«الفسيفساء الجينية» في الجسم البشري... تحير العلماء

تظهر عندما لا تحمل كل الخلايا التركيبة الوراثية نفسها

العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
TT

«الفسيفساء الجينية» في الجسم البشري... تحير العلماء

العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء

في حادثة غريبة لم يستطع الطبيب الأميركي جيمس بريست أن يفهم حالة طفلة مريضة، إذ وبعد فحصه للحمض النووي «دي إن إيه» العائد للطفلة شديدة المرض بحثاً عن طفرة جينية تعرّضها لخطر توقّف القلب (السكتة القلبية)، تفاجأ بنتائج الفحوصات التي بدت وكأنّها تعود لطفلتين مختلفتين.

فسيفساء جينية
ونقلت وسائل إعلام أميركية عن بريست، وهو طبيب قلب متخصص بالأطفال من جامعة ستانفورد قوله: «لقد شعرت بالذهول». إذ تبيّن أنّ الطفلة تحمل مزيجاً من الخلايا المختلفة جينياً، في حالة تعرف بـ«الفسيفساء (الموزاييك) الجينية mosaicism». وكشفت الفحوصات أنّ بعض الخلايا تحمل طفرة مميتة، في حين توجد خلايا خالية من الطفرات، وكأنّها تعود لطفلة سليمة.
اعتاد الناس التفكير بأنّ خلاياهم تتشارك جينات متطابقة، منسوخة بشكل كامل منذ مرحلة تلقيح حيامن الآباء لبيوض الأمهات. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأطلس الوراثي (الجينوم)، وكذلك بالحمض النووي في خلايانا، إن علينا أن نتحدّث عن كلً خليّة على حدة.
وعلى مرّ العقود، اتّضح أن الجينوم لا يختلف بين شخص وآخر فحسب، بل أيضاً بين خليّة وأخرى. وهذه الحالة ليست استثنائية أو نادرة، فكلّنا عبارة عن «فسيفساء جينية».
بالنسبة للبعض، قد يعني هذا الأمر المعاناة من اضطرابات خطيرة كأمراض القلب. ولكنّ «الفسيفساء الجينية» تعني أيضاً أنّ الأشخاص الأصحاء يختلفون عن بعضهم بعضاً حتّى وأكثر ممّا تصوّر العلماء.

لغز سحري
في أوروبا القرون الوسطى، كان المسافرون الذين تمرّ طريقهم عبر الغابات يصطدمون أحياناً بشجرة غريبة، فقد كان شكل نماء بارز من جذعها يوحي وكأنّه يعود إلى نبتة مختلفة كلياً، مع تشكّل حزمة كثيفة من الأغصان، من النوع الذي يحوّله الناس عادة إلى مكانس... أغصان يدعوها الألمان «هيكسنبيسين»: مكنسة الساحرات.
في القرن التاسع عشر، وجد مربّو النباتات أنّهم إن بادروا إلى قطع غصن من أغصان مكنسة الساحرات من إحدى الشجرات وطعموها بشجرة أخرى، ستنمو هذه الأغصان المكنسة وتنتج بذوراً، تنمو بدورها لتصبح أغصان مكنسة.
وكذلك تنمو ثمار الغريب فروت الزهرية بالطريقة نفسها. إلا أن مزارعاً من فلوريدا لاحظ يوماً ظهور جذع غريب على شجرة غريب فروت من نوع «والترز»، التي تنتج عادة فواكه بيضاء اللون، ولكنّ هذا الغصن نبتت عليه ثمرات غريب فروت زهرية اللون... ومنذ ذلك الوقت، تنتج هذه البذور أشجار غريب فروت ذات ثمار زهرية.
وقد انبهر العالم تشارلز داروين بهذه الغرابة، وتعجّب من تقارير تحدّثت عن براعم غريبة وشاذّة على نباتات مزهرة، واعتقد داروين أنّها تحمل مفاتيح لحلّ ألغاز الوراثة.

طفرات متميزة
إلّا أنّ العلم لم يتمكّن حتى القرن العشرين من توضيح أنّ هذه المادّة الشديدة الأهمية هي الحمض النووي. فقد وجد العلماء أنّه بعد طفرة حدثت في خليّة واحدة، ورثت جميع سلالاتها طفرة «مكنسة الساحرات»، وأصبحت لاحقاً هذه الحالة تعرف بـ«الفسيفساء الجينية».
وقد وجد ديفيد أ. هانغرفورد وبيتر نويل أنّ الأشخاص الذين يعانون من نوع من السرطان يعرف بالـ«لوكيميا النخاعية المزمنة» يفتقرون إلى جزء كبير من الكروموسوم 22. ومن الصعب أن نفكّر بوجود عامل مشترك بين ورم خبيث وبين ثمرة غريب فروت زهرية، إلا أن كليهما نتجا عن العملية نفسها: ذرية من سلالة الخلايا التي تكتسب طفرات جديدة لا يوجد مثلها في باقي الجسم.
ثبت أيضاً أنّ «الفسيفساء الجينية» تسبب بعض الأمراض الجلدية، فقد تبيّن أنّ بعض الطفرات الجينية تتسبب في تغيّر لون جهة واحدة من الجسم إلى لون قاتم، في حين تتسبب طفرات أخرى في انتشار خطوط على البشرة.
الفرق يكمن في التوقيت. ففي حال اكتسبت خلية معيّنة طفرة في مرحلة مبكرة من النمو، فإن هذا يعني أنها ستنتج الكثير من سلالات الخلايا المشابهة التي سينتهي بها الأمر منتشرة في الجسم. أمّا الطفرات التي تظهر في وقت متأخر، فتنتج سلالة وراثية محدودة.

اضطراب جنيني
على الرغم من الانتشار الواضح لـ«الفسيفساء الجيني»، فإنه من السهل جداً عدم ملاحظتها، ومن الصعب جدّاً توثيقها.
تعرّضت إستريا لي، الطفلة التي فحصها الطبيب بريست، لسكتة قلبية يوم ولادتها. بعدها، وضع الأطباء جهازاً للصدمات الكهربائية في قلبها لاستئناف نشاطه الطبيعي.
عمل بريست على دراسة تسلسل حمض الطفلة النووي بحثاً عن سبب الاضطراب، وخلص إلى أنّها تعاني من طفرة في نسخة واحدة من جين يعرف بـ«أس سي أن 5 أيه SCN5A»، تسببت غالباً في اضطراب القلب، لأن هذا الجين هو الذي ينتج بروتيناً يساعد في تنشيط ضربات القلب.
ولكن عندما أجرى بريست اختباراً مختلفاً، لم يعثر على الطفرة. وللوصول إلى خلاصة في حلّ هذا اللغز، تعاون بريست مع ستيفن كويك، عالم الأحياء من جامعة ستانفورد كان تولّى دراسة تسلسل موروثات الخلايا الفردية. اختار بريست 36 خلية دم بيضاء من دم الطفلة، وعمل العلماء على دراسة تسلسل الموروث الجيني الكامل لكلّ خليّة.
وتبيّن أنّ النسختين من جين يعرف باسم «SCN5A» في 33 من الخلايا كانتا طبيعيتين. ولكنّ في الخلايا الثلاثة المتبقية، وجد الباحثون طفرة في واحدة من نسخ الجين... أي أنّ دم الطفلة إستريا، كان فسيفسائياً.
واتضح أيضاً أنّ لعابها وبولها يحتويان على خلايا فسيفسائية، بعضها يحمل طفرات. وأثبتت هذه النتائج أن إستريا أصيبت بهذه الفسيفسائية في مرحلة مبكرة من نموّها. وتبيّن أيضاً أنّ الخلايا في لعابها، وخلايا المثانة في بولها وخلايا الدم نشأت من طبقات مختلفة من الخلايا عندما كانت الطفلة لا تزال جنيناً في الأسبوع الثاني.
ومن المرجّح أنّ تكون طفرة «SCN5A» لدى الطفلة قد نشأت في خلية كانت موجودة قبل هذه المرحلة، لينتهي الأمر بانتشار خلايا من نسلها لاحقاً في هذه الطبقات الثلاث، وأخيراً في الأنسجة الموزعة في جسمها.
ومن الواضح جداً أن هذه الخلايا وصلت إلى قلبها أيضاً، حيث تسبّبت الطفرة نظرياً بمرض الطفلة الصغيرة.

محاكاة القلب
في الوقت الذي كان فيه بريست يعيد تركيب أصول الفسيفساء الجينية لديها، كانت إستريا تتعافى من عملية زراعة جهاز الصدمات، فاصطحبها والداها إلى المنزل، وبدت متعافية في الأشهر القليلة التي تلت. ولكن في أحد الأيام، استشعر جهاز الصدمات بضربات غير منتظمة في قلبها وأطلق صدمة، وأرسل رسالة لاسلكية للأطباء ينذرهم فيها.
بعد عودتها إلى المستشفى، اكتشف الأطباء مشكلة جديدة وهي اتساع قلبها بشكل خطير. فربط الباحثون الطفرات في جين «SCN5A» بالحالة. بعدها بوقت قصير، توقّف قلب الطفلة، فوصله الأطباء بمضخّة آلية، ريثما يتوفّر قلبُ متبرع به.
خضعت إستريا لعملية زراعة قلب وتعافت بشكل أتاح لها العودة إلى المنزل والاستمتاع بطفولة طبيعية، لتلعب مع أختها وتستمع. وعملية الزرع هذه لم تمنح إستريا فرصة جديدة للحياة فحسب، بل قدّمت لبريست فرصة نادرة للاطلاع عن قرب على فسيفساء القلب الجيني.
ثبّت جراحو الزرع بعض القطع من عضلة قلب إستريا، واستخرج بريست وزملاؤه جين «SCN5A» من الخلايا المأخوذة من أجزاء مختلفة في قلبها.
ووجد بريست وزملاؤه أنّ أكثر من 5 في المائة من الخلايا في الجهة اليمنى من القلب مصابة بالطفرة، في حين ظهرت الطفرات في 12 في المائة من خلايا الجهة اليسرى.
لدراسة تأثير الفسيفساء الجيني، طوّر بريست وزملاؤه كومبيوتراً يحاكي قلب إستريا، وبرمجوه ببذور من الخلايا المصابة بالطفرات وأطلقوه للنبض. فضرب القلب المحاكى بشكل غير منتظم، كما فعل قلب إستريا.
ويتساءل بريست عن عدد الأشخاص الذين قد يكونون معرضين لخطر مزيج الطفرات المخفية، إلا أن الباحثين لن يتمكنوا حتى الآن من معرفة الجواب، لأنهم لم يصادفوا حالة مرضية أخرى كحالة إستريا.



تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل
TT

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

تقنيات التسلسل الجيني تكشف خريطة جديدة لانتشار السل

في خطوة علمية متقدمة كشفت دراسة حديثة من إسبانيا عن أسلوب مبتكر لفهم انتشار مرض السل، وذلك من خلال استخدام تقنيات التسلسل الجيني لرصد حركة العدوى بدقة غير مسبوقة.

تقنية التسلسل الجيني

وبمناسبة اليوم العالمي للسل تسلط هذه الدراسة الضوء على الدور المتنامي لتحليل الحمض النووي «دي إن إيه» في كشف سلاسل انتقال خفية للمرض، وتوجيه التدخلات الصحية بشكل أكثر فاعلية. ففي إقليم كاتالونيا يتم تشخيص أكثر من 1200 حالة سل سنوياً، لكن يبقى التساؤل قائماً: كم عدد الحالات التي تمر دون اكتشاف؟ وكيف تنتقل البكتيريا فعلياً داخل المجتمعات؟

للمرة الأولى استخدم باحثون تقنية التسلسل الجيني على نطاق واسع لرسم خريطة دقيقة لانتشار السل في مختلف أنحاء الإقليم. وقد أظهرت النتائج التي نُشرت في مجلة «Frontiers in Microbiology» في 20 مارس (آذار) 2026 أماكن تركز المرض، وأيضاً الأنماط الجينية للسلالات البكتيرية المنتشرة، والفئات السكانية المرتبطة بها.

وجاءت هذه الدراسة ثمرة تعاون علمي بين معهد أبحاث جيرمانس ترياس إي بوجول ومستشفاه الجامعي، ومعهد الطب الحيوي في فالنسيا، حيث تمثل أولى النتائج المنشورة للبرنامج التجريبي TB-SEQ. وقد أُطلق هذا البرنامج في أواخر عام 2021 بهدف دمج تقنيات التسلسل الجيني ضمن أنظمة الترصد الوبائي الروتينية لمرض السل في كاتالونيا، في خطوة تعكس تحولاً نوعياً في أساليب مراقبة الأمراض المعدية.

بصمة وراثية لكل حالة

تعتمد طرق تتبع السل التقليدية على تتبع المخالطين، أي سؤال المرضى المصابين عن الأشخاص الذين قضوا وقتاً معهم، ثم فحص هؤلاء الأفراد. لكن هذه الطريقة بها نقاط عمياء. فقد لا يعرف الأشخاص أنهم تعرضوا للعدوى، أو قد لا يتذكرون كل تفاعل.

ويقدم التسلسل الجيني عدسة مختلفة، فمن خلال تحليل المادة الوراثية لبكتيريا المتفطرة السلية Mycobacterium tuberculosis المسببة للمرض من كل مريض يمكن للعلماء مقارنة السلالات. فإذا كان مريضان يحملان جينومات بكتيرية متطابقة تقريباً ولا تفصل بينهما سوى بضع طفرات، فمن المرجح جداً أنهما جزء من نفس سلسلة الانتقال.

السلالة المهيمنة والارتباط بالوافدين

كما حللت الدراسة السلالات البكتيرية التي جُمعت من جميع أنحاء كاتالونيا بين ديسمبر (كانون الأول) 2021 ويونيو (حزيران) 2023. وتظهر النتائج أن السلالة الأكثر شيوعاً، والتي تسمى «إل4» L4 توجد في كل مكان في الإقليم، سواء بين السكان الأصليين، أو بين المقيمين من المولودين خارج إسبانيا.

لكن السلالات الأخرى تروي قصة أكثر تحديداً، حيث تظهر سلالات مثل L1/EAI وL2/Beijing وL3/CAS بشكل متكرر في مناطق جغرافية معينة، وغالباً ما ترتبط بأشخاص يتحدرون من أجزاء من العالم تنتشر فيها هذه الأنواع الفرعية.

وعلى سبيل المثال فإن سلالة بكين (L2) شائعة في شرق آسيا، بينما سلالة CAS (L3) أكثر شيوعاً في وسط وجنوب آسيا.

كما حدد الباحثون منطقة برشلونة الحضرية كنقطة ساخنة رئيسة، وهي منطقة تتركز فيها مجموعات بكتيرية متعددة، ومتميزة. ووفقاً للباحثين، فإن الكثافة السكانية، وأنماط الهجرة قد تفسران سبب تجمع أنواع فرعية معينة في أحياء أو بلديات محددة.

* أكثر من 10 ملايين شخص يصابون بالسل كل عام ويموت نحو مليون ونصف بسببه*

«قاتل عالمي» لا يزال بيننا

غالباً ما يُعتقد أن السل مرض من الماضي. لكن الأرقام تقول غير ذلك. فعلى الصعيد العالمي، يصاب أكثر من 10 ملايين شخص بالسل كل عام، ويموت نحو مليون ونصف بسبب المرض. ففي عام 2023 استعاد السل موقعه كأول سبب للوفاة من عامل معدٍ واحد على مستوى العالم متجاوزاً كوفيد-19.

في كاتالونيا يبلغ معدل الإصابة نحو 15.2 حالة جديدة لكل 100 ألف نسمة وفقاً للبيانات المنشورة في عام 2024. وهذا يعني أن أكثر من 1200 حالة تشخص سنوياً. ورغم أن هذا ليس بمستوى الأزمة الذي نشهده في بعض البلدان منخفضة الدخل، فإنه يمثل تحدياً صحياً عاماً مستمراً، ويتطلب أدوات حديثة.

من برنامج تجريبي إلى ممارسة دائمة

تم إدراج مشروع TB-SEQ رسمياً في برنامج مكافحة السل في كاتالونيا في عام 2022 بعد إصلاحات الترصد الوبائي التي دفعتها جائحة كوفيد-19. وتُنسق المبادرة مع وكالة الصحة العامة في كاتالونيا، وتشمل شبكة واسعة من مختبرات علم الأحياء الدقيقة السريرية، وخدمات الترصد الوبائي، ووكالات الصحة العامة في برشلونة، والإقليم.

ويعمل قسم الأحياء الدقيقة في مستشفى جيرمانس ترياس كمركز مركزي، حيث يجمع مزارع السل الإيجابية من المختبرات في جميع أنحاء الإقليم، ويقوم بتحديد تسلسلها الجيني.

نحو مستقبل أكثر دقة في مكافحة الأمراض

تُقدّم هذه الدراسة الحالية خطاً أساسياً -أي صورة جينية- لمرض السل في كاتالونيا على مدى 18 شهراً. لكن القيمة الحقيقية للمراقبة الجينومية تكمن في استخدامها المستمر. فمن خلال التسلسل الجيني للحالات الجديدة، ومقارنتها بقاعدة بيانات متنامية يستطيع مسؤولو الصحة العامة تحديد سلاسل انتقال العدوى غير المعروفة سابقاً، ثم وقف تفشي المرض قبل انتشاره. وبعد ذلك توجيه التدخلات إلى أحياء أو فئات سكانية محددة، وأخيراً التمييز بين انتقال العدوى الحديث والعدوى القديمة المُنشّطة.

ويشير الباحثون إلى أن «هذه النتائج تُقدّم رؤى قيّمة حول ديناميكيات انتقال مرض السل، ويمكن أن تُساعد في توجيه استراتيجيات الصحة العامة التي تستهدف مناطق أو فئات سكانية محددة».

وفي اليوم العالمي للسل، فإن الرسالة واضحة، وهي أن السل مرض قديم لا يزال يتطلب علوماً حديثة. وفي كاتالونيا أصبحت المراقبة الجينومية الآن جزءاً من الأدوات الأساسية.


هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟
TT

هل طولك يحدد صحتك؟

هل طولك يحدد صحتك؟

في تطور علمي لافت، لم يعد طول الإنسان مجرد سمة شكلية، بل تحوَّل مؤشراً حيوياً قد ينبئ بمخاطر صحية متعددة. فقد كشفت دراستان حديثتان، ركزت إحداهما على سكان شرق آسيا وشملت الأخرى مجموعات سكانية متنوعة حول العالم، عن أدلة جديدة بشأن العلاقة المعقدة بين طول القامة والإصابة بأمراض خطيرة.

مرضان.. لطوال القامة

وقد حللت الدراسة الأولى، التي نشرتها مجلة «بلوس جينيتكس (PLOS Genetics)» في 13 مارس (آذار) 2026، بيانات أكثر من 120 ألف شخص من أصول تايوانية. وخلص الباحثون إلى أن الأشخاص الأطول قامة قد يكونون أكبر عرضة للإصابة بحالتين صحيتين رئيسيتين؛ هما: «اضطراب نظم القلب» المعروف بـ«الرجفان الأذيني»، ومرض «بطانة الرحم المهاجرة» لدى النساء.

في المقابل، أظهرت النتائج أن قصر القامة قد يرتبط بانخفاض خطر الإصابة ببعض هذه الحالات؛ مما يشير إلى أن الطول، الذي يحدَّد بمزيج من العوامل الجينية والبيئية، قد يلعب دوراً محورياً في رسم خريطة المخاطر الصحية لكل فرد.

وتمكن الباحثون بقيادة يينغ جو لين، وزميله تينغ يوان ليو، من «المركز الوراثي» بقسم البحوث الطبية في «مستشفى جامعة الصين الطبية» في تايوان، من تحديد نحو 300 متغير جيني مرتبط بالطول، إلى جانب عدد قليل من المتغيرات المرتبطة بما يُعرف بـ«قصر القامة الوراثي». وعند تحليل هذه البيانات مع قواعد بيانات جينية أخرى في شرق آسيا، ظهرت صورة أوضح، هي أن الجينات التي تؤثر على الطول قد تؤثر أيضاً على وظائف الجسم، مثل حجم الرئتين، وصحة القلب، وحتى توقيت بدء الدورة الشهرية لدى النساء.

ويرى العلماء أن هذه النتائج قد تساعد مستقبلاً في استخدام الطول مؤشراً مبكراً على بعض الأمراض، خصوصاً في المجتمعات الآسيوية التي لم تُدرس بشكل كافٍ في السابق.

الطول «متعدد التأثيرات»

وفي دراسة أخرى، نُشرت بمجلة «إن بي جيه جينوميك ميديسن (npj Genomic Medicine)» بتاريخ 27 فبراير (شباط) 2025، حلل فريق دولي بيانات جينية وصحية لنحو 840 ألف شخص من خلفيات عرقية مختلفة. وكانت النتائج أشمل؛ حيث رُصدت 254 علاقة بين الطول والأمراض.

وأظهرت الدراسة أن الطول قد يكون «سلاحاً ذا حدين»، فقد ارتبط الطول بزيادة خطر الإصابة بـ164 حالة صحية، منها «الرجفان الأذيني» وبعض اضطرابات الجهازَين العصبي والهرموني. في المقابل، ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بـ90 حالة أخرى، مثل ارتفاع ضغط الدم واضطرابات الدهون.

وقالت إيريني مارولي، الباحثة الرئيسية في الدراسة من «معهد ويليام هارفي للأبحاث» بكلية الطب وطب الأسنان في جامعة «كوين ماري» البريطانية في لندن، إن هذه النتائج تؤكد أن الطول صفة «متعددة التأثيرات»، أي إنه يرتبط بأنظمة عدة بالجسم في الوقت نفسه.

ومن المثير للاهتمام أن تأثير الطول لم يكن متساوياً بين جميع الفئات. فقد أظهرت الدراسة أن بعض العلاقات بين الطول والأمراض تختلف من الرجال إلى النساء، ومن مجموعات عرقية إلى أخرى.

على سبيل المثال، ارتبط الطول لدى الرجال بانخفاض خطر بعض الاضطرابات النفسية، بينما لم يظهر هذا التأثير لدى النساء. كما رُصدت روابط بين الطول وبعض اضطرابات النمو العصبي، مثل فرط الحركة والتوحد، لكنها لم تكن واضحة عند تحليل النساء بشكل منفصل.

الطول وخطر الأمراض

لماذا يرتبط الطول بخطر الإصابة بالأمراض؟يفسر العلماء هذه الظاهرة بأن الجينات المسؤولة عن تحديد طول القامة لا تعمل في عزلة، بل تؤثر أيضاً على عمليات حيوية أخرى داخل الجسم، مثل نمو العظام، ووظائف الغدة الدرقية، وصحة الجهاز العصبي. إضافة إلى ذلك، فقد يعاني الأشخاص الأطول قامة من اختلافات فسيولوجية ملحوظة، أبرزها بطء توصيل الإشارات العصبية، مما قد يرفع لديهم احتمالية الإصابة ببعض الحالات، مثل اعتلال الأعصاب الطرفية.

وتكشف هاتان الدراستان عن أهمية توظيف المعلومات الجينية في تحسين الرعاية الصحية. فمع التقدم المتسارع في تحليل البيانات الجينية، قد يصبح من الممكن مستقبلاً توقع المخاطر الصحية بناءً على صفات بسيطة وواضحة مثل طول القامة. غير أن الباحثين يوجهون تحذيراً مهماً، هو أن هذه النتائج لا تعني أن الطول يسبب الأمراض بشكل مباشر، بل هو مجرد جزء من شبكة معقدة تتداخل فيها العوامل البيولوجية والبيئية.

الطول-مؤشر صحي مهم

وتؤكد الدراستان أيضاً على ضرورة إشراك مجموعات سكانية متنوعة في الأبحاث الجينية؛ ذلك أن معظم الدراسات السابقة ركزت على أصول أوروبية فقط، مما قد يَحدّ من دقة النتائج عند تعميمها على شعوب أخرى. ومع توفر بيانات أوسع تنوعاً، يصبح العلماء قادرين على فهم أعمق للعلاقة بين الجينات والصحة، وتطوير استراتيجيات وقائية وعلاجية أعلى فاعلية وملاءَمةً لكل مجموعة سكانية.

في النهاية، يبدو أن طول القامة ليس مجرد رقم يُقاس بالسنتيمترات؛ بل قد يكون حاملاً مؤشرات مهمة عن صحة الإنسان. وبينما لا يمكننا تغيير جيناتنا، فإن فهمها قد يساعدنا في اتخاذ قرارات صحية أفضل، بدءاً من الفحوصات المبكرة، ووصولاً إلى تعديل نمط الحياة. نحن نعيش في عصر يتجه بخطى ثابتة نحو طب شخصي مُصمم خصيصاً لكل فرد، وقد يكون الطول أحد مفاتيح هذا التصميم.


حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل
TT

حين يقرأ الذكاء الاصطناعي مشيتك

آثار لا تمحى.. بل تحلّل
آثار لا تمحى.. بل تحلّل

في الطب التقليدي، كان التشخيص يبدأ من الشكوى، من عرض يشعر به المريض ويدفعه إلى طلب المساعدة. وكان الطبيب، في هذا السياق، يُصغي أولاً قبل أن يرى، ويبحث عمّا يمكن ملاحظته أو قياسه ضمن ما يُقال أو يظهر. غير أن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجياً مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بيئة التشخيص، حيث لم يعد الاعتماد مقتصراً على ما يُقال، بل امتد إلى ما يمكن تحليله من أنماط خفية لا تُدرك بسهولة.

الخطوات تتحول إلى بيانات

المشي مرآة صامتة للصحة

• إشارات الجسد المبكرة. وهنا يبرز سؤال مختلف: ماذا لو كان الجسد يرسل إشارات مبكرة لا يشعر بها صاحبه؟ وماذا لو أصبحت هذه الإشارات قابلة للقراءة قبل أن تتحول إلى أعراض واضحة؟ في هذا السياق، لا يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة تشخيص تقليدية، بل بوصفه وسيلة لإعادة قراءة الجسد نفسه، بوصف الجسد نظاماً مليئاً بالإشارات الدقيقة... لغة صامتة لم نكن نملك أدوات فهمها من قبل.

طريقة المشي ليست مجرد حركة تنقل الإنسان من مكان إلى آخر، بل هي انعكاس معقد لتفاعل مستمر بين الدماغ والجهاز العصبي والعضلات ونظام التوازن. فالإيقاع، وطول الخطوة، ودرجة التناسق بين الجانبين، جميعها تحمل إشارات دقيقة يمكن أن تعكس الحالة الصحية للفرد.

وقد بدأت أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحليل هذه الأنماط بمنهجية مختلفة، تعتمد على القياس المستمر واستخراج الأنماط من بيانات يصعب على العين البشرية تتبعها. وهنا لا تكمن القوة في «رؤية» أكثر، بل في القدرة على رصد فروق دقيقة تتكرر بصمت، وقد تحمل دلالات لا تظهر عند النظر إلى كل خطوة بشكل منفصل.

• نمط المشي لرصد التغيرات الصحية. تشير أبحاث حديثة إلى أن تحليل نمط المشي لم يعد مجرد أداة لمراقبة الحركة، بل أصبح وسيلة لرصد تغيرات صحية قد تسبق ظهور الأعراض. وتشمل هذه التغيرات أمراضاً عصبية مثل باركنسون، والتدهور الإدراكي المبكر، إضافة إلى اضطرابات نفسية مثل الاكتئاب والقلق.

وفي دراسة نُشرت عام 2026 في مجلة «الطب الرقمي - نيتشر بارتنر جورنال» (npj Digital Medicine)، طوّر فريق بحثي دولي نظاماً يعتمد على تحليل مقاطع فيديو بسيطة لخطوات المرضى باستخدام الجوال، وتمكّن من تقييم اضطرابات المشي بدقة تقارب أداء الأطباء المختصين، بل ورصد تغيرات دقيقة في استجابة المرضى للعلاج. وهنا لا تقتصر أهمية هذه النتائج على دقتها، بل فيما تعكسه من تحول في فهم العلاقة بين الحركة والمرض، إذ لم تعد الأعراض نقطة البداية، بل أصبحت الحركة نفسها حاملاً لإشارات مبكرة.

الحركة تتحول إلى تشخيص

مراقبة صحية متواصلة

• من الفحص إلى المراقبة المستمرة. في النموذج التقليدي، كان التشخيص يرتبط بلحظة محددة داخل العيادة. أما اليوم، ومع تطور التقنيات الرقمية، بدأ يأخذ شكلاً مختلفاً لا يرتبط بموعد، بل بعملية مستمرة تعمل في الخلفية.

فلم تعد البيانات الطبية مقتصرة على ما يُجمع خلال الزيارة، بل امتدت إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحول خطوات الإنسان إلى مصدر غني للمعلومات الصحية. وهنا لا يقتصر التغيير على الأدوات، بل يشمل مفهوم الرعاية الصحية نفسه، التي بدأت تنتقل من الاستجابة للمرض إلى التنبؤ به قبل ظهوره.

• السعودية: الخطوات بيانات وقائية. في المملكة، يتسارع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي ضمن تحول صحي شامل تقوده «رؤية 2030»، حيث تسعى مؤسسات متقدمة مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث (King Faisal Specialist Hospital & Research Centre) إلى توظيف التحليل الذكي في دعم القرار السريري، بالتوازي مع أطر تنظيمية تشرف عليها «الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي» (سدايا) (Saudi Data and AI Authority – SDAIA) لضمان حوكمة البيانات وحمايتها. وفي هذا السياق، لا تبدو تقنيات تحليل المشي مجرد ابتكار بحثي، بل هي امتداد طبيعي لمنظومة صحية رقمية تتجه نحو الاستباق لا الاستجابة، حيث يمكن أن تتحول تفاصيل الحياة اليومية - مثل خطوات الإنسان - إلى مؤشرات دقيقة تسهم في اكتشاف المرض قبل أن يعلن عن نفسه.

• دقة الخوارزمية وحدودها. رغم هذا التقدم، تبقى هذه الأنظمة قائمة على تحليل الأنماط، لا على فهم التجربة الإنسانية في تعقيدها الكامل. فالمشي قد يتغير لأسباب بسيطة مثل التعب أو التوتر أو حتى نوع الحذاء، وليس بالضرورة نتيجة اضطراب مرضي.

وهنا يبرز التحدي الحقيقي: ليس فقط ماذا تكشف البيانات، بل كيف تُفسَّر. فغياب السياق قد يؤدي إلى استنتاجات غير دقيقة، أو حتى إلى إثارة القلق دون مبرر. لذلك، لا يمكن التعامل مع هذه التقنيات بمعزل عن التقييم السريري، بل ضمن منظومة متكاملة توازن بين التحليل الرقمي والفهم الإنساني.

• الخصوصية وملكية البيانات. لا شك أن هذه التقنيات تفتح آفاقاً واسعة في الكشف المبكر، خصوصاً في الأمراض التي يصعب تشخيصها في مراحلها الأولى. لكن هذا التقدم يطرح أيضاً أسئلة تتعلق بالخصوصية وملكية البيانات. فإذا أصبح الجسد مصدراً مستمراً للمعلومات من خلال تفاصيل الحياة اليومية، فإن السؤال لا يتعلق فقط بجمع البيانات، بل بكيفية استخدامها، ومن يملكها، وكيف يمكن ضمان أن تبقى في خدمة الإنسان، لا أن تتحول إلى أداة للسيطرة عليه. وفي عالم تزداد فيه قدرة الذكاء الاصطناعي على قراءة ما لا نراه، لم يعد السؤال الطبي مرتبطاً فقط بما يشعر به المريض، بل بما تكشفه حركته اليومية من إشارات دقيقة. ومع هذا التحول، قد يأتي وقت لا يحتاج فيه الطبيب إلى أن يسأل: «كيف تشعر؟»، بقدر ما يراقب كيف يتحرك الجسد. لكن يبقى السؤال الأعمق: هل ما نراه في خطواتنا مجرد حركة عابرة أم بداية قصة مرض تُكتب بصمت؟