «نهاية الحب» إلى أبعد من ذلك، فتحدثت عن ضمور الحب وسقوطه المريع تحت الضربات الهائلة والمتصاعدة للمطرقة الرأسمالية.

لعل أكثر ما تؤكد عليه إيلوز في كتابها القيّم والمستفيض هو أن التحول الذي حدث في العلاقات الإنسانية هو أخطر من أن يترك في عهدة علماء النفس بمفردهم، لأن لدى علم الاجتماع الكثير مما يقوله في هذا الشأن، حيث إن «اللايقين العاطفي الذي يسود في مجالات الحب والرومانسية والجنس هو النتيجة السوسيولوجية المباشرة للطرق التي أدمج بها سوق الاستهلاك والصناعة العلاجية وشبكة الإنترنت، من خلال الاختيار الفردي الذي بات الإطار الرئيسي للحرية الشخصية».

إميل دوركهايم

وترى إيلوز في كتابها أن الحب الذي كان موجهاً للآلهة ومسنوداً بقيم دينية وسماوية انتقل في العقود الأخيرة إلى نوع من الفردانية التملكية والجنسية، التي تسوغ للمرء اتصالاً جسدياً مع من يختاره بنفسه. وقد بدأت لبنات هذه «الحداثة العاطفية» بالظهور في القرن الثامن عشر. على أنها لم تتحقق بشكل كامل إلا بعد ستينيات القرن العشرين، سواء تجلى ذلك عبر الإقرار الثقافي بحرية الاختيار العاطفي، أو عبر إعلاء مبدأ اللذة والمتع الافتراضية التي وفرتها الشبكة العنكبوتية.

وقد كان عالم الاجتماع المعروف إميل دوركهايم من أوائل الذين أدركوا مغزى انهيار النظام العاطفي والمعياري والمؤسساتي للعلاقات الإنسانية. فهو ركز في بحوثه على البشر المصابين بالأنوميا، أو الشراهة المفرطة، الذين يجدون متعتهم في العلاقات الحرة وغير المقيدة بأي شيء سوى المتعة نفسها. وبما أن الإنسان الشره يتعلق بكل من ينال إعجابه، ولا شيء يرضيه على الإطلاق، فسوف تدركه لعنة اللانهائي، التي لا ينتج عنها سوى البلبلة والاضطراب النفسي، وصولاً إلى الانتحار.

وفي سياق الضمور التدريجي للحب الرومانسي وسيادة اللاحب، تتيح الحياة المعاصرة للبشر الباحثين عن كسر العزلة الفرصة الملائمة لنسج علاقات عاطفية أكثر يسراً من السابق، إلا أنها تقدم الشيء ونقيضه في آن. فهي إذ تساعدهم من ناحية على تعريف أنفسهم عن طريق الاختيار الحر وتحقيق الرغبات، يتخذ تعريف الذات أشكالاً سلبيةً تتمثل بالإعراض والتردد والحيرة والصد المتكرر ونبذ العلاقات، بما أكسب الاختيار طابع اللااختيار، وحوّل فائض الحرية إلى نعمة ونقمة في آن.

زيغمونت باومان

والواضح أن الحداثة، التي عملت في البداية على تحرير الحب والصداقة والعلاقات الإنسانية من الأغلال، ما لبثت بتأثير واضح من نمط العلاقات الرأسمالية، التي يشكل نظام العقود بين الشركات عنوانها الأبرز، أن حوّلت الحب إلى علاقة استثمارية تعاقدية بين طرفين، يحرص كل منهما على تحصيل أقصى ما يستطيعه من الأرباح. لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد، بل إن القدرات التواصلية الفائقة للحداثة أفضت في وقت لاحق إلى خلخلة العلاقات الاجتماعية التقليدية، أو نقلها إلى خانة سلبية بحتة. والبراهين على ذلك كثيرة ومتنوعة، من بينها المواعدات العرضية، والاكتفاء بالعشيق المؤقت أو رفيق المتعة، والنأي عن أي وعد ملزم، وإخلاء العلاقات من أي شبهة شاعرية.

وتستعيد المؤلفة في هذا السياق، وبالكثير من النوستالجيا، الوجوه والمفاهيم السابقة للحب، سواء تعلق الأمر باليوتوبيا الصوفية، أو بالتقشف المسيحي، ممثلاً بأوغسطين وتوما الأكويني، الذي يكاد يحصر العلاقة الجسدية في نطاق الإنجاب والتكاثر، أو بالحب الفروسي الذي ساد في العصور الوسطى، وأنتج قصائد رائعة في التوله العشقي. وهي تضع في السياق نفسه رؤية إيمانويل كانط الأخلاقية إلى العلاقات العاطفية، التي لا ينبغي حسب قوله «أن تجعل من الشخص الآخر موضوعاً للشهوة، ثم تطرحه بعد إطفائها كما يُطرح الليمون بعد عصره».

وهي إذ تفعل ذلك فلتبين بوضوح كيف أن النظام الرأسمالي، بخاصة في ظل التطورات المتسارعة لوسائل الاتصال، لا يقرأ إلا في كتاب الاستثمار وتحصيل المكاسب، بدليل أنه فصل الجسد الإنساني عن أي مرجعية أخلاقية واجتماعية، وحوّله إلى مرجع قائم بنفسه وذاتي الإحالة، ومفصول عن الأجساد الأخرى وباقي الأشخاص. وإذا كانت الجنسانية غريزة طبيعية، فيمكن للجسد الجنسي أن يصير فيزيولوجيا خالصة محكومة بالهرمونات والنهايات العصبية.

وإذا كانت التحولات الدراماتيكية التي أدخلها نظام المنفعة الرأسمالي على سلم القيم المألوف أصابت الحب في صميمه، فهي قد أصابت بالطريقة ذاتها فن الغزل، سواء ما تعلق منه بالشعر، أو بقواعد المغازلة القديمة على اختلاف مستوياتها وأغراضها. صحيح أن المغازلة لم تكن تتم على الدوام في سياق التمهيد الصادق للارتباط النهائي بالآخر، بل كان بعضها يقع في خانة الإغواء الشهواني للطرف المعشوق واستدراجه إلى علاقة جسدية عابرة، لكنها ترتكز في جميع الحالات على مجموعة واضحة من القواعد الاجتماعية التي تنظم المشاعر والعواطف والتفاعلات في مسارات ثقافية محددة المعالم والغايات.

ولعل أهم ما تمنحه أشكال المغازلة التقليدية للمتغزلين، هي أنها تخرجهم من حالة التذرر واللايقين التي تحكم في العادة شخصية البشر المتوحدين، أو المهووسين بإرضاء نزواتهم، وتدرجهم في سياق بنية سردية وسوسيولوجية، محددة المقدمات والنتائج. فالمغازلات الغرامية ما قبل الحديثة كانت، وفق دوركهايم، مرتبطة بمجالات للطاقة شديدة التكثيف، وقادرة عبر ديناميتها الفاعلة وظهيرها العاطفي، على إكساب العلاقة بين الطرفين ما يلزمها من الفاعلية والجدوى، وما يخفف بالتالي من وطأة الغموض واللايقين.

لم يكن اختفاء المغازلة الغرامية بهذا المعنى سوى المحصلة الطبيعية للحرية الجنسية، التي لم يلبث أن أمسك بزمامها جهاز مؤسَّسي لا يقيم للمشاعر الإنسانية القلبية أي وزن يذكر. فإذا كانت الحرية قد شكلت الشعار الآيديولوجي للحركات الاجتماعية والسياسية، فإنها باتت بالمقابل الذريعة التي يتوسلها طالبو المتع الحسية المجردة لتحقيق غاياتهم، وإخلاء حياتهم من أي معنى يتجاوز هذه المتع. وقد عززت الرأسمالية «المرئية» هذا الشكل من الاستغلال المكثف والواسع للجسد الجنسي، من خلال صناعة الصور والسرديات التي لم تكف التكنولوجيا المتطورة عن توفيرها لهواة النوع. وهو ما جعل العلاقات القائمة بين البشر تأخذ شكل المقايضات المتبادلة التي تتم بين غرباء، يقوم كل منهما بإسداء خدمة مُرْضية للآخر.

لكن المفارقة اللافتة في هذا النوع من العلاقات التي تعززها الرأسمالية النيوليبرالية هي أن التمحور الغرائزي حول الذات الظامئة أبداً إلى التحقق، يقابله تهديد عميق للهوية الفردية والاجتماعية على حد سواء، بحيث إنني «لا أستطيع أن أقول من أنا وماذا أريد». وفي ظل هذا النوع من العلاقات المعولمة، تسود بنية جديدة للشعور تتأرجح بين المجالين الاقتصادي والجنسي، وتجد تعبيراتها في المرونة الزائدة، والانتقال من شريك إلى آخر، وعدم الولاء. وهو ما جعل انعدام الإحساس بالأمان يسير جنباً إلى جنب مع التنافسية المطلقة وغياب الثقة.

لعل أخطر ما تسبب به الانهيار التراجيدي لعلاقات الحب الوثيقة هو أن اختفاء الروح من المشهد الغرامي قد ترك الجسد يخوض وحيداً وبلا ظهير معركة إثبات الفحولة والتنافس القاسي على الخواء. وهو ما جعل أضراره تتعدى الإحساس بالفراغ الروحي والميتافيزيقي، لتصل ببعض الخاسرين في سباق الفحولة إلى الانتحار، كما حدث لبطل ميشيل ويلبيك في روايته «توسيع دائرة الصراع».

وإذ تلح إيفا إيلوز في خاتمة كتابها على أنها ليست معنيةً بتقديم المواعظ الأخلاقية، ولا الدعوة إلى تضييق هامش الحرية، أو الحث على العودة إلى بيت الطاعة الأسري، تؤكد بالمقابل على كونها معنيةً بأن يجد سعار الشهوات المحمومة، وفوضى الغرائز المنفلتة من أي وازع، طريقهما إلى التراجع. وإذا كانت الحرية الفردية هي المبدأ الحقوقي الذي يتذرع به الكثيرون لتبرير انفلاتهم الغرائزي، وتهالكهم على الملذات، فلماذا لا تكون الحرية بالمقابل بمثابة الذريعة الملائمة لرفع الستار عن كنوز الروح وجمال الحب وفتنة اللامرئي.


لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
TT

لوحة «ملوك العالم» في قصير عمرة

ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها
ملوك الأرض في لوحة من جداريات قصير عمرة، مع رسم توثيقي لها

يقع قصير عمرة في بادية الأردن، جنوب غرب محمية وادي الأزرق، ويُعرف بجدارياته التي تشكّل متحفاً للفن التصويري الأموي. تحوي هذه الجداريات مجموعةً من اللوحات الكبيرة، حظي عدد منها بشهرة واسعة، منذ أن كشف العالم التشيكي ألوييس موزيل عنها في مطلع القرن الماضي. تبرز في هذا الميدان لوحةٌ تُعرف باسم «ملوك العالم»، تُمثّل ستة أشخاص تعلو قاماتهم كتابات تسمّي أربعة منهم.

يجمع قصير عمرة بين حمّام كبير، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، ويحضر «ملوك العالم» في الإيوان الغربي، على طرف الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة. تناوب عدد من كبار العلماء على تحليل هذه اللوحة، واستندوا في أبحاثهم على رسم توثيقي نشره ألوييس موزيل عام 1907 ضمن دراسة خصّ به هذا الموقع الأموي. لم تصل هذه اللوحة بشكلها الكامل عند اكتشافها، إذ فقدت بعضاً من تفاصيلها حين حاولت البعثة التي قادها موزيل نزعها لنقلها، وتبيّن أن هذه البعثة نقلت عينة صغيرة منها، دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين.

تمّ تنظيف هذه اللوحة في النصف الأوّل من سبعينات القرن الماضي، يوم قامت بعثة إسبانية بتدعيم بناء قصير عمرة. ورُمّمت منذ بضع سنوات، حيث باشر فريق إيطالي من «المعهد العالي للحفظ والترميم» العملَ في الموقع في 2010. شمل هذا العمل المتأنّي لوحة «ملوك العالم»، وأدّى إلى الكشف عن تفاصيل بقيت مخفية من قبل. ظهر وجهان من وجوه هؤلاء الملوك بشكل جلّي، وشهد هذا الظهور لمتانة الأسلوب المتبع في التصوير والتلوين.

تُمثّل هذه اللوحة ثلاث قامات تحضر في المقدمة في وضعية المواجهة، رافعةً أيديها في اتجاه اليمين، في حركة ثابتة. وتظهر من خلف هذه القامات ثلاثة وجوه تنتصب في وضعيّة مماثلة. تشكّل هذه القامات الست جوقة واحدة، وتبدو أحجامها متساوية، ممّا يوحي بأنها تنتمي إلى مصاف واحد. تظهر القامات التي تحتل المقدّمة بشكل كامل، وتتميّز بلباسها المترف. في المقابل، تطلّ القامات التي تقف من الخلف بشكل جزئي، ولا يظهر من لباسها إلا بعض تفاصيل.

في قراءة تتّجه من اليسار إلى اليمين، يظهر في طرف الصورة ملك ضاع رأسه، غير أن الرسم التوثيقي حفظ صورة قمة تاجه، كما حافظ على الكتابة المزدوجة التي تسمّيه. يحلّ الاسم باليونانية في عبارة بقي منها ثلاثة أحرف، ويحل بالعربية في عبارة بقي منها حرفان. قراءة العبارتين جلّية رغم هذه الثغرات، وتسمّي «قيصر»، أي إمبراطور الروم. من خلفه، ينتصب ملك فقد كذلك رأسه، ويكشف الرسم التوثيقي عن قمة الخوذة التي تعلو هذا الرأس، كما يكشف عن كتابة مزدوجة تبدو مبهمة، وهذه الكتابة محفوظة في العينة التي دخلت «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتحوي حرفاً واحداً يظهر بشكل جلي، وهو حرف «ق». تُظهر الدراسات بأن المَعني هو رودريغو، آخر الملوك القوط، حاكم هسبانيا ما بين عام 710 وعام 712، وقد اختلف الرواة العرب في اسمه، «فقيل رذريق، بالراء أوله، وقيل باللام، لذريق، وهو الأشهر» على ما كتب المقري التلمساني في «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب». عن يمين قيصر، يقف ملك يعتمر تاجاً يتميّز برأس مسنون يعلوه هلال، يرتفع وسط قرنين متواجهين. تعلو هذا التاج كتابة مزدوجة سلم جزء كبير من أحرفها، وتشير إلى «كسرا»، وهو اللقب الذي عُرف به ملوك الساسانيين الفرس. من خلفه، يقف ملك تهشّم وجهه، تعلو رأسه كتابة مزدوجة ضاع بعض أحرفها، وما بقي منها يشير بالتأكيد إلى النجاشي، ملك الحبشة. إلى جانب النجاشي يحضر أخيراً ملكان ظهر وجهاهما بشكل واضح، غير أنّ هويّتيهما ظلّتا موضع بحث بسبب غياب أي كتابة مرافقة لهما.

يرتدي قيصر جلباباً أصفر يعلوه قباء أزرق تزيّنه شبكة من الزخارف الدائرية. ويحضر كسرى برداء أزرق ومعطف أصفر فاتح، يعلوه قباء أحمر ينسدل طرفه الأيمن على الساقين. ويقف النجاشي بجلباب أبيض، تزيّنه بطانة طويلة حمراء، تمتدّ على الكتفين، وتنسدل في الوسط. يطل الملك الخامس بشارب طويل يعلو فمه، ويظهر برداء فاتح، يعلوه قباء أزرق تزينه شبكة من الزخارف الوردية. تنتصب هامة الملك السادس من خلفه، وتكشف عن وجه ملتح بقي الجزء الأسفل منه. يرفع الملوك الذين يتقدّمون هذا الجمع أيديهم نحو الجهة اليمنى، وتأتي هذه الحركة في اتجاه لوحة كبيرة تحتلّ جدار الإيوان الأوسط، تُمثّل الأمير الوليد بن يزيد وسط ديوانه، كما تؤكّد الكتابة التي تعلو هذه اللوحة.

قدّم العالم أوليغ غرابار في عام 1954 قراءةً معمّقةً ترى هذه اللوحة تعبيراً مجازياً عن روحية الحكم الأموي، واستعاد فيها قولاً مأثوراً عُرف به الخليفة يزيد بن الوليد بن عبد الملك: «أنا ابن كسرى وأبي مروان/ وقيصر جدي وجدي خاقان»، ورأى في هذا القول تعبيراً عن «أمميّة» أموية تعبّر عنها تشكيلياً جدارية قصير عمرة. من جهة ثانية، اعتبر الباحث أن تصوير «الملوك الستة» يحاكي تقليداً فارسياً، واستشهد بحديث في «معجم البلدان»، يذكر فيه ياقوت الحموي ركناً في قرميسين، أي کرمانشاه، يحوي صورة فنية تجمع «ملوك الأرض، منهم فغفور ملك الصين، وخاقان ملك الترك، وداهر ملك الهند، وقيصر ملك الروم، عند كسرى أبرويز.

اتبع مصوّر جدارية الملوك الستة، كما يبدو، هذا التقليد، غير أنَّ لوحته حملت طابعاً محلياً تمثّل في تدوين الأسماء، فاللافت هنا ان اسم ملك الروم لم يتغيّر في صياغته اليونانية، ولم يُستبدل به اسم «باسيليوس» الذي تبناه البيزنطيون، بل حضر باسم «قيصر» الذي عُرف به في الميراث الإسلامي. تحضر أسماء كسرى وقيصر والنجاشي من دون تحديد هوية أصحابها، ويحضر اسم لذريق بشكل فردي، مختزلاً سلالة ملوك القوط التي لم يتعرّف إليها علماء المسلمين بشكل عميق. وظهر إلى جانب هؤلاء الملوك الأربعة، ملكان أحدهما على الأرجح ملك الترك، والآخر ملك الصين أو ملك الهند.

هزم الحكم الإسلامي الأول ملوك الروم والفرس والقوط، إلا أنه لم يمح أثرهم، بل كان وارثهم. تعكس لوحة حلقة الملوك المنعقدة أمام ولي العهد الأموي هذا التحوّل، إذ يظهر فيها المهزومون منتصبين بوقار في وقفة جامعة، لا راكعين أمام غالبهم، كما هي العادة في التقاليد الفنية الرومانية والساسانية والبيزنطية. تشهد هذه اللوحة لأمميّة المجتمع الإسلامي في زمن خلافة بني أمية، ويتجلى هذا الطابع في لوحات أخرى من جداريات قصير عمرة، تحمل تفاصيلها مزيجاً خلّاقاً من التقاليد والأساليب التي تبنّتها هذه الخلافة وطوّرتها.


«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»
TT

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

«قراءات نقدية» لـ«توشيج العلاقة بين القارئ والكاتب»

صدر حديثاً عن مؤسسة «ميسلون للثقافة والترجمة والنشر» كتاب «قراءات نقدية» لمؤلفه محمود أبو حامد. والكتاب، كما يقول أبو حامد، هو «محاولة لتوشيج العلاقة بين القارئ والكاتب، وتقريبه من الأدوات النقدية السائدة، والعتبات المحددة لأبوابها، ومشاركته في تناول نماذج إبداعية متنوعة ومختلفة في أجناسها وأشكالها، لكنها متقاطعة في أبنيتها ومساراتها السردية وصياغة شخصياتها، ومرجعياتها ودوافعها وتداعياتها... وهو محاولة أيضاً لكسر الحواجز بين الأجناس، وإضافة قواسم مشتركة بينها، وتسليط الضوء على الكتابات البكر والجديدة... وتندرج هذه النماذج تحت عناوين متنوعة تحدد تقاطعاتها».

في فصل «المادة المعرفية»، أي اعتماد أو اتكاء العمل الإبداعي على مادة أو مواد معرفيةٍ ما، تناول المؤلف رواية الكاتب والناقد السوري نبيل سليمان «تحولات الإنسان الذهبي»، ورواية الكاتب العراقي شاكر نوري «الرواية العمياء»، وديوان «عابرُ الدهشة» للشاعرة اللبنانية ندى الحاج، وديوان «وجهك صار وشماً غجرياً» للشاعرة السورية ماجدة حسّان، ومجموعة «زوجة تنين أخضر» للقاصّة السورية روعة سنبل.

وتحت عنوان «فنتازيا البناء والسرد»، نطلع على قراءات في رواية «قمل العانة» للكاتب السوري الراحل غسان الجباعي، ورواية «لستُ حيواناً» للكاتب الفلسطيني وليد عبد الرحيم، ومجموعة القاصّ الفلسطيني راكان حسين «بوابة المطر»، وديوان «تمرين على النباح» للشاعرة الفلسطينية منى العاصي، ورواية «الغابة السوداء» للكاتب السوري مازن عرفة.

وتحت عنوان «تجليات الأمكنة»، كتب أبو حامد عن تجارب عدد من الشعراء: السوري أسامة إسبر، والشاعر الأردني عمر شبانة، والشاعرة المغربية فدوى الزيّاني، والشاعر السوري حسين الضّاهر. ومن الفصول الأخرى، وتحت عنوان «الحرب وتداعياتها»، نقرأ مقالة للكاتب بعنوان «الحرب في سوريا وحيادية المواقف بين البناء والسرد»، تتضمن تناولاً لآراء بعض الكتاب السوريين عن الحرب/ الثورة، مثل: نبيل سليمان، وفواز حداد، وخالد خليفة، وغسان الجباعي، ونهاد سيريس، وشادية الأتاسي، ورباب هلال، وبشير البكر، وأسماء الكريدي. وفي «بين ثقافتين»، كتب المؤلف عن الروائيين السوريين: مازن عرفة في روايته «الغابة السوداء»، ونهاد سيريس في روايته «أوراق برلين»، وإبراهيم اليوسف في روايته «جمهورية الكلب».

وبين «الثقافة العربية والإنجليزية»، تناول أبو حامد من لندن تجربة القاصّ العراقي عبد جعفر في مجموعته «طاقية الوهم»، التي تبرز فيها «مقارنات دقيقة بين اللغات والإيحاءات من الشوارع والمارة، من المتاحف والأسواق، من برودة الطقس ودفء الأمان... ويختار فيها نماذجه بعناية ويحركها في أمكنة ضمن مشهدية تمنح للسرد تشويقاً إضافياً». ومن فرنسا، اختار المؤلف الشاعرة السورية سلام أبو شالة في كتابها «بالخط الأحمر» الذي تسرد فيه «زمن الخروج إلى النجاة»، وتصف رحلاتها، والمدن التي أقامت فيها لاجئة، وتبحث في ثقافاتها من فنون وموسيقى ومتاحف... و«لكن دائماً ثمة هاجس خفي يعيدها إلى بلادها».