اتساع هوة التباين بين موسكو وإيران حول الملف السوري

اتساع هوة التباين بين موسكو وإيران حول الملف السوري

الأحد - 20 شهر رمضان 1439 هـ - 03 يونيو 2018 مـ رقم العدد [ 14432]
موسكو: رائد جبر
لم يمر وقت طويل منذ أن حسمت موسكو ملفاً خلافياً مع النظام السوري حول دفع عمل اللجنة الدستورية، حتى برز ملف أكثر تعقيداً وتشابكاً، وباتت موسكو تواجه اتساعاً لهوة الخلاف هذه المرة حول الوضع في الجنوب السوري ليس مع الرئيس بشار الأسد وحده، بل ومع الشريك الإيراني الذي تصب كل النقاشات الجارية إقليمياً ودولياً، وحالياً على تحجيم وجوده في سوريا، وخصوصاً في المناطق الجنوبية.
الخلاف السابق تم حسمه عبر تنظيم زيارة سريعة للأسد إلى سوتشي ليعلن أمام الرئيس فلاديمير بوتين أنه سيلبي الطلب الروسي بتسريع إرسال لائحة اللجنة الدستورية إلى المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا، لكن ملف الجنوب يبدو أصعب من أن يتم حله بدفع الأسد إلى إعلان استجابة للطلب الروسي، وثمة من يدرك في موسكو أنه ليس قادراً على ذلك حتى لو أراد.
كان رد الأسد على الأنباء التي تحدثت عن تفاهمات روسية إسرائيلية تقضي بخروج القوات الإيرانية والميليشيات المدعومة من جانب طهران من الجنوب السوري، أنه أعلن لقناة تلفزيونية روسية عدم وجود قوات إيرانية في سوريا أصلاً، وأن أقرّ بوجود مستشارين عسكريين. تلقفت موسكو الرد بسرعة وتعمدت أن تؤكد الأنباء عن التفاهمات بشكل رسمي بعدما كانت تكتمت عليها في وقت سابق. وحملت إشارة مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، عن التوصل إلى اتفاق حول سحب القوات الإيرانية من مناطق جنوب غربي سوريا قرب الحدود مع إسرائيل، وتوقع تطبيقه خلال «أيام قريبة»، إشارة واضحة إلى النظام بأن هذا الملف سيكون لروسيا الكلمة الأولى فيه وهي تخوض نقاشات بشأنه مع إسرائيل والولايات المتحدة والأردن. ما يهم روسيا وهي تعرف جيداً جغرافيا الوجود الإيراني في سوريا أن تحافظ على التوازن الذي إقامته مع الأطراف المختلفة.
وهذا ما عكسته إضافة نيبينزيا: «لا يمكنني أن أقول ما إذا تم تطبيقه للتو أم لا، لكن، حسب ما فهمته أنا، الأطراف التي عملت به راضية عنه». الأطراف المقصودة هنا إسرائيل وروسيا والولايات المتحدة فهي التي عملت على الاتفاق وتستعد موسكو وواشنطن لإعلانه مع الأردن بصفته الطرف الإقليمي المهتم بعدم تدهور الوضع في الجنوب والمركب بنزع فتيل مواجهة إسرائيلية إيرانية وبعودة النظام للسيطرة على المنطقة الحدودية بديلاً عن فوضى الفصائل السورية أو الميليشيات الأجنبية.
وسبق أن ذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية، أن حكومة إسرائيل وافقت على نشر القوات السورية عند المنطقة الحدودية جنوب سوريا حال سحب الوحدات الإيرانية منها.
وأكد سفير إسرائيل لدى موسكو، هاري كورين، في حديث لوكالة «تاس»، أن سلطات إسرائيل «راضية» من موقف روسيا إزاء الوجود العسكري الإيراني على الحدود الإسرائيلية السورية. وأشار كورين إلى أن إسرائيل وروسيا تخوضان مباحثات مكثفة حول هذه القضية. وأعرب السفير عن ثقة إسرائيل في «تفهم روسيا مصالحنا وإدراكها أن إسرائيل ليست مهتمة بالدخول في مواجهة، لكن لن نصبر على التحركات الإيرانية في سوريا».
على صعيد آخر، ذكر مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة، أن الدول الغربية تخلت في مجلس الأمن عن مشروع قرارها حول القضايا الأساسية للأزمة السورية. وتراقب موسكو بدقة التصريحات الصادرة عن النظام وإيران في هذا الشأن. وكان لافتاً أن وزير خارجية النظام وليد المعلم، ربط التوصل إلى أي اتفاقيات بخصوص الجنوب السوري، بانسحاب القوات الأميركية من التنف.
صحيح أن المعلم كرر الرواية الرسمية للنظام بأن إيران ليست موجودة في سوريا، لكن إشارته إلى عدم وجود قواعد عسكرية إيرانية ثابتة في سوريا عكست حرصاً من جانب النظام على إبقاء الباب مفتوحاً لتقديم تنازلات في هذا الملف في مقابل الحصول على ورقة تبرر التنازل مثل الانسحاب الأميركي من التنف. وفقاً لتحليل خبير روسي، قال إن حديث النظام موجه للاستخدام الداخلي لأنه يدرك أن التفاهمات الروسية - الإسرائيلية هي مقدمة للتوصل إلى اتفاق أوسع مع واشنطن.
لذلك؛ تبدو المشكلة الرئيسية بالنسبة إلى موسكو مع طهران التي يؤدي موقفها إلى تشدد موقف النظام. وهو ما أكده حديث أمين مجلس الأمن القومي الإيراني، علي شمخاني، إن المستشارين الإيرانيين سيواصلون دعمهم لسوريا، نافياً وجود أي مستشارين إيرانيين في جنوب سوريا، أو قيامهم بأي دور هناك، كما تأكيده على دعم طهران بقوة للجهود الروسية لإخراج الإرهابيين من المنطقة السورية المتاخمة للأردن. وإشادته بالجزء المتعلق ببسط الحكومة سيطرتها على الحدود بوصفها «خطوة إيجابية» تصب في صالح استعادة الحكومة السورية المزيد من المناطق، التي كانت تحت سيطرة الإرهابيين.
كل هذا الحديث يؤكد أن إيران ما زالت غير راغبة في تقديم تنازل في سوريا؛ لأنها كما يؤكد معلق روسي «لم يتم التنسيق معها في كل المشاورات الجارية حالياً حول الوضع في الجنوب». ثمة قناعة لدى أوساط روسية بأن إيران مستعدة لإظهار قدر من المرونة في ملف الجنوب، لكنها ترغب في طرح الملف للتفاوض مع روسيا قبل ذلك.
وكان لافتاً أن وسائل إعلام حكومية روسية نقلت موقفاً مماثلاً عن «حزب الله»؛ إذ قال صادق النابلسي المقرب من «حزب الله»، إن الأنباء التي تتحدث عن انسحاب إيران و«حزب الله» من سوريا، ليست صحيحة. لكنه أكد أن هناك دوراً روسياً مرتقب في جنوب سوريا.
وأشار النابلسي إلى أن «وجود الخبراء الإيرانيين في سوريا هو بموافقة الحكومة السورية، وأن مسألة البقاء أو الخروج مرتبط باتفاق بين الطرفين». لكنه في الوقت ذاته أقر بأن «هناك ربما مشاورات ووساطات من قبل الروس للانتشار في منطقة حدود الجولان»، مضيفا إن الأمر معلن منذ مدة ليكون للشرطة الروسية تواجد بالمنطقة.
كما شدد النابلسي على أن «(حزب الله) يرحب بأي حل يحفظ ويحمي سيادة سوريا ودورها على مستوى المنطقة».
إلى ذلك، تزايدت التعليقات في وسائل الإعلام الروسية خلال الأيام الأخيرة حول الحشود المتواصلة في منطقة الجنوب من جانب النظام والتحضيرات القائمة لشن عملية عسكرية تنتهي بسيطرة النظام على المنطقة الحدودية. ورأى معلقون أن موسكو نجحت حتى الآن في تطويق احتمال تدهور الموقف واندلاع مواجهة واسعة النطاق تشارك فيها قوات إيران وإسرائيل. وأن العملية المُحتملة محدودة وستوجه ضد بعض فصائل المعارضة إذا لم ترضخ لشروط المصالحات التي تطرحها موسكو. لكن اللافت أن تفسير بعض المعلقين لاستمرار الحشود بالتزامن مع تسارع وتائر المفاوضات التي تجريها موسكو مع الأطراف المختلفة يقوم على رغبة إيرانية في التأثير على مسار المفاوضات الثلاثية مع واشنطن وعمان خصوصاً في ظل تتوافر قناعة بأن موسكو ما زالت بعيدة من التوصل إلى اتفاق مع الجانب الأميركي حول ترتيبات الوضع المقبل في الجنوب. لكن أطرافاً روسية أخرى أشارت إلى ارتياح واسع للتفاهمات مع إسرائيل والسير في المناقشات التمهيدية مع واشنطن وعمان.
سوريا الحرب في سوريا

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة